النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الُزُ (١) - البقرة: ٢٦/٢-٢٧
ذلك، قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنَا وَلَا يَرْنَابَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مََّضُ وَالْكَفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا
مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١/٧٤].
ثم ردّ الله تعالى على المتسائلين بأن هذا المثل كان سبباً في زيادة ضلال كثير
من الكافرين لكفرهم بالله، وزيادة هداية كثير من المؤمنين لإيمانهم بالله، ولا
يضلّ بضرب المثل أو بغيره من القرآن، إلا الفاسقون: الخارجون عن طاعة
الله وعن سنته في خلقه وجحد آياته، وتعطيل عقولهم ومشاعرهم عن إدراك
المصالح والغايات.
وفي هذا إشارة إلى أن عّة إضلالهم خروجهم عن السّنن الكونية التي
جعلها الله عبرة لمن تذكر، فإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى
السبب؛ لأنه لما ضرب المثل، فضلّ به قوم، واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم
وهداهم (١). قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا
الْعَلِمُونَ (®﴾ [العنكبوت: ٤٣/٢٩]، والعالمون: هم المؤمنون المهتدون بهدي
الحق.
ثم أردف تعالى ذلك ببيان أوصاف هؤلاء الفاسقين، فهم ينقضون الميثاق،
فلا يستعملون مواهبهم من عقل ومشاعر وحواس لإرشادهم إلى المقصود،
وينقضون ما عاهدوا الله عليه عهداً فطرياً (٢) من الإيمان بمحمد والتصديق به
(١) الكشاف: ٢٠٦/١ وما بعدها.
(٢) العهد الفطري أو عهد الله: هو ما ركز في قلوب ومشاعر وعقول الناس قاطبة من ظهور
الحجة على توحيد الإله، وهو بمثابة أمر وصاهم الله به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى:
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَيْكُمْ قَالُواْ بَّ شَهِدْنَأُ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٧٢]. والعهد الديني: هو
أخذ الميثاق على أهل الكتاب بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته، صدقوه
واتبعوه.

١٢٢
لُرُ (١) - البقرة: ٢٦/٢-٢٧
وبجميع الرسل الكرام، والعمل بشرائع الله، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ
◌ِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَاٌ لَّا يَسْبَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلٌّ
أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩/٧].
وهم يقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان بالله بعد قيام الأدلة
الكونية على وجوده، فقطعوا الصلة بين الدليل والمدلول، والإيمان بجميع
الأنبياء، ففرقوا بين نبي ونبي، وقد أمر الله بوصل الإيمان بجميع الأنبياء،
وهم لا يصلون الرحم والقرابات المادية بين الأقارب، والمعنوية بين الرسل
وموالاة المؤمنين. ومشركو العرب بتكذيبهم النَّبي ◌َّ نقضوا عهد الفطرة،
وأهل الكتاب نقضوا العهدين: عهد الفطرة والعهد الديني الذي أخذه الله
عليهم في كتبهم من الإيمان بالنَّبي محمد بََّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ
لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦/٢]، فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد
بهديهم، فهو ناقض لعهد الله تعالى.
وهم يفسدون في الأرض بالمعاصي، والفتن بين الناس، والصدّ عن
الإيمان، والتضليل في العقائد، وإثارة الشبهات حول القرآن، إبقاءً على
نفوذهم ومراكزهم.
وهم في النهاية الخاسرون في الدنيا بافتضاحهم وتخبطهم وخزيهم، وفي
الآخرة بالعذاب الأليم وغضب الله عليهم، فلا سعادة لهم في دنياهم
وأخراهم؛ لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، والنار
بالجنة، والنقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، والعقاب
بالثواب.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن اشتمال القرآن الكريم على ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل
ونحوها من المحقرات مما قد لا يليق - في زعم المشركين - بكلام الفصحاء،

