النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
لِلُ (١) - الْجَفَرَة: ١٧/٢ -٢٠
الأمم، فكأنهم عُمْي عن الهدى. وهم لا يعدلون أصلاً عن حالهم من الضلالة
إلى الهدى، فلا تأس عليهم ولا تحزن.
والمثل الثاني - لحيرتهم وقلقهم وانتهازيتهم: وهو أن القرآن قد أتاهم
بالإرشادات الإلهية، ولكنهم أعرضوا عنها، فحالهم تشبه حال قوم نزل
عليهم المطر الغزير، المصحوب بالمخاوف من ظلمات المطر والسحب والليل،
والرعد القاصف، والبرق الخاطف، وفي هذا الجو القاتم تلمسوا سبيل
النجاة، وعقدوا الأمل على ما لاح في الأفق من نور، فعزموا على اتباع الحق
الذي جاءت به الآيات البينات، ثم ما لبثوا أن وقعوا في الظلام، فأصابهم
القلق والاضطراب، والله محيط بهم، قادر عليهم، فلو شاء لأذهب أسماعهم
بقوة الرعد، وأبصارهم بوميض البرق الخاطف، ولكن لحكمة ومصلحة، لم
يشأ ذلك، لإمهالهم وإعطائهم الفرصة ليثوبوا إلى رشدهم.
والخلاصة: قد يضيء النفاق لصاحبه الدرب حيناً قصيراً، ثم سرعان ما
ينطفئ كما تنطفئ النار، مما يجعل النفاق لا دوام له ولا استمرار. وقد يجد
المنافق الأمل في نفاقه لتحقيق غرض أو مكسب مادي رخيص، ثم تتبدد
الآمال، ويبقى المنافقون في قلق واضطراب، إذ إن فرحهم الظاهري بنزول
آية، وسيرهم مع المسلمين، يسقطه الامتحان عندما يطالبون بالجهاد مع
المؤمنين، وإن التلون بالدعم حين الخير، والنقمة والكفر حين الشر، مثل
المنافق غير المؤمن.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صفة المنافقين كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت
النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم. فما يظهره المنافقون

١٠٢
الٌعُ (١) - البقرة: ١٧/٢-٢٠
من الإيمان الذي تثبت به أحكام المسلمين في الزواج والميراث والغنائم والأمن
على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، واغترارهم لما آمنوا بكلمة الإسلام، لا
فائدة له في أحكام الآخرة؛ لأنهم يصيرون إلى العذاب الأليم، كما أخبر
التنزيل: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥/٤] فَمَثَل
استضاءتهم بضوء إقرارهم بالإسلام مع إسرار الكفر كإضاءة النار الموقوتة أو
كمثل مطر مظلم. والمنافقون عطلوا بحق وسائل المعرفة الصحيحة والإيمان
الراسخ، فهم صمٌّ عن استماع الحق، بُكْمٌّ عن التكلم به، عُمْيٌ عن الإبصار
له، وأشد من ذلك أنهم لا يرجعون في النهاية إلى الحق لسابق علم الله تعالى
فيهم، لا بقهر وإجبار. ومع نفاقهم فلم يعجل الله عقابهم في الدنيا، وقد
استنبط الجصاص من ذلك: أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير
الإجرام، وإنما هي على ما يعلم الله من المصالح فيها، وعلى هذا أجرى الله
تعالی أحكامه (١).
والقرآن ممتلئ بالخير والآيات الدالة على كونه من عند الله كالصيّب، وما
فيه من الوعيد والزجر كالرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد
أحياناً تبهر المنافقين كالبرق، وما فيه من الدعوة إلى القتال في العاجل والوعيد
في الآجل كالصواعق.
والله محيط بجميع الكائنات وبالكافرين، فلن يفلت من حسابه أو قدرته أو
مشيئته أحد، ولو شاء الله لأطلع المؤمنين على المنافقين، فذهب منهم عز
الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وهو سبحانه المتميز
بالقدرة الشاملة لكل شيء، فهو جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل
الوجود والعدم، ويجب على كل مكلف (بالغ عاقل) أن يعلم أن الله تعالى
قادر، له قدرة بها فَعَل، ويفعل ما يشاء على وَفْق علمه واختياره، ويجب عليه
(١) أحكام القرآن: ٢٦/١-٢٧

١٠٣
لُحُ (١) - البَقَرة: ٢١/٢-٢٢
أيضاً أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى
العادة، وأنه غير مستبد بقدرته.
هذه هي الآيات العشرون، أربع منها في وصف المؤمنين، وآيتان في
وصف الكافرين، وبقيتها في المنافقين (١).
الأمر بعبادة الله وحده والأسباب الموجبة لها
يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ.
مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
الإعراب:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾: يا حرف نداء، وأي: اسم منادى مضموم، وها للتنبيه،
وكثرة النداء في القرآن بهذا الأسلوب للتأكيد والمبالغة، لأن كل ما نادى الله به
عباده من أوامر ونواه وعظات من الأمور العظام الموجبة للتيقظ. والناس:
بدل من المنادى؛ لأن ما فيه أل بدل من المنادى إذا كان جامداً، ونعت أو
صفة إذا كان مشتقاً، وعبارة القرطبي: الناس: مرفوع صفة لأي عند جماعة
النحويين. ﴿الَّذِى جَعَلَ﴾: إما منصوب صفة ﴿رَبَّكُمْ﴾ أو مفعول ﴿تَتَّقُونَ﴾
أو منصوب على المدح بتقدير فعل، أو منصوب صفة للفظ الله في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾(٢٠). وإما مرفوع خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الذي، أو مبتدأ
خبره: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾(٢٢)، أو صفة لفظ ﴿اَللَّهُ﴾ في قوله:
﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ (٢٠).
﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنتم: ضمير مرفوع منفصل مبتدأ، و﴿تَعْلَمُونَ}
(١) أسباب النزول للواحدي النيسابوري: ص ١١

