النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
الُ (١) - الْبَقَرّة: ٤٠/٢-٤٣
﴿ وَإِيَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ و﴿ وَإِيَّىَ فَتَّقُونِ﴾ يفيد الاختصاص، وهو أوكد في
إفادة الاختصاص من ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
· تكرار الحق في قوله: ﴿تَلْبِسُواْ الْحَقَ﴾ وقوله ﴿وَتَكْثُمُواْ الْحَقَ﴾ لزيادة
تقبيح المنهي عنه؛ لأن التصريح للتأكيد.
إطلاق الركوع على الصلاة في قوله: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ﴾ مجاز مرسل،
من أنواع تسمية الكل باسم الجزء.
المفردات اللغوية:
﴿إِسْرَِّيلَ﴾ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام،
وبنوه: أولاده، وهم اليهود. ومعنى ﴿إِسْرَّهِيلَ﴾ صفي الله، وقيل: الأمير
المجاهد . ﴿بِعَهْدِىّ﴾ عهد الله: ما عاهدهم عليه في التوراة من الإيمان بالله
وبرسله وبخاصة محمد خاتم الأنبياء من ولد إسماعيل ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ ما عاهدتكم
عليه من الثواب على الإيمان، والتمكين من بيت المقدس، وسعة العيش في
الدنيا.
﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ قد يطلق كل من البيع والشراء على الآخر،
والمعنى: لا تبيعوا آياتي بثمن قليل وعوض يسير من الدنيا، أو لا تكتموها
خوف فوات ما تأخذونه من الناس . ﴿فَأَرْهَبُونِ﴾ فخافونٍ في نقضكم العهد
وترك الوفاء به دون غيري.
﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ﴾ من القرآن. ﴿مُصَدِّقًّا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة
بموافقته في التوحيد والنبوة.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا
تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه.
١٦٢
لُ (١) - البَقَة: ٤٠/٢-٤٣
المناسبة:
اختصت هذه الآيات من (٤٠ - ١٤٢) بالكلام عن بني إسرائيل فيما
يقارب جزءاً كاملاً، لكشف حقائقهم وبيان مثالبهم، وكانت الآيات السابقة
من أول السورة إلى هنا حول إثبات وجود الله ووحدانيته، والأمر بعبادته،
وأن القرآن كلام الله المعجز، وبيان مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وتكريمه
وخلق السماوات والأرض، وموقف الناس من كل ذلك وانقسامهم إلى
مؤمنين وكافرين ومنافقين. ثم بدأ سبحانه بمخاطبة الشعوب التي ظهرت فيها
النبوة، فبدأ باليهود؛ لأنهم أقدم الشعوب ذات الكتب السماوية، ولأنهم
كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين بالقرآن، مع أنهم أولى الناس بالإيمان بخاتم
الرسل، لذا ذَكَّرَهُمُ الله تعالى بنعمه الكثيرة التي أنعم بها عليهم، وذَكَّرهم
بالعهد المؤكد معهم على التصديق بنبوة محمد بنطاهر، وتنوع أسلوب القرآن في
خطابهم، تارة بالملاينة والملاطفة، وتارة بالتخويف والشدة، وأحياناً بالتذكير
بالنعم، وطوراً بتعداد جرائمهم وقبائحهم وتوبيخهم على أعمالهم وإقامة
الحجة عليهم.
التفسير والبيان:
يا أولاد النبي الصالح يعقوب، كونوا مثل أبيكم في اتباع الحق، وتفكروا
بالنعم التي أنعم الله بها على آبائكم من الإنجاء من فرعون، وتظليل الغمام،
واشكروا الله على نعمه بامتثال أوامره وإطاعته، وأوفوا بما عاهدتكم عليه من
الإيمان بالله ورسله دون تفريق، وبخاصة محمد خاتم النبيين، أُوَفِّ بعهدي لكم
في الدنيا والآخرة، بالتمكين لكم في الأرض المقدسة - في زمنهم - ورفع
شأنكم، وتوسيع معيشتكم، ونصركم على أعدائكم، وتوفير السعادة لكم في
الآخرة.
