النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
لُ (١) - البقرة: ٨٧/٢-٨٩
بِالْحَقّ﴾ (١) ويطلق عليه الروح الأمين كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ اُلُحُ الْأَمِينُ
[الشعراء: ٢٦/
١٩٥
پِلِسَانٍ عَرَبٍِ مُبِينٍ
١٩٤٦
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ
١٩٣
١٩٣-١٩٥]. ﴿تَهْوَىٌ﴾ تحب. ﴿أَسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم عن اتباعه. ﴿نَقْتُلُونَ﴾ يراد
به حكاية الحال الماضية، أي قتلتم كزكريا ويحيى عليهما السلام.
﴿غُلْفَأَ﴾ عليها أغشية وأغطية، فلا تعي ما تقول . ﴿بَل﴾ للإضراب.
﴿لَّعَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدهم من رحمته وخذلهم من القبول . ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي ليس
عدم قبولهم لخلل في قلوبهم. ﴿مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ ما زائدة، لتأكيد القلة، أي إيمانهم
قليل جداً، أو معدوم.
﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة، والكتاب هو القرآن. ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾
يستنصرون ببعثته وَلول على الكفار، يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي
المبعوث آخر الزمان. ﴿مَّا عَرَفُواْ﴾ من الحق، وهو بعثة النبي. ﴿كَفَرُواْ
بِةٍ،﴾ حسداً وخوفاً على الزعامة أو الرياسة.
سبب نزول الآية (٨٩):
قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هُزِمت يهود
خيبر، فعادت اليهود بهذا الدعاء: ((اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأميّ
الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم)) فكانوا إذا
التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان. فلما بعث النبي وَلقر كفروا به، فأنزل
الله تعالى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بك يا محمد، إلى
قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى الْكَفِينَ﴾ (٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس
(١) محاسن التأويل للقاسمي: ١٨٦/٢
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن ابن عباس.
٢٤٢
لُهُ (١) - البَقَرّة: ٨٧/٢-٨٩
والخزرج برسول الله وَّر قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به،
وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء وداود
بن سلمة: يا معشر اليهود: اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا
بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال
أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل
الله: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
وقال السدي: ((كانت العرب تمرّ بيهود، فتلقى اليهود منهم أذى، وكانت
اليهود تجد نعت محمد في التوراة أنه يبعثه الله، فيقاتلون معه العرب، فلما
جاءهم محمد وَ ل﴿ كفروا به حسداً، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل،
فما بال هذا من بني إسماعيل)) (١).
التفسير والبيان:
اليهود قساة القلوب، عبدة المصالح المادية، والأهواء الذاتية، فتجددت
فيهم الإنذارات الإلهية، وأرسلت إليهم الرسل، بعضهم إثر بعض، فكان بنو
إسرائيل أكثر الشعوب حظاً في عدد الرسل الذين أرسلوا إليهم، ومع ذلك
كانوا ينسون الإنذارات، ويحرفون الشرائع، ويتبعون أهواءهم، ويعصون
رسلهم، إما بالتكذيب وإما بالقتل.
وهذه الآيات تذكير لهم بإعطاء موسى التوراة، وإتباعه بالرسل: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا تَثْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤/٢٣] وهم يوشع وداود وسليمان وعزير وإلياس
واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وكانوا كلهم يحكمون
بشريعة موسى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤/٥] إلا أن عيسى جاء بمخالفة التوراة في
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٥، أسباب النزول للسيوطي: ص ١٩ وما بعدها.
٢٤٣
لِلُعُ (١) - الْبَقَة: ٨٧/٢-٨٩
بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات - وهي المعجزات كإحياء الموتى
وخلقه من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها، فتكون طيراً بإذن الله، وإبراء
الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس وهو جبريل عليه السلام -
ما يدلهم على صدقه فیما جاءهم به، فاشتد تكذیب بني إسرائيل له، وحسدهم
وعنادهم لمخالفة التوراة في بعض الأحكام، كما قال تعالى إخباراً عن عيسى:
﴿ وَلِأُحِلَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِكُمْ﴾ [آل
عمران: ٣/ ٥٠].
وكانت النتيجة أنه كلما جاءهم رسول بما لا تميل إليه نفوسهم، وهي لا
تميل إلى الخير دائماً، كفروا به واستكبروا عليه تجبراً وبغياً، فمنهم من كذبوه
كعيسى ومحمد عليهما السلام، ومنهم من قتلوه كزكريا ويحيى عليهما السلام،
فلا غرابة بعدئذ إن لم يؤمنوا بدعوة محمد وَّي، فإن العناد من طبعهم.