١٢٣
الجُزُ (١) - البَقَرة: ٢٦/٢-٢٧
لا يقدح في فصاحة القرآن، ولا يخلّ بكونه معجزاً؛ لأن صغر هذه الأشياء لا
يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة. وهذا وجه مناسبة
الآية لما قبلها.
وإذا ورد الحياء في حق الله تعالى، فليس المراد منه الخوف الذي هو مبدأ
الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته. وكذلك ليس المراد
بالغضب في حقّ الله تعالى شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك
النهاية، وهو إنزال العقاب. وهذا هو القانون الكلي في هذا الباب (١).
وكلام الله حقّ مطلق، لا نقص فيه في حدّ ذاته، ولا في جانب من
جوانبه، وإنما هو حق؛ لأنه مبين للحق ومقرر له، وسائق إلى الأخذ به، بما
له من التأثير في النفس.
وضرب الأمثال والأشباه في القرآن الكريم يراد به كشف الغوامض، وتنبيه
الأذهان إلى الحقائق، وإبانة المصالح، وتقرير الحكم البالغة، وهو من الأمور
المستحسنة في العقول والتربية والتعليم. وأما الذين كفروا فيجادلون في الحق
بعد ما تبيّن، ويمارون بالبرهان وقد تعيَّن، فيخرجون من الموضوع،
ويعرضون عن الحجة.
وليس الإيمان أو الكفر أمراً وراثياً، أو قهرياً جبرياً، وإنما للإرادة
والاختيار والعقل دخل فيه، وسببه هو استخدام طاقات الإنسان من حواس
ومشاعر وأفكار، وليس للمثل - كما يزعم الكفار - تأثير في تفريق الناس إلى
ضلالة وهدى، فالله تعالى لا يضلّ أحداً من المؤمنين المهتدين بهداية العقل
والدين، وإنما يضلّ الفاسقين الخارجين عن الطاعة وصراط الله السوي،
الذين سبق في علم الله تعالى أنهم غير هداة، فيكون إسناد الإضلال إلى الله
(١) تفسير الرازي: ١٣٢/٢ وما بعدها.

١٢٤
الُ (١) - البَفَرَة: ٢٦/٢-٢٧
تعالى من قبيل إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنه لما ضرب المثل، فضلَّ به قوم،
واهتدى به قوم، كان ذلك سبباً في ضلال الناس وهداهم، فكانت علة
ضلالهم: هي الفسوق، أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في خلقه،
التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلى الذين أوتوه.
وصفات الفاسقين الذين أضلوا أنفسهم بأنفسهم كثيرة منها ما ذكرته الآية
(٢٧): نقض عهد الله من بعد توكيده: وهو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمرُه
إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيُه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه
على ألسنة رسله. ونقضهم ذلك: ترك العمل به.
ومنها: قطع ما أمر الله به أن يوصل: وهو الإشارة إلى دين الله وعبادته في
الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به
أن يوصل، وهو قول الجمهور. والرحم: جزء من هذا.
ومنها: الإفساد في الأرض: أي عبادة غير الله تعالى، والجور في الأفعال،
واتِّباع الشهوات، وهذا غاية الفساد.
والفسق موجب حتماً للخسارة، كما أن الطاعة توصل إلى الربح، وليس
المراد بالفاسقين هنا ما هو معروف شرعاً وهم العصاة بما دون الكفر من
المعاصي، فإنه لا يصح هنا.
وفي الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ألزم المرء
نفسه به، هو أمر واجب شرعاً وعقلاً، فلا يحلّ له نقضه، سواء أكان بين
مسلم أم بين غيره؛ لذمِّ الله تعالى من نقض عهده، وقد قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١/٥]، وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِمَّا
تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَايِنِينَ
٥٨
[الأنفال: ٥٨/٨]، فنهاه عن الغدر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد.

١٢٥
الُعُ (١) - البقرة: ٢٨/٢-٢٩
والمؤمنون المهتدون على قلتهم أجل فائدة وأكثر نفعاً وأعظم آثاراً من
أولئك الكفار الفاسقين الضالين، على كثرتهم. فإذا أشعرت الآية بأن المهتدين
في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر، فليس الظاهر مراداً؛ لأن العبرة
بالكيف لا بالكم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣/٣٤].
وقدم الله تعالى الإضلال على الهداية في قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ لأن سببه ومنشأه من الكفر متقدم في الوجود، فكان
ذلك مناسباً لحال الكفرة، ليكون أول ما يقرع سمعهم من الجواب أمراً يفتّ
في أعضادهم، ويهزّ جنابهم، وعبَّر عن ذلك بصيغة المضارع المفيدة للاستقبال
إيذاناً بالتجدد والاستمرار.
مظاهر قدرة الله بخلق الإنسان وإماتته وخلق الأرض والسماء
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
ثُمَّ اُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٢٩١
القراءات:
﴿أَسْتَوَىَ﴾ قرئ:
١- بالفتح، وهي لغة أهل الحجاز.
٢- بالإمالة، وهي لغة أهل نجد.
وبهما قرأ السبع.
﴿وَهُوَ﴾: قرئ:
١ - بتسكين الهاء، وهذا جائز بعد: الواو، والفاء، وثم، ويقل بعد كاف الجر،
وهمزة الاستفهام، ويندر بعد لكن، وبها قرأ أبو عمرو، والكسائي، وقالون.

