النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
قرائن معبرة توضح غاية الحكم، وتبين سبب التشريع، وتعرف أسراره
ومراميه، وتساعد على فهم القرآن فهماً دقيقاً شاملاً، حتى وإن كانت العبرة
لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. ونرى في عالمنا القانوني اليوم ما يسمى
بالمذكّرات التوضيحية للقوانين والأنظمة والأحكام، يبين فيها أسباب
إصدارها، وأهدافها. ويؤكد ذلك أن كل نظام يظل في مستوى الأمور النظرية
غير المقنعة كثيراً للناس، ما لم يقترن بالمتطلبات الواقعية، أو يرتبط بالحياة
العملية.
وكل ما سبق يشير إلى أن شريعة القرآن ليست فوق مستوى الأحداث، أو
أنها سامية مثالية لا تقبل التطبيق، وإنما هي متعاصرة مع كل زمن، متفاعلة
مع الواقع، تصف العلاج الحاسم لكل داء عضال من أمراض المجتمع،
وشذوذات الأفراد وانحرافاتهم.
أول القرآن وآخره نزولاً:
كان أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ
بِأَسِ رَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴿٦ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ ﴿٣ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَُ جَ الَّذِى عَلَّمَ
بِاَلْقَلِمِ ﴿﴿ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمَ ﴿®َ﴾ [العلق: ١/٩٦-٥]، وذلك يوم الاثنين
لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة إحدى وأربعين من ميلاده واَية، في
غار حراء، حين بدأ الوحي، بواسطة جبريل الأمين عليه السلام.
وكان آخر ما نزل من القرآن في أرجح الأقوال، قوله تعالى: ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
﴾ [البقرة: ٢٨١/٢]، وذلك قبل وفاته وَ لهل بتسع ليالٍ بعدما فرغ من حجّة
الوداع، أخرجه كثيرون عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أما ما قيل وروي عن السُّديّ: إن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣/٥]، فغير

٢٢
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
مسلَّم به؛ لأنّ هذه الآية نزلت باتفاق العلماء يوم عرفة من حجة الوداع قبل
نزول سورة النصر، وآية البقرة السابقة.
جَمْع القرآن:
لم يكن ترتيب القرآن الكريم في آياته وسوره بالنحو التوقيفي في واقعه
الموجود في المصاحف الحالية والغابرة متفقاً مع أحوال نزول الوحي به، فقد
نزل بحسب الوقائع والمناسبات، إما سورة كاملة أو بعض آيات، أو بعض
آية، كما عرفنا، ثم جمع ثلاث مرات.
الجمع الأول في عهد النبوة:
حدث الجمع الأول في عهد النَّبي ◌َ﴿ بحفظه الثابت الراسخ كالنقش في
الحجر في صدره عليه الصلاة والسلام، تحقيقاً لوعد الله تعالى: ﴿لَا تُحِّكْ بِهِ،
ثُمَّ إِنَّ
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَعْ قُرْءَانَهُ (4)
١٦
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
[القيامة: ١٦/٧٥-١٩]، وقد عرضه الشَّي ◌ِّ مرات على
عَلَيْنَا بَيَانَهُ
جبريل عليه السلام، مرة في كل رمضان، وعرضه عليه مرتين في آخر رمضان
قبل الوفاة، ثم قرأه رسول الله وَلقر على الناس على نحو هذه العرضات، ثم كتبه
الصحابة عنه، وكان كتّاب الوحي خمساً وعشرين كاتباً، والتحقيق أنهم كانوا
زهاء ستين، وأشهرهم الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت،
ومعاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام،
وخالد بن الوليد، وحفظه أيضاً عدد من الصحابة في صدورهم حبّاً به،
واعتماداً على قوة حافظتهم وذاكرتهم التي اشتهروا بها، حتى إن حروب
المرتدين قتل فيها سبعون من القراء، وقد عدَّ أبو عبيد في كتاب (القراءات)
بعض الحفاظ، فذكر من المهاجرين: الخلفاء الراشدين الأربعة، وطلحة بن
عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان،
وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة

٢٣
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
الأربعة (ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وابن الزبير)، وعائشة،
وحفصة، وأم سلمة.
وذكر من الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذاً أبا حليمة، ومُجَمِّع بن
جارية، وفَضَالة بن عُبَيْدِ، ومَسْلَمة بن مُلَّد.
وكان من أشهر الحفاظ: عثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء،
ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري.
الجمع الثاني في عهد أبي بكر:
لم يجمع القرآن في مصحف واحد على عهد رسول الله صل و، الاحتمال نزول
وحي جديد ما دام النَّبِي وَلَّ حيّاً، ولكن كانت كل آيات القرآن مكتوبة في
الرقاع والعظام والحجارة وجريد النخل. ثم استحرَّ القتل في القراء في وقعة
اليمامة في عهد أبي بكر، كما روى البخاري في فضائل القرآن في الجزء
السادس، فارتأى عمر بن الخطاب جمع القرآن، ووافقه أبو بكر، وكلَّف زيد
بن ثابت بهذه المهمة، وقال أبو بكر لزيد: ((إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد
كنت تكتب الوحي لرسول الله وَلقر، فتتبع القرآن فاجمعه))، ففعل زيد ما أمر به
وقال: ((فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف (١)، وصدور الرجال،
ووجدت آخر سورة التوبة - أي مكتوبة - مع خُزَيمة الأنصاري، لم أجدها مع
غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨/٩]، حتى خاتمة
براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته،
ثم عند حفصة بنت عمر)) (٢).
(١) العسب: جمع عسيب: وهو جريدة من النخل كشط خوصها. واللّخاف: حجارة بيض
رقاق، واحدتها ◌َخْفة.
(٢) صحيح البخاري: ٣١٤/٦-٣١٥

٢٤
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
يتبين من هذا أن طريقة الجمع اعتمدت على أمرين معاً: هما المكتوب في
الرقاع والعظام ونحوها، وحفظ الصحابة للقرآن في صدورهم. واقتصر الجمع
في عهد أبي بكر على أنه جمع القرآن في صحف خاصة، بعد أن كان متفرقاً في
صحف عديدة، ولم يكتفِ زيد بحفظه القرآن، وإنما اعتمد أيضاً على حفظ
غيره من الصحابة وهم العدد الكثير الذي يحصل به التواتر، أي اليقين
المستفاد من نقل الجمع الكثير الذي يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب.
الجمع الثالث - في عهد عثمان بنسخ المصاحف على خط واحد:
اقتصر دور عثمان بن عفان رضي الله عنه على كتابة ست نسخ من
المصاحف على حرف واحد وطريقة واحدة، ووزعها في الأمصار الإسلامية،
فأرسل ثلاثة منها إلى الكوفة ودمشق والبصرة، وأرسل اثنين إلى مكة
والبحرين، أو إلى مصر والجزيرة، وأبقى لديه مصحفاً بالمدينة. وأمر بإحراق
المصاحف الأخرى المخالفة في العراق والشام فقط. وظل المصحف الشامي
محفوظاً بجامع دمشق (الجامع الأموي) عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة
بذكر الله، وقد رآه ابن كثير كما ذكر في كتابه (فضائل القرآن) في آخر تفسيره،
إلى أن أصابه الحريق الكبير الذي أصاب المسجد الأموي سنة ١٣١٠ هـ، ورآه
قبل الحريق كبار علماء دمشق المعاصرين.
وسبب هذا الجمع يظهر فيما رواه لنا البخاري في فضائل القرآن في الجزء
السادس عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ((أن حُذيفة بن اليمان قَدِم على
عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق،
فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان:
يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف
اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها

٢٥
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن
الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في
المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما
نزل بلسانهم.
ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى
حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن
في كل صحيفة أو مصحف أن يحرَّق (١).
وأصبح المصحف العثماني أساساً في نشر وطبع المصاحف المتداولة الآن في
العالم، فبعد أن كان الناس يقرؤون بقراءات مختلفة، إلى وقت عثمان، جمع
عثمان الناس على مصحف واحد، وحرف واحد، وجعله إماماً، ولهذا نسب
إليه، ولقّب بأنه جامع القرآن.
والخلاصة: إن جمع القرآن في عهد أبي بكر كان جمعاً له في نسخة واحدة
موثوقة، وجمع القرآن في عهد عثمان كان نسخاً من صحف حفصة، لمصاحف
ستة بحرف واحد. وكان هذا الحرف ملائماً للأحرف السبعة التي نزل بها
القرآن.
وأصبح لقراءة رسم المصحف طريقان: موافقة للرسم المكتوب حقيقة،
وموافقة للرسم احتمالاً أو تقديراً.
ولا خلاف بين العلماء في أن ترتيب آيات السور توقيفي منقول ثابت عن
النَّبِي ◌َّة، كما أن ترتيب السور أيضاً توقيفي على الراجح. أما دليل ترتيب
(١) صحيح البخاري: ٣١٥/٦-٣١٦