والخطاب لجميع اليهود؛ لأنهم فعلوا ذلك في الماضي ورضي عنهم أولادهم.
ومن قبائحهم قولهم للنبي وهيلر: قلوبنا عليها غشاء، فلا تعي ما تقوله، ولا
تفقه ما تتكلم به، فيرد الله عليهم: لستم كذلك، فقلوبكم خلقت مستعدة
بالفطرة للنظر الذي يوصل إلى الحق، لكن الله أبعدكم من رحمته، بسبب
كفركم بالأنبياء وعصيانكم التوراة. ولم يظلمهم الله بهذا الإبعاد أو الطرد من
رحمته، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فإيمانهم قليل جداً، فهم آمنوا ببعض
الكتاب، وتركوا العمل بالبعض الآخر أو حرفوه، أو أنهم لم يؤمنوا أصلاً.
وكان عندهم وصف النبي ◌ّ﴿ وبيان زمانه، وكانوا يستنصرون به على
المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في
التوراة.
فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن الذي أنزل على محمد دَلايقر ،
مصدق لما معهم من التوراة، ومؤكد وصف النبي المعروف عندهم، كفروا به
٢٤٤
الُ (١) - البَقَرّة: ٩٠/٢-٩١
حسداً للعرب، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، واستكبروا عن قبول دعوته
وإجابته احتقاراً للرسل، وهم يعلمون أنه رسول الله، وآثروا الدنيا على
الآخرة، فلعنة الله على كل كافر من اليهود وغيرهم؛ لأنه كفر بدعوة الإسلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صورة واضحة تبين موقف فئة من البشر من الأحكام الإلهية، فمن
أعرض عنها، وجحد بها، واستكبر عن قبولها، كان مصيره المحقق المنتظر هو
استحقاق العذاب والطرد من رحمة الله تعالى.
وهذا الحشد المتتابع من الرسل الذين جاؤوا لبني إسرائيل يدلّ على مزيد
العناية الإلهية بأعتى البشر، وتمكينه من العودة إلى طريق الحق، فإذا عوقب
ذلك العاتي المستكبر، كان عقابه حقاً وعدلاً.
والله تعالى منزه عن ظلم أحد، ففي قوله تعالى: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
فَقَلِيلًا﴾ [البقرة: ٨٨/٢] بيان السبب في نفورهم عن الإيمان، وهو أنهم لُعِنوا
بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.
وكل ما ذكر من أخبار اليهود وإظهار قبائحهم وتقريعهم على ظلمهم
وكفرهم وإطلاع النبي على ما كانوا يكتمونه من شريعة التوراة، فيه دلالة على
نبوته عليه السلام.
كفرهم بما أنزل اللَّه وقتلهم الأنبياء
﴿بِثَمَا أُشْتَّرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِةٌ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ
مُهِيرٌ ﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا
وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمّ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَثْبِيَاءَ اللَّهِ مِن
قَبْلُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ
٩١
٢٤٥
الُعُ (١) - الْبَقَرة: ٩٠/٢-٩١
القراءات:
﴿بِتْسَمَا﴾: قرئ: (بيسما) وهي قراءة ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة.
﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾: قرئ:
١- (أن يُنْزِل)، وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو.
٢- (أن يُنَزِّل) وهي قراءة الباقين.
﴿أَنْبِيَآءَ اللَّهِ﴾: قرئ: (أنبئاء الله) وهي قراءة نافع.
الإعراب:
((ما)) في بئسما: إما نكرة موصوفة على التمييز بمعنى شيء، والتقدير: بئس
الشيء شيئاً، و﴿أَشْتَرَوَأْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ صفته، وإما بمعنى الذي في موضع
رفع، و ((اشتروا به)) صلته، وتقديره: بئس الذي اشتروا به أنفسهم، و﴿أَن
يَكْفُرُواْ﴾ في تقدير المصدر، وهو المقصود بالذم، وهو في موضع رفع
لوجهين: أن يكون مبتدأ وما تقدم خبره، أو أن يكون خبر مبتدأ محذوف
وتقديره: هو أن يكفروا، أي كفرهم.
﴿وَهُوَ اُلْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ نصب مصدقاً على الحال من الحق، والعامل في
الحال معنى الجملة، وهذه الحال حال مؤكدة، فالحق لا يجوز أن يفارق
التصديق لكتب الله عز وجل، ولو فارق التصديق لها لخرجت عن أن تكون
حقاً.