١٢٦
الجزءُ (١) - البقرة: ٢٨/٢-٢٩
٢- بضمها على الأصل، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، منصوب هنا على الحال بـ ﴿تَكْفُرُونَ
(جَمِيعًا﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني: ﴿مَّا﴾.
﴿سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾ إما منصوب على البدل من الهاء والنون في ﴿فَسَوَّهُنَّ﴾ أو
منصوب على أنه مفعول ((سوَّى)) على تقدير: فسوّى منهن سبع سماوات،
فحذف حرف الجر، فصار ﴿فَسَوَّنهُنَّ﴾ مثل قوله: ﴿وَأَخْثَرَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾
[الأعراف: ١٥٥/٧] أي من قومه، ثم حذف حرف الجر، فاتصل الفعل:
﴿فَسَوَّهُنَّ﴾ بما بعده، فنصبه، وأعاد الضمير بلفظ الجمع على السماء. وقال
الزمخشري: الوجه العربي أن ضمير ﴿فَسَوَّهُنَّ﴾ مبهم. وكلمة ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ﴾
لا للتراخي في الوقت هنا، وإنما لبيان ما بين الخلقين من التفاوت، وفضل
خلق السماوات على خلق الأرض. وإنما كان العطف الأول بالفاء، والبواقي
بثم؛ لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى
عن الحياة، وعن الحياة الثانية.
البلاغة:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ التفات من كلام الغيبة إلى الحضور للتوبيخ والتقريع.
﴿عَلِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة التي وصف تعالى نفسه بها، مثل: عالم وعلام،
ومعناه: الواسع العلم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء. ولا يجوز وصف الله
تعالى بعلامة، التي أدخل العرب عليها الهاء للمبالغة. ﴿ فَسَوَّهُنَّ﴾ أتم خلقهن
مستويات، لا تشقق فيهن ولا عوج، فمعنى تسويتهن: تعديل خلقهن وتقويمه
وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن . ﴿ثُمَّ اُسْتَوَى﴾ الاستواء في
اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء. ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ بأحوالهن إجمالاً

١٢٧
الُ (١) - البَقَرة: ٢٨/٢-٢٩
وتفصيلاً، بعد أن خلق السماوات خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت،
وخلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم.
المفردات اللغوية:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ يا أهل مكة، مثله في قولك: ((أتكفرون بالله ومعكم
ما يصرف عن الكفر، ويدعو إلى الإيمان؟)) والاستفهام للإنكار والتعجب من
كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيخ.
﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا﴾ نطفاً في الأصلاب. ﴿فَأَحْيَكُمْ﴾ في الأرحام
والدنيا، بنفخ الروح فيكم. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انتهاء آجالكم. ﴿ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم. ودخلت الواو على جملة ﴿وَكُنتُمْ
أَمْوَاتًا﴾ إلى آخر الآية، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله، وقصتكم هذه،
وحالكم أنكم كنتم أمواتاً، نطفاً في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ثم
يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم.
﴿َّا فِ اُلْأَرْضِ﴾ الأرض وما فيها. (جَمِيعًا﴾ لتنتفعوا به وتعتبروا .﴿ثُمَّ
أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾ بعد خلق الأرض: قصد وعمد إليها بإرادته تعالى،
قصداً مستوياً خاصاً بها.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله صفات الفاسقين وموقف الكفار من القرآن، وجّه الخطاب
إلى الكفار في هاتين الآيتين على طريق الإنكار والتعجب والتوبيخ على موقفهم
وصفة كفرهم، بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان: وهي النعم الدالة على قدرته
تعالى من مبدأ الخلق إلى منتهاه، من إحيائهم بعد الإماتة، ثم الإماتة
والإحياء، وخلق جميع الخيرات المكنونة في الأرض ليتمتعوا بجميع ما في
ظاهرها وباطنها، وخلق سبع سماوات مزينة بمصابيح، ليهتدوا بها في ظلمات
البر والبحر، أفبعد هذا كله يكفرون بمحمد وبرسالته؟!

١٢٨
الُ (١) - البَقَرة: ٢٨/٢-٢٩
التفسير والبيان:
عجيب حالكم أيها الكفار، كيف تنكرون وجود الله وقدرته مع أن الله
سبحانه أوجدكم في هذه الحياة بعد الموت، وأتم عليكم نعمه ظاهرة وباطنة،
ووهبكم أفضل مقومات الحياة من العقل والحواس والمشاعر، وأمدكم
بالأرزاق التي تكفل بقاء الحياة، ثم أماتكم عند انقضاء الأجل، ثم يحييكم
بالبعث من القبور، ثم ترجعون إلى الله وحده للحساب والجزاء، ليجزي كل
امرئ بما قدَّم، ولتُحاسب كل نفس على النعمة التي أنعم الله بها عليكم.
فهاتان موتتان وحياتان، لا تدع لكم عذراً في البقاء على الكفر، والاستهزاء
بأمثال القرآن، وإنكار نبوّة محمد وصلاليه.
قال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتاً معدومين قبل أن تُخُلقوا،
فأحياكم - أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم
القيامة. ويؤيده آية أخرى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾. قال ابن
عطية: وهذا القول: هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه
لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم
للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها، قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء
جحدهم له دعوى لا حجة عليها (١).
ثم بعد ذكر المبدأ والمنتهى، ذكر الله تعالى برهاناً على البعث، وعلى توجيه
النفوس نحو الإيمان، فأبان أنه خلق لكم الأرض وما فيها، لتنتفعوا بكل ما
فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق، فيكون الانتفاع إما مادياً
بالاستفادة من الموجودات العينية في حال المعيشة، وإما معنوياً بالنظر
والاعتبار فيما لا سلطة لأيديكم عليه، ويتم في الحالتين غذاء الأجساد
والأرواح.
(١) تفسير القرطبي: ٢٤٩/١