٢٦
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
الآيات فقول عثمان بن العاص رضي الله عنه: ((كنت جالساً عند رسول الله
وَله إذا شخص ببصره ثم صوَّبه، ثم قال: ((أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه
الآية هذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيَتَآٍ
ذِى الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠/١٦].
وأما دليل ترتيب السور فهو حضور بعض الصحابة كابن مسعود ممن
حفظوا القرآن عن ظهر قلب، مدارسة القرآن بين جبريل عليه السلام والنَّبي
وَلير، وشهدوا بأنها كانت على وفق هذا الترتيب المعهود في السور وفي الآيات.
وأركان قرآنية الآية أو الكلمة أو القراءة المقبولة ثلاثة: الموافقة للرسم
العثماني ولواحتمالاً، التوافق مع قواعد النحو العربي ولو بوجه، النقل
المتواتر بواسطة جمع عن جمع عن النَّبِي وَّ، وهذا ما يعرف بصحة السند.
ثانياً - طريقة كتابة القرآن والرسم العثماني:
الرسم: طريقة كتابة الكلمة بحروف هجائها بتقدير الابتداء بها، والوقوف
عليها.
والمصحف: هو المصحف العثماني الإمام الذي أمر بكتابته سيدنا عثمان
رضي الله عنه، والذي أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم (١).
والرسم العثماني: هو الطريقة التي كتبت بها المصاحف الستة في عهد
عثمان رضي الله عنه. وهو الرسم المتداول المعمول به بعد البدء بطباعة القرآن
في البندقية سنة ١٥٣٠ م، وما تلاها من طبعة إسلامية خالصة للقرآن في
سانت بترسبورغ، في روسيا، سنة ١٧٨٧ م، ثم في الآستانة سنة ١٨٧٧ م.
(١) المصاحف السجستاني: ص ٥٠

٢٧
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
وللعلماء رأيان في طريقة كتابة القرآن أو الإملاء (١):
١ - رأي جمهور العلماء ومنهم الإمامان مالك وأحمد: أنه يجب كتابة
القرآن كما وردت برسمها العثماني في المصحف الإمام، ويحرم مخالفة خط
عثمان في جميع أشكاله في كتابة المصاحف؛ لأن هذا الرسم يدلّ على القراءات
المتنوعة في الكلمة الواحدة.
٢ - رأي بعض العلماء (وهم أبو بكر الباقلاني وعز الدين بن عبد السلام
وابن خلدون): أنه تجوز كتابة المصاحف بالطرق أو الرسوم الإملائية المعروفة
للناس؛ لأنه لم يرد نص في الرسم، وإن ما في الرسم من زيادات أو حذوف
لم یکن توقیفاً أوحى الله به على رسوله، ولو کان کذلك لآمنا به وحرصنا
عليه، وإذا كتب المصحف بالإملاء الحديث أمكن قراءته صحيحاً وحفظه
صحيحاً.
وقد رأت لجنة الفتوى بالأزهر وغيرها من علماء العصر (٢) الوقوف عند
المأثور من كتابة المصحف، احتياطاً لبقاء القرآن على أصله لفظاً وكتابة،
وحفاظاً على طريقة كتابته في العصور الإسلامية السابقة، دون أن ينقل عن
أحد من أئمة الاجتهاد تغيير هجاء المصحف عما رسم به أولاً، ولمعرفة القراءة
المقبولة والمردودة، فلا يفتح فيه باب الاستحسان الذي يعرض القرآن للتغيير
والتحريف، أو للتلاعب به، أو العبث بآياته من ناحية الكتابة. لكن لا مانع
في رأي جماهير العلماء من كتابة القرآن بطرق الإملاء الحديثة في مجال الدرس
والتعليم، أو عند الاستشهاد بآية أو أكثر في بعض المؤلفات الحديثة، أو في
كتب وزارة التربية والتعليم، أو أثناء عرضه على شاشة التلفاز.
(١) تلخيص الفوائد لابن القاصّ: ص ٥٦ وما بعدها، الإتقان للسيوطي: ١٦٦/٢، البرهان في
علوم القرآن للزركشي: ٣٧٩/١، ٣٨٧، مقدمة ابن خلدون: ص ٤١٩
(٢) مجلة الرسالة: العدد ٢١٦، سنة ١٩٣٧، ومجلة المقتطف تموز سنة ١٩٣٣
:

٢٨
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
ثالثاً: الأحرف السبعة والقراءات السبع :
روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله وَلقول أنه قال: ((إن هذا
القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه)) (١) أي سبعة أوجه، وهو
سبع لغات ولهجات من لغات العرب ولهجاتهم، يجوز أن يقرأ بكل لغة منها،
وليس المراد: أن كل كلمة منه تقرأ على سبعة أوجه وإنما لا يخرج عنها، فإما
أن تكون بلغة قريش، وهو الغالب، وإما أن تكون بلغة قبيلة أخرى؛ لأنها
أفصح، وتلك اللغات التي كانت مشهورة شائعة عذبة اللفظ هي: لغة
قريش، وهُذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. وهذا هو
الأشهر والراجح.
وفي رأي آخر: المراد بالسبعة: أوجه القراءات القرآنية، فاللفظ القرآني
الواحد مهما يتعدد أداؤه وتتنوع قراءته لا يخرج التغاير فيه عن الوجوه السبعة
الآتية وهي (٢) :
١ - الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حر کة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها
في الكتاب ولا يغير معناها، أو يغير معناها؛ مثل (فتلقى آدمُ) قرئ (آدمَ).
٢ - الاختلاف في الحروف، إما بتغير المعنى مثل (يعلمون وتعلمون)،
وإما بتغير الصورة دون المعنى مثل (الصراط) و(السراط).
٣ - اختلاف أوزان الأسماء في إفرادها وتثنيتها وجمعها وتذكيرها وتأنيثها،
مثل (أماناتهم) و(أمانتهم).
(١) أخرجه الجماعة: البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والترمذي وأبو داود والنسائي (جامع
الأصول: ٣١/٣).
(٢) تفسير القرطبي: ٤٢/١-٤٧، تفسير الطبري: ٢٣/١ وما بعدها، تأويل مشكل القرآن لابن
قتيبة: ص ٢٨ وما بعدها، تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ص ٢٠ وما بعدها، مباحث في
علوم القرآن للدكتور صبحي صالح: ص ١٠١ -١١٦

٢٩
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
٤ - الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة
للأخرى مثل (كالعهن المنفوش) أو (كالصوف المنفوش) وقد يكون بإبدال
حرف بآخر مثل (ننشزها) و(ننشرها).
٥ - الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل (فيَقْتلون ويُقْتلون) قرئ (فِيُقْتَلون
ويَقْتُلُون).
٦ - الاختلاف بالزيادة والنقص، مثل (وما خلق الذكر والأنثى) قرئ
(والذكر والأنثى).
٧ - اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والهمز
والتسهيل، وكسر حروف المضارعة، وقلب بعض الحروف، وإشباع ميم
الذكور، وإشمام بعض الحركات، مثل (وهل أتاك حديث موسى) و(بلى
قادرين على أن نسوي بنانه) قرئ بإمالة: (أتى)، (وموسى)، (وبلى) وقوله
تعالى: (خبيراً بصيراً) بترقيق الراءين، و(الصلاة) و(الطلاق) بتفخيم اللامين.
وقوله تعالى: (قد أفلح) بترك الهمزة ونقل حركتها من أول الكلمة الثانية إلى
آخر الكلمة الأولى، وهو ما يسمى (تسهيل الهمزة). وقوله تعالى: (لقوم
يعلمون، نحن نِعلم، وتسود وجوه، ألم إِعهد) بكسر حروف المضارعة في جميع
هذه الأفعال. وقوله تعالى: (حتى حين) قرأه الهذليون (عتى عين) بقلب الحاء
عيناً. وقوله تعالى: (عليهمو دائرة السَّوء) بإشباع ميم جمع الذكور. وقوله
تعالى: (وغيض الماء) بإشباع ضمة الغين مع الكسر.
والخلاصة: إن الأحرف السبعة: هي اللغات السبع التي اشتملت عليها
لغة مضر في القبائل العربية، وليست هي القراءات السبع أو العشر المتواترة
المشهورة، فهذه القراءات التي انتشرت كثيراً في عصر التابعين ثم اشتهرت في
القرن الرابع بعد ظهور كتاب في القراءات للإمام المقرئ ابن مجاهد، تعتمد

٣٠
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
على غير الأصل الذي يتعلق بالأحرف السبعة، وتتفرع من حرف واحد من
الأحرف السبعة، كما أبان القرطبي.
ثم إن الكلام على الأحرف السبعة أصبح تاريخياً، فقد كانت تلك الأحرف
السبعة توسعة في النطق بها على الناس في وقت خاص للضرورة، لعجزهم عن
أخذ القرآن على غير لغاتهم؛ لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم، ثم
زال حكم تلك الضرورة، وارتفع حكم تلك الأحرف السبعة، وعاد ما يقرأ
به القرآن على حرف واحد، ولم يكتب القرآن إلا بحرف واحد منذ عهد
عثمان، مما قد تختلف فيه كتابة الحروف، وهو حرف قريش الذي نزل به
القرآن، كما أوضح الطحاوي وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم (١).
رابعاً - القرآن كلام الله وأدلة الإثبات بوجوه الإعجاز:
إن القرآن العظيم المسموع والمكتوب: هو كلام الله القديم العزيز العليم،
ليس شيء منه كلاماً لغيره من المخلوقين، لا جبريل، ولا محمد ولا غيرهما،
والناس يقرؤونه بأصواتهم (٢). قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
نَزَّلَ بِهِ الزُُّحُ الْأَمِينُ
﴿ عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ
١٩٤
) يِلِسَانٍ عَرَبٍ قُبِينٍ
١٩٥
[الشعراء: ١٩٢/٢٦-١٩٥] وقال عز وجل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن
رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُنَّبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
[النحل: ١٠٢/١٦].
والدليل على أن القرآن كلام الله: هو عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل
أقصر سورة منه، وهذا هو المراد بإعجاز القرآن: أي عجز البشر عن الإتيان
بمثله، في بلاغته، أو تشريعه أو مغيباته. قال الله تعالى مستثيراً العرب
(١) تفسير القرطبي: ٤٢/١-٤٣، فتح الباري: ٢٤/٩-٢٥، شرح مسلم للنووي: ١٠٠/٦
(٢) فتاوى ابن تيمية: ١١٧/١٢-١٦١، ١٧٢

