النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
الُُ (١) - البَفَرَة: ٥٥/٢-٦٠
﴿رِجْزًا﴾ عذاباً من السماء، ومن المعلوم أن العذاب نوعان: نوع يمكن
دفعه: وهو عذاب المخلوقات كالهدم والغرق، ونوع لا يمكن دفعه: كالطاعون
والصاعقة والموت، والمراد به هذا النوع الثاني.
﴿الْحَجِّ﴾ أي حجر، كان إذا ضربه تفجر منه الماء بقدرة الله.
{فَانْفَجَرَتْ﴾ انشقت وسالت. ﴿أُنَاسِ﴾ جماعة منهم، وكانوا اثني عشر سبطاً.
﴿نَشْرَبَهُمِّ﴾ موضع شربهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم. ﴿ وَلَا تَعْثَوْاْ﴾ من
عني: أفسد، أي لا تفسدوا إفساداً شديداً، والعثو أو العِني: أشد الفساد،
وتكرر المعنى تأكيداً، لاختلاف اللفظ.
التفسير والبيان:
اذكروا يا بني إسرائيل قول السبعين من أسلافكم الذين اختارهم موسى
عليه السلام حين ذهبوا معه إلى الطّور، للاعتذار عن عبادة العجل: لن
نصدق بالله وبكتابه، علماً بأنك سمعت كلامه، حتى نرى الله عِياناً بالعين
المجردة بلا حاجز، فأخذهم الله بعذابه وهو إرسال نار من السماء وهي
الصاعقة فأحرقتهم وماتوا، ومكثوا يوماً وليلة، والحي ينظر إلى الميت.
وهكذا كان حال بني إسرائيل مع موسى، يتمرّدون ويعاندون، فيعذبهم الله
في الأرض، بالأوبئة والأمراض وتسليط هوامّ الأرض وحشراتها، حتى
فتكت بالعدد الكثير منهم، ثم ينعم الله عليهم، وها هي بقية النّعم العشر التي
یذکرهم تعالی بها:
٦ - ثم أحييناهم بعد الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، فقاموا
وعاشوا ينظرون إلى بعضهم (١)، وذلك كله لتشكروا الله أيها اليهود
(١) ورأى الشيخ محمد عبده أن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي إنه بعد ما وقع فيهم الموت
بالصاعقة وغيرها، بارك الله في نسلهم، ليُعدَّ الشعب بالبلاء السابق للقيام بحقّ الشكر على
النعم التي تمتع بها الآباء الذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها (تفسير المنار: ٣٢٢/١).
١٨٢
لِلُعُ (١) - البَقَرَة: ٥٥/٢-٦٠
المعاصرون على إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت، وتعتقدوا أن الله قادر على
كل شيء. والشكر المطلوب: هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد وَله.
وقال بعض المفسّرين في تفسير ﴿بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ﴾: علمناكم من
بعد جهلكم. قال القرطبي: والأول أصح؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة،
وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ
وَهُمْ أُلُوُفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣/٢]
(١) .
٧ - ثم سترناكم بالسحاب الأبيض الرقيق من حرّ الشمس، أثناء وجودكم
في وادي التِّيه بين الشام ومصر مدة أربعين سنة، حيارى تائهين، بعد أن خرج
آباؤكم من مصر، وجاوزوا البحر.
٨ - ثم أنعمنا عليكم بأنواع من الطعام والشراب كالمنّ الذي هو مثل
العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى الذي هو طير يشبه السُّماني لذيذ
الطعم، وكان المنَّ ينزل عليهم نزول الضباب من طلوع الفجر إلى طلوع
الشمس، وتأتيهم السُّماني، فيأخذ كل واحد ما يكفيه إلى الغد.
وقلنا لكم: كلوا من ذلك الرزق الطيب، واشكروا الله، فلم يفعلوا،
وكفروا تلك النعم الجزيلة، ولم يضروا إلا أنفسهم، حيث قطع الله عنهم هذه
النعم، وجازاهم على مخالفتهم، فكان وبال العصيان عائداً عليهم.
٩ - واذكروا أيضاً نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التِّيه:
ادخلوا القرية، قال الجمهور: هي بيت المقدس، وقيل: أريجاء من بيت
المقدس، واسكنوا فيها، وكلوا واشربوا منها أكلاً واسعاً هنيئاً لا حرج فيه،
وادخلوا باب القرية ساجدين لله خاضعين مبتهلين إلى الله وحده، شكراً لله
تعالى على خلاصكم من التِّيه، وقولوا: يا ربَّنا، حُطّ عنا ذنوبنا واغفر لنا
(١) تفسير القرطبي: ٤٠٥/١
١٨٣
الُعُ (١) - البَقَة: ٥٥/٢-٦٠
خطايانا، وسنزيد المحسنين ثواباً من فضلنا وأجراً جزيلاً. والمحسن: من
صحح أساس توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى
المسلمين شرّه.