١٠٤
لالُ (١) - البقرة: ٢١/٢-٢٢
جملة فعلية في موضع الخبر، والجملة من المبتدأ والخبر حال من ضمير
﴿ ◌َّجْعَلُوا﴾.
البلاغة:
٠
﴿ رَبَّكُمُ﴾ الإضافة للمخاطبين للتعظيم.
(جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَاءَ بِنَآءً﴾ مقابلة بين الأرض والسماء،
: والفراش والبناء، من أنواع المحسِّنات البديعية.
المفردات اللغوية:
(يا)): لنداء البعيد أو الساهي أو الغافل، فإن نودي به القريب فهو بقصد
تعظيم المنادى به، وإيقاظ النفوس، واجتذاب الأنظار، واستمالة القلوب
الغافلة، فاقتضى الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. وأما نداء القريب فيكون
بكلمة ((أي)) (خَلَقَكُمْ﴾ الخلق: الإيجاد والاختراع بلا مثال سابق.
﴿فِرَشًا﴾: الفراش: البساط للاستقرار، والمراد أنه مهد الأرض للإقامة
فيها والاستقرار عليها وذلك مثل المذكور في آيتين أخريين: ﴿الَّذِى جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤/٤٠] ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ اُلْأَرْضَ مِهَدًا (جَ﴾ [النبأ:
٦/٧٨] . ﴿بِنَآءَ﴾ سقفاً مرفوعاً مبنياً محكماً. ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع ند وهو النظير، أي
أمثالاً من الآلهة تعبدونها من دون الله. والمراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها
وإقبالهم عليها وثباتهم فيها. وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه
وهو الإقرار بالشهادتين، وما لا بد للفعل منه فهو مندرج تحت الأمر به، وإن
لم يذكر، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرها.
مناسبة الآيات:
بعد أن ذكر الله تعالى أصناف الناس الثلاثة: وهم المؤمنون، والكافرون،

١٠٥
لُ (١) - البَقَرّة: ٢١/٢-٢٢
والمنافقون، أمر جميع الناس ومنهم مشركو مكة بعبادته والاستكانة والخضوع
له بالطاعة، وإفراد الربوبية والوحدانية له، وعبادته دون الأوثان والأصنام
والآلهة التي كانوا يعبدونها؛ لأنه تعالى هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم
وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، ولأنه المنعم المتفضل على
جميع الخلائق بخيرات الأرض والسماء.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى جميع الناس من مشركي مكة وغيرهم بعبادته وحده، كما
أمرهم على لسان الأنبياء السابقين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ
رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦] أي الأوثان.
وأصل العبادة: الخضوع والتذلل، ويراد بها هنا توحيد الله والتزام شرائع
دينه، ونبذ عبادة الأصنام. والسبب أن هذا الرب العظيم يستحق إفراده
بالعبادة؛ لأنه خالق العباد جميعهم، المأمورين وأسلافهم، ومدبر شؤونهم،
وواهبهم ما يحتاجونه من طرق الهداية ووسائل المعرفة. وللعبادة ثمرة مؤكدة
هي الوصول للتقوى والظفر بالفوز والنجاح والهدى وبلوغ درجة الكمال؛
لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي، ومن عبد الله حق العبادة تحققت تقواه
التي يحبها الله من عباده. وبما أن الأصل في كلمة ((لعل)) للترجي والتوقع،
وهو مستحيل من الله القدير الأعلى للعبد الضعيف الأدنى، فكان المراد به:
افعلوا ذلك راجين الوصول للتقوى، أو لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا.
والأمر بالعبادة أيضاً لأنه سبحانه جعل الأرض مهاداً وقراراً للاستقرار
عليها، والحياة والإقامة فيها بهدوء واطمئنان، بالرغم من دورانها وكرويتها،
[النبأ: ٧/٧٨]، ولأنه جعل
فهي ثابتة بالجبال الراسيات: ﴿ وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا
السماء سقفاً مرفوعاً فوق الأرض كالقبة، تُظلُّ الناس بالخير والبركة،
وأحكم بناءها مع ما فيها من أفلاك وأجرام، وأحكم النِّسب بينها بسنة