١٢٩
الُ (١) - البقرة: ٢٨/٢-٢٩
ومكَّن الله تعالى للإنسان الحياة في الأرض بإظلاله بالسقف المحفوظ وهو
السماوات السبع، التي رفعها بقدرته، وسوّاها محكمة البناء، وأوجدها
بحكمته، وأودع فيها بدائع الكواكب والنجوم لإنارة الأرض في الليل، وعلم
سبحانه وحده حقيقتها وروائع ما فيها، والله عالم بكل ما خلق في الأرض وفي
السماء، وذلك كله دليل القدرة الباهرة الدالة على وجود الإله الخالق، وهو
وحده القادر على إعادة الخلق والحياة. فهل بعد هذا يسوّغ الكفر أو الإلحاد
وإنكار وجود الله؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
وصف الكفر ينطبق على كل من لم يصدّق بنبوّة محمد ر0َّ فيما جاء به، وإن
آمنوا بكتاب سماوي سابق؛ لأنهم لم يقرّوا بأن القرآن من عند الله، ومن زعم
أن القرآن كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضاً للعهد. وقالت المعتزلة:
آيَة ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨/٢] تدلّ على أن الكفر من قبل
العباد(١).
والأدلة على قدرة الله ووجوده كثيرة منها ما ذكرته هذه الآية: وهو خلق
الأرض وما فيها، والسماوات وما أبدع فيها، وخلق الإنسان من العدم، ثم
إماتته، ثم إحياؤه، ثم حسابه على ما قدم في مسيرة الحياة البشرية، كما قال
تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ نَّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤/٢١]، فإعادتهم
كابتدائهم، فهو رجوع، فيكافأ المؤمنون بالجنان، لإيمانهم وعملهم الصالح،
ويعذب الكفار لكفرهم.
والترتيب في قوله تعالى ﴿ثُمَّ﴾ التي تقتضي التراخي، ليس مراداً، وإنما
المقصود من كلمة ﴿ثُمَّ﴾ ترتيب الإخبار وتعديد النعم، فهي لا تعارض آية:
(١) تفسير الرازي: ١٤٩/٢

١٣٠
لِجُُّ (١) - الكَرَة: ٢٨/٢-٢٩
[النازعات: ٣٠/٧٩]، لأن كلمة ﴿بَعْدَ﴾ فيها
﴿ وَاْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنْهَا
بعدية في الذكر وترتيب الإخبار، لا في الزمان ولا لترتيب الأمر في نفسه،
مثاله: قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرك،
ثم دفعت الخصوم عنك؟ وربما يكون بعض ما أخره متقدماً حدوثه.
وقد يجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك، فلا
تعارض، كما ذكر ابن جزي. لكن قال ابن كثير: هذه الآية (أي ٢٩ من
البقرة) دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة
[فصلت ٩/٤١ - ١٠]: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾
الآية، فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا
أعلم فيه نزاعاً بين العلماء، إلا ما نقله ابن جرير الطبري عن قتادة أنه زعم
أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره الآية:
[النازعات: ٣٠/٧٩] (١).
٣٠
﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنْهَا
ونبهت آية ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ﴾ على القدرة الإلهية المهيئة
للأرض من أجل نفع الإنسان وتحقيق مصلحته ورعاية حاجة الخلق، وعاتب
الله تعالى الكفار على جهالتهم بما في الأرض وتصريف المخلوقات (٢)، كما
﴿﴿ قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَّحْعَلُونَ لَهُ:
قال تعالى :
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَنَدَادًّا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ
أَقْوَتَهَا فِىَّ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَاءٌ لِلسَّابِلِينَ (٣)﴾ [فصلت: ٩/٤١-١٠]، فالمراد بالآية
الاعتبار والاتعاظ بدليل ما قبلها وما بعدها من الإحياء والإماتة والخلق
والاستواء إلى السماء وتسويتهن.
(١) انظر تفسير الطبري: ١٥٢/١ وما بعدها، تفسير القرطبي: ١/ ٢٥٥ وما بعدها، تفسير ابن
كثير: ٦٨/١.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي: ١٤/١، تفسير الرازي: ١٥٤/٢