فخالف الظالمون الأمر ولم يتبعوه، معبراً عن المخالفة بالتبديل، إشارة إلى
أن المخالف كأنه أنكر الأمر وادعى أنه أُمر بغيره، ودخلوا زاحفين على
أستاههم، أي أدبارهم، غير خاضعين لله، فكان جزاؤهم إنزال العذاب
الشديد من السماء وهو الرجز، وهو في رأي جماعة من المفسّرين، الطاعون،
بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله، قيل: هلك منهم سبعون ألفاً
بالطاعون.
١٠ - واذكروا يا بني إسرائيل نعمة أخرى حين عطش آباؤكم من شدّة الحرّ
في التِّيه، وطلبوا من موسى عليه السلام السقيا، فأمره الله أن يضرب بعصاه
أي حجر، فضرب فانفجرت منه المياه المتدفقة بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة
عيناً، لكل جماعة منهم عين يشربون منها حتى لا تقع بينهم الشحناء، وكانوا
اثني عشر سبطاً، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وقال الله لهم: كلوا من
المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير تعب، ولا تفسدوا في الأرض
بأن تنشروا الفساد فيها، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، أو لا تتمادوا في الفساد
في حالة إفسادكم.
.
وكان تفجير الماء بعصا موسى معجزة ظاهرة له، وهي لا تكون لغير نبي،
والمراد بالحجر الجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، قال الحسن
البصري: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، وهذا أظهر في الحجة، وأبين في
القدرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن مخاطبة بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن وتذكيرهم بالنّعم التي أنعم
١٨٤
الُ (١) - الْبَفَرَة: ٥٥/٢-٦٠
الله بها على أصولهم، دليل واضح على وحدة الأمة، وتكافل أفرادها، وأن
السعادة والشقاوة تعم الجميع من أصول وفروع، وإن لم يسأل الفرع عما فعل
أصله، لكنه يتضرر بسوء أصله، وينتفع باستقامة أصله، كما قال تعالى في
تعميم العذاب ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَصَّةٌ﴾ [الأنفال:
٢٥/٨]، وقال سبحانه في كنز الغلامين اليتيمين تحت الجدار: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا
صَلِحًا﴾ [الكهف: ٨٢/١٨]، فكان صلاح الأب أو الجدّ سبباً في صلاح الابن
أو الحفيد نفسه، وفي حفظ المال لذريته، أي أن الصلاح يفيد في النفس والمال.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧/٢]، إيماء إلى
أن كل ما يأمر به الله من عبادة فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم عنه، فإنما ذلك
لدفع ضُرّ يقع بهم، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَّ
أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣/١٠]، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ
[البقرة: ٢٨٦/٢].
أما تفجير الماء من الحجر فكان معجزة لموسى عليه السلام، والمعجزات
كلها من صنع الله، وهي سنة جديدة غير ما نشاهد من العادات كل يوم، أما
المخترعات العلمية فهي مبنية على السّنن العلمية باستخدام طاقات الكون من
الأثير والهواء والنفط والكهرباء وغير ذلك. وكان الله قادراً على تفجير الماء
وفلق البحر بلا ضرب عصا، ولكنه جلّت قدرته أراد أن يعلم عباده ربط
المسببات بأسبابها، ليسعوا في الحصول على تلك الأسباب بقدر الطاقة. ومثل
ذلك أيضاً معجزات عيسى عليه السلام، كان الله قديراً على أن يخلق الطير من
الطين ومن غير الطين، ولم يكن هناك داعٍ لنفخ الملَك في مريم؛ لأن طريق
القدرة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧/٣]، ولكن شاء الله أن تظهر قدرته بطريق
التدرُّج، ليتبين الفرق بين الطين والطير بالحياة، وكان خلق عيسى عليه
السلام من نطفة الأم فقط، ونفخ الروح كان بإذن الله وقدرته: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾
[آل عمران: ٤٧/٣] وكل ذلك تقريب لفهم المعجزة.
١٨٥
اِلُزُ (١) - البَفَرَة: ٥٥/٢-٦٠
وكان إمداد اليهود بالنّعم من أجل شدهم إلى منهج الاستقامة، وتخليصهم
بالتوبة من الخطايا التي كانوا يرتكبونها، وذلك كله على سبيل العظة والعبرة.
وكان إبقاء اليهود في التِّيه أربعين سنة من أجل خروج جيل جديد يتربى على
العقائد الحقة وفضائل الأخلاق، وانقراض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه
جذور الوثنية وعبادة العجل.
