النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
تفسير سورة الإنسان
عَئِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ وَحُواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَلُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا
وَمُلَكًا كبيرًا
طَهُورًا ) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءُ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلًا (ټ)فَاصْبِرْ
◌ِشَكْرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (٦َ وَأَذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ
أنَّْنُ
لَكُرُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا
٢٧
خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا (٨) إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى
حذف الموصول وترك الصلة ﴿مُلْكًا كَبِيرًا﴾ يعني كثرة ما أعطاهم الله حتى إن أدنى أهل
الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حسبما ورد في الحديث وقيل أراد أن الملائكة
تسلّم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك ﴿عَلَيْهُمْ﴾ بسكون الياء مبتدأ خبره
﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ أي ما يعلوهم من الثياب ثياب سندس، وقرىء بالنصب على الحال، من
الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم. وقال ابن عطية العامل فيه لقاهم أو جزاهم،
وقال أيضًا يجوز أن ينتصب على الظرف لأن معناه فوقاهم، وقد ذكرنا معنى السندس
والإستبرق وقرىء ﴿خُضْرٌ﴾ بالخفض صفة لسندس وبالرفع صفة لثياب ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ بالرفع
عطف على ثياب، وبالخفض عطف على سندس ﴿وَحُلُوا﴾ وزنه فعلوا معناه جعل لهم
حليّ ﴿أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل كيف قال هنا أساور من فضة،
وفي موضع آخر أساور من ذهب؟ فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة،
قال رسول الله وَ الر: ((جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما
فلعلّ الذهب للمقرّبين، والفضة لأهل اليمين ويحتمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من
فضة ومن ذهب معًا ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي ليس بنجس كخمر الدنيا، وقيل معناه أنه لم
تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولاً ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءٌ﴾ أي يقال لهم هذا يقوله
الله تعالى والملائكة ﴿آئِمَا أَوْ كَفُورًا﴾ أو هنا للتنويع فالمعنى لا تُطِع النوعين، فاعلاً للإثم
ولا كفورًا، وقيل هي بمعنى الواو أي جامعًا للوصفين لأن هذه هي حالة الكفّار، ورُوِيَّ أن
الآية نزلت في أبي جهل، وقيل أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة،
والأحسن أنها على العموم، لأن لفظها عامّ، وإن كان سبب نزولها خاصًّا ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة صلاة الصبح،
والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ أي الدنيا
والإشارة إلى الكفّار واليوم الثقيل يوم القيامة، ووصفه بالثقل عبارة عن هوله وشدّته
﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ الأسر الخلقة وقيل المفاصل والأوصال، وقيل القوّة ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ

٥٢٢
تفسير سورة الإنسان
جَ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى
جَ وَمَا تَشَدَءُونَ إِلََّ أَن يَشَآَ اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
٢٩
رَيِّدِ،سَپیلا
رَحْمَتِهِ، وَالَِّمِينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا
تبدیلا﴾ أي أهلكناهم وأبدلنا منهم غیرهم وقیل مسخناهم فبدلنا صورهم، وهذا تهديد ﴿إنّ
هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ الإشارة إلى الآية أو السورة أو الشريعة بجملتها ﴿فَمَنِ شَاءَ﴾ تحضيض
وترغيب ثم قيّد مشيئتهم بمشيئة الله ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره ويعذّب
الظالمين .