٣١
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
المعروفين بأنهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ومتحدياً لهم بأن
يأتوا بمثل القرآن في نظمه ومعانيه وبيانه المشرق البديع الفريد ولو بمثل سورة
منه: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَنُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَادْعُواْ
شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ
النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِذَتْ لِلْكَفِرِنَ (gَ﴾ [البقرة: ٢٣/٢-٢٤].
وتتكرر آي القرآن في مناسبات مختلفة مطالبة بمجاراة القرآن وتحدي
العرب الذين عارضوا الدعوة الإسلامية، ولم يؤمنوا بالقرآن، ولم يقرُّوا
بنبوة محمد نَّه، فقال تعالى: ﴿قُل لَّيِنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ
بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِبْرًا
١٨
[الإسراء: ٨٨/١٧] أي معيناً. وإذ عجزوا عن الإتيان بالمثيل، فليأتوا بعشر
سور مثله، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَنُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ،
مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿﴿ فَإِلَّمْ
يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُوَّأْ أَنَمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ الَّهِ وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم
[هود: ١٣/١١-١٤].
مُسْلِمُونَ (3)
ثم أكد الحق سبحانه التحدي أو المعارضة بمثل سورة من القرآن بعد العجز
عن المثل الكامل أو عن عشر سور منه، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ
فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُمْ صَدِقِينَ
٣٨
[يونس: ٣٨/١٠].
قال الطبري (١): إن الله تعالى ذكْرُهُ جَمَعَ لنبينا محمد وَّهِ ولأُمته، بما أنزل
إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله، ولا لأمة من الأمم
قبلهم، وذلك أن كل كتاب أنزله جلَّ ذكْرُهُ على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزله
ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمد عليه، كالتوارة
(١) تفسير الطبري: ٦٥/١-٦٦
٠

٣٢
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي
هو مواعظ وتذكير، لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق.
والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد بَ ل# يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه
كثيراً من المعاني التي سائر الكتب، غيره منها خال. ومن أشرف تلك المعاني
التي فضل بها كتابنا سائر الكتب: نظمه العجيب، ووصفه الغريب، وتأليفه
البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلَّتْ عن
وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت قصوراً عن
أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء، فلم يجدوا له إلا التسليم والإقرار بأنه من
عند الله الواحد القهار، مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب
وترهيب، وأمر وزجر، وقصص وجدل ومثُل، وما أشبه ذلك من المعاني التي
لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.
ومظاهر الإعجاز أو أوجه الإعجاز كثيرة: منها ما يخص العرب في روعة
بيانه وبلاغة أسلوبه وجزالة ألفاظه أو نظمه، سواء في اختيار الكلمة القرآنية
أو الجملة والتركيب ونظم الكلام، ومنها ما يشمل العرب وغيرهم من عقلاء
الناس بالإخبار عن المغيبات في المستقبل، وعن الماضي البعيد من عهد آدم
عليه السلام إلى مبعث محمد ◌ّله، وبالتشريع المحكم الشامل لكل شؤون الحياة
العامة والخاصة. وأكتفي هنا بإيجاز مظاهر الإعجاز وهي عشرة كما ذكر
القرطبي (١) :
أ - النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيره؛ لأن
نظمه ليس من نظم الشعر في شيء.
(١) تفسير القرطبي: ٧٣/١-٧٥، وانظر دلائل الإعجاز في علم المعاني، للإمام عبد القاهر
الجرجاني: ص ٢٩٤ وما بعدها، إعجاز القرآن للباقلاني: ص ٣٣ -٤٧، إعجاز القرآن
للرافعي: ص ٢٣٨ - ٢٩٠، تفسير المنار: ١٩٨/١-٢١٥
::

