النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الُ (١) - الفَاتِحَةِّ: ١/١-٧
القرآن، ولم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام، ويسن ختم الفاتحة
بها، بعد سكتة على نون ﴿ وَلَا الضَّالِينَ﴾ ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن.
ودليل سنيتها ما رواه مالك والجماعة (أحمد والأئمة الستة) عن أبي هريرة أن
رسول الله وَله قال: ((إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين
الملائكة، غُفر له ما تقدم من ذنبه)).
آراء العلماء في الجهر والإسرار بالتأمين:
للعلماء رأيان: قال الحنفية، والمالكية في الراجح: الإخفاء أو الإسرار
بآمين أولى من الجهر بها؛ لأنه دعاء، وقد قال الله تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥/٧] وقال ابن مسعود: ((أربع يخفيهن الإمام: التعوذ،
والتسمية، والتأمين، والتحميد)) أي قول: ربنا لك الحمد.
ورأى الشافعية والحنابلة: أن التأمين سراً في الصلاة السرية، وجهراً فيما
يجهر فيه بالقراءة، ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه، لحديث أبي هريرة المتقدم:
((إذا أمَّن الإمام فأمنوا ... )) ودليلهم على هذا التفصيل: حديث أبي هريرة:
((كان رسول الله وَلّ إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين،
حتى يسمع من يليه من الصف الأول)) (١) وحديث وائل بن حُجْر: ((سمعت
النبي ◌َّر قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يمدُّ بها
صوته)) (٢).
التفسير والبيان:
أرشدنا الله تعالى إلى أن نبدأ كل أعمالنا وأقوالنا بالبسملة، فهي مطلوبة
لذاتها، محققة للاستعانة باسمه العظيم. وعلمنا سبحانه كيف نحمده على إحسانه
(١) رواه أبو داود وابن ماجه، وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج بها المسجد.
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

٦٢
لُُ (١) - الفَاتِحَّ: ١/١-٧
ونعمه، فهو صاحب الثناء بحق، فالحمد كله لله دون سواه، لأنه مالك الملك
ورب العوالم والموجودات كلها، أوجدها ورباها وعني بها، وهو صاحب
الرحمة الشاملة الدائمة، ومالك يوم الجزاء والحساب ليقيم العدل المطلق بين
العباد، ويحقق للمحسن ثوابه، وللمسيء عقابه. فهذه الصفات تقتضينا أن
نخص الله بالعبادة وطلب المعونة، والخضوع التام له، فلا نستعين إلا به، ولا
نتوكل إلا عليه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين؛ لأنه المستحق لكل
تعظيم، والمستقل بإيجاد النفع ودفع الضر.
وقد تعصف الأهواء بالنفوس، وتزيغ بالعقول، فلا عاصم من التردي في
الشهوات ومتاهات الانحراف إلا الله، لذا أرشدنا الحق سبحانه إلى طلب
الهداية والتوفيق منه، حتى نسير على منهج الحق والعدل، ونلتزم طريق
الاستقامة والنجاة، وهو طريق الإسلام القديم المستمر الذي أنعم الله به على
النبيين والصديقين والصالحين. وهذا شأن العبد العابد الناسك العاقل العارف
حقيقة نفسه ومصيره في المستقبل، لا شأن الكافر الجاحد الضال المنحرف،
الذي أعرض عن طريق الاستقامة عناداً، أو ميلاً مع الأهواء، أو جهلاً
وضلالاً، وما أكثر الضالين عن طريق الهداية، المتنكبين منهج الاستقامة،
الذين استحقوا الغضب والسخط الإلهي!
فاللهم أدم علينا البقاء في طريق الهداية، وتقبل ثناءنا ودعاءنا واحفظنا من
الغواية والضلال.
وبه تبين أن الناس فريقان: فريق الهدى، وفريق الضلال (١). وقد منح الله
تعالی للإنسان خمس هدایات یتوصل بها إلى سعادته
(٢) .
(١) الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية.
(٢) تفسير المنار: ٦٢/١، تفسير المراغي: ٣٥/١