١٠٦
٠
الُرُ (١) - البقرة: ٢١/٢-٢٢
الجاذبية، فلا يختل نظامها، ولا يسقط منها جرم عظيم على الأرض، ولا
تصطدم ببعضها، وأنزل منها أي من السحاب ماء مباركاً ومطراً عذباً ينبت به
الزرع والعشب، ويحيي الأرض بعد موتها، ويغسل به الجو الذي تلوث
بالتراب وغيره من كل ما يؤذي ويضر ويعكر صفو الحياة وصفاء الهواء.
فمن اتصف بالخلق والإبداع والتكوين للإنسان، والإمداد له بالنعم
والأرزاق، وبخلق السماء والأرض لخير البشر، جدير بالعبادة والتعظيم
والخضوع له، فلا يليق اتخاذ الشركاء الضعفاء معه من الأصنام والبشر،
الذين لا يخلقون شيئاً ولا يقدمون رزقاً، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً، ولا
يدفعون عن ذواتهم ضراً، وتقدس الله تعالى عن اتخاذ الأنداد والشركاء
والأولاد، إذ لا حاجة له بهم، فمن كانت له حقيقة القدرة، ودلت عليه
دلائل الربوبية والوحدانية هو المستحق وحده للطاعة.
وأما اتخاذ المشركين الأصنام أنداداً توسلاً بها إلى الله، واتخاذ أهل الكتاب
أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، في التشريع وتحليل المنكرات، وتحريم
بعض الطيبات، فهو محض الافتراء والكذب، ومغالطة الواقع، مع أن الكل
متفقون على أن الخالق والرازق هو الله، وحال جميع الكافرين والمنافقين
يعلمون في الحقيقة بطلان شرائع وأنظمة الآلهة المزعومة؛ قال تعالى: ﴿وَلَيِن
سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
﴾ [العنكبوت: ٦١/٢٩] أي يصرفون. وقال سبحانه مندداً باتخاذ الوسائط إلى
الله، وبإبطال التقرب بغير ماشرع الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣/٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
العبادة التي هي توحيد الله والتزام شرائع دينه لا تكون إلا لله الخالق
الرازق، وملازمة العبادة الخالصة لله مدعاة لغرس أصول التقوى الله عز
وجل، فلا يجرؤ المتقون على مخالفة الأوامر، واقتحام المعاصي.

١٠٧
الُرُ (١) - البَفَرّة: ٢١/٢-٢٢
وليس المراد بكون الأرض فراشاً، أي وطاء للافتراش والاستقرار عليها،
هو الفراش المعهود المستخدم للنوم، فمن حلف لا ينام على فراش، فنام على
الأرض، لا يحنث في رأي الحنفية والشافعية؛ لأن اللفظ لا ينصرف إليها
عرفاً، والأيمان محمولة على المعتاد المتعارف من الأسماء، وليس في العادة
إطلاق هذا اللفظ على الأرض. وأما المالكية فيحملون الأيمان على النية أو
السبب أو بساط الحال التي جرت عليه اليمين (أي سبب اليمين)، فإن عدم
ذلك فالعرف، فإن لم يكن شيء من ذلك فيحمل اليمين على مطلق اللفظ المراد
في اللغة.
ودلت الآية على توحيد الله، وإثبات الصانع الذي لا يشبهه شيء، القادر
الذي لا يعجزه شيء. ومن مظاهر قدرته رفع السماء ووقوفها بغير عمد نراه،
ودوامها على طول الدهر، دون تبدل ولا تغير، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
[الأنبياء: ٣٢/٢١]
٣٢
السَّمَآءَ سَقْفًا تَخْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ
وكذلك ثبات الأرض ووقوفها على غير سند بالرغم من تحركها، ودورانها في
الفضاء، من أعظم الدلالات على التوحيد، وعلى قدرة خالقها، وأنه لا
يعجزه شيء، وفي ذلك تنبيه على الاستدلال بها على الله وتذكير بالنعمة، فقد
أخرج الله من الأرض ألواناً من الثمرات، وأنواعاً من النبات، طعاماً
للإنسان، وعلفاً للدواب، وقد بين الله هذا في قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَيْنَا الْعَلَ صَبًّا
وَزَيْتُوُنَا وَنَخْلَا
فَثْبَنَا فِيهَا حَبََّ ﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا لِّ
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
٢٥
٢٩٦
[عبس:
(٣٢
(١)
وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا ﴿َ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ
وَحَدَآَبِقَ غُلْبًا
٢٥/٨٠-٣٢].
وأرشدت هذه الآية إلى أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، وقد
أشار عليه السلام إلى هذا المعنى: ((والله لأن يأخذ أحدكم حَبْله، فيحتطب
(١) القضب: علف رطب للدواب كالبرسيم، والأب: الكلأ والعشب، أو هو التبن خاصة.
٠

