النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
الُرُ (١) - البَفَة: ٦٣/٢-٦٦
وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية: أنه إنما مُسِخَتْ قلوبهم فقط، ورُدَّتْ
أفهامهم كأفهام القردة.
وأما عظة المخالفين: فإن الله تعالى جعل عقوبة المسخ للعصاة الذين اعتدوا
في السبت وصادوا السمك فيه بحيلة، وقد ذكرها الله تعالى في سورة [الأعراف
١٦٣/٧] وهي قوله سبحانه: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ
الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا
وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِزَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣))
أى
إنهم اتخذوا حواجز أو أحواضاً أمام مَدّ مياه البحر، فإذا رجعت المياه
بالجزر، بقيت الأسماك محجوزة في الأحواض، فيأتون في صبيحة يوم الأحد
ويأخذونها.
كذلك كانت عقوبة اليهود الذين امتنعوا من العمل بالتوراة، فنسوها
وضيعوها، ولم يتدبروها ولم يحفظوا أوامرها ووعيدها، كانت عقوبتهم رفع
جبل الطور فوقهم كالمظلة.
وهذا يدل على أن المقصود بالكتب السماوية العمل بمقتضاها، لا تلاوتها
باللسان وترتيلها، فإن ذلك نَبْذٌّ لها.
وهذا يعني أن مجرد التغني بألفاظ القرآن، دون الاعتبار بعظاته، والعمل
بأحكامه، لا يفيد شيئاً. روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَلآه
قال: ((إن من شرّ الناس رجلاً فاسقاً يقرأ القرآن، لا يَرْعوي إلى شيء منه))
فبين القر أن المقصود بالكتب الإلهية العمل بها، كما بينا.

٢٠٢
لُ (١) - الَقَة: ٦٧/٢ -٧٣
قصة ذبح البقرة
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَأ
قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ
إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضُ وَلَا بِكْرُّ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمُرُونَ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ
صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُ النَّظِرِينَ ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا
اُلْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (
ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْخَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَأَ قَالُواْ أَلْثَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ
فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴿ وَإِذْ قَذَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّرَهُثُمْ فِهَا وَاَللَّهُ مُخْرِجُ مَّا
كُنْتُمْ تَكْنُونَ ﴿ فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِى اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ،
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
القراءات:
(هُزُوَأ): قرئ:
١- (هزءاً) بإسكان الزاي، وهي قراءة حمزة وخلف.
٢- (هزُوُاً) بضم الزاي والواو بدل الهمز، وهي قراءة حفص.
٣- (هزُؤاً) بضم الزاي والهمزة، وهي قراءة الباقين.
﴿الْكَنَ﴾: قرئ:
١- (الآن) بإسكان اللام والهمزة، وهي قراءة الجمهور.

٢٠٣
لِلُُ (١) - البَقَرة: ٦٧/٢-٧٣
٢- (الآن) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وهي قراءة نافع.
﴿جِئْتَ﴾: وقرئ: (جيت) وهي قراءة السوسي، ووقفاً حمزة.
﴿فَدَّارَهْثُمْ﴾: وقرئ: (فاداراتم) وهي قراءة السوسي، ووقفاً حمزة.
الإعراب:
﴿أَتَّخِذُنَا هُزُواْ﴾ أي ذوي هُزْء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه،
ويجوز أن يكون التقدير: أتتخدنا مهزوءاً بهم.
﴿لَّا فَارِضٌ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: لا هي فارض، أو صفة
بقرة. و﴿بِكْرُ﴾ عطف عليه في الوجهين، وهذان الوجهان في قوله: ﴿عَوَانٌ﴾
وقال: ﴿بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ ولم يقل: بين ذينك؛ لأنه أراد بين هذا المذكور . ﴿مَا
تُؤْمِّرُونَ﴾ أي تؤمرون به، مثل ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤/١٥] أي
بالذي تؤمر به.
﴿مَا لَوْنُهَاأَ﴾ ما: مبتدأ و(لونها)) خبره، ويجوز العكس. (صَفْرَآءُ﴾ صفة
البقرة ﴿لَوْنُهَا﴾ مرفوع بفاقع، ارتفاع الفاعل بفعله. ويجوز كونه مستأنفاً
مبتدأ، وخبره: ﴿تَسُرُ النَّظِرِينَ﴾ وجاز جعل الخبر ﴿قَسُرُ﴾ بلفظ
التأنيث، إما لأن اللون بمعنى الصفرة أي صفرتها تسر، والحمل على المعنى
كثير في كلامهم، وإما لأنه أضيف اللون إلى مؤنث، والمضاف يكتسب من
المضاف إليه التأنيث، كقراءة ((تلتقطه بعض السيّارة)) وقد قالوا: ذهبت بعض
أصابعه.
﴿لَّا ذَلُولٌ﴾ إما صفة بقرة، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا هي ذلول،
وهذان الوجهان في قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ وكذلك في قوله: ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ إلا
أنه يكون خبراً ثانياً لـ ((هي)) المقدرة، والهاء في ((شية)) عوض عن الواو،
وأصله: وشي.