٦٣
لُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
اً - هداية الإلهام الفطري: وتكون للطفل منذ ولادته، فهو يحس بالحاجة
إلى الطعام والشراب، فيصرخ طالباً له إن غفل عنه والداه.
أَ - هداية الحواس: وهي متممة للهداية الأولى، وهاتان الهدايتان يشترك.
فيهما الإنسان والحيوان، بل هما في البداية أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ
إلهام الحيوان يكمل بعد ولادته بقليل، ويكتمل في الإنسان تدريجياً.
◌َّ - هداية العقل: وهي أسمى من الهدايتين السابقتين، فالإنسان خلق
مدنياً بالطبع ليعيش مع غيره، ولا يكفي الحس الظاهر للحياة الاجتماعية،
فلا بد له من العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة، ويعصمه من الخطأ
والانحراف، ويصحح له أغلاط الحواس، والانزلاق في تيارات الهوى.
٤ - هداية الدين: وهي الهداية التي لا تخطئ، والمصدر الذي لا يضل،
فقد يخطئ العقل، وتنجرف النفس مع اللذات والشهوات، حتى توردها
موارد الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوِّم مرشد هادٍ لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه
هداية الدين لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع في الخطأ أو قبله،
وتظل هذه الهداية هي الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان للتزود
بمفاتيح الخير، والتسلح بمغلاق الشر، فيأمن العثور، ويضمن النجاة،
وتُعرِّفه بحدود ما يجب عليه لسلطان الله الذي يخضع له في أعماق نفسه، ويحس
بالحاجة الملحة لصاحب ذلك السلطان، الذي خلقه وسواه، وأنعم عليه نعماً
ظاهرة وباطنة، لا تعد ولا تحصى. فصارت هذه الهداية أشد ما يحتاج إليها
الإنسان، لتحقيق سعادته.
وقد أشار القرآن إلى تلك الهدايات في آيات كثيرة، منها ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
[البلد: ١٠/٩٠] أي مبينا له طريقي الخير والشر، والسعادة والشقاء.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلىَ اَلْهُدَى﴾
[فصلت: ١٧/٤١] أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر، فاختاروا الثاني.

٦٤
لُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
٥ - هداية المعونة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة: وهي أخص من
هداية الدين، وهي التي أمرنا الله بدوام طلبها في قوله تعالى: ﴿أُهْدِنَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
﴾ أي دلنا دلالة، تصحبها من لدنك معونة غيبية،
تحفظنا بها من الضلال والخطأ.
وهذه الهداية خاصة به سبحانه، لم يمنحها أحداً من خلقه، بل نفاها عن
النَّبِيِنَّهَ في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٌ﴾
[القصص: ٥٦/٢٨]، وقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ
يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢]، وأثبتها لنفسه في قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَنُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠/٦].
أما الهداية بمعنى الدلالة على الخير والحق، فأثبتها الله للتَّي وَلِّ في قوله:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢/٤٢].
والخلاصة: الهداية في القرآن نوعان: هداية عامة: وهي الدلالة إلى مصالح
العبد في معاده، وهذه تشمل الأنواع الأربعة السابقة، وهداية خاصة: وهي
الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة، مع الدلالة، وهي النوع
الخامس.
والإضلال نوعان (١):
أحدهما - أن يكون سببه الضلال: إما بأن يضل عنك الشيء كقولك:
أضللتُ البعير، أي ضلّ عني، وإما أن تحكم بضلاله. والضلال في هذين
سبب الإضلال.
والثاني - أن يكون الإضلال سبباً للضلال: وهو أن يزين للإنسان الباطل
لِيَضِلَّ.
(١) مفردات الراغب للأصفهاني: ص ٣٠٧

٦٥
الُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
وإضلال الله تعالى للإنسان على أحد وجهين: إما الحكم عليه بالضلال،
أو التَّمكين من البقاء في الضلال.
والأول - سببه الضلال: وهو أن يضل الإنسان، فيحكم الله عليه بذلك
في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة، وذلك إضلال هو
حق وعدل؛ لأن الحكم على الضال بضلاله والعدول به عن طريق الجنة إلى
النار عدل وحق.
والثاني - سببه اختيار الإنسان: وهو أن يختار الإنسان طريق الانحراف،
فيمده الله في ضلاله، ويمكّنه من البقاء في طغيانه، ويخلق له القدرة على
الاستمرار في كفره وفساده، لذا نسب الله الإضلال للكافر والفاسق، دون
المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ
قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَ هُمْ﴾ [التوبة: ١١٥/٩]، ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ، سَهْدِيهِمْ﴾ [محمد:
٤/٤٧-٥]، وقال في الكافر والفاسق: ﴿فَتَعْسَا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٤٧/
٨]، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦/٢] ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤/٤٠]، ﴿وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧/١٤]، وعلى
هذا النحو تقليب الأفئدة في قوله تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠/٦]،
والختم على القلب في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧/٢] وزيادة
المرض في قوله: ﴿فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾ [البقرة: ١٠/٢]، فمن
اختار الضلالة، أبقاه الله فيها، ومنع عنه نفوذ الهداية إلى قلبه، عقاباً له من
الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
لا يوجد في القرآن آية بدون معنى أو فائدة أو حكمة أو تشريع، فهو كلام
الله المعجز دستور الحياة البشرية، وبناءً عليه، يقصد بالآيات القرآنية تحقيق
فائدة الإنسان في حياته الدينية والدنيوية والأخروية، وتربطه بالحياة. وتكون