١٣١
الجزء (١) - البَفَرة: ٢٨/٢-٢٩
ولكن وإن كان الهدف الأصلي من إيراد الآية هو ما ذكر، فقد استدل بها
علماء الأصول أيضاً على أن ((الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي دليل
الحظر)) (١)، أي أن الأصل إباحة الانتفاع بكل ما خلق الله في الأرض، حتى
يأتي دليل المنع، فليس لمخلوق حقّ في تحريم شيء أباحه الله إلا بإذنه، كما قال:
﴿قُلْ أَرَيْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ ءَاللَّهُ
أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (َّا)
[يونس: ٥٩/١٠].
وعلم الله واسع شامل لكل ما خلق، وهو خالق كل شيء، فوجب أن
يكون عالماً بكل شيء، ولا يكون هذا النظام المحكم في السماوات والأرض
إلا من لدن حكيم عليم بما خلق، فلا عجب أن يرسل رسولاً مؤيداً بكتاب
لهداية الناس، يضرب فيه الأمثال بما شاء من مخلوقاته، عظم أو صغر.
وآية ﴿ثُمَّ اُسْتَوَىَ﴾، وآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى
[طه : ٥/٢٠]
٥
من مشكلات التفسير، وللعلماء ثلاثة آراء فيها (٢):
الرأي الأول لكثير من الأئمة: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، روي عن
مالك رحمه الله أن رجلاً سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
۵
﴾ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به
واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء.
الرأي الثاني للمشبهة: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهو أن
الاستواء: الارتفاع والعلو على الشيء، أو الانتصاب.
وهذا باطل؛ لأن ذلك من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك.
الرأي الثالث لبعض العلماء: نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها.
(١) تفسير القرطبي: ٢٥١/١
.
(٢) تفسير الطبري: ١٤٩/١ وما بعدها، تفسير القرطبي: ٢٥٤/١ وما بعدها.

١٣٢
لُ (١) - التَفَرة: ٣٠/٢-٣٣
فقيل: المعنى استوى، كما قال الشاعر:
قد استوى بِشْر على العراق من غير سيف ودم مُهْراق
وقيل: استوى بمعنى ارتفع، والمراد - والله أعلم - ارتفاع أمره.
وقيل: استوى بمعنى عمد أو قصد إليها، أي بخلقه واختراعه، واختاره
الطبري: على دون تكييف ولا تحدید.
ودل القرآن في هذه الآية وغيرها على وجود سبع سماوات وسبع أرضين،
كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦٥/
١٢] يعني أن السماوات بعضها فوق بعض وأن الأرضين بعضها تحت بعض.
ولكن لم يرد خبر في السنة يوضح حقيقة السماوات والأرضين، فلا فائدة في
بحث طبيعة السماء، وما علينا إلا أن نؤمن بظاهر القرآن في هذا التعداد،
ونستدل به على عظمة الخالق الذي رفع السماء، وبسط الأرض. وقد أورد
الرازي في تفسيره نظريات الفلكيين أو أهل الهيئة التي يفهم منها أن السبع
السماوات هي الكواكب السيارة (١)، غير أن العلم الحديث اكتشف وجود
كواكب سيارة أخرى مثل نبتون وبلوتو وأورانوس، غير المعروفة قديماً وهي
القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل.
استخلاف الإنسان في الأرض وتعليمه اللغات
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَتَبِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجَعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِسُ لَكَّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا
وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنِْئُونِى بِأَسْمَاءِ
نَعْلَمُونَ
قَالُواْ سُبْحَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنتَ اُلْعَلِيمُ
هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
(١) تفسير الرازي: ١٥٦/٢

