النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
وقد اختلف أهل التأويل المفسرون في بيان المقصود من فواتح السور (١)،
فقال جماعة: هي سرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب سر، وهي مما استأثر
الله بعلمه، فهو من المتشابه الذي نؤمن به، على أنه من عند الله، دون تأويل
ولا تعليل، لكنه أمر مفهوم عند النبي ◌َّ.
وقال جماعة: لا بد أن يكون لذكره معنى وجيه، والظاهر أنه إيماء إلى إقامة
الحجة على العرب وتثبيته في أسماعهم وآذانهم، بعد أن تحداهم القرآن على أن
يأتوا بمثله، علماً بأن القرآن مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم.
فكأنه يقول لهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه؟ مع
أنه كلام عربي، مكون من حروف هجائية، ينطق بها كل عربي: أمي أو
متعلم، وهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ويعتمدون على هذه
الحروف في الكلام: نثره وشعره وخطابته وكتابته، وهم يكتبون بهذه
الحروف، ومع هذا فقد عجزوا عن مجاراة القرآن الذي نزل على محمد وَالآ،
فقامت الحجة عليهم أنه كلام الله، لا كلام بشر، فيجب الإيمان به، وتكون
الفواتح الهجائية تقريعاً لهم وإثباتاً لعجزهم أن يأتوا بمثله.
لكنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن، كانوا مكابرين معاندين في عدم
الإيمان به، وقالوا ببلاهة وسخف، وسطحية وسذاجة عن محمد والقرآن:
محمد ساحر، شاعر، مجنون، والقرآن: أساطير الأولين. وذلك كله آية
الإفلاس، ومظهر الضعف، وفقد الحجة، وكذب المعارضة والممانعة، وكفر
المقلِّدة، والعكوف على التقاليد العتيقة البالية، والعقائد الوثنية الموروثة
الخرقاء.
والرأي الثاني هو رأي جماهير المفسرين والمحققين من العلماء، وهو المعقول
المقتضي فتح الأسماع، واستماع القرآن، والإقرار بأنه كلام الله تعالى .
(١) تفسير القرطبي: ١٥٤/١ وما بعدها.

٤٢
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
سابعاً - التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية في القرآن:
إن القرآن الكريم الذي نزل بلسان العرب، لم يخرج عن طبيعة اللغة العربية
في استعمال اللفظ بطريق الحقيقة تارة (وهي استعمال اللفظ فيما وضع له من
المعنى في اصطلاح التخاطب) واستعماله بطريق المجاز (استعمال الكلمة في
معنى آخر غير ما وضعت له، لعلاقة بين المعنى الأصلي للكلمة، والمعنى الآخر
الذي استعملت فيه)، واستخدام التشبيه (وهو أن شيئاً أو أشياء شاركت
غيرها في صفة أو أكثر بأداة هي الكاف ونحوها، ملفوظة أو ملحوظة)
والاعتماد على الاستعارة (وهي تشبيه بليغ حذف أحد طرفيه، وعلاقته دائماً
المشابهة) (١).
أما التشبيه: فكثير في القرآن، سواء أكان بحسب وجه الشبه مفرداً أم
مركباً، فمن التشبيه المفرد أو غير التمثيل (وهو ما لا يكون وجه الشبه فيه
منتزعاً من متعدد، بل من مفرد، مثل زيد أسد، انتزع وجه الشبه من مفرد،
وهو أن زيداً أشبه الأسد من جهة الشجاعة): قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى
﴾ [آل عمران:
٥٩
عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
٥٩/٣].
ومن التشبيه المركب أو تشبيه التمثيل (وهو ما كان وجه الشبه منتزعاً فيه
من متعدد، أو هو كما قال السيوطي في الإتقان: أن ينتزع وجه الشبه من
أمور مجموع بعضها إلى بعض) قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ
يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥/٦٢] فالتشبيه مركب من
أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع، مع تحمل التعب في
استصحابه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمٍَّ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ
فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ اٌلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا
(١) انظر مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح: ص ٣٢٢-٣٣٣