٦٦
الُ (١) - الفَاتِحَّ: ١/١-٧
بالتالي الأحكام المستفادة من معاني الآيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً إما بالعقيدة
أو بالعبادة أو بالأخلاق والسلوك أو بالتشريع الصالح للفرد والجماعة، وهذا
المعنى الأعم هو الذي عنيته بفقه الحياة في القرآن الكريم.
والمعاني أو الأحكام المستفادة من الفاتحة تشمل صلة الإنسان بالله، وتحدد
طريق مناجاته، وترسم له نوع مسيرته في الحياة، وتلزمه باتّباع المنهج الأقوم
والطريق الأعدل، الذي لا انحراف فيه قيد أنملة عن جادّة الاستقامة، ولا
قبول بأي لون من ألوان الضلال والغيّ والانحراف. ومعنى البسملة في
الفاتحة: أنّ جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام وغيرها هو الله ومنه، ليس
لأحد غير الله فيه شيء.
١ - كيفية حمد الله: الفاتحة ذلك النشيد العاقد للصلة مع الله، والذي
علَّمنا الله إياه، يقرؤه المؤمن في كل المناسبات، في الصلاة وغيرها؛ لأن بدايته
على تأويل: قولوا: الحمد لله ربِّ العالمين، وذلك يقضي أن الله أمرنا بفعل
الحمد، وعلمنا كيف نحمده ونثني عليه، وكيف ندعوه، ويفهم منه أنّ من
آداب الدعاء: أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ليكون ذلك أدعى إلى الإجابة.
٢ - قراءة الفاتحة في الصلاة: للعلماء رأيان في وجوب قراءة الفاتحة في
الصلاة.
الرأي الأول - للحنفية: وهو عدم وجوب قراءة الفاتحة، وإنما الواجب
للإمام والمنفرد مطلق قراءة، وهو قراءة آية من القرآن، وأقلها عند أبي حنيفة
.[المدثر: ٢١/٧٤] ولو تقديراً،
٢١
آية بمقدار ستة أحرف، مثل: ﴿ثُمَّ نَظَرَ
مثل: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إذا أصله: ((لم يولد)) [الإخلاص ٣/١١٢]. وقال الصاحبان:
فرض القراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة.
واستدلوا بالكتاب والسنة والمعقول.

٦٧
الُ (١) - الفَاتِحَيّ: ١/١-٧
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَّرَ مِنَ اُلْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠/٧٣]،
وهو أمر بمطلق قراءة، فتتحقق بأدنى ما يطلق عليه اسم القرآن.
وأما السنة: فحديث المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ
الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) (١). وأما
حديث: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (٢)، فمحمول على نفي
الفضيلة، لا نفي الصحة، أي لا صلاة كاملة.
وأما المعقول: فهو أنه لا تجوز الزيادة بخبر الواحد الظني على ما ثبتت
فرضيته بالدليل القطعي في القرآن، ولكن خبر الواحد يقتضي وجوب العمل
به، لا الفرضية، فقالوا بوجوب قراءة الفاتحة فقط، أي أن الصلاة تصح
بتركها، مع الكراهة التحريمية.
ولا قراءة مطلقاً على المقتدي عند الحنفية، سواء أكانت الصلاة سرية أم
جهرية، واستدلوا أيضاً بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ
اف: ٢٠٤/٧]، وهي تأمر بالاستماع والإنصات،
٢٠٤
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
والاستماع خاص بالجهرية، والإنصات يعمّ السريّة والجهريّة.
وأما السّنة: فقول النَّبِي وَ له: ((من صلّ خلف إمام، فإن قراءة الإمام له
قراءة)) (٣)، وهو يشمل السرية والجهرية.
وأما القياس: فهو أنه لو وجبت القراءة على المأموم، لما سقطت عن
(١) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث متواتر.
(٢) رواه الأئمة الستة عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(٣) رواه أبو حنيفة عن جابر رضي الله عنه، وهو ضعيف، كما ذكر القرطبي (تفسير القرطبي:
:
١٢٢/١).