٢٠٤
الُُ (١) - البَفَرَة: ٦٧/٢-٧٣
﴿اَلْعَنَ﴾ ظرف زمان الوقت الحاضر، وهو مبني.
كَذَلِكَ﴾ الكاف الأولى كاف تشبيه في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر
محذوف، وتقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك.
البلاغة:
﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، والتقدير: فطلبوا البقرة
الجامعة للأوصاف المطلوبة ووجدوها، فلما اهتدوا إليها ذبجوها.
﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُهُونَ﴾ جملة اعتراضية بين قوله ﴿فَأَذَّرَءْتُمْ﴾ وقوله
﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُهُ﴾. وفائدة الاعتراض إشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي حتماً.
المفردات اللغوية:
﴿هُزُوًا﴾: مهزوءاً بنا أو سخرية، حيث تطلب منا ذبح بقرة.
﴿أَعُوذُ﴾ أمتنع ﴿اَلْجَهِلِينَ﴾ المستهزئين في موضع الجد.
﴿لَّا فَارِضٌ﴾ مسنة. ﴿وَلَا بِكُرُ﴾ فتية صغيرة ﴿عَوَانٌ﴾ نَصَف بين الصغيرة
والكبيرة ﴿بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ المذكور من السنين ﴿مَا تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذبحها.
﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ شديدة الصفرة ﴿قَسُرُّ النَّظِرِينَ﴾ إليها بحسنها، أي
تعجبهم.
﴿مَا هِىَ﴾ أسائمة أم عاملة ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ جنسه المنعوت بما ذكر ﴿تَشَبَهَ
عَلَيْنَا﴾ لكثرته، فلم نهتد إلى المقصود ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها، ورد في
الحديث النبوي: «لو لم يستثنوا - أي يقولوا: إن شاء الله - لما بينت لهم آخر
الأبد)).
﴿لَّا ذَلُولٌ﴾ ليست مذللة بالعمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة أي تحرث

٢٠٥
◌ِلُ (١) - البَفَرَة: ٦٧/٢ -٧٣
الأرض والجملة صفة ذلول، داخلة في النفي ﴿وَلَا تَسْقِى الْحَرَثَ﴾ الأرض
المهيأة للزراعة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سليمة من العيوب وآثار العمل ﴿لَّا شِيَةَ﴾ لا لون
غير لونها، ولا لمعة فيها من لون آخر، سوى الصفرة، فهي صفراء كلها، حتى
قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر: وشى وشياً: إذا خلط بلونه لوناً آخر.
﴿قَالُواْ أَلْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نطقت بالبيان التام، فطلبوها فوجدوها عند الفتى
البار بأمه، فاشتروها بملء جلدها ذهباً ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء
ثمنها، ورد في الحديث النبوي: ((لو ذبحوا أي بقرة كانت، لأجزأتهم، ولكن
شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم)).
{فَأَذَارَأْتُمْ﴾ تدارأتم بمعنى تخاصمتم وتدافعتم ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهر
تَكْتُمُونَ﴾ من أمرها.
﴿أَضْرِبُوهُ﴾ القتيل. ﴿بِبَعْضِهَا﴾ فضرب بلسانها أو عجب ذنبها، فحيي
وقال: قتلني فلان وفلان وكانا ابني عمه، فحرما الميراث وقتلا .﴿تَعْقِلُونَ﴾
تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء نفوس
كثيرة فتؤمنون.
المناسبة:
ترتبط هذه الآيات بما قبلها التي ذكر فيها بعض جرائم اليهود، من نقض
الميثاق، والاعتداء في السبت، والتمرد في تطبيق التوراة، فهي استمرار في
تعداد مساوئهم، وهي مخالفتهم الأنبياء ومعاندة الرسل عليهم السلام،
والتلكؤ في امتثال أوامر الله تعالى.
سبب القصة:
روى ابن أبي حاتم عن عَبيدة السلماني قال: ((كان رجل من بني إسرائيل
عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله، ثم