وآمنوا - ضمن مشتملات العهد - بالقرآن إيماناً صادقاً، وأنه من عند
١٦٣
◌ِلُعُ (١) - الْبَفَرَة: ٤٠/٢-٤٣
الله، وأنه نزل مؤيداً ومصدقاً وموافقاً للتوراة وكتب الأنبياء السابقة، في
الدعوة إلى توحيد الله، وترك الفواحش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي التوراة وصف للنبي وَّر، فلا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر
به، فأنتم أحق الناس بالإيمان به، لوجود دليل صدقه في التوراة. ولا تبيعوا
آيات الله الدالة على صدق محمد في نبوته ودعوته بثمن دنيوي حقير، من رياسة
أو زعامة أو مال أو موروثات وعادات قديمة، فإنه ثمن قليل بخس، وتجارة
خاسرة غير رابحة. ولا تخافوا أحداً سوى الله فهو بيده الخير كله. ولا تخلطوا
الحق الموجود في التوراة بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، ولا تكتموا وصف
النبي وبشارته التي هي حق وأنتم تعلمون ضرر الكتمان، فليس جزاء العالم في
الآخرة كالجاهل. وأدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والزكاة وأدوها
جماعة مع النبي محمد عليه السلام. وعبر بالركوع عن الصلاة ليبعدهم عن
صلاتهم القديمة التي لا ركوع فيها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى أحكام كثيرة في العقيدة والأخلاق والعبادة والحياة
الخاصة والعامة، فأوجبت على اليهود ألا يغفلوا عن نعم الله التي أنعم بها
عليهم وألا يتناسوها، والنعمة هنا: اسم جنس، مفردة بمعنى الجمع، قال
الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤/١٤]، ومن نعمه
عليهم: أن أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم المن
والسلوى، وفجَّر لهم من الحجر الماء، واستودعهم التوراة التي فيها صفة محمد
وَّله ونعته ورسالته (١)، والنعم على الآباء نعم على الأبناء، لأنهم يشرفون
(١) تفسير الرازي: ٣٣/٣ وما بعدها، قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم
قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إسرائيل بنعمه عليهم، ولما آل الآمر إلى أمة محمد طاهر ذكرهم
بالمنعم فقال: ﴿فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢/٢] فدل ذلك على فضل أمة محمد ومية
على سائر الأمم.
١٦٤
لُهُ (١) - الْبَقَرَة: ٤٠/٢-٤٣
بشرف آبائهم وكانت النعم سبباً في بقائهم. والتذكير بكثرة النعم يوجب الحياء
عن إظهار المخالفة، ويوجب عظم المعصية، ويستدعي الإيمان بمحمد وَله
وبالقرآن.
وألزمهم الوفاء بالعهد: وهو عام في جميع أوامره تعالى ونواهيه ووصاياه،
ويدخل في ذلك الإيمان بمحمد 18 الذي ذكر في التوراة وغيرها، فإذا وفّوا
بعهودهم، وفى الله لهم عهده: وهو أن يدخلهم الجنة، على سبيل التفضل
والإنعام.
وما طلب من اليهود من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا، قال الله تعالى:
﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١/٥] و﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمُ﴾ [النحل:
٩١/١٦].
وأمرهم بخشية الله وحده والإيمان (التصديق) بما أنزل الله وهو القرآن،
ونهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمناً، أي على
تغيير صفة محمد وَ لَّ رُشىّ، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنهوا عنه.
وقد أثار العلماء في هذه الآية (٤١) ونحوها مسألة أخذ الأجرة على تعليم
القرآن (١)، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي، وقالوا: لا يجوز أخذ
الأجرة على تعليم القرآن؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها
إلى نية التقرب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام، وقد
قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾.
وأجاز جمهور العلماء غير الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لقوله
عليه السلام في حديث ابن عباس - حديث الرُّقْيَة الذي أخرجه البخاري:
((إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) والقياس على الصلاة والصيام
(١) تفسير القرطبي: ٣٣٥/١
١٦٥
لُ (١) - البَقَرَة: ٤٤/٢-٤٨
فاسد؛ لأنه في مقابلة النص، ولأن تعليم القرآن يتعدى أثره لغير المعلِّم،
فيختلف عن العبادات المختصة بالفاعل.
وهذا الخلاف جارٍ أيضاً في أداء الصلاة وغيرها من الشعائر الدينية بأجر.
ونهى الله اليهود - ومثلهم غيرهم - عن أن يخلطوا ما عندهم من الحق في
الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل، وعن كتمان ما علموا، ومنه أن
محمداً عليه السلام حق، فكفرهم كان كفر عناد، ولم يشهد تعالى لهم بعلم في
ذلك.
وفي نهاية الآيات أمرهم الله تعالى - والأمر للوجوب - بإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة، وعبر عن الصلاة بالركوع؛ لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم
ركوع، ليرشدهم إلى الصلاة بالصفة الإسلامية، والمراد بالزكاة على الأصح
الزكاة المفروضة، لمقارنتها بالصلاة، وليس المراد هو صدقة الفطر. وفي
الصلاة تطهير النفوس، وفي الزكاة تطهير المال، وكلاهما مظهر شكر الله على
نعمه، والزكاة تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني
بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني. قال الجصاص: أريد بالصلاة
والزكاة ما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكوات الواجبة (١).