٤٣
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
وَأَزََّّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا
حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ﴾ [يونس: ٢٤/١٠] فيه عشر جمل، وقع التركيب
من مجموعها، بحيث لو سقط منها شيء، اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال
الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل
من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض، كالعروس
إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلمة من
الجوائح، أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس.
وأما الاستعارة التي هي من المجاز اللغوي أي في الكلمة الواحدة لا كالمجاز
(4) [التكوير:
العقلي فكثيرة أيضاً (١)، مثل قوله تعالى: ﴿وَالصُّيْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
١٨/٨١]. استعير خروج النفَس شيئاً فشيئاً لخروج النور من المشرق عند ظهور
الفجر قليلاً، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠/٤] شبه مال الأيتام بالنار، بجامع أن أكله
يؤذي، كما تؤذي النار. ومثل قوله تعالى: ﴿كِتَبُّ أَنَزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١/١٤] أي لتخرج الناس من جهالاتهم
وضلالاتهم إلى الدين القيم والعقيدة الحقة والعلم والأخلاق، شبه الجهالة
والضلالة والعداوة بالظلام، في أن الإنسان لا يهتدي إلى الطريق الواضح في
كل منهما، وشبه الدين القيم بالنور في أن الإنسان يهتدي إلى الطريق الواضح
في کل منهما.
وأما المجاز: فأنكر جماعة من العلماء وجوده في القرآن (منهم الظاهرية،.
وبعض الشافعية كأبي حامد الاسفراييني وابن القاصّ، وبعض المالكية كابن
خُوَيْزِ مَنْدَاد البصري، وابن تيمية) وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن
منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك
(١) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ص١٠٢ وما بعدها.

٤٤
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
محال على الله، فالجدار لا يريد في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:
٧٧/١٨]. والقرية لا تسأل في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ١٢/
٨٢](١).
لكن الذين تذوقوا جمال الأسلوب القرآني، يرون أن هذه الشبهة باطلة،
ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا نَبْسُطَهَا كُلّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا
٢٩)
[الإسراء: ٢٩/١٧] دلت القرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد، وأن الآية تنهى
عن كل من التبذير والبخل.
والكناية: ((وهي لفظ أريد به لازم معناه)) كثيرة أيضاً في القرآن؛ لأنها من
أبلغ الأساليب في الرمز والإيماء، فالله تعالى رمز إلى الغاية من المعاشرة
الزوجية، وهي التناسل، بلفظ (الحرث) في قوله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَنُواْ
حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣/٢]، ووصف الله العلاقة بين الزوجين، بما فيها
من مخالطة وملابسة، بأنها لباس من كل منهما للآخر، في قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسُ
لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧/٢] ورمز إلى الجماع بقوله سبحانه: ﴿أَوْ
لَمَسْتُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/٤] وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧/٢]. وكنى عن عفة النفس وطهارة الذيل بقوله تعالى:
٤ ﴾ [المدثر: ٤/٧٤].
﴿وَثِيَابَكَ فَطَّهِرْ
والتعريض: ((وهو أن تذكر اللفظ وتستعمله في معناه، وتلوّح به إلى ما
ليس من معناه، لا حقيقة ولا مجازاً)) مستعمل أيضاً في القرآن، مثاله: ﴿وَقَالُواْ
لَا تَنَفِرُواْ فِى الْخَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١/٩] ليس المراد به ظاهر
الكلام وهو ازدياد حر جهنم، وكونه أشد من حر الدنيا، ولكن الغرض
الحقيقي هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال، المعتذرين بشدة الحر، بأنهم
(١) المرجع السابق ص٩٩.