البلاغة:
﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أسندت الإهانة إلى العذاب من قبيل إسناد الأفعال إلى
أسبابها.
٢٤٦
لُ (١) - الَقَة: ٩٠/٢-٩١
المفردات اللغوية:
﴿أَشْتَّرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ باعوها؛ لأن ((اشترى)) بمعنى باع، وبمعنى
ابتاع، وكل من ترك شيئاً وأخذ غيره فقد اشتراه . ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ من
القرآن.﴿بَغْيًا﴾ مفعول لأجله ليكفروا، أي حسداً. ﴿فَبَآءُو﴾ رجعوا.
﴿بِغَضَبٍ﴾ الغضب أشد من اللعن، والتنكير للتعظيم، والمعنى: فرجعوا
وانقلبوا متلبسين بالغضب.
{وَيَكْفُرُونَ﴾ الواو للحال. ﴿بِمَا وَرَآءَهُ﴾ سواه أو بعده من القرآن. ﴿وَهُوَ
اُلْحَقُّ﴾ حال. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال ثانية مؤكدة. ﴿فَلِمَ تَّقْتُلُونَ﴾ قتلتم، والخطاب
للموجودين في زمن نبيّنا بما فعل آباؤهم، لرضاهم به.
التفسير والبيان:
يعلم اليهود المعاصرون للنبي وَّ أنه النبي المبشر به في التوراة: ﴿الَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ, كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمّ﴾ [البقرة: ١٤٦/٢] ولكنهم لم يؤمنوا
حسداً وبغياً، فعقب الله على موقفهم بذمهم ذماً شديداً، باختيارهم الكفر على
الإيمان، وبذل أنفسهم فيه، وكأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع، وكانت
علة كفرهم محض العناد الذي هو نتيجة الحسد، وخوف ضياع الزعامة والمال
من أيديهم، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يختاره من عباده،
فأصبحت عاقبتهم أنهم قد رجعوا بغضب من الله جديد لكفرهم بالنبي وَّر،
بعد كفرهم بموسى عليه السلام وبمن جاء بعده من الأنبياء. ولهم بسبب
كفرهم عذاب يصحبه إهانة وإذلال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلهم
الخزي وسوء الحال، وأما في الآخرة فلهم الخلود في نار جهنم . .
وإذا قال النبي وَل وأصحابه ليهود المدينة: آمنوا بالقرآن الذي أنزله الله،
قالوا: إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة، ونكفر بما سواه وهو القرآن
الذي جاء مصدقاً لها، وهو الحق الذي لا شك فيه. فيرد الله عليهم: إن
٢٤٧
الُعُ (١) - الْبَقَة: ٩٠/٢-٩١
القرآن هو الحق من عند الله المصدق للتوراة التي معكم، وكلاهما من عند الله،
فكيف تكفرون ببعض الكتب وتؤمنون ببعضها؟ بل إنكم لم تؤمنوا بالتوراة
التي فيها تجريم القتل، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق، فلم قتلتموهم إن كنتم
بالتوراة مؤمنين؟!
وقد نسب القتل إلى معاصري النبي ◌َّر؛ لأنهم كانوا راضين بفعل
أسلافهم الغابرين، فأقروهم على القتل وغيره، ولم يعدوه مخالفة أو معصية،
وفاعل الكفر ومجيزه سواء، وطبع السوء ينتقل في الذرية، وهم متضامنون
متكافلون، مصرون على إقرار أفعال السلف. فإن لم يوجد إقرار أو رضا، فلا
إثم على الأبناء؛ لأن كل نفس مسؤولة عن حالها، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
ليس من العقل السليم، بل ولا من المصلحة الحقيقية للإنسان أن يؤثر
الفاني على الباقي، والشيء التافه الرخيص على الغالي الثمين؛ لأن دوام الخير
وبقاء النعمة أصون للمنفعة، وأكرم للنفس، لذا ندد القرآن بأفعال اليهود،
مقرراً: بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم، حيث استبدلوا الباطل بالحق،
والكفر بالإيمان.
وإذ لم يؤمن اليهود إيماناً كاملاً بالتوراة التي أنزلها الله على نبيهم موسى عليه
السلام، فلا أمل في إيمانهم بالقرآن.
