النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الجُ (١) - البَفَرَة: ٦/٢-٧ صفات الكافرين ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦ خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٧ القراءات: ٠ ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم) وهي قراءة حمزة. ءَ أَنْذَرْتَهُمْ﴾: قرئ: ١- بتحفيف الهمزتين، وبه قرأ الكوفيون، وابن ذكوان. ٢- بتحقيق الأولى وتخفيف الثانية، وهي قراءة أبي عمرو، وهشام. ٣- بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، مع إدخال ألف بينهما، وهي قراءة أبي عمرو، وقالون. الإعراب: ﴿سَوَآءُ﴾ إما مبتدأ، وخبره: ﴿ءَ أَنذَرْتَّهُمْ﴾، أو خبر ﴿إِنَّ﴾ وما بعده، والتقدير فيه: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم الإنذار وتركُه. وإنما وحَّد ﴿سَمْعِهِمٌ﴾ ولم يجمعه كـ ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ و﴿أَبْصَرِهِمْ﴾ إما لأن السمع مصدر، والمصدر: اسم جنس يقع على القليل والكثير، أو على تقدير مضاف بلفظ الجمع، أي مواضع سمعهم، أو اكتفاء باللفظ المفرد لما أضافه إلى الجمع، وهو يفيد العموم، والمراد به الجمع. ٨٢ الُرُ (١) - البَفَة: ٦/٢-٧ البلاغة: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ فيه التيئيس من إيمان الكفار، بسبب عدم استعدادهم للإيمان. ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ استعارة تصريحية، شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق بالوعاء المختوم عليه، واستعارة لفظ الختم بطريق الاستعارة التصريحية، للتصريح بلفظ المشبه به وحذف المشبه وأداة التشبيه ووجه الشبه. ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ثم وصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حدّ العظمة كماً وكيفاً، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان. المفردات اللغوية: الكفر: ستر الشيء وتغطيته، ومن كفر فقد غطى الحقيقة وستر نعم الله عليه، وكل من لم يؤمن بالقرآن فهو كافر. [ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ الإنذار: الإعلام مع التخويف. ﴿خَتَمَ اَللَّهُ﴾ طبع الله عليها بالخاتم، والمراد: أغلقت قلوبهم، فلا يدخلها إيمان ونور. ﴿غِشَوَةٌ﴾ غطاء وستر، والمقصود: التعامي عن النظر إلى آيات الله. المناسبة وسبب النزول: أتبع الله تعالى هذه الآية بعد بيان أحوال المؤمنين، لعقد مقارنة بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر؛ لأن الكفر ضد الإيمان، والمؤمنون ناجون، والكفار هالکون خالدون في نار جهنم. وسبب النزول في أصح الروايات: ما أخرجه الطبري عن ابن عباس ٨٣ اِلُعُ (١) - البقرة: ٦/٢-٧ والكلبي أن هاتين الآيتين نزلتا في رؤساء اليهود، منهم حُبَي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما (١). التفسير والبيان: إن الذين كفروا وجحدوا بآيات الله وكذبوا بالقرآن، وبمحمد وَليله يستوي عندهم الإنذار وعدمه، فلا تتأثر قلوبهم به؛ لأنها مغلقة لا يصل إليها النور الإلهي، ولا يشرق فيها إيمان، بسبب تعاميهم عن الحق وآيات الله، فلا ينفذ إليها أثر الهداية والموعظة، ولأنهم عطلوا وسائل المعرفة والنظر والتفكير وإعمال السمع والبصر، فأصبحوا يرون الحق فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه، فكان جزاؤهم عذاباً عظيماً شديداً لا ينقطع، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: في هاتين الآيتين تسلية للنَّبِي وَّل عن تكذيب قومه له، فلا تحُّر عليهم، ولا طمع في إيمانهم، ولا لوم عليه فيهم. والختم على القلوب بمعنى عدم وعي الحق، وإلقاء الغشاوة على المسامع والأبصار: بمعنى عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم، أو