٤٥
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
سيردون جهنم، ويجدون حرها الذي لا يوصف. ومنه قوله تعالى حكاية عن
قول إبراهيم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣/٢١] نسب الفعل
إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم، من عجز كبيرها
عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزاً.
فوائد:
القرآن ثلاثون جزءاً ٣٠
عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة ١١٤
عدد آي القرآن ٦٢٣٦ على طريقة الكوفيين، وعلى طريقة غيرهم ٦٦٦٦
آية، وهي ما يأتي:
الأمر
١٠٠٠
النھي
١٠٠٠
الوعد
١٠٠٠
الوعید
١٠٠٠
القصص والأخبار
١٠٠٠
١٠٠٠
العبر والأمثال
الحرام والحلال
٥٠٠
الدعاء
١٠٠
الناسخ والمنسوخ
٦٦

الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
١ - معناها: أستجير بجناب الله وأعتصم به من شر الشيطان الملعون
المذموم أن يغويني ويضلني أو يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما
أمرت به أو يحضني على ما نهيت عنه، فإنه لا يكفه ويمنعه إلا رب العالمين.
والشيطان: واحد الشياطين، وسمي بذلك لبعده عن الحق وتمرده. والرجيم:
أي المبعد من الخير، المهان، المرمي باللعن والسب.
٢ - أمر الله سبحانه بالاستعاذة عند أول كل تلاوة للقرآن، بقوله تعالى:
(٩) [النحل: ٩٨/١٦] أي
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
إذا أردت أن تقرأ، فتعوذ، وقوله: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ
٩٦
بِمَا يَصِفُونَ ®
[المؤمنون: ٩٦/٢٣-٩٨] وهذا يوحي إلى أن القرآن جعل دفع
أَنْ يَحْضُرُونِ (ِّ
السيئة بالحسنة علاجاً لشيطان الإنس، والاستعاذة علاجاً لشيطان الجن.
وتطبيقاً لهذا الأمر في السنة ورد عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّ ((أنه
كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من
الشيطان الرجيم من هُمْزه ونفخه ونَفْثه)) (١) وقال ابن المنذر: ((جاء عن النبي
* - فيما رواه ابن مسعود - أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم)). وهذا اللفظ هو الذي عليه جمهور العلماء في التعوذ؛ لأنه
لفظ كتاب الله.
(١) أخرجه أحمد والترمذي (نيل الأوطار: ١٩٦/٢ وما بعدها).
٠

٤٧
الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
٣ - الاستعاذة مندوبة في رأي جمهور العلماء في كل قراءة في غير الصلاة.
أما في الصلاة، فقال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، إلا
في قيام رمضان، لحديث أنس: ((أن النبي ◌َ # وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون
الصلاة بالحمد لله رب العالمين)) (١) وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط.
ورأي الشافعية والحنابلة: أنه يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل
القراءة.
٤ - أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه.
%,
(١) متفق عليه بين البخاري ومسلم.

البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم
١- معناها: أبدأ بتسمية الله وذكره وتسبيحه قبل كل شيء، مستعيناً به في
جميع أموري، فإنه الرب المعبود بحق، واسع الرحمة، الذي وسعت رحمته كل
شيء، المنعم بجلائل النعم ودقائقها، المتفضل بدوام الفضل والرحمة
والإحسان.
٢- حكمتها: ابتدأ الله تعالى بالبسملة سورة الفاتحة وكل سور القرآن، ما
عدا سورة التوبة، تنبيهاً على أن ما في كل سورة حق، ووعد صادق للعباد،
فهو سبحانه يفي لهم بجميع ما تضمنت السورة من وعد ولطف وبر، وإرشاداً
إلى استحباب البدء بالبسملة في كل الأعمال، التماساً لمعونة الله وتوفيقه،
ومخالفة لغير المؤمنين الذين يستفتحون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو زعمائهم.
قال بعض العلماء: إن ((بسم الله الرحمن الرحيم)) تضمنت جميع الشرع؛
لأنها تدل على الذات وعلى الصفات (١).
٣- هل هي آية من السورة؟ اختلف العلماء في البسملة، أهي آية من
الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
فقال المالكية والحنفية: ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها، إلا من
سورة النمل في أثنائها، لحديث أنس رضي الله عنه قال: ((صليت مع رسول .
الله وَّر وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحداً منهم، يقرأ:
(١) وأما حديث ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع)) فهو ضعيف، رواه
عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة.