وإن استمرارهم في طريق الكفر قديماً وحديثاً، بعبادتهم العجل، وإعنات
موسى وكفرهم به، وتكذيبهم محمداً بَلَّ، وكفرهم بالقرآن، يبوئهم العذاب
المهين: وهو ما اقتضى الخلود الدائم في نار جهنم. أما تعذيب عصاة المؤمنين في
النار فهو مؤقت، وتمحيص لهم وتطهير، كما يطهر المذنب في الدنيا بالعقاب،
مثل رجم الزاني وقطع يد السارق.
٢٤٨
اِلُ (١) - البَقَة: ٩٢/٢-٩٣
تكذيب ادعائهم الإيمان بالتوراة
وَلَقَدْ جَآءَكُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ،
وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ ﴿﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلْتُوَرَ خُذُواْ مَآ
ءَانَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
بِكُفِهِمْ قُلْ بِتْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِةَ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
٩٣
القراءات:
﴿بِتْسَمَا﴾: قرئ: (بيسما) وهي قراءة ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة.
الإعراب:
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُم﴾ اللام لام القسم.
﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ المراد به سماع تدبر وطاعة والتزام، لا مجرد إدراك القول،
فهو مؤكد لقوله: ﴿ خُذُواْ﴾ ...
البلاغة:
﴿ وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ أي حبّ العجل، فحذف المضاف،
وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا
وَالْعِيَرَ الَّتِيَّ أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢/١٢] أي أهل القرية وأهل العير.
وفي قوله ﴿وَأَشْرِبُواْ﴾ استعارة مكنية، شبَّه حب عبادة العجل بمشروب
لذيذ سائغ الشراب، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو
الإشراب. ﴿بِتْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَنُكُمْ﴾ بالتوراة؛ لأنه ليس في التوراة
عبادة العجول، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب:
٢٤٩
الُرُ (١) - البَفَرَة: ٩٢/٢-٩٣
﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُلَكَ﴾ [هود: ٨٧/١١] وكذلك إضافة الإيمان إليهم. وقوله: ﴿إِن
كُنْتُم ◌ُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣/٢] تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له
(الكشاف: ٢٢٧/١).
٠
المفردات اللغوية:
((البينات)) المعجزات كالعصا واليد وفلق البحر. ﴿ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾
جعلتموه إلهاً معبوداً. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد ذهابه إلى الميقات. ﴿وَأَنتُمْ
ظَلِمُونَ﴾ باتخاذه.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ﴾ على العمل بما في التوراة. ﴿اُلُّورَ﴾ الجبل.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد. ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ خالط حبّ العجل
قلوبهم، كما يخالط الشراب الجسد . ﴿بِثَْمَا يَأْمُرُكُم بِهِءَ إِيمَنُكُمْ﴾ أي
بئس شيئاً، يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل .﴿إِن كُنتُم قُّؤْمِنِينَ﴾
بالتوراة، كما زعمتم، والمعنى: لستم بمؤمنين بالتوراة، وقد كذبتم محمداً،
والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.
التفسير والبيان:
لقد كفر اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم كما بان في الآيات السابقة
والتي كانت في أرض الميعاد، وكفروا أيضاً بالآيات الواضحات والدلائل
القاطعات التي جاء بها موسى، والتي تدل على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا
الله. والآيات البينات: هي التي حدثت قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة،
وهي تسع كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ [الإسراء:
١٠١/١٧]، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد
وفرق البحر والسّنون. ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلاً في الشرك والوثنية،
ولم يشكروا نعم الله عليهم، وقابلوها باتخاذ العجل إلهاً يعبدونه من دون الله،
٢٥٠
الدُُّ (١) - الَقَة: ٩٢/٢ - ٩٣
والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من حُلِيِّهم، وجعلوه إلهاً وعبدوه.
وهذا دليل على قسوة قلوبهم وفساد عقولهم، فلا أمل في هدايتهم، وهو ظلم
ووضع للشيء في غير موضعه اللائق به، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله؟
واذكر يا محمد وقت أن أُخذ عليهم الميثاق بأن يعملوا بما في التوراة
ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى رفع الطور
عليهم إرهاباً لهم، فقبلوه، ثم خالفوه وكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا
في المخالفة ووقعوا في الشرك، واتخذوا العجل إلهاً، وخالط حبه قلوبهم،
وتمكن الحب الشديد لعبادة العجل في نفوسهم، بسبب ما كانوا عليه من
الوثنية في مصر.
قل يا محمد لليهود الحاضرين، بعد أن علموا أحوال رؤسائهم السالفين:
إن كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى هذا، فبئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى
هذه الأعمال التي تفعلونها، مثل عبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض
الميثاق.