١٣٣
لُ (١) - البَقَة: ٣٠/٢-٣٣
اْحَكِيمُ ﴾ قَالَ يَدَمُ أَنْبِشْهُم بِأَسْمَاءِمّ فَمَّا أَنْبَهُمْ بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ
غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْنُونَ
٣٣
القراءات:
﴿إِنِيِّ﴾: قرئ:
١- (إني أعلم) وهي قراءة نافع، وابن كثير.
٢- (إنيّ أعلم) وهي قراءة الباقين.
﴿هَؤُلاءِ إِن﴾:
إذا التقت همزتان مكسورتان من كلمتين:
١- تبدل الثانية ياء ممدودة، مكسورة عند ورش، وملينة عند قالون، مع
تحقيق الثانية.
٠ ٢- تخففان، وهي قراءة الكوفيين، وابن عامر.
الإعراب:
﴿وَإِذْ﴾ ظرف زمان ماض، منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: اذكر،
ويجوز أن ينتصب بقالوا. وهو مبني لتضمنه معنى الحرف؛ لأن كل ظرف لا بد
فيه من تقدير حرف، وهو ((في)) أو لأنه يشبه الحرف في أنه لا يفيد مع كلمة
واحدة، وهو مبني على السكون؛ لأنه الأصل في البناء. وإذ للماضي، وإذا
للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. ﴿جَاعِلٌ﴾ من جعلٍ الذي له
مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر، وهما قوله: ﴿فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ فكانا
مفعوليه. ﴿أَتَّجْعَلُ﴾ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية.
﴿وَنَحْنُ﴾ للحال، ﴿بِحَمْدِكَ﴾ الباء هنا تسمى باء الحال، والمعنى: نسبحك

١٣٤
اِلُ (١) - البَفَرَة: ٣٠/٢-٣٣
حامدين لك، ومتلبسين بحمدك؛ لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف، لم
نتمكن من عبادتك.
﴿عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل: عرضها؛ لأنه أراد مُسَميَّات الأسماء، وفيهم من
يعقل، وفيهم من لا يعقل، فغلّب جانب العقلاء.
﴿سُبْحَنَكَ﴾ الصحيح أن سبحاناً وكفراناً: اسمان أقيما مقام المصدر،
وليسا بمصدرين. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أنت: إما مبتدأ، والعليم خبره،
والحكيم صفة له، أو خبر بعد خبر، والجملة خبر إن، وإما ضمير فصل لا
موضع لها من الإعراب، والعليم خبر إن، والحكيم صفة له، أو خبر بعد
خبر.
البلاغة:
﴿رَبُّكَ﴾ إضافته إلى الرسول وَّو للتشريف والتكريم لمقامه ﴿لِلْمَلَتَبِكَةِ)
تقديم الجار والمجرور على المقول للاهتمام بما قدَّم.
﴿ أَنَِّئُونِ﴾ أريد به التعجيز والتبكيت.
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ فيه مجاز بالحذف، والتقدير: فأنبأهم بها، فلما أنبأهم.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ من باب التغليب للعقلاء على غير العقلاء.
﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ تكرار الفعل مع ما قبله: ﴿إِنَّّ أَعْلَمُ﴾ للتنبيه على
إحاطة علم الله تعالى بجميع الأشياء، وهذا يسمى بالإطناب . ﴿ ثُبْدُونَ﴾
و﴿تَكْنُونَ﴾ يسمى في علم البديع بالطباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ﴾: اذكر يا محمد. ﴿رَبُّكَ﴾ الرب: المالك والسيد والمصلح

١٣٥
لُعُ (١) - البَقَرة: ٣٠/٢-٣٣
والجابر. ﴿لِلْمَلَتَبِكَةِ﴾: أجسام نورانية لا يأكلون ولا يشربون، لا يعصون
الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وهو جمع مَلَك، وأصله: مَلْأك وزنه
مَفْعل . ﴿خَلِيفَةً﴾: الخليفة: من يخلف غيره ويقوم مقامه في تنفيذ الأحكام،
والمراد بالخليفة هنا آدم عليه السلام . ﴿يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿ وَيَسْفُِ
اُلْدِمَآءَ﴾ يريقها بالقتل عدواناً، كما فعل بنو الجان، وكانوا فيها، فلما
أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة، فطردوهم إلى الجبال والجزر . ﴿ُسَبِّحُ
بِحَمْدَِ﴾ نزهك عن كل نقص، متلبسين بحمدك، أي نقول: سبحان الله
وبحمده ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ مجدك ونعظمك وننزهك عما لا يليق بعظمتك،
فاللام زائدة، والجملة حال، أي فنحن أحق بالاستخلاف ﴿أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ من المصلحة في استخلاف آدم. ﴿ وَعَلَّمَ ءَدَمَ اُلْأَسْمَاءَ﴾ واحدها
اسم، وهو في اللغة: ما به يعلم الشيء، والمراد به: أسماء المسميات، فحذف
المضاف إليه؛ لكونه معلوماً مدلولاً عليه، بذكر الأسماء؛ لأن الاسم لا بد له
من مسمى.
﴿ُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي عرض المسميات، وفيه تغليب العقلاء. ﴿أَنَِّثُونِى﴾
أخبروني، وقد يستعمل الإنباء في الإخبار بما فيه فائدة عظيمة، وهو المراد
هنا.
سُبْحَانَكَ﴾ تقديساً وتنزيهاً لك عن الاعتراض عليك. ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ الذي لا
تخفى عليه خافية، ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِم لمبتدعاته، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة
البالغة.
المناسبة:
هذه القصة أو المحاورة بين الله تعالى وملائكته نوع من التمثيل بإبراز المعاني
المعقولة بالصور المحسوسة، تقريباً للأفهام، وفيها بيان مدى تكريم الله للإنسان
باختيار آدم خليفة في الأرض، وتعليمه اللغات التي لا تعلمها الملائكة، مما