٤٩
البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم)) (١) أي أن أهل المدينة كانوا لا يقرؤون البسملة في
صلاتهم في مسجد المدينة، إلا أن الحنفية قالوا: يقرأ المنفرد: بسم الله الرحمن
الرحيم، مع الفاتحة، في كل ركعة سراً، فهي قرآن، لكنها ليست بعض
السورة، وإنما هي للفصل بين السور. وقال المالكية: لا يقرؤها في الصلاة
المكتوبة، جهراً كانت أو سراً، لا في الفاتحة، ولا في غيرها من السور، ويجوز
قراءتها في النافلة. وقال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك؛ لأن
القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف
فيه(٢)، لكن هذا غير ظاهر؛ لأنه ليس بلازم تواتر كل آية.
وقال عبد الله بن المبارك: إنها آية من كل سورة، لما رواه مسلم عن أنس
قال: بينا رسول الله ◌َ﴿ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه
متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: ((نزلت علي آنفاً سورة))
فقرأ: بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وَأَنْحَرْ جَ إِنَ شَائِثَكَ هُوَ الْأَبْرَ
[الكوثر: ١/١٠٨-٣].
وقال الشافعية والحنابلة: البسملة آية من الفاتحة، يجب قراءتها في الصلاة،
إلا أن الحنابلة قالوا كالحنفية: يقرأ بها سراً، ولا يجهر بها. وقال الشافعية:
يُسرُّ بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية، كما يجهر في سائر
الفاتحة. ودليلهم على كونها آية في الفاتحة: ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة
عن النبي ◌َّ قال: ((إذا قرأتم: الحمد لله رب العالمين، فاقرؤوا بسم الله
الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله
الرحمن الرحيم أحد آياتها)) وإسناده صحيح.
ودليل الجهر بها لدى الشافعية: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
(١) رواه مسلم وأحمد.
(٢) تفسير القرطبي: ٩٣/١

٥٠
البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم
النبي ◌َّ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم)) (١) ولأنها تقرأ على أنها آية من
القرآن، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة.
وتردد قول الشافعي في كون البسملة آية في سائر السور، فمرة قال: هي آية
من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها، والأصح أنها آية
من كل سورة كالفاتحة، بدليل اتفاق الصحابة على كتبها في أوائل كل سورة،
ما عدا سورة براءة، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصاحف ما ليس من
القرآن. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي السابق، اتفقت الأمة على أن
البسملة آية في سورة النمل، وعلى جواز كتب البسملة في أول كل كتاب من
كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فمنعه الشعبي والزهري،
وأجازه سعيد بن جبير وأكثر المتأخرين (٢).
فضل البسملة: قال علي كرم الله وجهه في قوله ((بسم الله)): إنه شفاء من
كل داء، وعون على كل دواء. وأما ((الرحمن)) فهو عون لكل من آمن به، وهو
اسم لم يسم به غيره. وأما ((الرحيم)) فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
ملاحظة: أثبتُّ النص القرآني برسم المصحف العثماني، فمثلاً: ((وأولوا))
و ((يتلوا)) فيهما ألف، و((الصلواة)) و((يريكم)) هكذا، أما في الإملاء الحديثة
فلا تكتب الألف في الكلمتين، وتكتب (الصلاة)) و ((يراكم)) اليوم هكذا،
وأما في شرحي أو تفسيري فأتقيد بالقواعد الجديدة. كذلك لا أعرب بعض
ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ
١٧
الكلمات المعروفة، مثل ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
[المرسلات: ١٦/٧٧ -١٧] لم أعرب ((نتبعُهم)) التي هي فعل مضارع مرفوع؛ لأنه
كلام مستأنف، وليس مجزوماً مثل (نهلك)).
(١) تكتب ((بسم الله)) بغير ألف، استغناء عنها بباء الإلصاق، في اللفظ والخط، لكثرة
الاستعمال، بخلاف قوله تعالى: ((اقرأ باسم ربك) فإنها لم تحذف لقلة الاستعمال.
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٩٧