١٠٨
الجُعُ (١) - البقرة: ٢٣/٢-٢٤
على ظهره، خير له من أن يسأل أحداً، أعطاه أو منعه)) (١). قال القرطبي:
ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنايع وغيرها، فمن أحوج
نفسه إلى بشر مثله، بسبب الحرص والأمل، والرغبة في زخرف الدنيا، فقد
أخذ بطرف من جعل الله ندّاً (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢/٢] دليل على الأمر
باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد؛ لأن المشركين يعلمون في الحقيقة أن
المنعم عليهم هو الله دون الأنداد، ويعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو
تدبروا ونظروا وأعملوا عقولهم وأفكارهم، فلا داعي للوسائط المزعومة في
قولهم: ﴿مَا نَعَّبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣/٣٩].
تحدي الجاحدين بالإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن
﴿وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ
شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ
النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِنَ
٢٤
القراءات:
﴿فَأْتُواْ﴾: وقرئ: (فاتوا) وهي قراءة ورش والسوسي، وحمزة وقفاً.
الإعراب:
الهاء في ﴿مِّثْلِهِ،﴾ إما أن تكون عائدة على ﴿عَبْدِنَا﴾ فتكون ﴿مِّن﴾ ابتدائية،
وتقديره: ابتدئوا في الإتيان بالسورة من مثل محمد، وإما أن تكون عائدة على
﴿مِّمَّا نَزَلْنَا﴾ وهو القرآن، فتكون ﴿مِّن﴾ زائدة للبيان، وتقديره: فأتوا بسورةٍ
(١) أخرجه مسلم.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٣٠/١
۔

١٠٩
اِلُ (١) - البقرة: ٢٣/٢-٢٤
مثله. و﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ متعلق بسورة صفة لها، أي بسورة كائنة من مثله. قال
الزمخشري: ورد الضمير إلى المْزَل أوجه، لقوله تعالى: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ
مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨/١٠]، ﴿فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣/١١]، ﴿عَلَى أَنْ
يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨/١٧]، ولأن القرآن جدير
بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى
((المنزل)) أحسن ترتيباً، وذلك أن الحديث في المنزل، لا في المنزل عليه.
﴿أُعِذَتْ﴾ إما حال للنار على معنى معدَّة، وأضمرت معه قد، كما قال:
﴿أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، أي قد حصرت، وإما بكلام منقطع عما
قبله.
البلاغة:
﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ إضافة تشريف وتخصيص. ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ﴾ الأمر خرج إلى
معنى التعجيز، وتنكير السورة لإرادة العموم والشمول.
﴿وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ يفيد دوام التحدي في الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿فَاتَّقُواْ
النَّارَ﴾ إيجاز صارف إلى الغاية المقصودة جوهرياً، أي فإن عجزتم فخافوا نار
جهنم بالإيمان بالقرآن وبالنَّبي محمد عليه الصلاة والسلام.
المفردات اللغوية:
﴿رَيْبٍ﴾ شك ﴿عَبْدِنَا﴾ محمد ﴿مِّن مِّثْلِهِ،﴾ أي المنزل، أي هي مثله في
البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب .﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ أحضروا
آلهتكم أو نصراءكم ورؤساءكم، أو من يشهد لكم يوم القيامة . ﴿مِّن دُونِ
اللَّهِ﴾ أي غيره لتعينكم.﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في أن محمداً قاله من عند
نفسه، فإنكم عرب فصحاء مثله. والسورة: قطعة أو طائفة من القرآن، لها
أول وآخر، أقلها ثلاث آيات.

١١٠
المُرءُ (١) - البقرة: ٢٣/٢-٢٤
المناسبة:
بعد أن صنّف القرآن الناس إلى أقسام ثلاثة: متقين موحدين، وجاحدين
معاندين، ومنافقين مذبذبين، وبعد أن أثبت الوحدانية والربوبية الله، ونفى
الشركاء بالمنطق والبرهان، أثبت الله تعالى أن القرآن كلام الله، وأنه نزل من
عنده، بدليل أنه معجز، لم يتمكن أحد من الجن أو الإنس مجاراته والإتيان
بمثله، مع أن العرب فرسان البلاغة، وأساطين الفصاحة، ولا فخر لهم إلا
بالكلام شعراً ونثراً وخطابة، وبما أنهم عجزوا، ولم يستطيعوا الإتيان بمثل
أقصر سورة من القرآن، فقد ثبت صدق محمد رَّ﴾ فيما ادعاه من النّبوة، وما
أتى به من الرسالة الإلهية. وكان منكر نبوته ورسالته مستحقاً العقاب والجزاء
في نار جهنم.
التفسير والبيان:
إن كنتم أيها العرب وغيركم من الجاحدين في شك من صدق القرآن،
الذي أنزله الله على عبده ورسوله النَّبي الأميّ محمد بن عبد الله، وزعمتم أنه
من كلام البشر، فأتوا بمثله، كما يقدر سائر البشر، وذلك إن كنتم صادقين
في أنه مختلق ومن كلام البشر، وأنكم تقدرون على المعارضة لقولهم: ﴿لَوْ
نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١/٨]، واستعينوا بمن شئتم من الرؤساء
والأشراف والآلهة المزعومة، لمعارضة القرآن، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا
الله، وحيث عجزتم ولم تقدروا على الإتيان بسورة تماثل القرآن في البيان
الغريب والبلاغة المتفوقة، وعلو حسن النظم، وسلامة المنطق، وروعة
التشريع والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، والإخبار بالمغيبات، ويظل
العجز دائماً في المستقبل، فلن تقدروا على الإتيان بمثله، مع أنه كلام عربي من
جنس كلام العرب في الشعر والخطابة والنثر والأسلوب، وفي العرب البلغاء
والفصحاء والشعراء والخطباء وأعلام البيان والقول.