وهاتان الآيتان ردّ على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي محمد نَّو، وزعموا
أنهم مؤمنون بالتوراة دون غيرها، فهم في الواقع لم يؤمنوا بشيء، لا بالتوراة
ولا بالقرآن، فاستحقوا التوبيخ والتقريع.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الإيمان الصحيح بشيء هو الذي يدعو إلى الانسجام التام مع مقتضيات
ذلك الإيمان، فمن آمن بالتوراة بحق، وجب عليه العمل بما فيها، والتزام
أوامرها، واجتناب نواهيها، وهذا يدعوه أيضاً إلى الإيمان بكل ما يؤيدها
ويؤكدها ويقرر مضمونها، وقد جاء القرآن مصدقاً لما في التوراة، فلزم الإيمان
به، واتباع هدیه.
٢٥١
الُزُ (١) - الْبَقَرّة: ٩٤/٢-٩٦
أما اليهود في الماضي وفي عصر النبوة فعجيب أمرهم، يدّعون الإيمان
بالتوراة، وهي التي ترشد إلى توحيد الإله وعبادته، ثم يعبدون العجل
ويتخذونه إلهاً، ويكفرون بآيات الله، ويخالفون الأنبياء، ويكفرون بمحمد
وَ ل فر، وهذا أكبر الذنوب وأشد الأمور عليهم، إذ كفروا بخاتم الرسل وسيد
الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس جميعاً.
فكيف يدّعون الإيمان لأنفسهم، وقد فعلوا هذه الأفاعيل القبيحة من
نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وعبادة العجل من دون الله؟.
ومع ذلك عفا الله عنهم وقبل توبتهم لما تابوا عن عبادة العجل، كما سبق
في تعداد نعم الله علیھم.
حرص اليهود على الحياة
﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِن دُونِ النَّاسِ
فَتَمَنَّوُأ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَأَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم
وَلَنَجِدَنَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَمِنَ الَّذِينَ
وَاللَّهُ عَلِيُمْ بِالظَّلِمِينَ ﴾
أَشْرَكُواْ يَوَذُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَغَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ
٩٦٦
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ﴾: قرئ:
١- بضم الواو، وهي اللغة المشهورة، وهي قراءة الجمهور.
٢- بفتحها، طلباً للتخفيف، وهي قراءة أبي عمرو.
الإعراب:
﴿خَالِصَةً﴾ إما خبر كان، أو حال من ﴿الذَّارُ﴾ ويجعل ﴿عِندَ اللّهِ﴾ خبر كان.
٢٥٢
لُزُ (١) - الْبَثْقَة: ٩٤/٢-٩٦
﴿أَحَدُهُمْ﴾ الضمير يعود على اليهود ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِحِهِ،﴾ هو: ضمير
مرفوع منفصل اسم ((ما)) وهو كناية عن أحد، و﴿أَنْ يُعَمَّرِّ﴾ في موضع رفع
فاعل ﴿بِمُزَحْرِجِهِ،﴾ كأنه قال: ما أحدهم يُزحزحه من العذاب تعميره.
البلاغة:
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ أتى هنا بـ ﴿وَلَن﴾ وفي سورة الجمعة بـ ﴿لَا﴾ لأن ادعاءهم
هنا أعظم من ادعائهم هناك، فإنهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنة، وهناك
كونهم أولياء الله من دون الناس.
﴿عَلَى حَيَوْةٍ﴾ التنكير للتنبيه على أنها حياة مخصوصة وهي التي يعمر فيها
الشخص آلاف السنين.
المفردات اللغوية:
﴿خَالِصَةً﴾ خاصة بكم.
﴿ أَخْرَصَ النَّاسِ﴾ الحرص: الطلب بشره ﴿عَلَى حَيَوْةٍ﴾ أي على طول
العمر، لما يعلمون من مآلهم السيء، وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا
سجن المؤمن، وجنة الكافر. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ لو يطول عمره ﴿بِمُزَحْرِجِهِ،﴾ مبعده.
سبب نزول الآية (٩٤):
أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل
الجنة إلا من كان هوداً، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ
اللَّهِ خَالِصَةٌ﴾ [البقرة: ٩٤/٢].