نماذج من سوء أخلاق اليهود
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
٤٤
يَنْبَنِىّ إِسْرَِّيَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ اُلَِّىّ أَنْعُمْثُ
٤٦
أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا
يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ
٤٨
(١) أحكام القرآن: ٣٤/١
١٦٦
لِلُعُ (١) - البَقَة: ٤٤/٢-٤٨
القراءات:
﴿وَلَا يُقْبَلُ﴾: قرئ:
١- (ولا تُقبل) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (ولا يُقبل) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير
في ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾. ﴿وَإِنَّهَا﴾ الهاء تعود على الصلاة، وإنما قال: ﴿وَإِنَّهَا﴾ ولم
يقل: وإنهما أي الصبر والصلاة؛ لأن العرب ربما تذكر اسمين، وتكِّي عن
أحدهما، مثل: ﴿وَأَلَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ ولم يقل
ينفقونهما، ومثل: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١/٦٢] ولم
يقل: إليهما.
﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير يعود إلى الله تعالى.
﴿يَوْمًا﴾ مفعول فيه ظرف زمان لفعل ﴿ وَأَثَّقُواْ﴾. و﴿لَّا تَجْزِى﴾ وما بعدها
من الجمل المنفية صفات ليوم، وفي كل جملة ضمير مقدر يعود على يوم،
تقديره: فيه، أي لا تجزي فيه .. وهكذا. وتذكير فعل ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾
مع أن الفاعل مؤنث لوجود الفاصل، وإذا وجد الفصل بين الفعل والفاعل،
قوي التذكير.
البلاغة:
﴿أَتَأْمُرُ ونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ. ﴿ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾ فيه تقريع وتبكيت.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ استفهام إنكاري ﴿ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ مبالغة في الترك.
ثم إن عطف ﴿وَأَنِ فَضَلْتُكُمْ﴾ على ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ﴾ من عطف الخاص على
"'
١٦٧
الجُزُ (١) - البقرة: ٤٤/٢-٤٨
العام . ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ تنكير اليوم للتهويل، وتنكير النفس في ﴿ نَفْسُ عَن نَّفْسِ﴾
الإفادة العموم.
المفردات اللغوية:
((البر)) الطاعة والخير والعمل الصالح ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ تتركونها فلا
تأمرونها به ﴿اَلْكِتَبَّ﴾ التوراة، وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل. ﴿أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾ سوء فعلكم فترجعوا.
﴿ وَأَسْتَعِينُواْ﴾ اطلبوا المعونة على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ حبس النفس على ما
تكره ﴿ وَالصَّلَوَةِ﴾ قال القرطبي وغيره: خص الصلاة بالذكر من بين سائر
العبادات تنويهاً بذكرها، وكان عليه السلام إذا حَزَبه أمر فَزَع إلى الصلاة (١)
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ﴾ أي وإن الصلاة لشاقّة ثقيلة ﴿الْخَشِعِينَ﴾ الساكنين إلى الطاعة.
{يَظُنُّونَ﴾ يعتقدون أو يوقنون ﴿قُلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث ﴿ وَأَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ}
في الآخرة فیجازهم.
﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ﴾ بالشكر عليها بطاعتي ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ أي آباءكم ﴿عَلَى الْعَلَمِينَ﴾
عاَي زمانهم. ﴿وَأَتَّقُواْ﴾ خافوا ﴿يَوْمًا﴾ يوم القيامة. ﴿لَا تَجْزِى﴾ تقضي وتؤدي
نفس. ﴿عَدْلٌ﴾ فداء. ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله.
سبب النزول:
أخرج الواحدي والثعلبي عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية (٤٤) في
يهود المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينهم وبينه
رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به، وهذا
(١) تفسير القرطبي: ٣٧١/١، وحزبه: نزل به مُهمّ أو أصابه غم.
١٦٨
لِلُرُ (١) - البُقَرّة: ٤٤/٢-٤٨
الرجل، يعنون محمداً وَلّل، فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا
يفعلونه (١).
وقال السُدّي: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر،
ويخالفون، فعيَّرهم الله عز وجل (٢).