أمل ودعاء وغاية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن
والاه.
اللهم اجعل كل ما تعلّمته - حفظته أو نسيته، وعلَّمته، طوال حياتي،
وكتبته أو ألَّفته (١) من فيض فضلك، ومن حركة القلم الذي أكتب به،
وومضة الفكر وإشعاعاته، وإجهاد العقل ونتاجه، وعناء النفس ليل نهار،
ونور البصيرة والبصر، وإصغاء السمع، ووعي القلب ... ذخراً لي عندك،
مُخْلِصاً لك فيه عملي، ومن أجل إعلاء كلمتك ونشر دينك، وتيسير العلم
لأهله على وفق أذواق العصر والمعاصرين، وبقصد مرضاتك ووجهك
الكريم، مبعداً عني بُعْد المشرقين كل ما يشوب ذلك من رياء أو سمعة أو
شهرة، تفيض به علي من جودك وإحسانك، واحتساباً للأجر والثواب
الواسع من لدنك وجنابك، فتقبّل مني يا كريم قليلي في كثيرك، ويسيري في
سعتك، فإني في عصر لم أتمكن فيه من القيام بجهاد مثلما قام به السلف الصالح
(١) والتي منها أكثر من عشرين بحثاً (للموسوعة الفقهية في الكويت، ولمؤسسة آل البيت في
الأردن، ولمجمع الفقه الإسلامي في جدة-موسوعة الفقه-وللموسوعة العربية السورية)،
ومنها الموسوعات العلمية الثلاث: أصول الفقه الإسلامي في مجلدين، والفقه الإسلامي
وأدلته في عشرة مجلدات، وهذا التفسير الذي ركزت فيه على فقه الحياة الأكبر في القرآن
الكريم، ومؤلفات أخرى . .

٥٢
أمل ودعاء وغاية
رضوان الله عليهم، وأجزلْ به الأجر والنفع المنشود في حياتي وبَعْدَ مماتي،
وحتى يوم العرض الأكبر عليك، وثقِّل به ميزان حسابي، وحقق لي بفضلك
ورحمتك النجاة يوم المعاد، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله، یا
أكرم مسؤول، والحمد لله رب العالمين.
أ - د: وهبة مصطفى الزحيلي

التَّفْسَهُمُ الْمُتُّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الجزءُ الأول

سُوْدَةُ الْفَاتِحَةِ
مكية وآياتها سبع
نزلت بعد المذفر
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَةِ ﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٢
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ ﴿﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ جَ اهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
٧
القراءات:
﴿مْلِكِ﴾: قرئ:
١- (مالك) على وزن (فاعل) بالخفض، وهي قراءة عاصم، والكسائي،
وهي قراءة كثير من الصحابة، منهم أُبي، وابن مسعود، وابن عباس.
٢- (ملك) على وزن (فعل)، بالخفض، وهي قراءة باقي السبعة، وزيد بن
ثابت، وأبي الدرداء، وابن عمر، وكثير من الصحابة والتابعين.
﴿اَلْصِرَطَ﴾: قرئ:
١- (الصراط) بالصاد، وهي قراءة الجمهور، وهي الفصحى، وهي لغة
قریش.

٥٦
الُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
٢- (السراط) بالسين على الأصل، وهي قراءة قنبل.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: قرئ:
١- (عليهم) بكسر الهاء وإسكان الميم، وهي قراءة الجمهور.
٢- (عليهم) بضم الهاء وإسكان الميم، وهي قراءة حمزة.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة معاني القرآن العظيم، واشتملت على أصول الدين
وفروعه، وتناولت العقيدة، والعبادة، والتشريع، والإيمان بالبعث وبصفات
الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والإرشاد إلى طلب الهداية
إلى الدين الحق والصراط المستقيم، وتجنب طريق المنحرفين عن هداية الله
تعالی.
أسماؤها:
للفاتحة اثنا عشر اسماً ذكرها القرطبي، وهي الصلاة، للحديث القدسي:
((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) (١)، وسورة الحمد؛ لأن فيها ذكر
الحمد، وفاتحة الكتاب؛ لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظاً وكتابة، وتفتتح بها
الصلوات، وأم الكتاب في رأي الجمهور، وأم القرآن في رأي الجمهور، لقوله
وَلَى: ((الحمد لله: أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسبعُ المثاني)) (٢)، والمثاني؛ لأنها
تثنى في كل ركعة، والقرآن العظيم، لتضمنها جميع علوم القرآن ومقاصده
الأساسية، والشفاء لقوله ◌َله: ((فاتحة الكتاب شفاء من كل سم)) (٣)،
(١) رواه مسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
(٢) رواه الترمذي عن أبي هريرة.
(٣) رواه الدارمي عن عبد الملك بن عمير، بلفظ: ((في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء))