التفسير والبيان:
أُمر النبي ◌َّل أن يقول لليهود: إن كنتم صادقين في دعواكم أن الجنة
٢٥٣
المُعُ (١) - البَفَقَة: ٩٤/٢ -٩٦
خالصة لكم من دون الناس، وأن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودات، وأنكم
شعب الله المختار، فاطلبوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم
الذي لا ينازعكم فيه أحد، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء.
ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك، ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. قال ابن
عباس: ((ولو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه)).
وروي عن ابن عباس أن المراد: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب منا
ومنكم، فأبوا ذلك وما دعوا، لعلمهم بكذبهم.
قال ابن كثير: هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء
على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. والقول بتمني
الموت لا تظهر فيه الحجة عليهم، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم
صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح
وتمني الموت، وکم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود لو يعمر، ليزداد خيراً،
وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: ((خيركم من طال عمره،
وحسن عمله)) (١).
وعلى أي وجه أو حال: لن يتمنى الموت أحد منهم أبداً، بسبب ما اقترفوا
من الكفر والفسوق والعصيان، كتحريف التوراة، وقتل الأنبياء والأبرياء،
والكفر بالنبي وَسير، مع البشارة به في كتابهم. والله يعلم أنهم ظالمون في حكمهم
بأن الدار الآخرة خالصة لهم، وأن غيرهم من الشعوب محروم منها،
وسيجازيهم على أعمالهم.
ثم يقسم الله تعالى بذاته العلية ((وتا لله)) لتجدن اليهود أحرص الناس على
حياة طويلة، بل وأحرص من جميع الناس حتى الذين أشركوا بالله، ولم يؤمنوا
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١٢٧/١-١٢٨
٢٥٤
الُءُ (١) - البَقَرَّة: ٩٤/٢ -٩٦
بالبعث، فهؤلاء المشركون يفترض أن يكونوا أحرص الناس على الحياة، إذ
هي الأولى والأخيرة عندهم، فمشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا
علم لهم من الآخرة.
ولكن اليهود الحريصين على الدنيا والمادة يتمنى أحدهم أن يعيش ألف سنة
أو أكثر - والعرب تضرب الألف مثلاً للمبالغة في الكثرة - لأنه يتوقع عقاب
الله في الآخرة، فيرى أن الدنيا خير من الآخرة. وما بقاؤه في الدنيا - وإن
طال - بمبعده عن أمر الله وتعذيبه بالعذاب الأليم، والله عليم بخفيات
أعمالهم وبما يصدر منهم، وهو مجازيهم به ويعاقبهم عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات امتحان لمعرفة صدق إيمان اليهود، ودحض دعاويهم الباطلة
التي حكاها الله عز وجل في كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا التَّارُ إِلََّ
أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠/٢] وقوله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن
كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١/٢] وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَوْ اللَّهِ وَأَحِبَّكُمْ﴾
[المائدة: ١٨/٥] وموضوع الامتحان تمني الموت ليحظوا بالسعادة الأبدية، وبذل
أرواحهم في سبيل الله، والذود عن الدين وحرماته. ونتيجة الامتحان
الإخفاق المحتم؛ لأن اليهود قوم ماديون يحبون البقاء في الدنيا، ويكرهون لقاء
الله، فلا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، ويظلون في قلق وحيرة واضطراب
دائم وشك يخيفهم ويزعج أعماق نفوسهم. والآية الكريمة من المعجزات
المتضمنة الإخبار بالغيب، الذي تحقق فعلاً، فلم يقع منهم تمني الموت في عصر
النبي وَلّ الذي قال: ((لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من
النار))(١).
(١) تفسير القرطبي: ٣٣/٢. وفي بعض النسخ ((ورأوا مقاعدهم))
٢٥٥
الُ (١) - البَفَرّة: ٩٧/٢-٩٨
والله سبحانه وتعالى العليم الخبير بصير عالم بما يعمل هؤلاء الذين يود
أحدهم أن يعمّر ألف سنة. قال العلماء: وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير
على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء
الخبير به، ومنه قولهم: بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال.
موقف اليهود من جبريل والملائكة والرسل
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَنْبِكَتِهِ.
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَفِرِينَ
(٩٨
القراءات:
﴿وَجِبْرِيلَ﴾: قرئ:
١- (جبريل)، كقنديل، وهي لغة أهل الحجاز، وهي قراءة ابن عامر،
وأبي عمرو، ونافع، وحفص.
٢- (جَبريل) بفتح الجيم، وهي قراءة ابن كثير.
٣- (جبرئيل) وهي لغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد، وهي قراءة حمزة،
والكسائي.