٣٣
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
اً - الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.
٣ - الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة ﴿قَّ
وَاَلْقُرْءَانِ اُلْمَجِيدِ (ج) وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبَضَتُهُ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ﴾ إلى آخر سورة الزمر، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى آخر سورة [إبراهيم ١٤/ ٤٢].
٤ - التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم
الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
٥ - الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله على
قلب النبي الأمي ◌َّز، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون
الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل
الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين، فجاءهم
النبي ◌َّ - وهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم، بما عرفوا من الكتب
السالفة، فتحققوا صدقه.
٩ - الوفاء بالوعد، المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه،
وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله عليه السلام، وإخراج
الذين أخرجوه من وطنه. وإلى وعد مقيد بشرطه، كقوله: ﴿ وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ
فَهُوَ حَسْبُهٌُ﴾ [الطلاق: ٣/٦٥] و﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١/٦٤]
و﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢/٦٥] و﴿إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ
صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنٍ﴾ [الأنفال: ٦٥/٨] وشبه ذلك.
لاً - الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، ولا
يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه، من ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه
السلام أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ

٣٤
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
[التوبة: ٣٣/٩]، ففعل ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
٣٣
﴾ [آل عمران: ١٢/٣]. ومنه
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَيِفْسَ الْمِهَادُ (إ
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّغْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن
شَآءَ اللَّهُ عَمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧/٤٨]. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّمَ ﴾ غُلِبَتِ الزُّومُ
فِيّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فيِ بِضْعِ سِنِينٌَ﴾
[الروم: ١/٣٠- ٤].
فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من
أوقفه عليها رب العالمين، وقد عجز الزمان عن إبطال شيء منها، سواء في
الخلق والإيجاد أم في بيان أخبار الأمم، أم في وضع التشريع السوي لكل
الأمم، أم في توضيح كثير من المسائل العلمية والتاريخية، مثل ﴿ وَأَرْسَلْنَا
اُلْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢/١٥] وآية ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْقًا﴾
[الأنبياء: ٣٠/٢١]، وآية﴿ وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩/٥١] وآية
﴿ وَاْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ﴾ [الحجر: ١٩/١٥] وآية إثبات كروية
الأرض: ﴿يُكَوّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥/٣٩]
والتكوير: اللف على الجسم المستدير. واختلاف مطالع الشمس في آية
﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨/٣٦] إلى قوله ﴿وَكُلٌ فِى فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠/٣٦].
٨ - ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال
والحرام، وفي سائر الأحكام، فهو يشتمل على العلوم الإلهية، وأصول العقائد
الدينية وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والآداب، وقواعد التشريع
السياسي والمدني والاجتماعي الموافقة لكل زمان ومكان.
٩ - الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي.
١٠ - التناسب في جميع ما تضمنه القرآن ظاهراً وباطناً، من غير اختلاف،

٣٥
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾
[النساء: ٨٢/٤].
يظهر من بيان هذه الأوجه في إعجاز القرآن أنها تشمل الأسلوب والمعنى.
أما خصائص الأسلوب فهي أربعة:
الأولى - النسق البديع والنظم الغريب، والوزن العجيب المتميز عن جميع
كلام العرب، شعراً ونثراً وخطابة.
الثانية - السمو المتناهي في جمال اللفظ، ورقة الصياغة، وروعة التعبير.
الثالثة - التآلف الصوتي في نظم الحروف ورصفها، وترتيبها، وصياغتها،
وإيحاءاتها، بحيث تصلح خطاباً لكل الناس على اختلاف المستويات الفكرية
والثقافية، مع تسهيل سبيلها وحفظها لمن أراد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا
اُلْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرِ (﴾﴾ [القمر: ١٧/٥٤].
الرابعة - تناسب اللفظ والمعنى، وجزالة اللفظ وإيفاء المعنى، ومناسبة
التعبير للمقصود، والإيجاز والقصد دون أي تزيُّد، وترسيخ المعاني بصور فنية
محسوسة تكاد تلمسها، وتتفاعل معها، بالرغم من تكرارها بصورة جذابة
فريدة.
وأما خصائص المعنى فهي أربعة أيضاً:
الأولى - التوافق مع العقل والمنطق والعلم والعاطفة.
الثانية - قوة الإقناع، واجتذاب النفس، وتحقيق الغاية بنحو حاسم قاطع.
الثالثة - المصداقية والتطابق مع أحداث التاريخ، والواقع المشاهد،
وسلامته على طوله من التعارض والتناقض والاختلاف، خلافاً لجميع كلام
البشر.