بمعنى عدم نظرهم في مخلوقات الله، أو بمعنى أنهم دُعوا إلى وحدانية الله فلم يؤمنوا، وكل ذلك إنما كان بسبب كفرهم وجحودهم، لا بسبب في القرآن أو تقصير من محمد أو أحد بعده في هدايتهم، فهم المتسببون لكل ذلك، المعرضون عن استخدام وسائط المعرفة السليمة في اعتقاد الحق والعمل به. فدلّ تعبير الختم والطبع على القلوب والأسماع والأبصار على تمكُّن الكفر (١) تفسير الطبري: ٨٤/١، تفسير القرطبي: ١٨٤/١ ٨٤ لُهُ (١) - الْبَقَرّة: ٦/٢-٧ في قلوبهم، حتى فقدوا الدواعي والأسباب التي ترشدهم إلى النظر والتفكّر في أدلّة الإيمان ومحاسنه، وأصبحوا في هيئة أو عادة تألف الجحود والعصيان. وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى أسماعهم وأبصارهم إلى الله تعالى، تنبيهاً على سنة الله في أمثالهم، لا على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم من الإيمان بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرُّسهم على الكفر وإعماله في قلوبهم، بأنه استحوذ عليها وملك أمرها، حتى لم يعد فيها استعداد لغيره، وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن خذله وأمدَّ له في ضلاله، إذ لم يمنعه حقاً وجب له، فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم. ويوضحه آيتان أخريان هما: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأَ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [البقرة: ٨٨/٢]، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ٨٨ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيِّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنُ بَيْنَا وَبَيْنِكَ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ٤ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٤/٤١-٥]، فهم باستكبارهم وعنادهم لا يخرجون عن سلطان الله، وأن الله سبحانه خالق كل شيء من الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والإنسان هو الذي يختار أحد المنهجين. ٨٥ الُرُ (١) - الْبَقَرَة: ٨/٢-١٠ صفات المنافقين - ١ - ٨ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) في قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِ بُونَ ١٠ القراءات: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾: قرئ: ١ - على أنه مضارع (خدع) المجرد، مبنياً للفاعل وهي قراءة السبعة غير أبي عمرو. ٢- على أنه مضارع (خادع) المزيد، مبنياً للفاعل، وهي قراءة أبي عمرو (وما يخادعون). ﴿يَكْذِبُونَ﴾: قرئ: ١- (يُكَذّبون) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. ٢- (يَكْذِبون) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿مَن يَقُولُ﴾ وحَّد الضمير في الفعل مراعاة للفظ ((من)) وتجوز مراعاة المعنى، فيجمع. ٨٦ الُ (١) - البَقَرّة: ٨/٢-١٠ يُخَدِعُونَ اللَّهَ﴾ أي نبي الله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ الباء تتعلق بفعل مقدَّر، أي استقر لهم. و ((ما)» مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، أي بكونهم يكذبون. البلاغة: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ المتبادر أن يقال: ((وما آمنوا)) ليطابق قوله ﴿مَن يَقُولُ ءَامَنَا﴾ ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم، لإخراجهم من عداد المؤمنين، وأكده بالباء مبالغة في تكذيبهم. يُخَدِعُونَ اللَّهَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حالهم مع ربهم في إظهار الإيمان وإخفاء الكفر بحال رعية تخادع سلطانها، واستعير المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة. ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ﴾ كناية، كتّى بالمرض في القلب عن النفاق؛ لأن المرض فساد للجسد، والنفاق فساد للقلب. المفردات اللغوية: ﴿وَبِاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ هو من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والنفاق: اسم شرعي جعل سمة لمن يظهر الإيمان ويسرُّ الكفر. يُخَدِعُونَ﴾ يعملون عمل المخادع، والخداع: صرف الغير عما يقصده بجيلة، والمراد هنا: إظهار الإسلام وإضمار الكفر. ﴿فَرَضٌ﴾ المرض: العلة، والمراد هنا شك ونفاق وتكذيب وجحود. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾: شكّاً. ٨٧ اِلُ (١) - الْبَقَرة: ٨/٢-١٠ التفسير والبيان: هؤلاء هم الصنف الثالث من الناس، وقد وصف الله حال الذين كفروا في آيتين، وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضَحَهُم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، ودعاهم صماً بكماً عمياً، وضرب لهم الأمثال، فهم أشدّ خطراً على الإسلام من الكفار صراحة. ولا تقتصر أوصاف المنافقين على المعاصرين للنَّبيِ وَّ فقط، بل في كل عصر إذا وجدت صفاتهم. : وأول هذه الصفات النطق بالإيمان باللسان، وامتلاء القلب بالكفر والضلال. وكان عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين في عصر النّبوة، وكان أكثر أصحابه من اليهود، وكانوا يدّعون الإيمان، فردّ الله عليهم دعواهم، وأنهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين، وإن تظاهروا به، ولا شكّ أنهم بهذا في صورة المخادعين لله، والله يعلم عنهم ذلك، فهم أشد ضرراً من الكفار، ولهم في الآخرة عذاب أليم بسبب كذبهم في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر. ونظراً لقصور عقولهم تصوّروا أنهم يخدعون الله تعالى، وهو منزَّه عن ذلك، فإنه لا يخفى عليه شيء، وهذا دليل على أنهم لم يعرفوه، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يُخْدَع، وليس خداعهم إلا وبالاً عليهم، والله قادر على كشف أمرهم للمسلمين. ومع كل ذلك يأمر الله بإجراء أحكام الإسلام عليهم، كأنه يخادعهم، على سبيل المشاكلة والمحاكاة والمشابهة لفعلهم، وكأن المسلمين حيث امتثلوا أمر الله فيهم مخادعون لهم، من باب التشبيه والتمثيل، للإشارة إلى أن المنافقين هم الخادعون المخدوعون. ٨٨ الُرُ (١) - البَقَرَة: ٨/٢-١٠ والصحيح - كما قال ابن العربي (١) - أن النَّبِي وَلو لم يقتلهم وأعرض عنهم لمصلحة تألف القلوب عليه، ومخافة من سوء المقالة الموجبة للتنفير، لئلا تنفر عنه القلوب، وقد أشار هو ◌َ ﴿ إلى هذا المعنى، فقال: ((أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً ﴿ ﴿ يقتل أصحابه)) وهذا كما كان يُعْطِي الصدقة للمؤلفة قلوبهم، مع علمه بسوء اعتقادهم تألفاً لهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن النفاق مرض خطير، وإن المنافقين شوكة مؤذية تطعن المجتمع من الداخل، وكان المتبادر إلى الذهن في تقديرنا أن تستأصل شأفة النفاق والمنافقين، حتى ترتاح الدولة منهم، وكذلك تفعل الدول الآن، إلا أن للوحي الإلهي والتشريع السماوي حكمة عميقة الأثر، بعيدة المدى، تنتظر أحداث المستقبل، ليظهر للناس قصور علمهم أمام سعة العلم الإلهي، فكثيراً ما لاقى النَّبي ◌َّ الأذى من المنافقين ولكنه انتصر في النهاية عليهم، ولعل ذلك من أصدق البراهين التاريخية على أن النفاق واليهودية شيئان متلازمان؛ لأنه ينشأ عن جبن حقيقي ولؤم طبعي، فالمنافق يلتوي مع الناس في أقواله وأفعاله، ويظهر النعومة، ولكنها السّم الزعاف في الدسم. وتشير الآيات إلى أن الكذب هو شعار المنافقين، لذا حذر الله المؤمنين منه أشد التحذير، فما فشا في أمة إلا كثرت فيها الجرائم، وشاعت فيها الرذائل، قال النَّبِي وََّ: ((إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان)) (٢). وإذا كان الكذب شعار المنافقين، فإن الصراحة في القول، والجرأة في (١) أحكام القرآن: ١٢/١، وانظر تفسير القرطبي: ١٩٨/١ وما بعدها. (٢) حديث حسن رواه أحمد في مسنده، وأبو الشيخ في التوبيخ، وابن لال في مكارم الأخلاق عن أبي بكر. ٨٩ الُ (١) - الْبَغَرَّة: ١١/٢-١٣ العمل الموافق للاعتقاد شعار المؤمنين الصادقين، الذين يستحقون كل تكريم، فتكون العظة بإيراد صفات المنافقين أشد أثراً، وأحكم أمراً للمؤمنين أنفسهم، إذ امتازوا بالثبات على الحق، وظل المنافقون في نفاقهم وزاد تمسكهم بما هم عليه، وأبوا الإيمان، وأعرضوا عن القرآن، وازداد مرض قلوبهم، وتحرقت نفوسهم بعدما جاءهم البشير النذير، وعلا مجده وكثر أتباعه، على ما فاتهم من الزعامة، وحسداً للنَّي ◌َّ وصحبه. صفات المنافقين - ٢ - أَلَآ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُوَاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ ١٣) القراءات: ﴿قيلَ﴾: قرئ: ١- بإخلاص كسر أوله، وسكون عينه ياء، وهي لغة قريش، وعليها كثرة القراء. ٢- بضم أوله، وهي لغة قيس، وعقيل، وبني أسد، وبها قرأ الكسائي وهشام. ﴿الشُّفَهَةُ أَلَا﴾: إذا التقت همزتان من كلمتين، الأولى مضمومة والثانية مفتوحة، ففي ذلك أوجه : ١- تحقيق الهمزتين، وبذلك قرأ الكوفيون وابن عامر. ٩٠ الُ (١) - البَفَرَة: ١١/٢-١٣ ٢- تحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واواً، كحالها إذا كانت مفتوحة قبلها ضمة في كلمة، وبذلك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. الإعراب: ﴿وَإِذَا﴾ إذا: ظرف زمان مستقبل، وهو مبني لتضمنه معنى الحرف ﴿لَهُمْ﴾ في موضع رفع نائب فاعل لكلمة ﴿قِيلَ﴾: هذا رأي ابن الأنباري، والصحيح أنه جار ومجرور متعلق بالفعل السابق، ﴿إِنَّمَا﴾ كافَّة، ليس للجملة بعدها موضع من الإعراب ﴿نَحْنُ﴾ ضمير مرفوع منفصل، وهو مبني لأنه مُضْمَر. ﴿أَلََّ إِنَّهُمْ﴾ ألا: حرف استفتاح، وكسرت ((إن)) لأنها مبتدأة. ﴿هُمْ﴾ ضمير فصل لا موضع له من الإعراب أو توكيد للهاء والميم في ((والمفسدون)) خبر ((إن)). إِنَّهُمْ﴾. كَمَا﴾ مصدرية تقديره: كإيمان الناس. البلاغة: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قصر الموصوف على الصفة، أي نحن مصلحون ليس إلا. ﴿أََّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ تنويع التأكيد، جاءت الجملة مؤكدة بأربعة تأكيدات هي ((ألا)) و ((إن)) وضمير الفصل: ((هم)) و ((المفسدون)). المفردات اللغوية: ﴿لَا نُفْسِدُواْ﴾ الفساد: ضد الصلاح، والمراد النهي عن الأسباب المؤدية إلى الفساد، بإثارة الفتن، وإفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، وإغرائهم بالمؤمنين، وتنفيرهم من اتباع محمد بَطّر، والكفر والصد عن سبيل الله. ٩١ ◌ِلُ (١) - الْبَقَرَة: ١١/٢-١٣ ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ الصلاح ضد الفساد، أي ليس شأننا الإفساد أبداً، ولا شأن لنا إلا الإصلاح، وإنما نحن أناس مصلحون، بعيدون عن شوائب الإفساد، نسعى للخير والصلاح، باتباعنا رؤساءنا، وهكذا شأن المفسدين في كل زمان، يدّعون في إفسادهم أنه هو الإصلاح بعينه. (الشُّفَهَاءُ﴾ ضعفاء العقول، والمراد هنا الجهلاء وضعفاء الناس. وأصل السفه: الخفة. التفسير والبيان: · إذا قيل للمنافقين: إن مؤامراتكم الدنيئة ومخططاتكم الخبيثة بإثارتكم الفتن، والتجسس لحساب الكفار، وتأليب العرب على المسلمين فساد، قالوا: ليس الأمر كما تزعمون، فإنما نحن مصلحون، لا نبغي إلا الإصلاح، فرد الله عليهم بأنهم وحدهم هم المفسدون، ولكنهم لا يدركون خطورة عملهم، ولا يشعرون بهذا الإفساد؛ لأنه أصبح غريزة لهم، مركزة في طباعهم. وكان المسلمون ينصحونهم بشتى الوسائل، ويدعونهم إلى الإيمان، كإيمان الذين أصغوا للعقل السليم، وسلكوا سبيل الرشاد كعبد الله بن سَلام وأشباهه، فإذا قالوا لهم: ادخلوا في ساحة الإيمان كغيركم من الناس، أجابوا مترفعين: أنؤمن بالقرآن وبمحمد، كما آمن السفهاء: أتباع النبي ◌َّر، ضعفاء الناس من العبيد والفقراء، وضعفاء العقل من الجهلاء؟ مع أن العاقل هو من يرى طريق الخير والنور أمامه فيسلكه. فرد الله عليهم بأنهم وحدهم هم السفهاء دون من نسبوهم إلى السفه، فليس عندهم إدراك صحيح للإيمان، ولا يعلمون حقيقته وأثره. والسبب في أنه قيل في الإفساد: ﴿لَّا يَشْعُرُونَ﴾ والشعور: إدراك ما خفي، وفي الإيمان: ﴿لَّا يَعْلَمُونَ﴾ والعلم: اليقين ومطابقة الواقع: هو أن الإفساد ٩٢ الُُ (١) - البَفَرة: ١٤/٢-١٦ في الأرض أمر محسوس، ولكن لا حسّ لهم حتى يُدركوه، وأما الإيمان فهو أمر قلبي، لا يدركه إلا من علم حقيقته، ولا يتم الإيمان إلا بالعلم اليقيني، والعلم: معرفة المعلوم على ما هو به، ولكن لا علم لديهم حتى يصلوا إلى حقيقة الإيمان. فقه الحياة أو الأحكام: إن قلب الحقائق، وتغيير الوقائع سمة الجبناء الضعفاء، أما الأقوياء وهم المؤمنون الذين استخدموا وسائط المعرفة السليمة للوصول إلى الحقائق، فهم الخالدون الباقون، وهم الذين يحبون الإنسانية بحق وصدق، فيدعونهم إلى إصلاح السلوك، وتقويم الأخلاق، والثبات على المبدأ الحق الذي يرشد إليه العقل، وتقتضيه الفطرة، وتؤيده البراهين الحسية والتار يخية. وقد دلت الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا﴾ على أن الإيمان ليس هو الإقرار، دون الاعتقاد؛ لأن الله تعالى قد أخبر عن إقرارهم بالإيمان، ونفى عنهم سَيْته بقوله: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١). صفات المنافقين - ٣ - ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿ اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَعُدُّهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِين ١٦ (١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٥/١ ٩٣ الْجُ (١) - الْبَقَرَّة: ١٤/٢-١٦ القراءات: ﴿خَلَوْاْ إِلَى﴾: قرئ: ١- بسكون الواو وتحقيق الهمزة، وهي قراءة الجمهور. ٢- بإلغاء حركة الهمزة على الواو وحذف الواو، وهي قراءة ورش. الإعراب: (يَعْمَهُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ((هم)) في ﴿وَيَمُّهُمْ. والعامل فيه الفعل، وهو (يمدّ)) وتقديره: يمدهم عَمِهين، وإن شئت ((عامهين)) فقد قالوا: عَمِهَ، فهو عَمِهٌ وعامهٌ: إذا تحير. البلاغة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ سمى الجزاء على الاستهزاء استهزاء بطريق المجاز أو المشاكلة: وهي اتفاق الجملتين في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، أو هي مقابلة الكلام بمثله وإن لم يكن في معناه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] والثانية ليست سيئة ولكنه لما قابل بها السيئة أجرى عليها اسمها، وقوله: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤/٢] والثاني ليس باعتداء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌ﴾ [النحل: ١٢٦/١٦] والأول ليس بعقاب، وإنما هو على مقابلة اللفظ بمثله ومزاوجته له، وتقول العرب: الجزاء بالجزاء، والأول ليس بجزاء. ﴿أَشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ الشراء لاستبدال الغي بالرشاد، والكفر بالإيمان، فخسرت صفقتهم، ثم زاده توضيحاً بقوله ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َجِرَتُهُمْ﴾ وهذا هو الترشيح: وهو ذكر ما يلائم المشبه به. ٩٤ الجُزُ (١) - الْبَقَرَة: ١٤/٢-١٦ المفردات اللغوية: ﴿خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ انصرفوا إليهم أو انفردوا معهم، وشياطينهم: إخوانهم في الكفر ورؤساؤهم وكبراؤهم ﴿مُسْتَهْزِءُونَ﴾ الاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، وهذا فعل اليهود. ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي أنه سيجازيهم عليه بالإمهال، ثم بالنكال، على سبيل المشاكلة (اتفاق اللفظ واختلاف المعنى) ليزدوج الكلام، فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. ﴿وَيَعُدُّهُمْ﴾ يزيدهم أو يُهلهم. ﴿طُغْيَنِهِمْ﴾ تجاوزهم الحد وغلوهم في الكفر. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يتحيرون أو يعمَوْن عن الرشد، من العمه: وهو ضلال البصيرة. سبب نزول الآية ١٤ : أورد المفسرون أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين إذ امتدح أبا بكر وعمر وعلياً بعد أن قال فيهم لأصحابه: انظروا كيف أردّ عنكم هؤلاء السفهاء؟ فنزلت الآية، لكن قال السيوطي: هذا الإسناد واه جداً. التفسير والبيان: هذا في عصر النبوة موقف أو مشهد آخر من مواقف ومشاهد المنافقين من اليهود، الذين هم كالشياطين، بل أشد، وهو موقف لا يحسدون عليه، لأنه سينكشف الحق قريباً، وتتجلى الحقيقة، فإن كل كاذب قليل الإدراك قصير النظر، لا ينظر إلى المستقبل. فهم إذا خلوا مع بعضهم وزعمائهم تضامنوا معهم، وقالوا: إنا معكم. وإذا رأوا المؤمنين أعلنوا إيمانهم، وقد فضح الله أوضاعهم، ولم يعبأ بهم، وسيجازيهم أشد الجزاء، ويزيدهم حيرة وضلالاً في أمورهم. ثم إنهم بإهمالهم العقل في فهم كتاب الله، وتركهم الطريق المستقيم، وأدلة ٩٥ الُ (١) - البَفَرَة: ١٤/٢-١٦ صحة هذا الدين حسداً وبغياً، كأنهم أقدموا على صفقة خاسرة، ودفعوا الهدى ثمناً للضلال، وباعوا النور بالكفر وضلالات الأهواء، فما ربحوا في هذه التجارة، لما ينتظرهم من عذاب جهنم. قال ابن عباس: ((أخذوا الضلالة وتركوا الهدى)) أي استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أورده بلفظ الشراء توسعاً؛ لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئاً بشيء. وأسند الله تعالى الربح إلى التجارة، على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، والمعنى ر بحت وخسرت في بيعك. وما كانوا مهتدين في اشترائهم الضلالة. فقه الحياة أو الأحكام: الجزاء والعقاب واقع على كل من بدل بالإيمان كفراً، وبالهدى والقرآن والنور والمنهج المستقيم ضلالاً وبطلاناً وظلاماً والتواء، إذ إن هؤلاء أضاعوا رأس المال وهو ما كان لهم من الفطرة السليمة، والاستعداد العقلي لإدراك الحقائق. ومن المعلوم أن الناس يصفون التاجر الخاسر الذي ضيع كل رأس ماله، ولم يتدارك ما قد خسره في صفقة ما بأنه غبي أحمق، وهذا هو حال المنافق. ثم إن المعول عليه في دستور القرآن في الحكم بصدق الإسلام هو الإخلاص بالقلب، لا مجرد القول باللسان. والخلاصة: أن الله تعالى ذكر أربعة أنواع من قبائح المنافقين، وكل نوع منها كاف وحده في إنزال العقاب بهم وهي ما يأتي (١): (١) تفسير الرازي: ٦٢/٢-٦٨ 1 ٩٦ لُ (١) - الَقَرَة: ١٧/٢ -٢٠ اً - مخادعة الله، والخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يميز من غيره كيلا يفعل الذم. أَ - الإفساد في الأرض بإثارة الفتنة والتأليب على المسلمين وترويج الإشاعات الباطلة. ◌َّ - الإعراض عن الإيمان والاعتقاد الصحيح المستقر في القلب، الموافق للفعل. ٤ - التردد والحيرة في الطغيان وتجاوز الحدود المعقولة، بالافتراء على المؤمنين ووصفهم بالسفاهة، مع أنهم هم السفهاء بحق؛ لأن من أعرض عن الدليل، ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه، ولأن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه، ولأن