التفسير والبيان:
بَانَ مما سبق في سبب النزول أن الآيات نزلت في أهل الكتاب وعلى
التخصيص الأحبار والرهبان، كانوا يأمرون الناس بالخير والثبات على
الإسلام ويتركون أنفسهم، فهذا مدعاة العجب والاستغراب، فإن الآمر
بالشيء هو القدوة، فعليه المبادرة إلى فعل ما أمر به غيره، وإلا كان كمثل
السراج يضيء للناس ويحرق نفسه. وفي هذا توبيخ وتأنيب شديد، فكيف يليق
بكم يا أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير، أن تنسوا
أنفسكم، فلا تأتمرون بما تأمرون به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون
ما فيه من وعيد على من قصر في أوامر الله، أفلا تعقلون ما أنتم صانعون
بأنفسكم؟ فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم.
وهذا الخطاب، وإن كان لليهود من أهل الكتاب، فهو موجه أيضاً
لغيرهم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وطريق العلاج لهذا المرض أن تؤمنوا حقاً، وتستعينوا على أنفسكم الأمارة
بالسوء، على مرضاة الله بالصبر الحقيقي وهو إنما يكون بتذكر وعد الله بحسن
الجزاء لمن صبر عن الشهوات المحرمة، وتستعينوا بالصلاة لترويض النفس على
التزام جادة الاستقامة، فمن صبر على احتمال التكاليف، وصرف نفسه عن
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٣
(٢) تفسير ابن كثير: ٨٥/١
١٦٩
الُزُ (١) - البَقَة: ٤٤/٢-٤٨
المعاصي، وناجى ربه في صلاته، وعقد الصلة مع الله فيها خمس مرات في
اليوم، كان جديراً بنصح الآخرين، مدركاً بعقله الواعي مخاطر الانحراف،
ضامناً لنفسه النجاة، لأن الأمر بالمعروف واضح، وهو واجب على العالم،
وأوجب منه أن يبدأ الواعظ بفعله بنفسه، ولا يتخلف بشيء عمن أمرهم به،
قال شعيب عليه السلام - فيما حكاه القرآن: ﴿وَمَّا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
ج
أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨/١١].
والتزام الصلاة أمر شاق إلا على من خشعت نفوسهم لله، وخافوا من
شديد عقابه، وعمرت قلوبهم بالإيمان وصدقوا بلقاء الله وحسابه، فبادروا إلى
الصلاة، لإراحة أنفسهم، وتطمين قلوبهم، وإراحة بالهم، وإزالة قلقهم،
وهو ما عبر عنه النبي ◌َّل بقوله: ((وجُعِلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة)) (١).
والأصح أن المراد بالصلاة التي أمر بها اليهود وغيرهم هي الصلاة
الإسلامية، بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة ومكلفون بها، ولأن الصلاة
التي أمروا بها هي المشتملة على الركوع، كما في الآية السابقة، وصلاتهم لا
ركوع فيها، كما بينا.
وعبر بالظن في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٤٦/٢] للإشارة إلى أن من ظن
اللقاء لا يشق عليه الصلاة، فكيف بمن يتيقنه؟! فهذا سبب آخر بعد نسيان
أنفسهم وتلاوة الكتاب للتقريع والتوبيخ.
وفي مجالات الأوامر والترغيب في المأمورات يحسن التذكير بالنعم الإلهية،
لذا كرر تعالى تذكير الكتاببين بالنعم التي أنعم بها على آبائهم وعليهم، وأنه
فضلهم على غيرهم من العالم في زمانهم، وأنه جعل فيهم الأنبياء، والخطاب
(١) نص الحديث بكامله: ((حُبِّب إلي من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في
الصلاة)) أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
١٧٠
لُعُ (١) - الْبَغَة: ٤٤/٢-٤٨
ليس موجهاً إلى الجماعة فقط، وإنما إلى كل فرد أيضاً، لأن كل امرئ مسؤول
عن نفسه، فليخش كل إنسان يوماً مليئاً بالأهوال، لا منجاة فيه إلا بتقوى الله
في السر والعلن، ولا فائدة فيه إلا لمن عمل لنفسه، فلا تقبل هناك شفاعة
الشفعاء والوسطاء، ولا ينفع دفع البدل أو الفداء، ولا يمنع المقصرون من
العذاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستحق كل مقصر في واجبه العقاب واللوم، فقد كان التوبيخ في الآية
بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر، وكان ذم اليهود لأنهم كانوا
يأمرون بأعمال البر والطاعة ولا يعملون بها، ويزداد التقريع للعالم الذي لا
يعمل بما علم، فليس من يعلم كمن لا يعلم، ولا يتقبل العقل السليم هذه
الحال من أحد.