١١١
الجزء (١) - البقرة: ٢٣/٢-٢٤
وحيث ظهر العجز فعلاً، فارجعوا إلى الحق، والإيمان بالقرآن، والتصديق
برسالة النَّبي محمد بَّهِ، ففي ذلك وحده النجاة من عذاب الله في النار التي
وقودها الناس الكفار والحجارة (الأصنام) مادة الاشتعال، فهي لا يماثلها
أعلى فرن ناري عالي التوتر لصهر الحديد وغيره من المواد الصلبة، ولا تقدَّر
درجات حرارتها بأفران الدنيا على الإطلاق، وقد أعدها الله وهيأها للكافرين
الجاحدين المنكرين رسالة الإسلام، جزاءً وفاقاً لكفرهم وجحودهم. قال
تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
وَرِدُونَ ﴿4﴾ [الأنبياء: ٩٨/٢١].
والخلاصة: إذا بان العجز التام عن الإتيان بمثل أقصر سورة من القرآن،
مع المحاولة وبذل الجهود واستمرار التحدي في المستقبل، فاحذروا العناد،
واعترفوا بكون القرآن من عند الله، لئلا تكونوا مع أصنامكم وقوداً لنار
جهنم التي أعدت لأمثالكم الكافرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ﴾ على صحة نبوة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام
من وجوه :
الوجه الأول - أنه تحداهم بالإتيان بمثل القرآن، وقرَّعهم بالعجز عنه،
مع ما هم عليه من الأَ نَفَة والْخَمِيَّة، وأنه كلام موصوف بلغتهم، فلو قدروا
على معارضته لكانت معارضته أبلغ الأشياء في إبطال دعواه وتفريق أصحابه
عنه. فلما ظهر عجزهم عن معارضته، دلّ ذلك على أن القرآن من عند الله
الذي لا يعجزه شيء، وأنه ليس في مقدور العباد مثله. وهذه معجزة باقية لنبيِّنا
عليه الصلاة والسلام بعده إلى قيام الساعة، وقد كانت هذه المعجزة تتناسب
مع اعتزاز العرب بالفصاحة والبلاغة بما لم يتهيأ لغيرهم، فجعل الله تعالى آية
محمد الكبرى كتاباً معجزاً لهم ولسائر الخلق في نظمه وأسلوبه، وفصاحته
1

١١٢
الُ (١) - البَقَرة: ٢٣/٢-٢٤
وبلاغته، فكانت عليهم الحجة بأقوى مما قامت به المعجزات المادية السابقة
مثل عصا موسى ويده في عصر السحر، وإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحياء
الموتى في عصر الطب.
والوجه الثاني - كان معلوماً عند الناس قاطبة: المؤمنين والجاحدين لنبوة
النَّبِي وَّ أنه كان من أتم الناس عقلاً، وأكملهم خلقاً، وأفضلهم رأياً، فما
طعن عليه أحد في كمال عقله، ووفور حلمه، وصحة فهمه، وجودة رأيه،
فلا يجوز على من كان هذا وصفه أن يدّعي النّبوة، ويجعل علامة نبوته كلاماً
يقدر كل واحد من العرب على مثله، فيظهر حينئذٍ كذبه، وبطلان دعواه، فدلّ
ذلك على أنه تحداهم بكلام هو من عند الله لا يقدر العباد على مثله.
والوجه الثالث - أخبر تعالى بقوله: ﴿لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٤/٢]
أنهم لا يعارضونه، وذلك إخبار بالغيب، وتحقق الخبر مع مضي الزمان. قال
أبو بكر الجصاص (١): وقد تحدى الله الخلق كلهم من الجن والإنس بالعجز
عن الإتيان بمثل القرآن بقوله تعالى: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَآلْجِنُّ عَلَى أَنْ
١٨
يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيْرًا
[الإسراء: ٨٨/١٧]، فلما ظهر عجزهم قال: ﴿فَأَتُواْ بِعَشِّرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ،
مُفْتَرَيَتٍ﴾ [هود: ١٣/١١]، فلما عجزوا قال: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ
[الطور: ٣٤/٥٢]، فتحداهم بالإتيان بمثل أقصر سورة منه،
٣٤١
صَدِقِين
فلما ظهر عجزهم عن ذلك، وقامت عليهم الحجة، وأعرضوا عن طريق
المحاجة، وصمموا على القتال والمغالبة، أمر الله نبيه بقتالهم.
والخلاصة: أن التحدي كان متنوعاً، مرة بالنظم والمعنى، ومرة بالنظم
دون المعنى، بافتراء شيء لا معنى له، وفي كل الأحوال ظهر فشلهم.
(١) أحكام القرآن: ٢٩/١