٣٦
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
الرابعة - انطباق المعاني القرآنية على مكتشفات العلوم والنظريات الثابتة.
ويجمع هذه الخصائص آيات ثلاث في وصف القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿الّر
• [هود: ١/١١] وقوله
كِنَكُ أُحْكِمَتْ ءَايَئُهُ ثُمَّ فُصِلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (٦)
سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ جَ لَا يَأْيِهِ
[فصلت: ٤١/
الْبَطِلُ مِنْ بَيْفِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (
٤١- ٤٢] وقوله عز وجل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلِ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا
مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
﴾ [الحشر: ٢١/٥٩].
(٢١)
وسيظل القرآن الكريم ناطقاً بالمعجزات في كل عصر، فهو - كما قال
الرافعي (١) - كتاب كل عصر، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز،
وهو معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز
كذلك في حقائقه، وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء، فهي
باقية ما بقيت.
خامساً . عربية القرآن وترجمته إلى اللغات الأخرى:
القرآن كله عربي (٢)، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلا وهو عربي
أصلاً، أو معرّب خاضع لموازين اللغة العربية وقوالبها ومقاييسها .. وقد
زعم بعض الناس أن القرآن ليس عربياً خالصاً، لاشتماله على بعض
كلمات من أصل أعجمي (غير عربي)، مثل (سندس) و(إِستبرق) وأنكر
بعض العرب ألفاظ (قسورة) و(كُبَّارا)، و(عُجَاب) فدخل شيخ طاعن في
السن على رسولِ الله وَله، فقال له الرسول وَل قم، ثم قال له: اقعد،
كرر ذلك مرات، فقال الشيخ: أتهزأ بي، يا ابن (قسورة)، وأنا رجل
(١) إعجاز القرآن: ص ١٧٣، ١٧٥
(٢) تفسير الطبري: ٢٥/١

٣٧
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
(كبارا)، إن هذا الشيء (عُجَاب)! فسألوه، هل هذا في اللغة العربية؟ فقال:
نعم.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله أول من رد بكلامه الفصيح، وحجته القوية
على هذا الزعم، مبيناً أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، مفنداً
حجج هؤلاء الزاعمين وأهمها ثنتان:
الأولى - أن في القرآن خاصاً يجهل بعضه بعض العرب.
والثانية - أن في القرآن ما ينطق به غير العرب.
ورد على الحجة الأولى: بأن جهل بعض العرب ببعض القرآن ليس دليلاً
على عجمة بعض القرآن، بل هو دليل على جهل هؤلاء ببعض لغتهم، فليس
لأحد أن يدعي الإحاطة بكل ألفاظ اللسان العربي؛ لأنه أوسع الألسنة
مذهباً، وأكثرها لفظاً، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي.
ثم رد على الحجة الثانية: بأن بعض الأعاجم قد تعلم بعض الألفاظ
العربية، وسرت إلى لغاتهم، ويحتمل أن يوافق لسان العجم أو بعض الألسنة
قليلاً من لسان العرب، وقد يكون بعض الألفاظ العربية من أصل أعجمي،
لكن هذا القليل النادر من أصل غير عربي قد سرى قديماً إلى العرب، فعرّبوه،
وأنزلوه على طبيعة لغتهم، وجعلوه صادراً من لسانهم، بحسب حروفهم
ومخارج تلك الحروف وصفاتها في لغة العرب، وذلك مثل الألفاظ المرتجلة
والأوزان المبتدأة لها، وإن كانت في الأصل تقليداً في نغمتها للغات
الأخرى(١).
وتضافرت الآيات القرآنية بالتصريح بأن القرآن كله عربي، جملة وتفصيلاً،
(١) الرسالة للإمام الشافعي: ص ٤١ - ٥٠، ف ١٣٣ - ١٧٠، وانظر المستصفى للغزالي: ٦٨/١،
وروضة الناظر: ١٨٤/١

٣٨
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
وأنه نزل بلسان العرب قوم النبي وَله، منها قوله تعالى: ﴿الَّرِ تِلْكَ ءَتُ
اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَنًا عَرَبِيًّا نَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[یوسف:
AT
١/١٢-٢] ومنها قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
نَزَّلَ بِهِ الزُوعُ
١٩٥
بِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ
عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
اُلْأَمِينُ
[الشعراء: ١٩٢/٢٦-١٩٥] ومنها: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧/١٣]
ومنها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾
وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَا
[الشورى: ٧/٤٢] ومنها: ﴿حمّ )
﴾ [الزخرف: ١/٤٣-٣] ومنها: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ
٣
عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
﴾ [الزمر: ٢٨/٣٩].
ذِى عِوَجَ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
ورتب الشافعي على عربية القرآن حكماً مهماً جداً، فقال: فعلى كل
مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغَه جهدُه، حتى يشهد به أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر
فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد، وغير ذلك.
وكان من مزية عربية القرآن وفضله على العرب أمران عظيمان هما :
الأول - إن تعلم القرآن والنطق به على أصوله يقوِّم اللسان، ويفصِّح
المنطق، ويصحح الكلام، ويساعد على فهم لغة العرب، فليس هناك شيء
يشبه القرآن في تقويم الألسنة، حين تتأثر باللهجات العامية المختلفة.
الثاني - كان للقرآن الفضل الأكبر في الحفاظ على اللغة العربية، في
مسيرة القرون الأربعة عشر الغابرة، بما اشتملت عليه من فترات ضعف
وتخلف وتسلط المستعمرين الأوربيين على بلاد العرب، بل إن القرآن
عامل أساسي في توحيد العرب، وباعث قوي ساعد في انتفاضة العرب
ضد المحتل الغاصب والمستعمر البغيض، مما أعاد الصحوة الإسلامية إلى