وإطاعة الأوامر الإلهية وعدم مخالفتها تتطلب الصبر، ومن صبر عن
المعاصي فقد صبر على الطاعة، ومن أخص حالات الصبر: الصلاة، فالصلاة
فيها سجن النفوس، وجوارح الإنسان فيها مقيدة بها عن جميع الشهوات،
فكانت الصلاة أصعب على النفس، وكانت مكابدتها أشق. وتهون المصاعب
كلها أمام الخاشعين المتواضعين المخبتين إلى الله، الموقنين بلقاء الله، المصدقين
بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى الذي لا تخفى عليه خافية في
الأرض ولا في السماء.
وليست أمور الآخرة مقيسة على أمور الدنيا، كما كان يتوهم اليهود
وغيرهم من الأمم الوثنية، فليس في ميزان الإسلام وعدله طريق لتخليص
المجرمين من العذاب بفداء أو بدل يدفع، أو بشفاعة تشفع، ولا ينفع في اليوم
الآخر إلا مرضاة الله تعالى بالعمل الصالح، والإيمان المستقر في النفوس،
المتجلي في أعمال الانسان، والحكم إلى الله العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء
١٧١
الُرعُ (١) - البَفَرَة: ٤٤/٢-٤٨
والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، كما قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ
إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ
﴿ بَلَ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
مَا لَكُمْ لَ نَنَاصَرُونَ
٢٦
[الصافات: ٢٤/٣٧-٢٦].
والشفاعة المرفوضة هي شفاعة الكافرين، فقد أجمع المفسرون على أن المراد
بقوله تعالى: ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٍّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾:
النفس الكافرة، لا كلَّ نفس. أما المؤمنون فتنفعهم الشفاعة بإذن الله، لقوله
تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨/٢١] والفاسق غير
مرْتَضى، وقوله: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ [سبأ: ٢٣/٣٤]
وليس في الشفاعة رجوع المولى عن إرادته لأجل الشافع، وإنما هي إظهار
كرامة للشافع بتنفيذ ما أراده الله أزلاً عقب دعاء الشافع، والشفاعة دعاء.
وليس في إثبات شفاعة مسوغ لمغتر يتهاون بأوامر الدين ونواهيه اعتماداً على
الشفاعة، فلا ينفع أحداً في الآخرة إلا طاعة الله ورضاه.
وأما تفضيل بني إسرائيل فهو ليس دائماً ولا عاماً، وإنما هو مقصور على
عالمي زمانهم، ومرتبط بمدى تنفيذهم أوامر الله، فالتفضيل هو مناط الأخذ
بالفضائل وترك الرذائل، والفضل إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو صحيح لا
شك فيه، ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد
من غيرهم، ويزول الفضل إذا هم انحرفوا عن هدي أنبيائهم وتركوا سنتهم.
وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله بمرضاته، فهو مختص بالأنبياء
والمهتدين من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومقيد بمدة الاستقامة على العمل
الذي استحقوا به التفضيل (١).
(١) تفسير المنار: ٣٠٤/١ وما بعدها.
١٧٢
الُزُ (١) - البَفَرَّة: ٤٩/٢-٥٤
نعم الله تعالى العشر على اليهود
﴿وَإِذْ نَكُمْ مِنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَادِ يُذَبِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ
نِسَآءَ كُمْ وَفِ ذَالِكُمْ بَلَّءُ مِّن زَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنَّنَكُمْ وَأَغَقْنَآَ
ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ﴿ وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ،
وَأَنْتُمْ ◌َلِمُونَ ﴿٥٨ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿﴿ وَإِذْ ءَاتَيْنَا
مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَْتَدُونَ ﴿﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ
أَنْفُسَكُمْ بِتَخَاذِكُمُ الْعِعْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَّكُمْ فَاقْتُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِيِكُمْ
فَثَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
٥٤ ) @
القراءات:
﴿ وَإِذْ وَعَدْنَا﴾: قرئ: (وعدنا) بغير ألف، وهي قراءة أبي عمرو.
﴿أَّخَذُُّمُ﴾ : قرئ:
١- بإدغام الذال في التاء، وهي قراءة الجمهور.
٢- بالإظهار، وهي قراءة ابن كثير وحفص.
﴿ بَارِپگُمْ﴾ : قرئ:
١- بظهور حركة الإعراب، وهي قراءة الجمهور.
٢- بالاختلاس، وهي قراءة أبي عمرو.
١٧٣
الُ (١) - الْبَقَة: ٤٩/٢-٥٤
الإعراب:
﴿وَإِذْ﴾ معطوف على ﴿نِعْمَتِىَ﴾ ومنصوب بفعل محذوف تقديره: واذكروا
إذ نجيناكم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾، ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا﴾، ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا
مُوسَى﴾. ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ممنوع من الصرف للتعريف والعجمة، ومعناه في القبطية:
التمساح. ﴿يَسُوُمُونَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من آل فرعون.