٢٠٦
الُ (١) - البَفَرَة: ٦٧/٢-٧٣
احتمله ليلاً، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، حتى
تسلحوا وركب بعضهم على بعض.
فقال ذوو الرأي منهم والنُّهى: علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله
فيكم؟ فأتوا موسى عليه السلام، فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن
تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم
شددوا، فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها
عند رجل ليس له بقرة غيرها.
فقال: والله، لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها
ذهباً، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -
لابن أخيه، ثم مال ميتاً، فلم يُعْط من ماله شيئاً، فلم يورث قاتل بعد (١)،
وفي رواية: ((فأخذوا الغلام فقتلوه)).
التفسير والبيان:
واذكروا أيها اليهود وقت قول موسى لقومه أسلافكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن
تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ أي بقرة كانت، فلم يمتثلوا، وشددوا، فشدد الله عليهم.
وقالوا: أتهزأ بنا يا موسى، نسألك عن أمر القتل، فتأمرنا بذبح بقرة! قال:
ألتجئ إلى الله من الهزء والسخرية بالناس في موضع الجد، إذ هو في مقام تبليغ
أحكام الله دليلُ السفه والجهل.
فلما رأوه جاداً، سألوه عن صفاتها المميزة لها، وأكثروا من الأسئلة،
فسألوه عن سنها، فقال لهم: إنها ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين
الأمرين، فامتثلوا الأمر، ولا تشدِّدوا فيشدد الله عليكم.
(١) تفسير ابن كثير: ١٠٨/١

٢٠٧
لُزُ (١) - البقرة: ٦٧/٢ -٧٣
ولكنهم تعنتوا، فسألوه عن لونها، فقال: إنها صفراء شديدة الصفرة تسر
الناظر إليها، فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف مميزة أخرى، وقالوا
معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى المطلوب،
روي أنه وَيّ قال: ((لو لم يستثنوا ويقولوا: إن شاء الله، لما تبينت لهم آخر
الأبد».
قال: إن الله يقول: إنها بقرة لم تذلل بالعمل في الحراثة والسقي، وهي
سالمة من العيوب، ولا لون فيها غير الصفرة الفاقعة.
قالوا: إنك الآن جئت بإظهار الحقيقة الواضحة. فطلبوها، فلم يجدوها إلا
عند يتيم صغير بارٍ بأمه، فساوموه، فتغالى، حتى اشتروها بملء جلدها ذهباً.
وما كان امتثالهم قريب الحصول. قال ابن عباس: ((لو ذبحوا أي بقرة أرادوا
لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم)).
واذكروا أيها اليهود المعاصرون حين قتلتم نفساً، وهذا من قبيل التأخير
لفظاً والتقديم معنى للتشويق في معرفة سبب ذبح البقرة، وأسند القتل إلى
المعاصرين للنبي وَر؛ لأنهم من سلالة السابقين، وهم معتزون بنسبهم،
راضون بفعلهم. وكذلك أسند القتل إلى الأمة والقاتل واحد؛ لأن الأمة
متضامنة، وهي في مجموعها كالشخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة
الواحد، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين، والجماعة والأفراد.
واذكروا حادثة القتل في تاريخكم، وتخاصمكم وتدافعكم في شأنه، فكل
واحد يدرأ القتل عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم سواه، والله أنكر فعلهم
وكتمانهم، وأنتم اليوم تكتمون ما عندكم من أوصاف النبي ◌ِّ، والله مظهر
لا محالة ما تكتمونه وتسترونه من أمر القتل، فقلنا: اضربوا القتيل ببعض
أجزاء البقرة المذبوحة، فضربوه، فأحياه الله، وأخبر عن القتلة. ومثل ذلك
الإحياء العجيب، يحيي الله الموتى يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله،