٦٨
الُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
المسبوق، كسائر الأركان، فقاسوا قراءة المؤتم على قراءة المسبوق في حكم
الصلاة، فتكون غير مشروعة.
الرأي الثاني - المالكية والشافعية والحنبلية: وهو وجوب قراءة الفاتحة
بعينها في الصلاة للإمام والمنفرد، لقوله وَله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب))، وحملوا النفي على نفي الحقيقة؛ لأن الأصل والأقوى أن النفي على
العموم، أي لا صلاة صحيحة، ونفي الصحة أقرب إلى نفي الحقيقة. وقوله
عليه الصلاة والسلام أيضاً: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))(١)،
ولفعله ◌َّي كما روى مسلم، مع خبر البخاري: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
قال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول
الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة، لكل أحد على العموم.
وتتعين عند الشافعية قراءة الفاتحة، في كل ركعة، للإمام والمأموم والمنفرد،
سواء أكانت الصلاة سرية أم جهرية، فرضاً أم نفلاً، لحديث: ((لا صلاة لمن
لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، وحديث: ((صلى رسول الله وَله الصبح، فثقلت عليه
القراءة، فلما انصرف، قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟)) قال: قلنا : يا
رسول الله، إي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأُمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم
يقرأ فيها))(٢)، فهو نص صريح خاص بقراءة المأموم، دال على فرضيتها،
وظاهر النفي متجه إلى الإجزاء، أي لا تجزئ، وهو كالنفي للذات في المآل،
وقراءة الفاتحة مستثناة من النص القرآني الآمر بالاستماع إلى القرآن والإنصات
له.
ورأى المالكية والحنابلة: أنه لا يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية،
وإنما يستحب أن يقرأها في السرية؛ لأن الأمر القرآني بالاستماع والإنصات
(١) رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحهما.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان.

٦٩
الجُزءُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
للقرآن خاص بالصلاة الجهرية، بدليل ((أن النَّبِي وَلّ انصرف من صلاة جهر
فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم، يا رسول
الله، قال: فإني أقول: ما لي أُنازَعُ القرآن، فانتهى الناس عن القراءة مع
رسول الله ﴾ فيما يجهر فيه من الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من
رسول الله (َ﴾)) (١). وهذا صريح في كراهة القراءة للمؤتم حالة الجهر.
وأما دليلهم على استحباب القراءة في حالة السرّ: فهو قول النَّبِي وَّ: ((إذا
أسررت بقراءتي فاقرؤوا)) (٢).
٣ - استحضار معاني الفاتحة: على المصلي أن يستحضر في صلاته كل معاني
الفاتحة من كون الله أعظم من كل عظيم، وأكبر من كل شيء، وأن كل ثناء
جميل هو الله تعالى استحقاقاً وفعلاً، من حيث إنه الرَّب خالق العالمين ومدبِّر
جميع أمورهم، وأنّ رحمة الله مقرونة بعظمته وملكه وسلطانه وتصرفه دون غيره
يوم الحساب، فهو المستحق للعبادة وحده، ومنه وحده تطلب المعونة على
العبادة وعلى جميع الشؤون، وهو سبحانه الدّال بتوفيقه ومعونته إلى طريق الخير
والحق في العلم والعمل، وللمؤمن في مناجاته قدوة حسنة وهم أولئك الذين
أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح، من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين، كما أن أمامه عبرة وعظة وهم الذين غضب الله عليهم بإيثارهم
الباطل على الحق، وترجيحهم الشّر على الخير، والضّالون عن طريق الحق
والخير بجهلهم، الذين ضلّ سعيهم في الحياة، وهم يحسبون أنهم يحسنون
صنعاً، فمصيرهم إلى جهنم وساءت مصيراً.
وأما الذين جاؤوا على فترة من الرّسل كأهل الفترة في عصر الجاهلية، فلا
يكلفون في رأي الجمهور بشريعة، ولا يعذبون في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا
(١) رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن.
(٢) رواه الدار قطني والترمذي.