٣٩
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
أوطان العرب والإسلام، وربط بين المسلمين برباط الإيمان والعاطفة
القوية الصادقة، لا سيما في أوقات المحنة والحروب ضد المحتلين.
ترجمة القرآن:
يحرم ولا يصح شرعاً ترجمة نظم القرآن الكريم؛ لأن ذلك متعذر غير
ممكن، بسبب اختلاف طبيعة اللغة العربية التي نزل بها القرآن عن سائر
اللغات الأخرى، ففي العربية المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والصور
الفنية التي لا يمكن صبها بألفاظها في قوالب لغة أخرى، ولو حدث ذلك
لفسد المعنى، واختل التركيب، وحدثت العجائب في فهم المعاني والأحكام،
وذهبت قدسية القرآن، وزالت عظمته وروعته، وتبددت بلاغته وفصاحته التي
هي سبب إعجازه.
لكن يجوز شرعاً ترجمة معاني القرآن أو تفسيره، على أنه ليس هو القرآن،
فلا تعد ترجمة القرآن قرآناً، مهما كانت الترجمة دقيقة، ولا يصح الاعتماد
عليها في استنباط الأحكام الشرعية؛ لأن فهم المراد من الآيات يحتمل الخطأ،
وترجمتها إلى لغة أخرى يحتمل الخطأ أيضاً، ولا يصح الاعتماد على الترجمة مع
وجود هذين الاحتمالين (١).
ولا تصح الصلاة بالترجمة (٢)، ولا يتعبد بتلاوتها؛ لأن القرآن اسم
للنظم والمعنى، والنظم: هو عبارات القرآن في المصاحف. والمعنى: هو ما
تدل عليه العبارات، ولا تعرف أحكام الشرع الثابتة بالقرآن إلا بمعرفة
النظم والمعنى.
(١) وهذا هو الحادث الآن، فقد ترجم القرآن الكريم إلى زهاء خمسين لغة، وكلها ترجمات ناقصة،
أو مشوهة، وغير موثوقة، وحبذا لو صدرت ترجمة من ثقات العلماء المسلمين.
(٢) تفسير الرازي: ٢٠٩/١

٤٠
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
سادساً - الحروف التي في أوائل السور - الحروف المقطعة:
بدأ الحق سبحانه وتعالى بعض السور المكية أو المدنية القرآنية ببعض
حروف التهجي أو الحروف المقطعة، منها البسيط المؤلف من حرف واحد،
وذلك في سور ثلاث: صاد وقاف والقلم، إذ افتتحت الأولى بحرف: ﴿صَّ﴾
والثانية بحرف: ﴿قَّ﴾ والثالثة بحرف: ﴿ن﴾.
ومنها فواتح عشر سور مؤلفة من حرفين، سبع منها متماثلة تسمى:
الحواميم، الابتدائها بحرفي: ﴿حمّ (6)، وهي سور: غافر، وفصلت،
والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، وتتمة العشر: هي
سور: طه، وطس، ويس.
ومنها فواتح ثلاث عشرة سورة مركبة من ثلاثة أحرف، ست منها بدئت بـ
﴿الَمَ ﴾) وهي سور: البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم،
ج
ولقمان، والسجدة. وخمس منها بلفظ ﴿الّر﴾: وهي سور: يونس وهود
ويوسف وإبراهيم والحجر. واثنتان منها بدئت بـ ﴿طسّمَ (69)، وهما سورتا
الشعراء والقصص.
ومنها سورتان افتتحتا بأربعة أحرف، وهما سورة الأعراف وفاتحتها
﴿الْمَصّ ج) وسورة الرعد وفاتحتها ﴿الَّمَرَّ﴾.
ومنها سورة واحدة افتتحت بخمسة حروف هي سورة مريم ومستهلها :
أكّهبعصّ (4)). فصارت مجموعة الفواتح القرآنية تسعاً وعشرين، وهي
على ثلاثة عشر شكلاً، وحروفها أربعة عشر، وهي نصف الحروف
الهجائية(١).
(١) مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح: ص ٢٣٤ وما بعدها.