٢٠٨
لُعُ (١) - البَفَرَة: ٦٧/٢-٧٣
وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدالة على صدق القرآن والنبي، حيث يخبر
بالمغيبات، كي تعقلوا وتؤمنوا بالنبي والقرآن، لعلكم تفقهون أسرار الشريعة
وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما
یأمركم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة فيها العبرة والعظة ببيان بعض مساوئ اليهود ومواقفهم
المتشددة والمعاندة، وأهم العظات ما يلي:
اً - ليس التشدد في الدين محموداً، وليس الإلحاف في كثرة السؤال مرغوباً
فيه، لذا نهانا الله تعالى عن ذلك وقت نزول القرآن، بقوله: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١/٥] وقوله وَه -
فيما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص: ((إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرْماً:
من سأل عن شيء لم يحرَّم على المسلمين، فحُرِّم عليهم من أجل مسألته)) وقوله عليه
السلام فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما
أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم،
واختلافُهم على أنبيائهم)) وقوله أيضاً فيما رواه البخاري ومسلم: (( ... وكره لكم
قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) والسؤال المنهي عنه: مثل السؤال عما
أخفاه الله تعالى عن عباده ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن قيام الساعة، وعن
حقيقة الروح، وعن سر القضاء والقدر، والسؤال على سبيل التعنت والعبث
والاستهزاء، وسؤال المعجزات، وطلب خوارق العادات عناداً وتعنتاً،
والسؤال عن الأغاليط، والسؤال عما لا يحتاج إليه، وليس في الجواب عنه فائدة
عملية، والسؤال عما سكت عنه الشرع من الحلال والحرام.
وقد سجل الله على اليهود ذنب الوقوف في السؤال موقف المستهزئ المعاند
المجادل المتشدد المنكر الحق الصريح.

٢٠٩
الُ (١) - البَغَة: ٦٧/٢ -٧٣
أَ - كان الأمر بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان؛ لأنها من جنس ما
عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم أمر تعظيمه.
٣ - استهزاؤهم بأوامر الأنبياء عرَّضهم للوم والتوبيخ والعقاب.
٤ - إحياء القتيل بقتل حي أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من
أضدادها. وقد ذكر الله تعالى إحياء الموتى في سورة البقرة في خمسة مواضع: في
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦/٢]، وفي هذه القصة:
﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ وفي قصة الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف:
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣/٢]. وفي قصة عُزيرٍ: ﴿فَأَمَاتَهُ
اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩/٢] وفي قصة إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ
تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠/٢].
٥ - الإنكار الشديد على قتل النفس البريئة، وإنما أخره بالذكر عن ذكر
موقفهم الاستهزائي العنادي، اهتماماً واستهجاناً وتقريعاً لموقف العناد،
وتشويقاً إلى معرفة سبب ذبح البقرة، وهذا الموقف ديدن اليهود وطبيعتهم التي
لا تفارقهم. والكتاب الكريم لا يراعي ترتيب المؤرخين في سرد الأحداث
والوقائع، وإنما يذكر الكلام بما يتفق مع هدفه: وهي العظة والعبرة،
واجتذاب الأنظار وإثارة الانتباه.
٩ - ليس هناك أشد استهجاناً وغرابة من جعل الحجارة أنفع من قلوب
اليهود، لخروج الماء منها، قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا
تفجر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن
الكريم. وهذا يعني أن خشية الحجارة هنا حقيقية، كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ
إِلَّا يُسَيِّحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤/١٧]. وحكى الطبري عن بعض المفسرين: أن

٢١٠
◌ِلُعُ (١) - البَفَرَة: ٧٤/٢
خشية الحجارة من باب المجاز والاستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار، في
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ١٨/ ٧٧](١).
اً - في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وبه قال
جمهور الأصوليين غير الإمام الشافعي.
٨ - استدل الإمام مالك على صحة القول بالقَسَامة (٢) بقول المقتول: دمي
عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء؛ لأن قول المقتول:
دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب.
قسوة قلوب اليهود
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ فَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ
لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ
مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٧٤
القراءات:
﴿فَهِىَ﴾: وقرئ: (فهْيَ) وهي قراءة قالون، وأبي عمرو، والكسائي.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: قرئ:
١- (تعملون) بالتاء، وهي قراءة الجمهور.
٢- (يعملون) بالياء، وهي قراءة ابن كثير.
(١) تفسير الطبري: ٢٨٩/١، وانظر تفسير القرطبي أيضاً: ٤٦٥/١
(٢) القسامة: هي خمسون يميناً من خمسين رجلاً، يُقْسِمها في رأي الحنفية أهل المحلة التي وُجِد فيها
القتيل ويتخيرهم ولي الدم، لنفي تهمة القتل عن المتهم. وعند الجمهور: يحلفها أولياء القتيل
لإثبات تهمة القتل على الجاني.