:
:
-٩٠

سورة المرسلات
مكتّة إلاّ آية ٤٨ فمدنيّة وآياتها ٥٠ نزلت بعد الهمزة
بِسْمِ اللهِ الرَّغْنِ آَ
وَالتَّشِرَتِ نَشْرًا
٢
وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا أَ فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا
جَ فَلْفَرِقَتِ فَرْقًا
فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا
٤
﴿ وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ
٨
] فَإِذَا التُّجُومُ ظُمِسَتْ
٧
عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ◌َ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعٌ
) وَإِذَا اَلِبَالُ
٩
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
اختلف في معنى المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات على قولين: أحدهما
أنها الملائكة والآخر أنها الرياح فعلى القول بأنها الملائكة سمّاهم المرسلات لأن الله تعالى
يرسلهم بالوحي وغيره وسمّاهم العاصفات لأنهم يعصفون كما تعصف الرياح في سرعة
مضيّهم إلى امتثال أوامر الله تعالى، وسمّاهم ناشرات لأنهم ينشرون أجنحتهم في الجوّ،
وينشرون الشرائع في الأرض، أو ينشرون صحائف الأعمال وسمّاهم الفارقات لأنهم
يفرقون بين الحق والباطل، وعلى القول بأنها الرياح، سمّاها المرسلات لقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي
يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم: ٤٨] وسمّاها العاصفات من قوله: ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]
أي شديدة وسمّاها الناشرات لأنها تنشر السحاب في الجوّ منه قوله: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ
سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] وسمّاها الفارقات لأنها تفرق بين السحاب ومنه قوله: ﴿وَيَجْعَله
كِسْفًا﴾ [الروم: ٤٨] وأما الملقيات ذِكرًا فهم الملائكة لأنهم يلقون الذكر للأنبياء عليهم

٥٢٤
تفسير سورة المرسلات
نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّنَتْ (١) لِأَمِّ يَوْمٍ أُسِلَتْ (١٠) لِيَوْمِ اَلْفَصْلِ (١٥) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَؤْمُ الْفَصْلِ
٤
(٤) ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِنَ ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ
وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَلَه ◌َّ ◌ُهْلِكِ الْأَوَِّينَ
(١٠) فَجَمِلْقُهُ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ (٢) إِلَ
الجمعشارة
بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوَمِيدٍ الْمُكَّذِّبِينَ (١١) أَلَمْ يُخْلَفْكُمْ مِنْ مَّاءٍ مِّهِينٍ
السلام والأظهر في المرسلات والعاصفات أنها الرياح لأن وصف الريح بالعصف حقيقة
. لوالل جنة ٨١ :١٧ محة
والأظهر في الناشرات والفارقات أنها الملائكة لأنّ الوصف بالفارقات أليق بهم من الرياح
ولأن الملقيات المذكورة بعدها هي الملائكة ولم يقل أحد إنها الرياح ولذلك عطف
المتجانسين بالفاء فقال: ﴿وَالْمُرْسَلاَتِ﴾ ﴿فَالْعَاصِفَاتٍ﴾ ثم عطف ما ليس من جنسها بالواو
فقال: ﴿وَالنَّاشِراتِ﴾ تمخطف علية المتجانشين بالفاء وقد قيل في المرسلات والملقيات
أنهم الأنبياء عليهم السلام ﴿عُزْفًا﴾ معناه فضلاً وإنعامًا وانتصابه على أنه مفعول من أجله
وقيل معناه متتابعة وهو مصدر في موضع الحال وأما عصفًا ونشرًا وفرقًا فمصادرٍ وأما ذكرًا
فمفعول به ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ الْغُذُرُ فسّره ابن عطية وغيره بمعنى إعذار الله إلى عباده ثلاً
تبلى: لهم حجة أو عذر واخوه الزمشوي معقل الاعتذار فقال علاوإذا محا الإساءة وأمه
نذرًا فمن الإنذار وهو التخويف وقرىء بضم الذال في الموضعين وبإسكانها ويحتمل أن
يكونا مصدرين فيكون نصبهما على البدل من ذكرًا أو مفعولاً بذكر أو يحتمل أن يكون عذرًا
جمع عذير أو عاذر ونذرًا جمع: تديرها فيكون منصُ هُمَا عَلَّى إلىحال ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعْ﴾ يعني
البعث والجزاء وهو جواب القسم ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أي زال ضوؤها وقيل مُحِيت
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ أي انشقّت ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ أي صارت غبارًا ﴿وَإِذَا الرَّسُلُ
أُقْتُ﴾ أي جعل لها وقت معلوم فحان ذلك الوقت وجمعت للشهادة على الأمر يوم القيامة
وتقرىء وُقّتت بالواو وهو الأصل والهمزةَ بدْلٍ من الواو ﴿لَأَيَّ يَوْم أَجْلَتْ﴾ هوٌ مِن الأجل
كمّا أنَّ التّوقيت من الوَقْت وفَيهَ تَوقَّيف يراد به تعظيم لذلك اليَومُ ثُمَّ بيّنة بَقَوْله: "﴿لِيَوْمَ
الْفَضْلِ﴾ أي يَفْصِّل فيه بين العباد ثم عظّمَه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَضْلِ وَيَّلَ ايُوَمَةْ
لْمُجْذَّبِينَ﴾ تكراره في هذه السورةَ قيل إنهَ تَأْكِيدُ وَقَبِلَ بِلُ فَيَ كَل آيَةٌ مَّا يَقْتَضِى الْتّضْدِيقُ
فجّاء ويل يومئذ للمكذبين راجعًا إلى ما قَبْلَهُ فِي كُلِ مَوْضَّع منها ﴿أَلَّمْ تَهْلِكِ الأَوُّلِينَ﴾ يُعْنِيّ.