وحينما أمر الله اليهود بالدخول في باب القرية سجّداً قائلين: حطّة، بدلوا
ودخلوا الباب، يَزْحفون على أستاههم، وقالوا: حَبَّة في شَعْرة، وكان
قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا وتمردوا واستهزءوا، فعاقبهم الله
بالرجز وهو العذاب. وفي هذا دليل على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في
الشريعة لا يجوز إن كان التّعبد بلفظها، لذمّ الله تعالى من بدَّل ما أمر به بقوله.
أما إن كان التّعبد بمعناها فيجوز تبديلها بما يؤدِّي ذلك المعنى، ولا يجوز
تبديلها بما يخرج عنه. وبناءً عليه أجاز جمهور العلماء للعالم بمواقع الخطاب
البصير بآحاد كلماته رواية الحديث النَّبوي بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى
بكماله. واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للأعاجم غير العرب بلسانهم
وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قصّ من
أنباء ما قد سلف، فقصّ قصصاً ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى
واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم
والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان. وإذا جاز إبدال العربية
بالعجمية، فلأن يجوز بالعربية أولى. وأما حديث ((نضَّر الله وجه امرئ سمع
مقالتي، فبلَّغها كما سمعها)) فالمراد حكمها، لا لفظها؛ لأن اللفظ غير معتدّ
به(١).
(١) تفسير القرطبي: ٤١١/١-٤١٣
١٨٦
الُ (١) - الَقَة: ٥٥/٢-٦٠
وأما تعذيب بني إسرائيل بإنزال الرجز (أي العذاب) من السماء، فكان
بسبب فسقهم كما قال تعالى: ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ ، وفي سورة الأعراف:
﴿بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢/٧]، والفسق في الشرع: عبارة عن
الخروج من طاعة الله إلى معصيته. وهذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله
تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وفائدة التكرار: التأكيد، والحق كما قال
الرازي(١): إنه غير مكرر لوجهين: الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر،
وقد يكون من الكبائر. الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك
التبديل، فنزل الرجز عليهم من السماء، بسبب ذلك التبديل، بل للفسق
الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل، وعلى هذا الوجه يزول التكرار.
وأفادت آية ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ،﴾ تقرير سنة الاستسقاء، بإظهار
العبودية والفقر والمسكنة والذّلة مع التوبة النصوح. وقد أقرت شريعتنا سنة
الاستسقاء بالخروج إلى المصلى والخطبة والصلاة في رأي جمهور العلماء؛ لأن
نبينا محمداً وَّه استسقى، فخرج إلى المصلّ متواضعاً متذلِّلاً مترسلاً متضرعاً.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّة الاستسقاء صلاة ولا خروج، وإنما هو
دعاء لا غير، واحتج بحديث أنس في صحيحي البخاري ومسلم. قال
القرطبي: ولا حجة له فیه، فإن ذلك کان دعاء عُجّلت إجابته، فاكتفى به عما
سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنته، ولما قصد البيان بيَّن بفعله، حسبما رواه
مسلم عن عبد الله بن زيد المازني، قال: ((خرج رسول الله بَيّل إلى المصلى،
فاستسقى، وحوَّل رداءه، ثم صلَّ ركعتين)) (٢).
ودلّ قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ﴾، و﴿ وَلَا تَعْثَوْاْ﴾، على إباحة النّعم
وتعدادها، والنهي عن المعاصي والإنذار بعقوبتها وأضرارها.
(١) تفسير الرازي: ٩١/٣-٩٢
(٢) تفسير القرطبي: ٤١٨/١
١٨٧
الُ (١) - البَقَة: ٦١/٢
مطامع اليهود وبعض جرائمهم وعقوباتهم
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا
تُلِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقَِّآَبِهَا وَنُوبِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَشْتَبْدِلُونَ الَّذِى
هُوَ أَدْفَى بِلَّذِى هُوَ خَّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمُّ وَضُرِيَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ
◌ِئَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
٦١
القراءات:
﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾: وقرئ:
١- (عليهِم الذلة) وهي قراءة أبي عمرو وصلاً.
٢- (عليهُمُ الذلة) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وصلاً.
٣- (عليهِمُ الذلة) وهي قراءة باقي السبعة وصلاً.
﴿النَّبِنَ﴾: وقرئ: (النبيئين) وهي قراءة نافع.
الإعراب:
﴿ يُخْرِجْ﴾ فعل متعدٍ إلى مفعول واحد، وهو محذوف، وتقديره: يخرج لنا
مأكولاً. ﴿مِنْ﴾ للبيان بدل من ﴿مِمَّا﴾.﴿مِصْرًا﴾ صرفه إما لأنه أراد به
مصراً من الأمصار، لا مصر بعينها، أو لأنه اسم البلد وهو مذكر، أو لأنه -
وإن كان مؤنثاً معرفة - على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن، فجاز أن تصرف
کھند ودعد وُل ونوح ولوط.