٢١١
لِلُ (١) - الْبَغَة: ٧٤/٢
الإعراب:
﴿أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ معطوف على قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ وهو في موضع رفع لأنه
خبر: ﴿فَهِىَ﴾. و﴿قَسْوَةٌ﴾ تمييز منصوب، و﴿أَوْ﴾ بمعنى ((بل)).
﴿بِغَافِلٍ﴾ في موضع نصب على لغة الحجازيين، وفي موضع رفع على لغة
تمیم.
﴿لَمَا﴾ اللام للتوكيد وما: اسم (إنَّ) منصوب، والجار والمجرور:
﴿مِنْهَا﴾ والضمير يعود إلى الحجارة في موضع رفع خبر (إنَّ).
البلاغة:
يدل على أن
﴿ُمَّ قَسَتْ﴾ ثم للترتيب مع التراخي، والتعبير بحرف
قسوة قلوب اليهود بلغت مرتبة بعيدة جداً عن الوضع السليم.
﴿ُثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ استعارة تصريحية، وصف القلوب بالصلابة والغلظ،
وأريد منه: نبؤُّها عن الاعتبار وعدم الاتعاظ ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ﴾ تشبيه مرسل
مجمل؛ لأن أداة الشبه مذكورة، ووجه الشبه محذوف . ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ أو:
بمعنى بل، أي بل أشد قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ
[الصافات: ٣٧ /١٤٧].
يَزِيدُونَ
قال الزمخشري في الكشاف ٢٢٣/١: أشد: معطوفة على الكاف في
كَاَلْحِجَارَةِ﴾ إما على معنى: أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه، وإما على: أو هي في أنفسها أشد قسوة. والمعنى: إن من
عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً، أو من
عرفها شبهها بالحجارة أو قال: هي أقسى من الحجارة.
﴿لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ﴾ مجاز مرسل أي ماء الأنهار من قبيل إطلاق
المحل وإرادة الحال فيه.

٢١٢
الُعُ (١) - البَفَة: ٧٤/٢
المفردات اللغوية:
﴿فَسَتْ﴾ صلبت عن قبول الحق ﴿مِّنُّ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المذكور من إحياء القتيل
وما قبله من الآيات ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ في القسوة ﴿ يَنَفَجَّرُ﴾ يخرج وينبع بكثرة
﴿ يَشَقَّقُ﴾ أصله: يتشقق، فأدغم التاء في الشين، أي يتفتح شقوقاً طولاً أو
عرضاً ﴿يَهْبِظُ﴾ ينزل من علو إلى أسفل ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وإنما
يؤخركم لوقتكم.
التفسير والبيان:
بالرغم مما رأى اليهود من الآيات والمواعظ السابقة، كانفجار الماء ورفع
الجبل، والمسخ قردة وخنازير، وإحياء القتيل، فإن قلوبهم قست وامتنعت عن
قبول الحق، فهي تشبه في الصلابة الحجارة، بل أشد قسوة منها، وأصبحت
بفقد تأثرها بالآيات وتفاعلها بالمواعظ والعبر، كأنها جمادات، بل إنها تدنت
عن درجة الجماد أيضاً؛ لأن الحجارة قد ينفجر منها الماء، ويسيل أنهاراً تحيي
الأرض وتنفع النبات، وقد تتشقق فيسيل منها ماء بسيط فيكون عيناً لا نهراً،
وفي هذا منفعة للناس، وقد تتأثر بالرياح العاتية، ونحوها من الزلازل،
فتسقط من أعالي الجبال، فتكسر الصخور وتدمّر الحصون، وليس في هذا
منفعة للناس.
بالرغم من كل تلك المؤثرات والعظات والعبر، لم يزدد اليهود إلا عناداً
وفساداً، ولكن الله تعالى حافظ لأعمالهم ومحصيها لهم، ثم يجازيهم بها. وفي
هذا غاية التهديد والوعيد؛ لأن قوله تعالى: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يشمل كل عمل
صغير أو كبير، ويؤكده قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (جَ﴾ [الزلزلة: ٧/٩٩-٨].
٧
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يخلق الله تعالى شيئاً في هذا الوجود عبثاً، وإنما لفائدة، ففي الآية دلالة