١٣٦
لِلُعُ (١) - البَقَرة: ٣٠/٢-٣٣
يوجب على الناس الإيمان بهذا الخالق الكريم، ولا يليق بأحد الكفر والعناد،
وهو استمرار في توبيخ الكفار، وتذكيرهم بنعم الله عليهم.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك قصة خلق أبيهم آدم، حين قال الله للملائكة: إني
متخذ في الأرض خليفة، يقوم بعمارتها وسكناها، وينفذ أحكامي فيها بين
الناس، وتتعاقب الأجيال من بعده في مهامه كلها حتى يعمر الكون، فتساءل
الملائكة متعجبين ومستعلمين: كيف تستخلف هذا الخليفة؟ وفي ذريته من
يفسد في الأرض بالمعاصي ويريق الدماء بالبغي والعدوان؛ لأن أفعالهم عن
إرادة واختيار، وقد خلقوا من طین، والمادة جزء منهم، ومن کان کذلك فهو
إلى الخطأ أقرب.
فكيف تجعل - على سبيل التعجب والتعلم، لا الاعتراض والحسد -
مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وأنت الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير، ولا
يريد إلا الخير؟
فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه، وإنما هو غيب؟
قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح المحفوظ، أو ثبت في
علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا
على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين وهم الإنس على الآخر وهم الجن، حيث
أسكنوا الأرض، فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة (١). أو أنهم عرفوا طبيعة
المادة وفيها الخير والشر، وهو ما رجحناه أولاً، ويقال: كان هناك نوع من
الخلق في الأرض قبل آدم، أفسد وسفك الدماء، وسيحل هذا الخلیفة محله،
بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ اُلْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٠/
١٤] فقاس الملائكة هذا الخليفة عليه.
(١) الكشاف: ٢٠٩/١، تفسير الطبري: ١٥٧/١

١٣٧
لُعُ (١) - الْبَقَرة: ٣٠/٢-٣٣
ونحن الملائكة أولى بالاستخلاف؛ لأن أعمالنا مقصورة على تسبيحك
وتقديسك وطاعتك، فأجابهم الله تعالى: إني أعلم من المصلحة في استخلافه
ما هو خفي عنكم، وأعلم كيف تصلح الأرض، وكيف تعمر، ومن هو
أصلح لعمارتها، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها. ولعل التنافس على
المصالح بين الناس وتنازع البقاء، وحب الذات من أقوى الدواعي على تقدم
الكون وتحضر العالم، فبالخير والشر تصلح الدنيا وتعمر، وبها تظهر حكمة
إرسال الرسل، واختبار البشر، وجهاد النفس. وفي هذا إرشاد الملائكة أن
يعلموا أن أفعاله تعالى في غاية الحكمة والكمال.
ثم عقد الرب سبحانه امتحاناً للملائكة، لإظهار عجزهم، وإبطال زعمهم
أنهم أحق بالخلافة من خليفته، بعد أن علَّم آدم أسماء الأشياء والأجناس
المادية من نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر به الدنيا، ثم عرض مجموعة
المسميات على الملائكة، أو عرض نماذج منها، أي عرض الأشخاص، لقوله
تعالى: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ لأن العرض لا يصح في الأسماء، وقال لهم: أخبروني
بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم أحق بالخلافة من غيركم،
فعجزوا، وقالوا: يا رب سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت
العلیم بكل شيء، الحكيم في كل صنع.
وفي هذا إشارة لتفضيل آدم على الملائكة واصطفائه، بتعليمه ما لم تعلمه
الملائكة، فلا يكون لهم فخر عليه.
ثم قال المولى جل جلاله: أخبرهم يا آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن
علمها، واعترفوا بقصورهم عن معرفتها، فلما أخبرهم بكل أسماء تلك
الأشياء، أدركوا السر في خلافة آدم وذريته، وأنهم لا يصلحون للاشتغال
بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها، إذ هم خلقوا من النور، وآدم خلق من
الطين، والمادة جزء منه.