﴿وَمِيكَلَ﴾: قرئ:
١- (ميكال) كمفعال، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ أبو عمرو،
وحفص.
٢- (ميكائل) بعد الألف همزة، وبها قرأ نافع.
٣- (ميكائيل) بعد الهمزة ياء، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وابن عامر.
٢٥٦
لُ (١) - الْبَ قَرّة: ٩٧/٢-٩٨
الإعراب:
﴿مَن﴾ شرطية مبتدأ، وجملة كان واسمها وخبرها: هي خبر المبتدأ. واسم
كان ضمير تقديره هو، و﴿عَدُوًّا﴾ الخبر. و﴿لِّجِبْرِيلَ﴾ ممنوع من الصرف
للعلمية (التعريف) والعجمة. وجواب ﴿مَن﴾ الشرطية قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ والهاء
فيه تعود إلى جبريل، و﴿نَزَّلَهُ﴾ أي القرآن، لدلالة الحال عليه، مثل: ﴿إِنَّا
﴾ [الرحمن:
أَنْزَلْنَهُ﴾ [الدخان: ٣/٤٤] أي القرآن، ومثل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
٢٦/٥٥] أي الأرض، ومثل ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢/٣٨] أي الشمس
وإن لم يسبق له ذكر. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال منصوب من هاء ﴿نَزَّلَهُ﴾ وكذلك
﴿وَهُدَى﴾ و﴿ وَبُشْرَى﴾ حال من هاء ﴿نَزَّلَهُ﴾. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ
لِلْكَفِرِينَ﴾ أقام المُظْهَر مقام المُضْمَر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠/١٢] أي أجرهم. وجملة
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ﴾ جواب الشرط.
البلاغة:
﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ خص القلب بالذكر؛ لأنه موضع العقل والعلم وتلقي
المعارف.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ ذُكِرا بعد الملائكة من باب ذكر الخاص بعد العام
للتشريف والتنويه . ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِّلْكَفِرِينَ﴾ الجملة اسمية لزيادة التقبيح؛
لأنها تفيد الثبات. وأقام الظاهر مقام المضمر لبيان صفة الكفر وهو عداوتهم
للملائكة.
المفردات اللغوية:
﴿عَدُوًّا﴾: العدو: ضد الصديق، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد
والمثنى والجمع. ﴿وَهُدَى﴾ من الضلالة ﴿وَبُشْرَى﴾ بالجنة.
٢٥٧
لِلُ (١) - الْبَفَرَّة: ٩٧/٢-٩٨
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾ ولم يقل: لهم، بياناً لحالهم.
سبب نزول الآية (٩٧):
أخرج الترمذي أن اليهود قالوا للنبي وَّ: إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه
مَلَك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟
قال جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا! لو قلت:
ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك؛ فأنزل الله الآية إلى قوله:
للكافرين (١).
قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً أن
هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم،
وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله، قالوا ذلك.
فروى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود
رسول الله وَله، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا
يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله وَ لير: ((سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي
ذمة، وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم عن شيء، فعرفتموه
لتتابِعُنَّنِي على الإسلام)) فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله وَّه: ((سلوا عما
شئتم)) قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا : أي الطعام حرم
إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا: كيف ماء المرأة وماء
الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة
ومن وليه من الملائكة، فقال النبي ◌َّ: ((عليكم عهد الله، لئن أنا أنبأتكم
(١) تفسير القرطبي: ٣٦/٢، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي، انظر أسباب النزول للسيوطي:
ص٢٣، والواحدي: ص ١٥
٢٥٨
الُ (١) - الْبَقَرة: ٩٧/٢-٩٨
لتتابِعُتَّنِي؟)) فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فأجابهم عن الأسئلة كلها،
وحينما قال لهم: ((إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه))
قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّحِبْرِيلَ﴾.
وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم
رسول الله صل18، وهو في أرض (يخترف) فأتى النبي ◌َّ فقال: إني سائلك عن
ثلاث لا يعلمهن إلا نبي:
ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه
أو إلى أمه؟ قال: ((أخبرني بهذه جبريل آنفاً)) قال: جبريل؟ قال: ((نعم))، قال:
ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
((أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما
أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء
المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت)).
قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود
قوم بُهْت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني.
فجاءت اليهود: فقال لهم رسول الله وَله: ((أي رجل عبد الله بن سلام
فيكم؟)) قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: ((أرأيتم إن
أسلم؟)). قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقالوا: هو شرنا وابن شرنا،
وانتقصوه، فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله (١).