٧٠
الُُ (١) - الفَاتِحَّ: ١/١-٧
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥/١٧]. وقال جماعة من العلماء: إنهم
يكلفون ويعذَّبون؛ لأن العقل وحده كافٍ في التكليف، فمتى أوتيه الإنسان،
وجب عليه النظر في ملكوت السماوات والأرض، والتدبُّر والتفكّر في خالق
الكون، وما يجب له من عبادة وإجلال، بقدر ما يهديه عقله، ويصل إليه
اجتهاده، وبذلك ينجو من العذاب.
٤ - قراءة غير العربي: أجمع الفقهاء على أنه لا تجزئ قراءة القرآن بغير
العربية، ولا الإبدال بلفظها لفظاً عربياً، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم
يحسن، لقوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢/١٢]، وقوله سبحانه: ﴿يِلِسَانٍ
﴾ [الشعراء: ١٩٥/٢٦]، ولأن القرآن معجزة بلفظه ومعناه، فإذا
١٩٥)
عَرَبٍِ مُبِينٍ
غيِّر خرج عن نظمه، فلم يكن قرآناً ولا مثله، وإنما يكون تفسيراً له، والتفسير
غير المفسَر، وليس هو مثل القرآن المعجز المتحدى بالإتيان بسورة مثله.
وأجاز القرطبي المالكي للعاجز عن العربية أن يذكر في موضع القراءة ما
أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا
بالله. وأجاز الكاساني لعاجز عن القراءة بالعربية أن يقرأ الفاتحة بغير
العربية(١).
٥ - تأمين المصلي: يؤمن المنفرد اتِّفاقاً. وأما الإمام: فيؤمن سرّاً عند أبي
حنيفة وفي الراجح عند المالكية؛ لأنه دعاء. وروي عن مالك أنه قال: لا
يؤمن وإنما يقول ذلك من خلفه، وقال الشافعية والحنابلة: يجهر الإمام
بالتأمين في الصلاة الجهرية، كما بيّنا سابقاً. وقال ابن العربي والقرطبي (٢):
والصحيح تأمين الإمام جهراً، فإن ابن شهاب الزهري قال: وكان رسول الله
وَاليه يقول: آمين، خرّجه البخاري ومسلم وغيرهما، وفي البخاري: حتى إن
(١) تفسير القرطبي: ١٢٦/١، البدائع: ١١٢/١
(٢) أحكام القرآن: ٧/١، تفسير القرطبي: ١٢٩/١

٧١
الُ (١) - الفَاتِحَةِّ: ١/١-٧
للمسجد لَلَجَّة (١) من قول الناس: آمين. وأما المأموم: فيؤمِّن سرّاً عند الحنفية
والمالكية، وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة، ويخفيه فيما يخفي فيه القراءة عند
الشافعية والحنابلة.
(١) اللجة: الجلبة، يعني أصوات المصلين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الََّة
مَدَنيَّة إلا آية ٢٨١ فنزلَت بمنَى في حَجّة الوَداعِ
وآياتُها مئتان وست وثمانون وهي أول سورة نزلَتْ بالمدينة
ما اشتملت عليه السورة:
سورة البقرة أطول سورة في القرآن، وهي مدنية، قال عكرمة: ((أول سورة
أنزلت بالمدينة: سورة البقرة)) (١). وتُعنى كغيرها من السور المدنية بالتشريع
المنظم لحياة المسلمين في المجتمع الجديد بالمدينة، مجتمع الدين والدولة معاً، فلا
ينفصل أحدهما عن الآخر، وإنما هما متلازمان تلازم الجسد والروح، لذا كان
التشريع المدني قائماً على تأصيل العقيدة الإسلامية، ومبدؤها الإيمان بالله،
وبالغيب، وبأن مصدر القرآن هو الله عز وجل، والاعتقاد الجازم بما أنزل
الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين، وبأن العمل الصالح ترجمان ذلك
الإيمان، ويتمثل العمل بعقد صلة الإنسان مع ربه بواسطة الصلاة، وبتحقيق
أصول التكافل الاجتماعي بواسطة الإنفاق في سبيل الله.
ويقتضي تقرير العقيدة التحدث عن صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين،
(١) أسباب النزول للواحدي النيسابوري: ص ١١

٧٣
الُ (١) - الَقَة
لعقد مقارنة بين أهل النجاة وبين أهل الدمار والهلاك. كما يقتضي التحدث
عن قدرة الله عز وجل، ببدء الخليقة وتكريم آدم أبي البشر بسجود الملائكة له،
وترتيب المولى ما حدث معه وزوجه في الجنة، ثم الهبوط إلى الأرض.
واستوجب التحذير الإلهي للمؤمنين التحدث في هذه السورة بما يزيد عن
ثلثها عن جرائم بني إسرائيل، من الآية ٤٧ - ١٢٣، فهم كفروا بنعمة الله،
ولم يقدِّروا نجاتهم من فرعون، وعبدوا العجل، وطالبوا موسى عليه السلام
بطلبات على سبيل العناد والمكابرة والتحدي، وبالرغم من تحقيق مطالبهم
المادية كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، ونقضوا العهود والمواثيق،
فاستحقوا إنزال اللعنة وغضب الله عليهم، وجعلهم الله أذلاء منبوذين
مطرودین من رحمته.
ثم انتقلت السورة من خطاب أهل الكتاب إلى خطاب أهل القرآن، بالتذكير
بما هو مشترك بين قوم موسى وقوم محمد عليهما السلام من نسب إبراهيم
والاتفاق على فضله، واستئصال كل مزاعم الخلاف على القبلة، وبيان الأساس
الأعظم للدين وهو توحيد الألوهية، بتخصيص الخالق بالعبودية، وشكر الإله
على ما أنعم به من إباحة الاستمتاع بطيبات الرزق وإباحة المحرَّمات حال
الضرورة، وبيان أصول البر في آية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧/٢].
ثم أوضحت السورة أصول التشريع الإسلامي للمؤمنين به، في نطاق
العبادات والمعاملات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج
البيت والجهاد في سبيل الله وتنظيم أحكام القتال، واعتماد الأشهر القمرية في
التوقيت الديني، والإنفاق في سبيل الله؛ لأنه وسيلة للوقاية من الهلاك،
والوصية للوالدين والأقربين، وبيان مستحقي النفقات، ومعاملة اليتامى
ومخالطتهم في المعيشة، وتنظيم شؤون الأسرة في الزواج والطلاق والرضاع
والعدة، والإيلاء من النساء، وعدم المؤاخذة بيمين اللغو، وتحريم السحر،