٢١٣
الُرُ (١) - الَقَة: ٧٥/٢-٧٨
على بعض فوائد الأحجار ونحوها من الجمادات، وأنها تنصاع لأمر الله، فإن
تمردت فئة من المخلوقات عن الصبغة الإلهية، وأصبحت عديمة النفع، لعدم
تأثرها بالعظات وعدم قبولها الحق، فالله يجازيها جزاء وفاقاً، في الدنيا
والآخرة، فيسلط عليها في الدنيا بعض النقم، إن لم تحركها النِّعَم، ويعذبها في
نار جهنم في الآخرة، لإبائها الحق ولعدم طاعتها أوامر الله تعالى.
استبعاد إيمان اليهود
أَفَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اُللَّهِ
ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٥) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ
ءَامَنَا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآ ◌َجُوكُم
بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ ﴿٨ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ
(٧٨
الإعراب:
﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ في موضع نصب؛ لأن التقدير فيه: في أن يؤمنوا لكم. فلما
حذف حرف الجر، اتصل الفعل به، فنصبه . ﴿مِّنْهُمْ﴾ إما في موضع رفع
صفة لفريق، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ خبر كان، وإما في موضع نصب خبر كان،
ويسمعون: صفة لفريق. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، في موضع نصب
حال من ضمير (يحرِّفون)).
﴿ لِيُحَآُوكُمْ﴾ لام كي، تنصب الفعل بتقدير ((أن)).
﴿ وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾
مرفوع وصف لأميين . ﴿إِلَّ أَمَانِىَ﴾ منصوب؛ لأنه استثناء منقطع من غير

٢١٤
لُ (١) - البَفَرَة: ٧٥/٢-٧٨
الجنس؛ لأن الأماني ليست من العلم . ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَا يَظُنُّونَ﴾ أي: وما هم إلا
يظنون و﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره. و﴿إِلَّا﴾ أبطلت عمل إن.
البلاغة:
﴿أَفَظَمَعُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تفيد الجملة
الكمال في تقبيح صنيعهم، وهو تحريف التوراة عن قصد، لا عن جهل.
﴿مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ طباق بين لفظتي ﴿يُسِرُونَ﴾ و﴿يُعْلِنُونَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿فَرِيقٌ﴾ طائفة من أحبارهم ﴿كَلَمَ اُللَّهِ﴾ التوراة ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ يغيرونه
ويبدلونه، أو يؤولونه بالباطل ﴿عَقَّلُوهُ﴾ فهموه وعرفوه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
أنهم مفترون.
﴿وَإِذَا لَقُواْ﴾ أي منافقو اليهود ﴿وَإِذَا خَلَا﴾ رجع ومضى إليه، أو انفرد
معه . ﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ حكم به أو قصه عليكم أو عرفكم في التوراة من
نعت محمد بٌَّ.﴿لِيُحَاجُّوكُم﴾ ليخاصموكم ويجادلوكم، واللام
الصيرورة ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في الآخرة، أي يقيموا عليكم الحجة في ترك
اتباعه مع علمهم بصدقه.
﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الاستفهام للتقرير، والواو الداخل عليها للعطف، ويراد
بالاستفهام التوبيخ أو التقريع.
﴿أُمّيُّونَ﴾ عوام جهلة بكتابهم ﴿أَمَانِىَ﴾ أكاذيب تلقوها من رؤسائهم،
فاعتمدوها، وهي لا تستند إلى دليل عقلي أو نقلي. ﴿يَظُّونَ﴾ أي ما هم في
جحود نبوة النبي وغيره مما يختلقونه إلا يظنون ظناً ولا علم لهم.

٢١٥
الزُُّ (١) - البقرة: ٧٥/٢-٧٨
سبب النزول:
قال ابن عباس ومقاتل: نزل قوله تعالى: ﴿أَفَظَمَعُونَ﴾ في السبعين الذين
اختارهم موسى، ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه، سمعوا كلام الله
تعالى وهو يأمر وينهى، ثم رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدّوا ما سمعوا.
وقالت طائفة منهم: سمعنا الله من لفظ كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا
هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، ولا بأس.
وعند أكثر المفسرين: نزلت الآية في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد
◌َانه (١).
واختلف العلماء بماذا عرف موسى كلام الله، ولم يكن سمع قبل ذلك
خطابه.
فقيل: إنه سمع كلاماً ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس،
فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر، وإنما هو كلام رب العالمين.
وقيل: إنه لما سمع كلاماً لا من جهة، وكلام البشر يُسمع من جهة من
الجهات الست، علم أنه ليس من كلام البشر.
وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام، فعلم أنه
كلام الله.
وقيل فيه: إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله، وذلك أنه قيل
له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعباناً، فكان ذلك دليلاً على صدق الحال،
وأن الذي يقول له: ﴿إِّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢/٢٠] هو الله جل وعز (٢).
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٥
(٢) تفسير القرطبي: ٢/٢