١٨٨
لُرُ (١) - الْبَقَرّة: ٦١/٢
البلاغة:
﴿طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ أراد بالواحد: ما لا يختلف ولا يتبدل . ﴿مِمَّا تُلِتُ﴾
أضاف الإنبات إلى الأرض على سبيل المجاز العقلي، وعلاقته السببية؛ لأن
الأرض سبب للنبات. ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ استعارة بالكناية
عن إحاطتهما بهم، كما تحيط القبة بمن تحتها . ﴿بِغَيْرِ الْحَقِ﴾ زيادة في التشنيع
على قبح العدوان.
والقائل في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَشْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى﴾ هو موسى نفسه،
والاستفهام للإنكار، والجملة استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر، كأنه
قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال.
المفردات اللغوية:
﴿ بَقْلِهَا﴾ البقل: كل ما اخضرت به الأرض من البقول والخضروات.
﴿وَقِئَّآَبِهَا﴾ هو الخيار المعروف. ﴿ وَفُومِهَا﴾ الثوم، بدليل قراءة ابن مسعود:
((وثومها))، ولاقتران البصل بعده. ﴿أَدْنَ﴾ أقل مرتبة، إما من الدُّنو: وهو
القرب، أو من الدُّون، كما تقول: هذا دون ذاك، أي أقل مقداراً، والدُّنو
والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. ﴿مِصْرًا﴾ بلداً من البلدان الزراعية.
﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ﴾ جعلت ووضعت عليهم. ﴿الذِّلَّةُ﴾ الذّل والهوان.
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ الفقر والحاجة. ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ رجعوا متلبسين به. ﴿ ذَلِكَ﴾
أي الضرب والغضب. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم فالباء سببية. ﴿وَيَقْتُلُونَ
النَّبْنَ﴾ كزكريا ويحيى عليهما السلام. (بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي ظلماً. ﴿يَعْتَدُونَ﴾
يتجاوزون الحدّ في المعاصي. وكرر ﴿ذَلِكَ﴾ للتأكيد، وقصد بالتكرار التعليل،
وهو ردّ إلى علة الجزاء وتأكيد للإشارة إليه، والباء في ﴿بِمَا﴾ باء السبب، أي
بعصيانهم، والعصيان: خلاف الطاعة، والاعتداء: تجاوز الحدّ في كل شيء.
:
١٨٩
الجُعْ (١) - البُرَرة: ٦١/٢
التفسير والبيان:
واذكروا أيها اليهود إذ قال أسلافكم من قبل: يا موسى، لا يمكن أن
نستمر على طعام واحد، وهو المنّ والسلوى - ومخاطبة اليهود المعاصرين مع
أن الجناية من آبائهم دليل على مبدأ تكافل الأمة الواحدة - فاطلب لنا من
ربك أن يطعمنا مما تنبت الأرض من أطايب البقول التي يأكلها الناس
كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها، وإنما سألوه الدعاء، لعلمهم أن دعاء
الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم.
فقال موسى متعجباً وموبخاً مستنكراً: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل
ما هو خير منها وأهناً، وهو المنّ والسلوى، الأول فيه الحلاوة المألوفة،
والثاني أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ؟ وإذا طلبتم الأدون نفعاً
وخيراً، فاهبطوا وانزلوا من التِّيه (١) واسكنوا في أي بلد زراعي، فإن لكم فيه
ما طلبتم. وقد كَنّوا عن المنّ والسلوى بطعام واحد، وهما اثنان؛ لتكرارهما في
كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة: هو على أمر
واحد؛ لملازمته ذلك.
لكن الله تعالى عاقبهم على كفران تلك النعم، وعلى الاستهزاء بآيات الله
التي آتاها موسى وهي معجزاته الباهرة، وعلى قتلهم الأنبياء ظلماً، فهم قتلوا
أشعيا وزكريا ويحيى وغيرهم بغير مسوغ للقتل، وكانت عقوبتهم إلحاق الذّل
والهوان بهم في الدنيا، ذلاً وهواناً ملازماً لهم ومحيطاً بهم، كما تحيط الخيمة
بمن فيها، والذليل عادة يستخذي ويستهين، ثم استحقاق غضب الله وبلائه
ونقمته في الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة.
وكان ذلك العقاب بسبب عصيانهم أوامر ربهم عصياناً متكرراً، وتعديهم
(١) بلاد التِّيه: ما بين بيت المقدس إلى قنِّسرين، وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ.