من عادى محمداً عليه الصلاة والسلام، فقد عادى الله، وذلك هو السفيه، فالسفه محصور فيهم، ومقصور عليهم، ولديهم شعور ما: بأنهم ركبوا هواهم، ولم يتبعوا هدي سلفهم، واعتمدوا في نجاتهم وسعادتهم على الأماني والتَعِلّات، كقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا التَّارُ إِلَّ أَيَّامًا تَّعْذُوَدَةً﴾ [البقرة: ٢/ ٨٠] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبَْؤُّأْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨/٥] ج أي شعبه وأصفياؤه. إيراد الأمثال للمنافقين ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ (4) أَوْ وَتَرَّكَهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿ حُمْ بَكْم عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِى ءَذَانِهِم مِّنَ الصَّوَعِقِ يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم ١٩ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٢٠ ٩٧ ◌ِلُعُ (١) - البَقَرّة: ١٧/٢ -٢٠ القراءات: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم)، وهي قراءة حمزة. الإعراب: ﴿أَسْتَوْقَّدَ﴾ و﴿ وَتَرَّكَّهُمْ﴾ أعاد الضمير إلى الأول بالإفراد، وإلى الثاني بالجمع؛ لأنه نزَّل ﴿الَّذِى﴾ منزلة ((من)) و((من)) يرد الضمير إليها تارة بالإفراد، وتارة بالجمع. و﴿ اُسْتَوْقَدَ﴾ : إما بمعنى ((أوقد)) فيكون متعدياً إلى مفعول واحد، وهو قوله: ﴿نَارًا﴾، وإما أن تكون السين فيه للطلب، فيكون متعدياً إلى مفعولين، والتقدير: استوقد صاحبه ناراً. (لما)) ظرف زمان، والعامل فيه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾. ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ اسم موصول بمعنى الذي، وحوله: الصلة، وهو في موضع نصب؛ لأنه مفعول ((أضاءت)). وأضاءت: يكون لازماً ومتعدياً، والأفعال التي تكون لازمة ومتعدية تُنَيِّف على ثمانين فعلاً. ﴿لَّا يُبْصِرُونَ﴾ جملة فعلية منفية في موضع نصب على الحال، من ضمير﴿ وَتَرَكَّهُمْ﴾. ١ ﴿هُمُ بُكْمُ عُمْىٌ﴾: مرفوع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أو: ههنا للإباحة، كصيب: مرفوع لكونه خبراً لقوله: ﴿ مَثَلُهُمْ﴾ ، وتقديره: مثلهم كمثل أصحاب صيب، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿فِيهِ ظُلُّمَتٌ﴾ في موضع جر على الوصف لصيب. ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ﴾ جملة فعلية في موضع جر، صفة لأصحاب المقدر.﴿حَذَرَ و اَلْمَوْتِ﴾ مفعول لأجله. ٩٨ لُءُ (١) - الفقرة: ١٧/٢ -٢٠ ﴿يَكَادُ الْبَقُ﴾ مضارع كاد، من أفعال المقاربة، ينفي في الإيجاب ويوجب في النفي. ﴿كُلَّمَا﴾ منصوب لأنه ظرف. البلاغة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَّدَ نَارًا فَلَمَّ﴾ تشبيه تمثيلي، شبه المنافق بمستوقد النار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار. وكذلك ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ تشبيه تمثيلي، شبه الإسلام بالمطر لأن القلوب تحيا به، وشبه شبهات الكفار بالظلمات. ﴿هُمْ بُكْمُ عُمْىٌ﴾ تشبيه بليغ، أي هم كالصم البكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس . ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ﴾ مجاز مرسل من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أي رؤوس أصابعهم. ((ويكذبون .. مصلحون .. يعمهون)): توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهو من المحسنات البديعية. والخلاصة: اشتملت الآيات على قوة التعبير وشدة التأثير وروائع التشبيه، ففيها تشبيه القرآن بالمطر إذا أمطر يحيي الأرض، والقرآن يحيي موات النفوس، ويرى أصحاب الأهواء أن في القرآن شبهاً هي كالظلمات العارضة مع المطر. وفي الآيات أيضاً وعد ووعيد كالرعد قوة وشدة. المفردات اللغوية: ((المثل)) الصفة التي أضحت كالمثل، أو مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة. ﴿أَسْتَوْقَّدَ﴾ أوقد ناراً للاستدفاء والإضاءة، أو طلب إيقاد النار ﴿أَضَآءَتْ﴾ أظهرت ما حولها، ((ترك)) صيَّر. والصمم: آفة تمنع السماع، والبكم: الخرس، والعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر. ٩٩ الُجُرُ (١) - البَقَرة: ١٧/٢ -٢٠ ﴿كَصَيِّبٍ﴾ الصيب: المطر الكثير. ﴿وَرَعْدٌ﴾ الرعد: صوت احتكاك الهواء الذي يسمع في السحاب عند تجمعه. والبرق: هو الضوء الذي يلمع في السحاب غالباً بسبب احتكاك الهواء واتحاد كهربية السحاب الموجبة بالسالبة. والصاعقة: نار عظيمة تنزل أحياناً أثناء المطر والبرق بسبب تفريغ كهربية السحاب بجاذب يجذبها إلى الأرض. والخطف: الأخذ بسرعة. ﴿قَامُواْ﴾: وقفوا وثبتوا في أماكنهم متحيرين منتظرين تغير الحال، للوصول إلى النجاة. والظلمات: هي ظلمة الليل وظلمة السحب وظلمة الصِّب نفسه. سبب نزول الآية ١٩: أخرج الطبري عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما في نزول هذه الآية: قالوا: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله وَلايقت إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله: فيه رعد شديد وصواعق وبرق، فكان كلما أضاءت لهما الصواعق، جعلا أصابعهما في آذانهما من الفَرَق (الخوف) أن تدخل الصواعق في مسامعهما، فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، وقاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً، فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه، فأسلما ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي ◌َّر، جعلوا أصابعهم في آذانهم فَرَقاً من كلام النبي ◌َِّ أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت أموالهم وولد لهم الغلمان، وأصابوا غنيمة أو فتحاً، مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد رَّلول دين صدق، فاستقاموا عليه، كما كان ١٠٠ الجُزُ (١) - البَنكُقَرة: ١٧/٢-٢٠ ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، وكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد، فارتدوا كفاراً، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما (١). التفسير والبيان: ضرب الله تعالى في هذه الآيات مَثَلين لتوضيح حال المنافقين وبيان شناعة أعمالهم وسوء أفعالهم، تنكيلاً بهم، وفضحاً لأمورهم، إذ كانوا فتنة للبشر، ومرضاً في الأمة. وضرب الأمثال هو منهج القرآن لتوضيح المعاني وإبراز المعقولات الخفية في معرض المحسوسات الجلية، وهذان المثلان يصوران حالة القلق والحيرة والاضطراب عند المنافقين وسرعة انكشاف أمرهم: المثل الأول - لسرعة انكشاف أمرهم: وهو أن مثل المنافقين وحالهم في إظهار الإسلام زمناً قليلاً وأمنهم على أنفسهم وأولادهم، كحال الذين أوقدوا ناراً، لينتفعوا بها، فلما أضاءت ما حولهم من الأمكنة والأشياء، وأبصروا زمناً يسيراً، أطفأها الله بنحو مطر شديد أو ريح عاصف، فصيرهم لا يبصرون شيئاً؛ وتركهم في ظلمة الليل وظلمة السحب المتراكمة وظلمة إطفاء النار؛ لأن النور قد زال. والمنافقون عطلوا مشاعرهم وإحساساتهم، إنهم عطلوا منفعة السمع، فلم يسمعوا عظة واعظ وإرشاد مرشد، بل لا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صُمُّ عن الحق لا يسمعون. وعطلوا منفعة الكلام والسؤال والمناقشة، فلم يطلبوا برهاناً على قضية، ولا بياناً عن مسألة، فكأنهم بُكْمٌ لا يتكلمون، وعطلوا. منفعة البصر، فلم ينظروا ولم يعتبروا بما حل بهم من الفتن وبما تعرضت له (١) تفسير الطبري: ١١٩/١ ۔