٧٤
الُ (١) - الْبَقَة
والقتل بغير حق وإيجاب القصاص في القتلى، وتحريم أكل أموال الناس
بالباطل، وتحريم الخمر والميسر والربا، وإتيان النساء في المحيض وفي غير مكان
الحرث وإنجاب النسل، أي في الدبر.
وتضمنت السورة آية عظيمة في العقيدة والأسرار الإلهية، وهي آية
الكرسي، وحذرت من يوم القيامة الرهيب في آخر ما نزل من القرآن، وهي
آية ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
﴾ [البقرة: ٢٨١/٢].
تُظْلَمُونَ
وتضمنت هذه السورة أطول آية في القرآن هي آية الدَّين، التي أبانت
أحكام الدَّين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال فيها،
والرهان، ووجوب أداء الأمانة، وتحريم كتمان الشهادة.
وختمت السورة بالتذكير بالتوبة والإنابة إلى الله، وبالدعاء العظيم المشتمل
على طلب اليسر والسماحة، ورفع الحرج والأغلال والآصار، وطلب النصرة
على الكفار.
فالسورة كلها منهاج قويم للمؤمنين، ببيان أوصافهم، وأوصاف
معارضيهم ومعاديهم من الكفار والمنافقين، وتوضيح مناهج التشريع في
الحياة الخاصة والعامة، واللجوء في الخاتمة إلى الله والدعاء المستمر له في
التثبيت على الإيمان، والإمداد بالإحسان والفضل الإلهي، وتحقيق النصر على
أعداء الله والإنسانية.
ومن توجيهات السورة أن مناط السعادة في الدنيا والآخرة هو اتباع
الدين، وأصول الدين ثلاثة: هي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان باليوم
الآخر، والعمل الصالح. والولاية العامة يجب أن تكون لأهل الإيمان
والاستقامة، لكن الإكراه على الدِّين ممنوعٌ.

٧٥
الُرُ (١) - البَفَرّة: ١/٢-٥
سبب التسمية:
سميت هذه السورة ((سورة البقرة)) لاشتمالها على قصة البقرة، التي أمر الله
بني إسرائيل بذبحها، لاكتشاف قاتل إنسان، بأن يضربوا الميت بجزءٍ منها،
فيحيا بإذن الله، ويخبرهم عن القاتل، والقصة تبدأ بالآية (٦٧) من سورة
البقرة وهي قصة مثيرة فعلاً، يعجب منها السامع، ويحرص على طلبها.
فضلها:
فضل هذه السورة عظيم، وثوابها جسيم، ويقال لها: ((فسطاط القرآن))
لعظمها وبهائها، وكثرة أحكامها ومواعظها، قال رسول الله وَ له: ((لا تجعلوا
بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)) (١)
وقال أيضاً: ((اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا
يستطيعها البطلة)) (٢) أي السحرة. وفي صحيح البُسْتي عن سهل بن سعد،
قال: قال رسول الله وَله: ((إن لكل شيء سَناماً، وإن سَنام القرآن سورة
البقرة، ومن قرأها في بيته ليلاً لم يدخل الشيطان بيته ثلاثَ ليال، ومن قرأها
نهاراً لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام)).
صفات المؤمنين وجزاء المتقين
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
﴿الّمّ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِيهِ هُدًى لِلْمُنَّقِينَ إِ
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا
بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ
أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
أَوْلَئِكَ عَلَى هُدِّى مِّن
٥
مْ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
زََّّهِـ
(١) رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة.
(٢) رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي.