١٩٠
اِلُ (١) - الْبَغَرَة: ٦١/٢
حدود دينهم، واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فعلة جزائهم أمران:
أنهم كانوا يعصون ويعتدون، والعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة
في حدّ المأذون فيه والمأمور به.
وضرب الذّلة والمسكنة أي الذّل والفقر والحاجة على اليهود، وإن كانوا
ذوي مال، أمر قائم على أساس الشعور الذاتي النابع من أعماق النفس، فهم
في فقر دائم وذلّ مستمر، وقد ورثوا صفات الذّل وضعف النّفس وامتهانها
وحقارة التصرفات ودناءة الأخلاق، فلا یکادون محسون بغنى النفس وعزتها،
ولا تشبع نفوسهم، ولا ترتوي من شيء، وتظل أطماعهم وأحقادهم مسيطرة
عليهم، حتى إنهم يعبدون المادة، ويؤلهون المال، وذلك كله بسبب إحساسهم
الداخلي بالاستزادة من الأموال.
وقيام دولة لليهود أيضاً لا يصادم هذه الآية التي تقرر إلحاق الذّل والهوان
بهم؛ لأن مقومات الدولة الحقيقية غير متوافرة لهم، وهم في أمسّ الحاجة دائماً
إلى الشعور بالطمأنينة والاستقرار، مما أحوجهم إلى الدعم المستمر غير
المتناهي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، من الدول الكبرى، وعلى رأسها
أمریکا.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن ترك الأفضل من المطعومات وهو المنّ والسلوى، وطلب الأدنى مرتبة
منه من بصل وثوم وعدس وخيار ونحوها، دليل على أن النفس البشرية قد
تبدل الطيب بالخبيث، والأرقى بالأدنى. قال الحسن البصري: كان اليهود نَتَانَى
أهل كُرَّاث وأبصال وأعداس، فنزعوا إلى عِكْرهم (١) عِكر السّوء، واشتاقت
طباعهم إلى ما جرت عليهم عادتهم، فقالوا: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾(٢)
(١) العكر: الأصل، وقيل: العادة والديدن. والعَكَر (بالتحريك): دُرْدي كل شيء.
(٢) تفسير القرطبي: ٤٢٢/١
١٩١
لِلُ (١) - البَفَرّة: ٦١/٢
وقولهم: ﴿لَن نَّصْبِرَ﴾ يدلّ على كراهتهم ذلك الطعام. وعدم الشكر على النعمة
دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها.
أما أكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة من سائر البقول، فهو مباح في
رأي جمهور العلماء، للأحاديث الثابتة فيه، لكن ينبغي على الآكل أن يتجنب
حضور أماكن التجمع في المساجد ونحوها، لئلا يتأذى الناس بالروائح
الكريهة. روى أبو سعيد الخدري عن النَّبِي بَّ حين أكلوا الثوم زمن خيبر
وفتحها: ((أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحلَّ الله ولكنها شجرة أكره
ریچها)).
ودلّت الآية على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات، وكان النَّبِي وَاهـ
يجب الحلوى والعسل، ويشرب الماء البارد العذب.
وإن الجزاء الذي أنزله الله باليهود من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب
بهم، حق وعدل ومطابق لجرائمهم، وهي الاستكبار عن اتباع الحق، وكفرهم
بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، حتى إنهم قتلوهم
ظلماً وعدواناً بغير حق؛ لأن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون
به، فلم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله، فصرَّح تعالى بقوله: ﴿ بِغَيْرِ الْحَقٌ﴾
على شناعة الذنب ووضوحه.
روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله و لر قال: ((أشد الناس
عذاباً يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبياً، وإمام ضلالة، وممثل من
الممثلين)) أي بالتمثيل بالقتلى.
فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ أجيب ذلك
كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين،
وليس ذلك بِخِذْلان لهم. قال ابن عباس والحسن البصري: لم يُقتل نبي قط من
الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نُصِر.
١٩٢
◌ِلُ (١) - البَفَرَة: ٦٢/٢
عاقبة المؤمنين بنحو عام
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالضَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ
اْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
١٢
القراءات:
وَالصَِّينَ﴾: قرئ:
١- مهموزاً وهي قراءة الجمهور.
٢- بغير همز، وهي قراءة نافع، وتحتمل وجهين:
أ- إما من (صبا) بمعنى: مال.
ب - وإما أن يكون أصله الهمز وسهل بقلب الهمزة ألفاً في الفعل، وياء في
الاسم.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم) وهي قراءة حمزة.