١١٣
لِلُعُ (١) - البَقَرة: ٢٥/٢
وأرشدت الآية: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ على ظهور العجز التام عن المعارضة،
وعلى استحقاق الكافرين النار لإنكارهم نبوة النَّبي ◌ََّ، ولعدم تصديقهم
بالقرآن، وعلى أن من اتقى النار ترك المعاندة، وعلى أن النار حالياً ومن القديم
مخلوقة مهيأة موجودة معدّة للعصاة والفسّاق والكفّار. قال القرطبي (١): فيه
دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة، خلافاً للمبتدعة في
قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن.
جزاء المؤمنين العاملين
﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَشِّ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقَأْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ
وَأُنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٢٥
الإعراب:
﴿مُتَشَبِهَا﴾ منصوب على الحال من الضمير في ﴿بِهِ،﴾ والعامل فيه:
﴿ وَأَنُواْ﴾ أي يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في الطعم. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا
أَزْوَجُ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ نعت للأزواج، ومطهرة في
اللغة: أجمع من طاهرة وأبلغ. ﴿وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ ((هم): مبتدأ، و
((خالدون)) خبره، والظرف ملغى. ويجوز في غير القرآن نصب ((خالدين)) على
الحال.
والسبب في تنكير جنات وتعريف الأنهار: أن الجنة اسم لدار الثواب
كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات
العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان. وأما تعريف الأنهار: فلأن
إيراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان
(١) تفسير القرطبي: ٢٣٦/١

١١٤
لُ (١) - البَقَرة: ٢٥/٢
الفاكهة، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو المراد أنهارها، فعوِّض
التعريف باللام من تعريف الإضافة، كقوله: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا﴾
[مريم: ٤/١٩]، أو لأنه يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا
أَنْهَرٌ مِّن مَّآٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيَّرْ طَعْمُ﴾ [محمد: ١٥/٤٧].
المفردات اللغوية:
﴿وَبَشِّرِ﴾ أخبر. ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ صدقوا بالله. ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾
من الفروض والنوافل . ﴿أَنَّ﴾ أي بأن. ﴿جَنَّتٍ﴾ حدائق ذات شجر
ومساكن، وهي دار الخلود للمؤمنين، وسميت جنة، لأنها تُجِنُّ من فيها أي
تستره بشجرها . ﴿َتَّجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ أي تحت أشجارها وقصورها.
﴿اَلْأَنْهَرّ﴾ المياه فيها. ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ﴾ أُطعموا من تلك
الجنات . ﴿رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها. ﴿وَأُتُواْ بِهِ،
مُتَشَبِهَا﴾ يشبه بعضه بعضاً لوناً ويختلف طعماً . ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ﴾ من
الحور وغيرها. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض والبصاق وسائر الأقذار. ﴿وَهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ ماكثون أبداً لا يَفْنَون ولا يخرجون، والخلود: البقاء، ومنه جنة
الخلد.
المناسبة:
يعقد القرآن عادة مقارنات بين الأشياء المتضادة، فلما ذكر الله جزاء
الكافرين والعصاة، أردف ذلك ببيان جزاء المؤمنين الأتقياء الأطهار، ليظهر
الفرق بين الفريقين، وليكون ذلك أدعى للعبرة والعظة، والامتثال من مقارنة
الأحوال.
التفسير والبيان:
بشِّر يا محمد أنت وورثتك من العلماء: المؤمنين المتقين، الذين آمنوا بالله

١١٥
الُ (١) - الْبَقَرة: ٢٥/٢
وعملوا الصالحات والحسنات أن لهم حدائق ذات أشجار ومساكن، تجري من
تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة (١)، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ
الأعين، وفيها - كما ورد في الصحيحين - ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم
مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴾ [السجدة: ٣٢ / ١٧].
فيها الأرزاق الدائمة والثمار الشهية المتنوعة، كلما قدمت لهم ثمرة منها في
أول النهار وآخره، قالوا متعجبين: هذه الثمرة كالتي رزقناها في الدنيا، فإذا
أكلوها وجدوا لها طعماً غير الطعم المعتاد، وأدركوا أنها تشبه ثمار الدنيا في
المنظر والشكل والجنس فقط، وتختلف في الذوق والطعم والحجم، فهي مما لم
يروه أبداً، وجيئوا بها مشابهة لثمار الدنيا المألوفة، مع اختلاف المادة
والطعم، قال ابن عباس: ((ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء))، وقال
الطبري (٢): ((أولى التأويلات تأويل من قال: وأُتوا به متشابهاً في اللون
والمنظر، والطعم مختلف، يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر
واللون، مختلفاً في الطعم والذوق.
ومن الأمور الغيبية التي نؤمن بها كما أخبر الله أن في الجنة للمؤمنين
زوجات من الحور العين، مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا
جان، مطهرات من الأقذار والأدناس المنفرة: الحسية والمعنوية، كالحيض
والنفاس، والحدث من البول والغائط، والتنُّخم أو البصاق، وشرور النفس
والهوى. روى مسلم أن النَّبِي وَّ قال: ((إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون،
ولا يتْفلون ولا يبولون، ولا يتغوَّطون ولا يتمخَّطون، قالوا: فما بال
الطعام؟ قال: جُشاء ورَشْح كرشح المسك، ويُلهمون التسبيح والتحميد، كما
تلهمون النَّفَس)).
(١) روى أبو هريرة أن النَّبِي وَ الإ قال: ((أنهار الجنة تفجر من تحت تلال أو من تحت جبال المسك)).
(٢) تفسير الطبري: ١٣٥/١ وما بعدها، ومثله تفسير الرازي: ١٣٠/٢