وكذلك ﴿يُّذَتِجُونَ﴾ و﴿ وَيَسْتَحْيُونَ﴾ حال منهم أيضاً.
﴿وَعَدْنَا﴾ بمعنى وعدنا، لأن الأصل في (فاعلنا)) أن تكون مشاركة من
اثنين، ولا يحسن ههنا؛ لأن الله تعالى وعد موسى، ولم يكن من موسى وعد لله
تعالى. ﴿اَّخَذْتُمُ﴾ فعل يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما،
الأول منهما (العجل) والثاني مقدر وتقديره: إلهاً. ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ جملة
اسمية في موضع الحال من ضمير ﴿أَّخَذْتُ﴾.
﴿ذَلِكُم﴾ أراد المذكور، وهو يشمل القتل والتوبة.
البلاغة:
﴿ يَسُوُمُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾ استعارة من السَّوْم في البيع. ﴿بَلَّءُ
و﴿عَظِيمٌ﴾ التنكير فيهما للتفخيم والتهويل.
﴿وَعَدْنَا﴾ ليست على أصلها وهو المشاركة من اثنين، وإنما هي بمعنى
((وعدنا)) كما بينا في الإعراب.
هذا وعطف الفرقان على الكتاب في آية (٥٣) من باب عطف الصفات
بعضها على بعض؛ لأن الكتاب هو التوراة، والفرقان هو التوراة أيضاً، فهو
كتاب منزل وفارق بين الحق والباطل.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ﴾ أي آباءكم، تذكيراً لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا.
١٧٤
لُعُ (١) - البَقَرة: ٤٩/٢-٥٤
وفرعون: لقب لمن ملك مصر قبل البطالسة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوّءَ
الْعَذَابِ﴾ أشده أي العذاب الشديد. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾ يبقون نساءكم أحياء،
ويقتلون الرجال، لقول بعض الكهنة لفرعون: إن مولوداً يولد في بني
إسرائيل، يكون سبباً لذهاب ملكك ﴿وَفِ ذَلِكُمْ﴾ العذاب أو الإنجاء
﴿بَلَاءٌ﴾ ابتلاء واختبار.
﴿فَرَقْنَا﴾ فلقنا، والمراد جعلنا فيه جسراً تعبرون عليه، هاربين من عدوكم.
﴿ اَلْكِتَبَ﴾ التوراة. ﴿وَالْقُرْقَانَ﴾ الشرع الفارق بين الحق والباطل والحلال
والحرام.
﴿فَاقْتُلُوْاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ليقتل البريء منكم المجرم ﴿ ذَلِكُمْ﴾ القتل، وقتل منهم
نحو سبعين ألفاً ﴿بَارِبِكُمْ﴾ مبدعكم ومحدثكم ﴿فَثَابَ﴾ قبل توبتكم.
المناسبة:
هذه الآيات في تفصيل النعم العشر التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، بعد
الإشارة إليها إجمالاً في قوله: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَلَِّىّ أَنْعُمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تذكيراً لهم
بضرورة شكرها.
التفسير والبيان:
اذكروا أيها اليهود الذين تعاصرون التنزيل ونبوة محمد وقّله النعم التي أنعم
الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضاً بالتبع، كانت سبباً لبقائكم، ولأن
الإنعام على أمة إنعام يشمل كل أفرادها، وهي نعم عشر، ذكر منها هنا خمساً
وهي :
اً - النجاة من فرعون وآله، فإنه كان يذبح الأبناء الذكور، ويترك البنات
أحياء، ويذيقهم العذاب الشديد؛ لأن فرعون كان قد رأى ناراً هالته،
١٧٥
لُ (١) - البقرة: ٤٩/٢-٥٤
خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني
إسرائيل. وفّرت له بأن زوال ملكه يكون على يد رجل من بني إسرائيل (١).
فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا نجاهم الله من هذا العذاب المهين.
وفي النجاة من الهلاك اختبار من الله، حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك.
والاختبار قد يكون بالخير أو بالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥/٢١] وقال: ﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨/٧].
وأما أنواع العذاب غير القتل، فقال ابن إسحاق: كان فرعون يعذب بني
إسرائيل، فيجعلهم خدماً وخولاً، وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون،
وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله،
فعليه الجزية، فسامهم العذاب.
وفرعون: لقب لكل من ملك مصر قبل البطالسة، مثل قيصر لملك الروم،
وكسرى لملك الفرس، وتُبَّع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة، وخاقان
لملك الترك، وبطليموس لمن ملك الهند.