الكفّارِ المتقدمين كقوم نوح وغيرهم ﴿ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الآخَرِينَ﴾ يعني قريشاً وغيرهم من الكفار.
بمحمد* وهذا وعيد لهم ظهر مصداقُه يوم بدر وغيره ﴿كَذَلِكُ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أيّ
متكلهلمهم A33
مثل هذا الفعل تفعل بكل مجرم يعني الكفّارُ ﴿أَلَمْ نَخْلَقَكْم مِّن مَّاءٍ مِّهِينٍ﴾ يعني المنّ،
17 الفنية
والْمُهين الضّعيَفَ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِيْ قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ يعني رحم المرأة وبطنها ﴿إِلَى قَدُرٍ مُّعْلُوم)

٥٢٥
تفسير سورة المرسلات
) وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ (٦) أَلَوْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (٢٥) أَحْيَآءَ
(٢٣
(٣) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ
قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
وَأَمْوَتًا (٢٠) وَجَعَلْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُمْ مَّاءُ فُرَاتًا (١٦) وَيْلٌ يَوْمَِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا
كُنْتُمبِهِ، تُكَذِّبُونَ (٦) أَنْطَلِّقُواْ إِلَى ظِلِ ذِى تَثِ شُعَبٍ (*)َ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ (ذَ إِنَّهَا تَرْمِى
كَنَُّ جِمَلَتُ صُفْرٌ ﴿يَا وَيَّلِّ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِنَ جَ هَذَا يَوْمُ لَا يَنَطِقُونَ (٢٥) وَلَا
٣٢
بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ !
يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُونَ (٢٦) وَيْلٌّ بَوَمِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٦) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ () فَإِن كَانَ لَكُمْ
يعني وقت الولادة وهو معلوم عند تسعة أشهر أو أقلّ منها أو أكثر ﴿فَقَّدَّرْنَا﴾ بالتشديد من
التقدير وبالتخفيف من القدرة فإذا كان من القدرة اتفق مع قوله فنِعمَ القادرون وإذا كان من
التقدير فهو تجنيس ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ الكفات من كفت إذا ضمّ
وجمع فالمعنى أن الأرض تكفت الأحياء على ظهرها والموتى في بطنها وانتصب أحياءً
وأمواتًا على أنه مفعول بكفاتًا لأن الكفات اسم لما يضمّ ويجمع فكأنه قال جامعة أحياءً
وأَمواتًا ويجوز أن يكون المعنى تكفتهم أحياءً وأمواتًا فيكون نصبهما على الحال من الضمير
وإنما نكّر أحياءً وأمواتًا للتفخيم ودلالة على كثرتهم ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال ﴿شَامِخَاتٍ﴾
أي مرتفعات ﴿مَاءٌ فُرَاتًا﴾ أي حلوًا ﴿أَنْطَلِقُوا﴾ خطاب للمكذبين وقرأ يعقوب بفتح اللام
على أنه فعل ماضٍ ثم كرّره لبيان المنطلق إليه ﴿إِلَى ظِلّ﴾ [الواقعة: ٤٣] يعني دخان جهنم
ومنه: ﴿ظِلِّ من يَحْمُومِ﴾ ﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ أي يتفرع من الدخان ثلاث شعب فتظلّهم
بينما يكون المؤمنون في ظلال العرش وقيل إن هذه الآية في عبدة الصليب لأنهم على
ثلاث شُعَب فيقال لهم انطلقوا إليه ﴿لاَّ ظَلِيلٍ﴾ نفى عنه أن يظلّهم كما يظلّ العرش
المؤمنين ونفى أيضًا أن يمنع عنهم اللهب ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ الضمير في أنها
لجهنم والقصر واحد القصور وهي الديار العِظام شبّه الشرر به في عظمته وارتفاعه في الهواء
وقيل هو الغليظ من الشجر واحده قصرة كجمرة وجمر ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتْ صُفْرٌ﴾ في الجمالات
قولان أحدهما أنها جمع جمال شبّه بها الشرر وصفر على ظاهره لأن لون النار يضرب إلى
الصُّفرة وقيل صفر هنا بمعنى سود يقال جمل أصفر أي أسود وهذا أليق بوصف جهنم
الثاني أن الجمالات قطع النحاس الكبار فكأنه مشتق من الجملة وقرىء جمالات بضم