٢١٦
الُ (١) - البَقَرة: ٧٥/٢-٧٨
وسبب نزول الآية (٧٦): هو ما قاله مجاهد: قام النبي ◌َّو يوم قريظة تحت
حصونهم، فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة
الطاغوت، فقالوا: من أخبر بهذا محمداً، ما خرج هذا إلا منكم، أتحدثونهم
بما فتح الله عليكم، ليكون لهم حجة عليكم، فنزلت الآية.
وقال ابن عباس: كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا أن صاحبكم
رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ﴾:
أيحدث العرب بهذا، فإنكم كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم، فأنزل
الله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ﴾ الآية.
وقال السدي: نزلت في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يأتون
المؤمنين من العرب، بما تحدثوا به، فقال بعضهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله
(١)
منكم (١).
التفسير والبيان:
حرص النبي ◌َّله وصحابته على انضمام أهل الكتاب (اليهود والنصارى)
إلى دعوته والإيمان برسالته في مواجهة المشركين، لوجود جسور التقاء معهم
من الإيمان بوجود الإله والتصديق بالأنبياء وبالبعث واليوم الآخر. وقد روي
أنها نزلت في الأنصار الذين كانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوار ورضاعة،
وكانوا يودون لو أسلموا، فأنزل الله: ﴿أَفَظْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾
فجاءت هذه الآيات، في أثناء بيان قبائح اليهود، توضح خطاباً للنبي وَله
والمؤمنين، ما بدد الآمال والأطماع في إيمان اليهود؛ لأن منهم جماعة - وهم
فئة من الأحبار والرؤساء - كانوا يسمعون كلام الله، ثم يبدلونه أو يؤولونه
(١) أسباب النزول للسيوطي بهامش تفسير الجلالين: ص ١٦

٢١٧
اِلُ (١) - البَقَرَة: ٧٥/٢-٧٨
بحسب أهوائهم وميولهم، وليس الحاضرون أحسن حالاً من الغابرين؛ لأنهم
ورثوا الاستكبار من أسلافهم، وهم يعلمون أن هذا العمل يتنافى مع الحقيقة
والواقع، فكيف تطمعون إذن في إيمان من له سابقة في الضلال؟!
وسبب آخر يدعو إلى عدم إيمانهم هو أن منافقيهم إذا قابلوا المؤمنين قالوا :
نحن مؤمنون بالله وبالنبي كإيمانكم، إذ هذا النبي هو المبشر به عندنا، فنحن
معكم، وإذا انفردوا مع بعضهم قالوا: كيف تحدثون أتباع محمد بما أنزل الله
عليكم في التوراة؟ كيف تفعلون هذا، وهم يحتجون عليكم بكلامكم،
ويخاصمونكم به عند ربكم يوم القيامة؟ أتذيعون أسراركم التي تضركم؟ فيرد
الله عليهم :
ألا يعلمون أن الله تعالى يعلم السر والعلن، ويعلم الغيب والشهادة،
فسواء أعلنتم سراً أم أضمرتموه، فإن الله سيجازيكم على أعمالكم.
ثم ذكر الله تعالى هذا شأن علماء اليهود وأحبارهم، أما الأميون منهم،
فإنهم لا يعرفون عن دينهم إلا أكاذيب سمعوها ولم يعقلوها، مثل القول بأنهم
شعب الله المختار، وأن الأنبياء منهم فيشفعون لهم، وأن النار لا تمسهم إلا
أياماً معدودة، وما هم في كل ذلك إلا واهمون ظانون ظناً لا صحة له.
فلا أمل في إيمانهم، ولا أسف على أمثالهم، فمن كانت هذه صفاته
وقبائحه، فلا خير فيه، ولا أسف عليه.
والمراد بما فتح الله على اليهود: الإنعام بالشريعة والأحكام، والبشارة
بالنبي عليه الصلاة والسلام، شبَّه الذي يعطى الشريعة بالمحصور في الصلاة
يُفتح عليه، فيخرج من الضيق. أو أن معنى ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما
حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الإيمان بالنبي الذي يحيئكم مصدقاً لما
معكم، ونصره. والمقصود بقوله ﴿عِندَ رَبِّكُمْ﴾ أن المحاجة في الآخرة، كما
قال السيوطي، ورأى المحققون أنه بمعنى: في كتاب الله وحكمه أي أن ما