ونسب الله تعالى إلى آل فرعون - وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه -
لتولّيهم ذلك بأنفسهم، وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله (٢). قال الطبري:
فكذلك كل قاتل نفساً بأمر غيره ظلماً، فهو مقتول عندنا به قصاصاً، وإن
كان قتله إياه بإكراه غيره له على قتله (٣).
اً - عبور بني إسرائيل في البحر الأحمر سالمين بعد تهيئة طريق يابس
سلكوه، وإغراق فرعون وجنوده. وقد كان فَرْق البحر من معجزات موسى
(١) تفسير ابن كثير: ٩٠/١
(٢) تفسير القرطبي: ٣٨٥/١
(٣) تفسير الطبري: ٢١٤/١
١٧٦
لُ (١) - الْبَقَرة: ٤٩/٢-٥٤
عليه السلام كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم،
لتصديق الناس إياهم، وهي سنة في الكون يخلقها الله متى شاء على يد من
يصطفيه من عباده.
وأما فرعون وجنوده فتبعوهم، حتى إذا كانوا في وسط البحر، أطبق الله
عليهم الماء، فغرقوا.
◌َّ - قبول توبة الإسرائيليين وعفو الله عنهم؛ لأن الله تعالى كثير القبول
لتوبة العصاة، ورحيم بمن ينيب إليه ويرجع، وهذا يستدعي شكر الله تعالى،
وشكره: الإيمان به وبرسله واتباعهم فيما جاؤوا به، وبخاصة خاتم النبيين
محمداً وَير.
٤ - إنزال التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام على موسى
عليه السلام، كي يهتدوا بها، ويتدبروا ما فيها، ويسيروا على منهجها
وشرعها.
٥ - التخلص الجماعي من المجرمين بأمر الله نبيه موسى عليه السلام بعد أن
اتخذ بنو إسرائيل العجل إلهاً، فعبدوه من دون الله، وظلموا أنفسهم بعد
الإشراك بالله، في وقت غيبة موسى عنهم لميقات ربه، وصومه أربعين يوماً،
فاذكر يا محمد قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجي ربه:
يا قوم إنكم باتخاذكم العجل إلهاً قد أضررتم بأنفسكم، فتوبوا إلى
خالقكم، وتخلصوا من جهلكم، إذ تركتم عبادة البارئ، وعبدتم أغبى الحيوان
وهو البقر. وطريق التوبة التي كانت في شريعتهم: أن يقتل البريء منكم
المجرم، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء، لئلا يبصر بعضهم بعضاً عند القتل،
فيرحمه، فتقاتل عبدة العجل مع المؤمنين بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر من
طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وبعدها تضرع
موسى وهارون إلى الله، فتاب عليهم، من قتل ومن لم يقتل، أما المقتول فهو
١٧٧
الُ (١) - البَقَرة: ٤٩/٢-٥٤
حي يرزق عند الله، وأما من بقي فقد قبلت توبته، وانتهى التقاتل، وألقوا
السلاح، وساد السلم والأمن، ولا عجب في هذا، فالله هو التواب الرحيم
بعباده.
والأربعون يوماً في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
والخلاصة: ربما كانت هذه النعمة أجل النعم، فالله تعالى يقول: اذكروا
نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه
عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوماً، وهي المذكورة في الأعراف
(١٤٢) في قوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ وكان
ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر.
فقه الحياة أو الأحكام:
لكل ظالم عاتٍ باغ نهاية حتمية، كنهاية فرعون بالإغراق في البحر،
وللمظلوم فرج قريب ونصر محقق، كإنجاء بني إسرائيل المظلومين على يد
فرعون وآله. وكان الإنجاء عيداً، مستوجباً شكر الإله، وصار يوم عاشوراء
وهو اليوم العاشر من شهر المحرَّم يوم صيام الشكر، روى مسلم عن ابن
عباس أن رسول الله وَّ ر قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال
لهم رسول الله وَّير: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم،
أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعونَ وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن
نصومه. فقال رسول الله وَالر: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول
الله وَل وأمر بصيامه. قال الترمذي: وروي عن ابن عباس أنه قال: صوموا
التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود. واحتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد بن
حنبل وإسحاق.
والشكر لله - كما قال سهل بن عبد الله: الاجتهاد في بذل الطاعة مع
اجتناب المعصية في السر والعلانية.
١٧٨
الُرُ (١) - البَقَرة: ٥٥/٢-٦٠
والمبادرة إلى التوبة سبيل التخلص من المعصية، والله سبحانه واسع الرحمة،
كثير القبول للتوبة.