٧٦
الجُزءُ (١) - البَفَرّة: ١/٢-٥
القراءات:
﴿فِيهِ﴾: قرئ: (فيهي)، موصولاً بياء، وهي قراءة ابن كثير.
وَبِآلْأَخِرَةِ﴾: قرئ:
١- (وبالآخرة) بتسكين لام التعريف وإقرار الهمزة التي بعدها للقطع،
وهي قراءة الجمهور.
٢- (وبِالآخِرة) بحذف الهمزة، ونقل الحركة إلى اللام، وهي قراءة ورش.
الإعراب:
﴿الَمّ 4) أحرف مقطعة مبنية غير معربة، وكذلك سائر حروف الهجاء
في أوائل السور.
﴿ذَلِكَ﴾ ذا: اسم إشارة مبني في موضع رفع، وهو إما مبتدأ
و﴿اَلْكِنَبُ﴾ خبره، وإما خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هو ذلك الكتاب.
و﴿اَلْكِنَبُ﴾ يدل من ذلك أو عطف بيان. ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾ لا: نافية
للجنس، و﴿رَيْبَ﴾ اسمها المنصوب. و﴿فِهِ﴾ متعلق بمحذوف خبر تقديره:
كائن. ﴿هُدَى﴾ إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هو هدی؛ أو
منصوب على أنه حال من (ذا) أو من ﴿اَلْكِنَبُ﴾ أو من الضمير في ﴿فِهِ﴾.
{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ إما بالجر صفة للمتقين أو بدل منهم، وإما بالرفع على أنه
مبتدأ، وخبره ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدِّى﴾ أو على أنه خبر مبتدأ مقدر، وتقديره (هم
الذين) وإما بالنصب على تقدير ((أعني)» و﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صلته.
﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى﴾ بالرفعِ عِلى أنه مبتدأ، و﴿عَلَى هُدِّى﴾ خبره، أو خبر
{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ إذا جعل ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ.

٧٧
الجُزءُ (١) - الْبَ قَرّة: ١/٢-٥
البلاغة:
﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب للتنبيه على علو شأنه.
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ مجاز مرسل أو عقلي، أسند الهداية للقرآن؛ لأنه سبب
الهداية، والهادي في الحقيقة هو الله تعالى.
﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى﴾ ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ للعناية بشأن المتقين.
· للحصر فيهم (*).
المفردات اللغوية:
﴿ الْكِنَبُ﴾ القرآن العظيم. ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ قال عامةٍ المفسرين:
تأويل قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾: هذا الكتاب ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾ لا
شك في أنه من عند الله ﴿هُدِّى﴾ هداية ورشاد ﴿لِلْمُثَّقِينَ﴾ الذين وقوا
أنفسهم مما يضرها، فالتزموا الأوامر الإلهية وتجنبوا النواهي والمحظورات.
﴿ يُؤْمِنُونَ﴾ الإيمان: هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها،
ويدل عليه العمل. و﴿ بِالْغِيَّبِ﴾ ما غاب عن الإنسان من حساب وجزاء وجنة
ونار وغيرها . ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوْةَ﴾ الإتيان بها مستكملة شروطها وأركانها.
(يُوقِنُونَ﴾ اليقين: هو الاعتقاد الذي لا يقبل الشك، وهو حقيقة العلم.
التفسير والبيان:
معنى البسملة إعلان أن جميع ما في السورة من الله تعالى، لا من إنسان،
أنزلها برحمته لهداية الناس إلى ما فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. وهي لا
(*) ملاحظة عامة: اعتمدت في الإعراب على كتاب ((البيان في غريب إعراب القرآن)) لأبي البركات
ابن الأنباري، واستفدت كثيراً في البلاغة من كتاب ((صفوة التفاسير)) للأستاذ محمد علي
الصابوني، والمعول في الأصل على تفسير الكشاف والقرطبي وغيرهما في الأمرين.

٧٨
لُزُ (١) - البَ قَرّة: ١/٢-٥
شك آية من القرآن بإجماع الصحابة الذين حرصوا عند جمع المصحف ألا
يكتبوا فيه أي شيء من غير القرآن.
وقد استفتح الله هذه السورة بالحروف المقطعة، تنبيهاً لوصف القرآن
وإشارة إلى إعجازه، وتحدياً دائماً على الإتيان بأقصر سورة من مثله، وإثباتاً
قاطعاً إلى أنه كلام الله الذي لا يضارعه شيء من كلام البشر، فكأن الله يقول
للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله، مع أنه
كلام عربي، مركب من الحروف الهجائية التي ينطق بها كل عربي، ومع ذلك
عجزتم عن مجاراته. هذا هو رأي المحققين من العلماء الذين قالوا: إنما ذكرت
هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها، بياناً لإعجاز القرآن، وأن
الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف
المقطعة التي يتخاطبون بها (١).
قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون
أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي
بالصريح في أماكن (٢).
ومما يدل على كون ﴿الَمَ ﴾﴾ مكونة من الحروف المقطعة: قول النبي
وَله: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا
أقول: الم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (٣).
ثم وصف الله تعالى القرآن بأوصاف ثلاثة:
الأول - أنه الكتاب الكامل في كل ما اشتمل عليه من معان ومقاصد
وقصص وعبر وتشريعات غير قابلة للنقض.
(١) تفسير ابن كثير: ٣٨/١
(٢) تفسير الكشاف: ١٠/ ٧٩
(٣) رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