١٣٨
الُ (١) - البَقَة: ٣٠/٢-٣٣
وحينئذ قال تعالى للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما غاب في السماوات
والأرض عنكم، وما حضر أيضاً، ولا أجعل الخليفة في الأرض عبثاً، وأعلم
ما ظهر وما بطن، وما تظهرون وما تكتمون من نحو قولكم فيما روي عن ابن
عباس: ((لن يخلق الله خلقاً أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في
الأرض)) (١). هذا وجه من التأويل، وقال الطبري: وأولى الأقوال بتأويل
الآية ما قاله ابن عباس: وهو أن معنى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ﴾. وأعلم مع
علمي غيب السماوات والأرض، ما تظهرون بألسنتكم، ﴿ وَمَا كُنتُمْ
تَكْتُمُونَ﴾ وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي
سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم: ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم
أنهم قالوه، وهو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكُ﴾. والذي كانوا يكتمونه: ما كان منطوياً عليه
إبليس من مخالفة أمر الله، والتكبر عن طاعته (٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
أولاً - دلت هذه الآيات على تكريم الإنسان الذي جعله الله خليفة في هذه
الأرض في تنفيذ أوامره بين الناس، ويؤيده قوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ
خَلِيفَةً فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦/٣٨] والحكمة من جعل آدم خليفة هي الرحمة
بالناس، إذ لا طاقة للعباد على تلقي الأوامر والنواهي من الله بلا واسطة،
فكان من رحمته تعالى إرسال الرسل من البشر. ومع هذا اختلف المفسرون في
تأويل كلمة ﴿خَلِيفَةً﴾ وتحديد المستخلف عنه (٣).
(١) تفسير ابن كثير: ٧١/١، تفسير الطبري: ١٧٧/١
(٢) تفسير الطبري: ١٧٦/١
(٣) تفسير الطبري: ١٥٦/١ وما بعدها، تفسير ابن كثير: ٦٩/١، الكشاف: ٢٠٩/١،
القرطبي: ٢٦٣/١، تفسير الرازي: ١٦٥/٢ وما بعدها.

١٣٩
اِلُ (١) - البَقَرة: ٣٠/٢-٣٣
فقال ابن عباس: أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا
فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة،
فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق
آدم، فأسكنه إياها، فلذلك قال: إني جاعل في الأرض خليفة. فعلى هذا
القول: إني جاعل في الأرض خليفة عن الجن، يخلفونهم فيها، فيسكنونها
ويعمرونها، وليس آدم أول أصناف العقلاء في الأرض.
وقال الحسن البصري: في تأويل قوله: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾ أي
خلفاً يخلف بعضهم بعضاً، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل
قرن منهم القرن الذي سلف قبله، جيلاً بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥/٦] وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ
اُلْأَرْضُِ﴾ [النمل: ٦٢/٢٧] ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٦٠
[الزخرف: ٦٠/٤٣] وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ﴾ [الأعراف: ٧/
١٦٩].
ومن هو الخليفة؟
قيل: أريد بالخلیفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، كما يستغنى بذكر
أبي القبيلة في قولك: مضر وهاشم.
وقال زيد بن علي: ليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط، كما يقوله
طائفة من المفسرين. قال ابن كثير: والظاهر أنه لم يرد آدم عيناً، إذلو كان ذلك، لما
حسن قول الملائكة: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠/٢]
فإنهم أرادوا: أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم
خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية المخلوقة من صلصال من حماً مسنون، أو
فهموا من الخليفة: أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم
عن المحارم والمآثم، أو أنهم قاسوهم على من سبق.
.-
- ٠٦

١٤٠
الُعُ (١) - البَفَرة: ٣٠/٢-٣٣
والخلاصة: هناك قولان في المراد بالخليفة:
أحدهما - أنه آدم عليه السلام، وقوله: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾
المراد ذريته لا هو.
والثاني - أنه ولد آدم.
ثم إن هذه الآية أصل في نصب إمام حاكم، وخليفة يسمع له ويطاع،
لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف بين العلماء في وجوب
ذلك، إلا ما روي عن أبي بكر الأصم من المعتزلة أنه قال: الإمامة غير واجبة
في الدين، بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم،
وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء
والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك،
ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك.
وأدلة الجمهور: قول الله تعالى: ﴿إِ جَاعِلٌ فِ اٌلْأَرْضِ خَلِيفَةً) وقوله
تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ اُلْأَرْضِ﴾ وقوله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُوْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤] أي
يجعل منهم خلفاء.
وأجمعت الصحابة على تقديم أبي بكر الصديق، بعد اختلاف وقع بين
المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في تعيين الخليفة (١).
وطرق تعيين الإمام ثلاث (٢):
١ - النص على الخليفة: كما نص النبي ◌ّله على أبي بكر بالإشارة، وأبو
بکر علی عمر.
(١) تفسير القرطبي: ٢٦٤/١
(٢) المرجع السابق: ٢٦٨/١