١١٦
الزُ (١) - البََّقَرَة: ٢٥/٢
لكن ورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكنَّ يوم القيامة أفضل من الحور العين،
عُرُبًا
٣٦
◌َجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا
إِنَّا أنشَأْنُهُنَّ إِنشَاءً
المذكورات في قول الله تعالى:
أَتْرَاباً مَـ
[الواقعة: ٣٥/٥٦-٣٨]. روى الترمذي عن أم
٣٨
لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ
سلمة: (( .. قلت: يا رسول الله، نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: بل
نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظهارة على البطانة. قلت: يا
رسول الله، وبِمَ ذاك؟! قال: بصلاتهن وصيامهم وعبادتهن الله عزّ وجلّ)) (١).
وثبت في الصحيح أيضاً: أن لكل رجل في الجنة زوجتين اثنتين. قال العلماء:
إحداهن من نساء الدنيا، والأخرى من نساء الجنة.
وتمتاز الجنة عن الدنيا بأنها دار الخلود أي الدوام والبقاء والمكث الطويل،
الذي لا بديل عنه، وهو تمام السعادة، وأمل المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتوالى البشائر القرآنية المفرحة للنفوس، المحرِّكة للقلوب، بأن الجنة دار
النعيم الدائم المقيم هي المخصصة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات. والإيمان
بمجرده لا يكفي، بل لا بدّ من أن ينضم إليه الطاعة والعمل الصالح. ونعيم
الجنة غير محدود ورزقها لا ينقطع، وإنما أراد الله أن يقرب لعقولنا ما أعدّ
فيها، بهذه الآية وغيرها، وبما أن طبيعة البشر تتعلق عادة بالماديات، أغراهم
الله بما تميل إليه نفوسهم، فوعدهم بالحقائق المادية، المعبر عنها في آية أخرى
بإيجاز: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾
[الزخرف: ٧١/٤٣]، ويظل الإنسان في عالم الآخرة إنساناً لا مَلَكاً، وإنما تكون
لذاته الإنسانية أكمل مما كان في الدنيا، وأسلم من المنغصات.
وأما الأعمال الصالحة التي تبوِّئ أصحابها الجنان: فهي كل خير أقره
(١) تفسير ابن كثير: ٢٩١/٤
٠٠

١١٧
اِلُرُ (١) - البَفقرة: ٢٦/٢-٢٧
العرف والشرع والعقل والفطرة السليمة، منها المذكور في أوائل سورة
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِمْ خَشِعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ
((المؤمنون)): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
عَنِ اُللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ. لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ (®
حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ
أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ
٨
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
الَّذِينَ يَرِثُونَ
أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُنَ (٣)
اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
﴾ [المؤمنون: ١/٢٣-١١].
وخلود المؤمنين في الجنة، وخلود الكفار في النار: معناه في الشرع: الدوام
الأبدي، أي لا يخرجون منها، ولا هي تفنى بهم، فيزولون بزوالها، وإنما هي
حياة أبدية لا نهاية لها.
فائدة ضرب الأمثال للناس في القرآن
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىٌ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَأَ فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ
مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًاً وَمَا يُضِلُّ
بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ ﴿َ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ
أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
٢٧
القراءات:
﴿ يَسْتَخْىٍ﴾: قرئ:
١- (يستحيي) بياءين، والماضي (استحيا) وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ
الجمهور.
٢- (يستحي) بياء واحدة، والماضي (استحى) وهي لغة بني تميم، وبها قرأ
ابن كثير.

١١٨
لُ (١) - البَقَرة: ٢٦/٢-٢٧
الإعراب:
﴿لَا يَسْتَحْىٍ﴾ جملة فعلية منفية في موضع رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَنْ يَضْرِبَ
في موضع نصب بفعل ﴿يَسْتَحْىٍ﴾ وحذف حرف الجر هنا؛ لأن ﴿أَنْ﴾ هنا
مصدرية . ﴿مَثَلًا﴾ مفعول أول، و﴿مَّا﴾ في قوله ﴿مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ﴾ إما
زائدة لتأكيد الخسة أي مثلاً بعوضة، و﴿بَعُوضَةً﴾ بالنصب على البدل من
﴿مَثَلًا﴾ وإما نكرة موصوفة بما بعدها بدل من ﴿مَثَلًا﴾ أي مثلاً شيئاً
بعوضة فهو مفعول ثانٍ، وإما بمعنى (الذي)) و((بعوضةٌ)) مرفوع خبر مبتدأ
مقدَّر، أي الذي هو بعوضة . ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ ما: عطف على ﴿مَّا﴾ الأولى، أو
على ﴿بَعُوضَةً﴾ إن جعلت ((ما)) زائدة. ﴿فَأَمَّا﴾ حرف فيه معنى الشرط، فوقع
في جوابها الفاء. ﴿مَاذَآ﴾ إما كلمة واحدة للاستفهام في موضع نصب بأراد،
والمعنى: أيَّ شيء أراد الله بهذا المثل. وإما أن تجعل ( ذا) بمعنى (الذي))
فتكون ﴿مَآ﴾ في موضع مبتدأ، وما بعدها الخبر، فهو استفهام إنكاري.
﴿مَثَلًا﴾ إما منصوب على التمييز، أو منصوب على الحال من ((ذا)) في ((هذا)).
﴿أَنْ يُؤْصَلَ﴾ إما في موضع نصب على البدل من ﴿مَآَ﴾ أو في موضع جرّ
على البدل من الهاء في ﴿بِهِ﴾﴾. و﴿الَّذِينَ﴾ نعت. و﴿أَن يُوصَلَ﴾ بدل من ضمير
﴿بهِة﴾.
البلاغة:
﴿لَا يَسْتَحْىٍ﴾ المعنى: لا يترك، فعبر بالحياء عن الترك؛ لأن الترك من
ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه، كما قرر الزمخشري في
(تفسيره: ٢٠٤/١) فهو مجاز من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.
﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ فيه استعارة مكنية، حيث شبه العهد بالحبل، وحذف
المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو النقض، وسمي العهد حبلاً على
سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الصلة بين المتعاهدين، كما قال الزمخشري:

١١٩
لُعُ (١) - البقرة: ٢٦/٢-٢٧
١/ ٢٠٧، أي أن أصل استعمال النقض هو في الحبل، ثم استعمل في العهد؛
لأنه يشبهه.
المفردات اللغوية:
﴿لَا يَسْتَحِىءَ﴾ لا يترك ضرب المثل. والحياء: تغير وانكسار يعتري
الإنسان من تخوف ما يعاب عليه ويذم، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى،
فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل
الذي هو منتهاه وغايته . ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ يجعل ﴿مَثَلًا﴾ المثل في اللغة: الشبيه
والنظير، وضرب المثل في الكلام: أن يذكر لحال ما يناسبها، فيُظهر من
حسنها أو قبحها ما كان خفياً . ﴿بَعُوضَةً﴾ الناموسة المعروفة. ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾
ما زاد عليها أو كان أكبر منها، أي لا يترك بيانه لما فيه من الحكم . ﴿اَلْحَقُّ﴾
هو الشيء الذي يحقّ ويجب ثبوته، ولا يجد العقل سبيلاً لإنكاره. والفسق لغة:
الخروج، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها: إذا خرجت. والنقض: الفسخ
وفكّ التركيب لحبل وغزل ونحوهما. والميثاق: ما يوثق به الشيء، ويكون
محكماً يعسر نقضه. وميثاق العهد: توكيده، والمراد: العهد المؤكد باليمين.
وعهد الله: ما أخذه على عباده من فهم السنن الكونية بالنظر والاعتبار، وهو
ما أوصاهم به في الكتب السابقة من الإيمان بمحمد إذا ظهر. وطريق الإيمان:
استخدام نعمة العقل والحواس المرشدة إلى الفهم.
ونقض الميثاق: عدم استعمال تلك المواهب فیما خلقت له، حتى كأنهم
فقدوها أو عطلوها، فالمراد بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ،﴾ توكيده عليهم.
والمأمور بوصله: هو الإيمان بالتَّبِي بَّ والرحم وغير ذلك. والإفساد في
الأرض: بالمعاصي والتعويق عن الإيمان.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: ١٣٨/١ عن جماعة من الصحابة: لما

١٢٠
الُ (١) - الْبَقَرة: ٢٦/٢-٢٧
ضرب الله هذين المثلين للمنافقين: قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ
نَارًا﴾، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ﴾ الآيات الثلاث، قال المنافقون:
الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىٍ
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾(١). قال
السيوطي في الجلالين: هذا القول أصح إسناداً وأنسب بما تقدم أول السورة.
التفسير والبيان:
إن الله سبحانه وتعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ونحوها بما هو دونها
أو أكبر منها، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، فلا غرابة ولا حرج
ولا عيب في الإتيان بالأمثال والأشباه سواء أكانت صغيرة أم كبيرة؛ لأن
العظمة فيها جميعها شيء واحد وهو الخلق والإبداع، ولأن المثل جعل لكشف
المعنى وتوضيحه بما هو معروف مشاهد، وما الأمثال إلا إبراز للمعاني
المقصودة في قالب الأشياء المحسوسة لتأنس بها النفوس، وتنكشف أمامها
الغوامض، وتزول الأوهام عن معارضة العقل. والله الحكيم يفعل ما يحقق
المصلحة بضرب المثل في العظائم والمحقرات حسب الأحوال والمناسبات، فإن
كان الأمر عظيماً كالحق والإسلام ضرب مثله بالنور والضياء، وإن كان الأمر
مهيناً حقيراً كالأصنام ضرب مثله في عدم النفع وانعدام الفائدة بما يشبهه من
الذباب والبعوض والعنكبوت.
فأما المؤمنون الذين يصدقون بأن الله خالق الأشياء كلها صغيرها
وكبيرها، فيقولون: هذا كلام الله حق، لا يقول غير الحق، والكل لديه
سواء، وهذا المثل لمصلحة وحكمة. وأما الكافرون الذين يستهزئون بالأمثال
بالمحقرات فيقولون متعجبين: ماذا أراد الله بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ فهم في
حيرة من أمرهم، وخسارة في نهايتهم، ولوآمنوا لعرفوا الحق ووجه الحكمة في
(١) انظر أيضاً تفسير القرطبي: ٢٤١/١، أسباب النزول للواحدي: ص ١٢