٧٩
لالُرُ (١) - الْبَقَرة: ١/٢-٥
والثاني - أنه لا شك في كونه حقاً من عند الله، لمن أمعن النظر وأصغى
بقلبه.
والثالث - أنه مصدر هداية وإرشاد للمؤمنين المتقين، الذين يتقون عذاب
الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهم المنتفعون به.
ثم أبان الله تعالى أربع صفات للمتقين الذين ينتفعون بالقرآن، وهم الذين
يؤمنون ويصدقون بالغيبيات التي أخبر عنها القرآن من البعث والحساب
والصراط والجنة والنار وغيرها، فلا يقفون عند مجرد الماديات والمحسوسات
التي يدركها العقل إدراكاً قريباً، وإنما يدركون أيضاً ما وراء المادة من عوالم
أخرى كالروح والجن والملائكة، وعلى رأسها وجود الله ووحدانيته.
ثم يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها وآدابها
وخشوعها، فالصلاة من دون خشوع وتأمل في المقروءِ فيها وتدبر للمعاني
القرآنية وخشية لله جسم بلا روح.
ثم ينفقون في وجوه البر والإحسان من الأموال كالزكاة والصدقة وسائر
النفقات الواجبة شرعاً، فيتحقق الرخاء لجميع الناس، وتتطهر الأموال مما
شابها من شبهات، ويكتمل البناء المنشود شرعاً: بناء الفرد بالصلاة التي هي
عماد الدين، وبناء المجتمع بالزكاة وتوابعها التي هي أساس التقدم ورقي الحياة
وسعادة الأمة. فالآية عامة في كل غيب أخبر به الرسول وسلم أنه كائن، وعام
في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً، وعام في كل نفقة.
ثم إن أولئك المتقين هم الذين يصدقون بجميع ما أنزل على النبي محمد وَله
وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ويصدقون أيضاً تصديقاً جازماً لا شك فيه
بالآخرة وما تضمه من بعث الأجساد والأرواح معاً من القبور، وحساب
وجزاء وميزان وصراط وجنة ونار.

٨٠
المُ (١) - الْبَفَرَّة: ١/٢-٥
وهؤلاء الموصوفون بما ذكر من الإيمان الحق بالغيب، وإقامة الصلاة،
وإيتاء الزكاة، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بالقرآن وبالكتب المنزلة قبله
(وهي التوراة والإنجيل والزبور والصحف)، هم على نور وهداية من ربهم،
وعلى منزلة عالية عند الله، وهم الفائزون بالدرجات العالية في جنات الخلود.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صفات المؤمنين ومنهاجهم وقانونهم في الحياة الإسلامية: إيمان شامل
كامل بكل ما غاب علمه عنهم، كذات الله تعالى وملائكته والدار الآخرة،
مما أخبر عنه القرآن العظيم وأرشد إليه الدليل السليم، والإيمان مقرون
بالعمل الصالح: وهو إقامة الصلاة المفروضة، والإنفاق في سبيل الله في
الجهاد، وعون الفقراء والمساكين وصدقة التطوع، والنفقة الواجبة على الأهل
والولد وذي القربى. ولا يتجزأ الإيمان بما أنزل الله، فلا بد من الإيمان
التفصيلي بكل ما أنزله الله تعالى في القرآن، والإيمان الإجمالي بالكتب
والصحف السماوية السابقة، هذا مع العلم بأنه لا يعتد بما دون اليقين في
الإيمان.
وأرشدت الآيات إلى أن التقوى: وهي الخوف من المخالفة، فيها جماع
الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده
الإنسان، كما قال أبو الدرداء.
فمن اتصف بأوصاف المؤمنين المذكورة، كان القرآن هدى له، أي أنه
إمامه في أعماله وأحواله، لا يحيد عن نهجه، وقد ضمن لنفسه النجاة في عالم
الآخرة، والسعادة والطمأنينة في الدنيا. والمشار إليه عند الجمهور وهم
المؤمنون واحد، وكرر الإشارة للإعلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق
الحكم بأنهم على هدى، وأنهم هم المفلحون. قال مجاهد: في أول البقرة أربع
آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت
١٠١١% ..