٥٧
المُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
والرُّقْية، لقوله وَلو لمن رقى بها سيد الحي: ((ما أدراك أنها رقية))(١)،
والأساس، لقول ابن عباس: (( ... وأساس الكُتُب: القرآن، وأساس
القرآن: الفاتحة، وأساس الفاتحة: بسم الله الرحمن الرحيم))، والوافية؛ لأنها
لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال، فلو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز عند
الجمهور، والكافية؛ لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها.
هذه هي أسماء سورة الفاتحة، وأشهرها ثلاث: الفاتحة، وأم الكتاب،
والسبع المثاني. والسورة: طائفة من القرآن مؤلفة من ثلاث آيات، فأكثر، لها
اسم يعرف بطريق الرواية الثابتة.
فضلها:
ثبت في الأحاديث الصحيحة فضل الفاتحة، منها قوله وَله: ((ما أنزل الله في
التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي - كما قال الله
عز وجل في الحديث القدسي - مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما
سأل))(٢).
ومنها أن النبي وَّهِ قال لأبي سعيد بن المعلّ: (لأعلِّمنك سورة هي أعظم
السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم
الذي أوتيته)) (٣). وهذان الحديثان يشيران إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا
(٨٧) [الحجر: ٨٧/١٥] لأنها سبع آيات تثنى في
مِّنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
الصلاة، أي تعاد.
(١) أخرجه الأئمة عن أبي سعيد الخدري.
(٢) رواه الترمذي عن أبي بن كعب، ورواه أيضاً عنه الإمام أحمد في المسند بلفظ: ((والذي نفسي
بيده ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع
المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)».
(٣) خرَّجه البخاري.

٥٨
الُرُ (١) - الفَاتِحَّ: ١/١-٧
الإعراب:
الباء من ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ زائدة بمعنى الإلصاق، والراجح أنها بمعنى
الاستعانة، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف عند البصريين، وتقديره:
ابتدائي بسم الله، أي كائن باسم الله، أو في موضع نصب بفعل مقدر عند
الكوفيين، وتقديره: ابتدأت بسم الله.
و ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ صفة الله.
و﴿مَلِكِ﴾ مجرور على البدل، لا على الصفة؛ لأنه نكرة، بسبب أنه اسم
فاعل لا يكتسب التعريف من المضاف إليه، إذا كان للحال أو الاستقبال.
و﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ظرف زمان.
و ﴿إِيَّاكَ﴾ ضمير منصوب منفصل، والعامل فيه ﴿نعبَدُ﴾ والكاف
للخطاب.
و﴿أَهْدِنَا﴾ سؤال وطلب، فعل أمر يتعدى إلى مفعولين.
و﴿ُصِرَطَ الَّذِينَ﴾ بدل من الصراط الأول. و﴿ الَّذِينَ﴾ اسم
موصولِ. و﴿غَيْرِ﴾ مجرور على البدل من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وهذا ضعيف، أو
من ﴿الَّذِينَ﴾ أو مجرور على الوصف للذين. و﴿ وَلَا﴾ في ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾
زائدة للتوكيد عند البصريين، وبمعنى ((غير)) عند الكوفيين. وأما ((آمين))
فدعاء، وليس من القرآن، وهو اسم فعل ومعناه: اللهم استجب.
البلاغة:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى، أي قولوا: الحمد لله،
وهي مفيدة قصر الحمد عليه تعالى.
و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتقديم المفعول يفيد
القصر، أي لا نعبد سواك.