الإعراب:
﴿مَنْ﴾ إما مرفوعة أو منصوبة، فالرفع على أن ﴿مَنْ﴾ شرطية مبتدأ،
و﴿فَلَهُمْ﴾ جواب الشرط، وخبر المبتدأ، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ والنصب على
أنها بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ فيبطل معنى الشرط، وتكون الفاء في ﴿فَلَهُمْ﴾ داخلةً
لجواب الإبهام، ويقصد بها التأكيد، مثل قولك: ((الذي يأتيني فله درهم))
وتأكيد الشيء لا يغير معناه.
١٩٣
الُ (١) - الْبَغَرَة: ٦٢/٢
وروعي في ضمير ((آمن، وعمل) لفظ ﴿مَنْ﴾ وفيما بعده: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾
معناها، وهي تقع على الواحد والتثنية والجمع، فجاز رجوع الضمير إليها.
المفردات اللغوية:
﴿هَادُواْ﴾ تهودوا، من هاد: إذا دخل في اليهودية. ﴿ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ هم
اليهود ﴿وَالنَّصَرَى﴾ أتباع عيسى عليه السلام (١) ﴿وَالضَِّئِينَ﴾ طائفة من
اليهود أو النصارى عبدوا الملائكة أو الكواكب (٢). ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ منهم ﴿بِاللَّهِ
وَاَلْيَّوْمِ اُلْآَخِ﴾ في زمن نبينا ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ بشريعته ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثواب
أعمالهم.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان من أهل جندسابور
من أشرافهم (٣). وأخرج ابن أبي حاتم والعدني في مسنده عن مجاهد قال:
سألت النبي وَلّ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم
فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية (٤). وأخرج الواحدي عن
مجاهد قال: لما قص سلمان على رسول الله وَله قصة أصحابه قال: هم في
النار. قال سلمان: فأظلمت علي الأرض، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَادُواْ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ قال: فكأنما كشف عني جبل (٥).
(١) سموا بالنصارى نسبة إلى قرية في فلسطين يقال لها: ناصرة، وكان عيسى بن مريم ينزلها.
(٢) قال الطبري: والصابئون جمع صابئ، وهو المستحدث سوى دينه ديناً كالمرتد من أهل
الإسلام عن دينه، وكل من خرج من دين إلى آخر يسمى صابئاً.
(٣) تفسير الطبري: ٢٥٤/١، وهذا ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي.
(٤) أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين: ص ١٤
(٥) أسباب النزول للواحدي: ص ١٣ وما بعدها.
١٩٤
الُ (١) - البَقَرَة: ٦٢/٢
المناسبة:
اتبع الأسلوب القرآني منهج التذكير في ثنايا بيان القصة القرآنية، وفتح
باب الأمل لدفع اليأس والقنوط أثناء توضيح الأسباب الموجبة للعقاب،
للفت النظر وجذب الانتباه، وهكذا كان الأمر هنا، فبعد أن ذكَّر الله اليهود
بأفعال أسلافهم قديماً، وأوضح مصيرهم وجزاءهم، ليعتبر المعاصرون، أورد
مبدأ عاماً لكل المؤمنين: وهو أن كل مؤمن بالله واليوم الآخر تمسك بجبل
الدين المتين، وعمل صالحاً، فهو من الفائزين، سواء أكان من المسلمين أم
من اليهود، أم من النصارى أم من الذين تركوا دينهم مطلقاً وأسلموا، قال
تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَأْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:
٣٨/٨].
التفسير والبيان:
إن المصدقين رسول الله ◌َ له فيما أتى به من عند الله، والذين تهودوا أو
تنصروا، أو بدلوا دينهم، وآمنوا بالله وحده لاشريك له، وبالبعث والنشور،
وعملوا صالح الأعمال، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم، ولا خوف
عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوا من الدنيا وزينتها، إذا
عاينوا النعيم الدائم في الجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن مدار الفوز والنجاة هو الإيمان الصحيح المقترن بالعمل الصالح.
وليست هذه الآية منسوخة، وإنما هي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين
بالنبي عليه السلام.
ولا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل الكتاب، ولأجل كتابهم جاز
نكاح نسائهم وأكل طعامهم، كما تقرر في سورة المائدة (الآية: ٥) وفرض
الجزية عليهم، كما أوضحت سورة براءة (الآية ٢٩) واختلف في الصابئين:
١٩٥
لُ (١) - البَفَرَة: ٦٣/٢-٦٦
فقال جماعة (السدي واسحاق بن رَاهَوَيْه وأبو حنيفة): لا بأس بذبائحهم
ومناكحة نسائهم.
وقال آخرون (مجاهد والحسن البصري وابن أبي تَجِيح): لا تؤكل ذبائحهم
ولا تنكح نساؤهم.
والحاصل: أن الصابئة قوم موحدون معتقدون تأثير النجوم، وأنها
فعّالة(١).