٢١٨
الْجُرُ (١) - البَقَرة: ٧٥/٢-٧٨
تحدثونهم به من التوراة موافق لما في القرآن، فالمحاجة في الدنيا، فهو كقوله
تعالى في أهل الإفك: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾
[النور: ١٣/٢٤] أي في حكمه المبين في كتابه (١).
وأما الأماني: فهي الأكاذيب، وفسرها بعضهم بالقراءات، أي أنهم لا
حظّ لهم من الكتاب إلا قراءة ألفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في
العمل، فهو على حدٍ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ
اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥/٦٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
التحريف والتبديل لكلام الله أشد الحرام، سواء أكان بالتأويل الفاسد، أم
بالتغيير والتبديل، وقد وقع النوعان من أحبار اليهود، وقد نعتهم الله تعالى
بأنهم يبدلون ويحرفون، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾
[البقرة: ٧٩/٢] وكان للتحريف مظاهر متعددة، ففي عهد موسى عليه السلام:
روي أن قوماً من السبعين المختارین، سمعوا كلام الله حین کلم موسی بالطور،
وما أمر به موسى وما نهي عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن
استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ألا تفعلوا فلا بأس.
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال مجاهد والسدي: هم علماء اليهود
الذين يحرفون التوراة، فيجعلون الحرام حلالاً والحلال حراماً، اتّباعاً
لأهوائهم.
وفي عهد محمد رَّلي حرفوا نعت الرسول وصفته، وحرفوا آية الرجم،
وقالوا: ﴿لَيَسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمَّيِّتَنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥/٣] وهم العرب، أي ما
(١) تفسير المنار: ١/ ٣٥٧ وما بعدها.

٢١٩
الُ (١) - البَفَة: ٧٥/٢-٧٨
أخذنا من أموالهم فهو حل لنا، وقالوا أيضاً: لا يضرنا ذنب فنحن أحباء الله
وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك (١).
ووقع التحريف بنوعيه أيضاً في الإنجيل، كما وقع في التوراة، والدليل
واضح وهو ضياع أصل كلا هذين الكتابين، وكتابتهما بأيدي العلماء بعد
عشرات السنين، كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهِ،﴾ [النساء: ٤/
٤٦].
وحدث التحريف في القرآن بمعنى التأويل الباطل، من الجهلة أو
الملاحدة، أما التحريف بإسقاط آية من القرآن، فلم يقع، لتعهد الله حفظ
كتابه المبين في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
[الحجر: ٩/١٥]
وأرشدت الآية (٧٨) من سورة البقرة إلى بطلان التقليد في العقائد وأصول
الأحكام، وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَظُنُّونَ﴾: يكذبون ويحدثون؛ لأنه لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما هم
مقلدون لأحبارهم فيما يقرؤون به. وقد أجمع السلف في صدر الإسلام وأهل
القرون الثلاثة على بطلان التقليد في العقائد. وإنما كان الجاهل في تلك القرون
يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها، والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما
كان، من غير بينة ولا برهان (٢).
وأومأ الخطاب في هذه الآيات لليهود المعاصرين للنبي محمد وَيقول إلى أنه لا
أمل في إيمان اليهود بالقرآن وبدعوة الرسول محمد، فالمعاصرون توارثوا طبائع
الآباء وأخلاقهم، وتأصلت فيهم روح التمرد والإعراض عن كلام الله،
(١) تفسير الرازي: ١٣٥/٣، تفسير القرطبي: ٦/٢ وما بعدها.
(٢) تفسير المنار: ٣٥٩/١
:

٢٢٠
الُرُ (١) - البََرة: ٧٩/٢-٨٢
وكان آباؤهم أكثر الناس مراء وجدالاً في الحق، وإن كان بيناً باهراً، وأشد
الناس كذباً وغروراً وأكلاً لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش، وغشاً
وتدليساً وتلبيساً، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص، وأفضل
الناس، كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان. فهذه هي الأماني التي صدّتهم عن
قبول الإسلام (١).
تحريف أحبار اليهود وافتراءاتهم
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا
بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كُنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ
٧٩
وَقَالُوْ لَنْ تَمَسَّنَا التَّارُ إِلَّ أَيَّامَا تَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَنْ
بَلَى مَن كَسَبَ
٨٠
يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ: أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
سَبِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَتَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
٨٢
خَلِدُونَ
القراءات:
{سَبِّئَةٌ﴾:
ووقف حمزة بإبدال الهمزة ياء خالصة (سيِّية).
﴿خَطِيْنَتُهُ﴾: قرئ:
١- (خطيئته) بالإفراد وهي قراءة الجمهور.
(١) المصدر السابق: ٣٦٠/١