(١) تفسير الطبري ٣٤٢/١ وما بعدها، تفسير ابن كثير: ١٢٩/١-١٣٠
٢٥٩
الُ (١) - البَفَرَّة: ٩٧/٢-٩٨
قال ابن حجر في فتح الباري: ظاهر السياق أن النبي وَل و قرأ الآية، رداً
على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا المعتمد، فقد صح في
سبب نزول الآية قصة عبد الله بن سلام (السابقة).
وجاء في بعض الروايات: أن أحد علماء اليهود من أحبار فَدَك عبد الله بن
صورياً سأل النبي ◌ّ﴾ عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي، فقال: هو جبريل،
فقال ابن صوريا: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا به، وقد عادانا جبريل
مراراً، ومن عداوته أن الله أمره أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا، وهو
صاحب كل خسف وعذاب، وأنذر بخراب بيت المقدس. وميكال يجيء
بالخصب والسلام.
وفي رواية أن عمر بن الخطاب دخل مِدْراسهم (١)، فذكر جبريل، فقالوا:
ذاك عدونا، يطلع محمداً على أسرارنا، وأنه صاحب كل خسف وعذاب،
وأن ميكائيل مَلَك الرحمة ينزل بالغيث والرخاء.
التفسير والبيان:
قل أيها النبي لهم: من كان عدوّاً لجبريل، فهو عدوٌّ لوحي الله الذي يشمل
التوراة وغيرها، فإن الله نزله بالوحي والقرآن على قلبك بإذن الله وأمره،
والقرآن موافق لما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل الداعية إلى توحيد الله
وأصول الأخلاق والعبادات، وهو هداية من الضلالات، وبشرى لمن آمن به
بالجنة، فكيف يكون طريق الخير سبباً للبغض والكراهية.
ثم أكد الله سبحانه حكمه المبرم وهو من كان عدوّاً لله بمخالفة أوامره،
وعدم إطاعته، والكفر بما أنزله لهداية الناس، وعدوّاً للملائكة بكراهة العمل
بما ينزلون به من وحي ورسالة يبلغونها للناس، وعدوّاً لرسل الله بتكذيبهم في
(١) المدراس: بيت تدرس فيه التوراة.
٢٦٠
◌ِلُعُ (١) - الْبَقَرّة: ٩٩/٢-١٠١
دعوى الرسالة، مع وجود الأدلة على صدقهم، أو بقتل بعضهم كقتل زكريا
ويحيى، وعدوّاً لجبريل وميكائيل بادعاء أن الأول يأتي بالنذر، فإن الله عدوٌّ له
ومجازيه على ذلك؛ لأنه كافر به ومعادٍ له، وظالم لنفسه، وتلك العداوة كفر
صريح.
فقه الحياة أو الأحكام:
تعددت اعتذارات اليهود عن الإيمان بمحمد علي﴿ وبالقرآن، فقالوا سابقاً:
إنهم مؤمنون بالتوراة، كافرون بغيرها، وقالوا: إنهم ناجون حتماً في الآخرة؛
لأنهم شعب الله وأحباؤه، وقالوا هنا: إن جبريل أمين الوحي على محمد
عدوهم، فلا يؤمنون بما جاء به. فأبطل الله تعالى مزاعمهم، وفند حججهم،
وأظهر تناقضهم، وأبان لهم أن معاداة الله وملائكته ورسله سبب واضح قاطع
لإنزال العقاب بهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا وعيد شديد، وتنديد بأن
اليهود أعداء الحق والرسالات الإلهية وأعداء القرآن وسائر الكتب السماوية؛
لأن معاداة أمين الوحي جبريل، ومعاداة محمد بَّر، ومعاداة الكتب
السماوية، معاداة لكل الملائكة وسائر الأنبياء والكتب؛ إذ إن المقصد منها
واحد، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى الخير، ولأن رسالة جميع الأنبياء
واحدة، والغاية منها متحدة، فلا يصح التفريق بين الملائكة والرسل
والكتب، وكلها من مصدر واحد، وتهدف خيراً مشتركاً، وتدعو إلى توحيد
الله، وعبادته، والالتزام بأصول الأخلاق والفضائل التي هي عنوان تقدم
الفرد والجماعة.
كفرهم بالقرآن ونقضهم العهود
﴿ وَلَقَّدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍّ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
٩٩
وَلَمَّا
أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْتُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣)
جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيْقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
١٠١