والصبر مفتاح الفرج، قال القشيري: من صبر في الله على قضاء الله،
عوَّضه الله صحبة أوليائه، هؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضّ من
فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يؤتٍ
أحداً من العالمين (١).
تتمة النّعم العشر على بني إسرائيل
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ ثُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ
ه ◌ُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿﴿ وَظَلَّلْنَا
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىَّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ وَمَا
وَإِذْ قُلْنَا آدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرِّيَةَ فَكُلُواْ
٥٧
ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمَّ
فَبَدَّلَ اٌلَّذِينَ ظَلَمُوْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيْلَ لَهُمْ
وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ لَّ
وَإِذٍ
٥٩
فَأَزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ رِجْزًّا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
اُسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أُضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرّ فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ
عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمَّ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ الَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
القراءات:
﴿يُشِئْتُمْ﴾: وقرئ: (شيتُم) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً.
(١) البحر المحيط: ١٩٤/١
١٧٩
لُ (١) - البقرة: ٥٥/٢-٦٠
﴿َغْفِرْ﴾: قرئ:
١- بالياء مضمومة، وهي قراءة نافع.
٢- بالتاء مضمومة، وهي قراءة ابن عامر.
٣- بالنون، وهي قراءة الباقين.
قيلَ
باشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
﴿ جَهْرَةٌ﴾ منصوب على المصدر في موضع حال من ضمير ﴿قُلْتُمْ﴾
وتقديره: قلتم ذلك مجاهرين، وهذا هو الأوجه. وقيل: صفة محذوف تقديره:
أرنا الله رؤية جهرة.
﴿ سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، منصوب على الحال من ضمير ﴿أَدْخُلُواْ﴾. (حِظَةٌ﴾
خبر مبتدأ محذوف تقديره: مسألتنا حطة، أي حُطّ عنا ذنوبنا. ومن نصب
حِظَةٌ﴾ أعمل الفعل.
فَأَنْفَجَرَتْ﴾ معطوف على فعل مقدر، تقديره: فضرب فانفجرت؛ لأن
الانفجار إنما يحصل عن الضرب، لا عن الأمر بإيجاده، مثل: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرٌّ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢] أي فأفطر فعدة. ومثل: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِغِ
وَلَا عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهُ﴾ [البقرة: ١٧٣/٢] أي فأكل فلا إثم عليه.
﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لعاملها: ﴿تَعْثَوْاْ﴾.
البلاغة:
﴿مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي.
١٨٠
الُءُ (١) - البَقَة: ٥٥/٢-٦٠
﴿فَكُلُواْ﴾ إيجاز بالحذف، أي قلنا لهم: كلوا.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ إيجاز بالحذف أيضاً تقديره: فظلموا أنفسهم بأن كفروا.
والجمع بين ﴿ظَلَمُونَا﴾ و ﴿يَظْلِمُونَ﴾ الماضي والمضارع للدلالة على تماديهم في
الظلم.
﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ولم يقل: فأنزلنا عليهم، لزيادة التقبيح
والمبالغة في الذم والتقريع، بوضع الظاهر موضع الضمير. ﴿رِجْزًا﴾ نَّره
للتهويل والتفخيم.
﴿مِن رِّزْقِ اللهِ﴾ تعظيم للنعمة والمنة، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير
تعب ولا مشقة.
المفردات اللغوية:
﴿جَهْرَةٌ﴾ عياناً واضحاً بالبصر. ﴿الصَّعِقَةُ﴾ الصيحة بالعذاب، أو نار
من السماء . ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ما حلّ بكم.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم﴾ أحبيناكم. ﴿تَشْكُرُونَ﴾ نعمتنا بذلك.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ سترناكم بالسحاب الرقيق من حرّ الشمس في
التيه . ﴿اُلْمَنَّ﴾ شيء حلو لزج كالعسل. ﴿ وَالسَّلْوَّىّ﴾ الطائر المعروف بالسُّماني
ويسمى في بلاد الشام بالفرِّي، وكل من السّماني والسلوى جمع لا واحد له
من لفظه.
﴿هَذِهِ الْقَرِّيَةَ﴾ بيت المقدس أو أريحا. ﴿رَغَدًا﴾ أكلاً واسعاً هنيئاً لا عناء
فيه ولا حجر عليه. ﴿اَلْبَابَ﴾ بابها. ﴿سُجَّدًا﴾ منحنين متواضعين متذللين
الله. ﴿حِظَّةٌ﴾ أي سؤالنا أن تحطّ عنا ذنوبنا أو خطايانا، والمراد: اسألوا الله
المغفرة.
.