٥٩
◌ِلُ (١) - الفَاتِحَةِ: ١/١-٧
و ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ﴾ أي ثبتنا عليه، فالمراد به دوام الطلب واستمراره.
٨
فيه حذف، تقديره: غير صراط المغضوب
٨
علمهم
المغضوب
وج
علیھم.
المفردات اللغوية:
١
﴿اَلْحَمْدُ﴾ الثناء بالجميل على الفعل الاختياري، وهو أعم من الشكر؛
لأن الشكر يكون مقابل النعمة .﴿اللَّهِ﴾: علم على الذات العلية المقدسة،
ومعناه: المعبود بحق، وقيل: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسمَّ به غيره. أما
((الإله)) فهو المعبود بحق أو باطل، يطلق على الله تعالى وعلى غيره. ﴿رَبِّ}
الرب: المالك والسيد المعبود والمصلح والمدبر والجابر والقائم، فيه معنى
الربوبية والتربية والعناية بالمخلوقات . ﴿اٌلْعَلَمِينَ﴾ جمع عالَمَ، وهو كل موجود
سوى الله تعالى، وهو أنواع كعالم الإنسان والحيوان والنبات والذر والجن.
ولفظ العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه، مثل رهط وقوم.
صفتان لله مشتقتان من الرحمة، لوحظ في كل
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾
منهما معنى معين، فالرحمن: صيغة مبالغة بمعنى: عظيم الرحمة، وهو اسم
عام في جميع أنواع الرحمة، وأكثر العلماء على أن ﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم مختص بالله
عز وجل، ولا يجوز أن يسمى به غيره. و﴿الرَّحِيمِ﴾ بمعنى دائم الرحمة. ولما
كان في اتصافه تعالى ب﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ترهيب، قرنه ب﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
·
٣
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٣) أي مالك يوم الحساب والمكافأة والجزاء
على الأعمال، والأمر كله في قبضته يوم القيامة، ومن عرف أن الله ملك يوم
الدين، فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ نخصك بالعبادة ولا نعبد غيرك، ومعناه نطيع، والعبادة:

٦٠
الُ (١) - الفَاتِخَيّ: ١/١-٧
الطاعة والتذلل ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ أي نطلب العون والتأييد والتوفيق،
ونخصك بطلب المعونة، فأنت مصدر العون والفضل والإحسان، ولا يملك
القدرة على عوننا أحد. وقد جاء الفعلان ((نعبد ونستعين)) بصيغة الجمع، لا
بصيغة المفرد ((إياك أعبد وإياك أستعين)) للاعتراف بقصور العبد وحده عن
الوقوف أمام الله، فكأنه يقول: لا يليق بي الوقوف وحدي وبمفردي في
مناجاتك، وأخجل من تقصيري وذنوبي، بل أنضم إلى سائر المؤمنين،
وأتوارى بينهم، فتقبل دعائي معهم، فنحن جميعاً نعبدك ونستعين بك.
اهدنا
﴾ عرفنا ووفقنا ودلنا على الطريق الموصل
ـستقيم
الصر
إلى الحق، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقُرْبك.
والصراط المستقيم: الطريق المعتدل: طريق الإسلام الذي بعثت به أنبياءك
ورسلك، وختمت برسالاتهم رسالة خاتم النبيين، وهو جملة ما يوصل إلى
السعادة في الدنيا والآخرة، من عقائد وأحكام وآداب وتشريع ديني، كالعلم
الصحيح بالله والنبوة وأحوال الاجتماع.
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي طريق من أنعمت عليهم، من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين السابقين، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أي لا تجعلنا مع أولئك الحائدين
عن طريق الاستقامة، المبعدين عن رحمة الله، المعاقبين أشد العقاب؛ لأنهم
عرفوا الحق وتركوه، وضلوا الطريق. ويرى الجمهور أن المغضوب عليهم هم
اليهود، والضالين هم النصارى. والحق: أن المغضوب عليهم: هم الذين
بلغهم الدين الحق الذي شرعه الله لعباده، فرفضوه ونبذوه. والضالون: هم
الذين لم يعرفوا الحق، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح، وهم الذين لم تبلغهم
رسالة أو بلغتهم بنحو ناقص.
التأمين: ((آمين)) دعاء، أي تقبل منا واستجب دعاءنا، وهي ليست من