بعض جرائم اليهود وعقابهم
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ
ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّرْ بَعْدٍ ذَلِكٌ فَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ
مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ اْخَسِرِينَ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ
٦٤
◌َجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا
٦٥
فَقُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ
(٦٦) @
وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ
القراءات:
{خَسِينَ﴾ :
ووقف حمزة بحذف الهمزة
الإعراب:
﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ﴾ فيه محذوف، تقديره: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم،
وحذف القول كثير في كلامهم.
(١) تفسير القرطبي: ٤٣٤/١-٤٣٥
١٩٦
الزُ (١) - الَقَرَة: ٦٣/٢-٦٦
[مِيثَفَكُمْ﴾ ولم يقل ((مواثيقكم)) لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم مثل ﴿ثُمَّ
يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧/٤٠] أي يخرج كل واحد منكم طفلاً.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ﴾ لولا: حرف يمتنع له الشيء لوجود غيره، تقول: لولا
زيد لأكرمتك، فيكون امتناع الإكرام وجود زيد. فضل: مبتدأ مرفوع، وخبره
محذوف تقديره: موجود أو كائن.
﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ أمر تكوين، لا أمر تكليف، والمراد به تكوّنهم قردة.
وقردة: خبر كان. وخاسئين: إما صفة لقردة، أو خبر بعد خبر، أو حال من
الضمير في: كونوا.
﴿فَعَلْنَهَا نَكَلًا﴾ الضمير في الفعل يعود إما على الْمُسَخَة أو يعود على
القردة.
وكذلك ((ها)) في قوله ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. ونكالاً: مفعول به ثانٍ.
البلاغة:
﴿خُذُواْ﴾ فيه إيجاز بالحذف كما بينا، أي قلنا لهم: خذوا.
كُونُواْ قِرَدَةً﴾ ليس الأمر على حقيقته، وإنما أريد به معنى الإهانة
والتحقير ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ كناية عمن أتى قبلها أو بعدها من
الخلائق.
المفردات اللغوية:
مِيثَقَكُمْ﴾ الميثاق: العهد المؤكد، ويراد به هنا: العهد بالعمل بما في
التوراة ﴿الطُّوَرَ﴾ الجبل المعروف في شمال فلسطين ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد ونشاط
﴿وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ بالعمل به ﴿تَنَّقُونَ﴾ النار أو المعاصي ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم.
١٩٧
لُ (١) - البَفَرَة: ٦٣/٢-٦٦
أَعْتَدَوْأ﴾ تجاوزوا الحد ﴿السَّبْتِ﴾ اليوم المعروف، وقد نهاهم الله عن
صيد السمك فيه، وهم أهل أيلة وهي القرية التي كانت حاضرة البحر.
﴿خَسِئِينَ﴾ بعيدين عن رحمة الله، وقد هلكوا بعد ثلاثة أيام.
فجعلناها ﴿نَكلًا﴾ أي تلك العقوبة عبرة تنکل من اعتبر بها، أي تمنعه من
ارتكاب مثل ما عملوا . ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي الأمم التي في زمانها
أو بعدها ﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ خص المتقون بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها
بخلاف غيرهم. والمتقون: الذين اتقوا بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تذكيراً لبني إسرائيل بالنعم الجليلة، وأما هذه
الآيات فهي تنديد بالمخالفات والمعاصي التي ارتكبوها، فإنهم نقضوا الميثاق أو
العهد مع الله، وتجاوزوا النهي الإلهي في السبت، فأصبحوا كالقردة مبعدين
عن رحمة الله والناس. وإذا كان هذا في بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى
عليه السلام، فأجدر بسلائلهم الذين كانوا في عصر تنزيل القرآن ألا يجحدوا
نبوة محمد ، خوفاً من أن يحل بهم ما حل بأسلافهم.
التفسير والبيان:
واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخدنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في
التوراة، فرفضوا حتى رفع الله فوقهم الطور تخويفاً وإرهاباً، وأمرهم أن
يأخذوا بما فيها بجد ونشاط ومواظبة على العمل، واذكروا ما في التوراة
واعملوا بما فيها من الأحكام، وتدبروا معانيها حتى تكونوا من المتقين؛ لأن
العلم يرشد إلى العمل، والعمل يرسخ العلم في النفس، ويطبع فيها سجية
المراقبة لله، وبها تصير تقية تتقي المعاصي، نقية من الرذائل، مرضية عند ربها،
كما قال تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢/٢٠].
١٩٨
◌ِلُعُ (١) - البَقَة: ٦٣/٢-٦٦
فقبلتم إلى حين، ثم أعرضتم بعد ذلك عن الطاعة، فلولا رحمة الله ولطفه
بكم وإمهاله إياكم، إذ لم يعجل عقوبتكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين
الخاسرين سعادتي الدنيا والآخرة.
ولقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت،
وكان محرماً فيه لقصره على العبادة، فإن موسى عليه السلام حظر عليهم العمل
في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، وأباح لهم العمل في بقية أيام
الأسبوع.
وكان جزاؤهم أنهم أصبحوا في مرتبة الحيوان، يعيشون من دون عقل
ووعي وتفكير، ويتخبطون في أهوائهم، كالقردة في نزواتها، والخنازير في
شهواتها، يأتون المنكرات علانية، بعيدين عن الفضائل الإنسانية، حتى
احتقرهم الناس؛ ولم يروهم أهلاً للمعاشرة والمعاملة.
فمعنى صيرورتهم قردة خاسئين: تصييرهم مبعدين عن الخير أذلاء
صاغرين. قال مجاهد: لم يمسخوا قردة، ولم تمسخ صورهم، وإنما مسخت
قلوبهم، فلا تقبل وعظاً، ولا تعي زجراً. وهو مثل ضربه الله لهم، كما مثِّلوا
بالحمار يحمل أسفاراً، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ
يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥/٦٢] (١).
ورأى جمهور المفسرين: أن صورهم مسخت بمعصيتهم، فصارت صور
القردة، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين
نَهَوْا، وهلك سائرهم.
والممسوخ لا يَنْسُل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام.
وكذلك يفعل الله بمن شاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء (٢).
(١) تفسير الطبري: ٢٦٣/١
(٢) المصدر السابق: ٢٦١/١، تفسير القرطبي: ٤٤٠/١ -٤٤٣
١٩٩
لُ (١) - البَقَة: ٦٣/٢ -٦٦
وللآية نظير آخر، هو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاْخَزِيَرَ وَعَبَدَ
اُلْطَّغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠/٥] أي الشيطان.
قال ابن كثير: والصحيح أن المسخ معنوي صوري، والله تعالى أعلم (١).
وعلى أي حال فإن الله تعالى عاقب بني إسرائيل بعقوبة المسخ، أياً كان
نوعه وهو عقاب لكل فاسق خارج عن طاعة الله، وعبرة لینگُل من يعلم بها ،
أي يمتنع من الاعتداء على حدود الله، وهو أيضاً عظة للمتقين؛ لأن المتقي
الحقيقي يتعظ بها ويبتعد عن حدود الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا﴾
[البقرة: ١٨٧/٢] فأولى بكم أيها اليهود المعاصرون أن تتعظوا بما حل
بأسلافکم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآيات على أمور ثلاثة: رفع الطور، والمسخ، وعظة العصاة
المخالفين أوامر الله ونواهيه.
أما رفع جبل الطور فوق اليهود كالمظلة: فكان إنذاراً وإرهاباً وتخويفاً،
وهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾
[الأعراف: ١٧١/٧] قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه.
واختلف في الطور: فقيل عن ابن عباس: الطور: اسم للجبل الذي كلم
الله عليه موسى عليه السلام، وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره. وقال مجاهد
وقتادة: أي جبل كان.
وسبب رفع الطور: أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله
بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا! إلا أن
(١) تفسير ابن كثير: ١٠٦/١-١٠٧
٢٠٠
لُ (١) - البَقَرة: ٦٣/٢-٦٦
يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا:
لا. فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين طوله فرسخ (١) في
مثله، وكذلك كان عسكرهم؛ فجعل عليهم مثل الظلة، وأُتوا ببحر من
خَلْفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا
تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبةً لله، وأخذوا التوراة
بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم
ميثاق (٢). وكان سجودهم على شِقّ؛ لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفاً، فلما
رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبَّلها الله ورحم بها عباده،
فجعلوا سجودهم على شق واحد.
قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم
الإيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كرهاً، وقلوبهم غير مطمئنة بذلك.
وروي عن مجاهد سبب آخر لرفع الطور قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا
الباب سجداً، ويقولوا: حطة، وطوطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا،
ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة، فنتق فوقهم الجبل (٣).
وأما المسخ: فرأى الجمهور أن الله تعالى مسخ المعتدين من اليهود بصيد
السمك يوم السبت، وكان العمل فيه محرماً من قبل موسى عليه السلام، قال
قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نَهَوْا - وهي
الفرقة التي نهت اليهود عن المخالفة وجاهرت بالنهي واعتزلت - وهلك
سائرهم.
(١) الفرسخ: ٣ أميال أو ٥٥٤٤ م أو ١٢٠٠٠ خطوة.
(٢) تفسير الطبري: ٢٥٧/١
(٣) المرجع والمكان السابق.