الجيم وهي قلوس السفن وهي حبالها العظام ﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَتْطِقُونَ﴾ هذا في مواطن وقد
يتكلمون في مواطن أُخَر لقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كلُّ نَفْس تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النحل: ١١١]
﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونٍ﴾ تعجيز لهم وتعريض بكيدهم في الدنيا وتقريع عليه ﴿كُلُوا

٥٢٦
تفسير سورة المرسلات
(٤٢
﴿وَقَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَّهُونَ
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ
وَيٌَّ يَوْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ
٣٩
کیدٌ فکِیدُونِ
كلوا
٤٥
وَيَلِّ يَوَّمَهِدٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
٤٤
كُلُواْ وَأَشْرَ بُواْ هَنْيَأْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٦) إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
١) وَإِذَا قِلَ لَهُ أَزْكَعُوْ لَ يَرْكَمُونَ لِهَ وَيْلٌ
وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ تُجْرِمُونَ () وَيْلٌ يَوْمَِدٍ لِلْمُكَذِبِينَ
يُؤْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّ بِينَ ﴿ فَأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَمُ يُؤْمِنُونَ
وَأَشْرَبُوا﴾ يقال لهم ذلك في الجنة بلسان الحال أو بلسان المقال ﴿هُنِيْئًا بِمَا كُنتُمْ تَغْمَلُونَ﴾
نصب هنيئًا على الحال أو على الدعاء ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ خطاب للكفّار على وجه التهديد
تقديره قل لهم كلوا وتمتّعوا قليلاً في الدنيا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهمُ ارْكَمُوا لَ يَرْكَعُونَ﴾ هذا إخبار
عن حال الكفّار في الدنيا وذكر الركوع عبارة عن الصلاة وقيل معنى اركعوا اخشغوا
وتواضعوا وقيل هو إخبار عن حال المنافقين يوم القيامة لأنهم إذا قيل لهم اركعوا لا
يقدرون على الركوع كقوله: ﴿وَيَدْعُونَ إِلى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُون﴾ [القلم: ٤٢] والأول
أشهر وأظهر ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضمير للقرآن.

سورة النبأ
مكتّة وآياتها ٤٠ نزلت بعد المعارج
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحيم
عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ (٥) عَنِ النَّبَإِاَلْعَظِيمِ الأَ الَّذِى هُمْفِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٢) كَلََّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُ كَلَّ سَيَعْلَمُونَ(٥) أَلَمْـ
تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿ وَخَفْتَكُمْ أَزْوَجًا (٥) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا (٥)، وَجَعَلْنَا الَّلَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أصل عم عن ما ثم أدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما لأنها
استفهامية تقديرها عن أيّ شيء يتساءلون وليس المراد بها هنا مجرد الاستفهام وإنما المراد
تفخيم الأمر والضمير في يتساءلون لكفّار قريش أو لجميع الناس ومعناه يسأل بعضهم بعضًا
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيم﴾ هو ما جاءت به الشريعة من التوحيد والبعث والجزاء وغير ذلك ويتعلق
عن النبا بفعل محذوف يفسّره الظاهر تقديره يتساءلون عن النبأ ووقعت هذه الجملة جوابًا
عن الاستفهام وبيانًا للمسؤول عنه كأنه لمّا قال عمّ يتساءلون أجاب فقال يتساءلون عن النبأ
العظيم وقيل يتعلق عن النبأ بيتساءلون الظاهر والمعنى على هذا لأيّ شيء يتساءلون عن النبأ
العظيم والأول أفصح وأبرع وينبغي على ذلك أن يوقف على قوله عمّ يتساءلون ﴿الَّذِي هُم
فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ إن كان الضمير في يتساءلون الكفّار قريش فاختلافهم أن منهم مَن يقطع
بالتكذيب ومنهم مَن يشكّ أو يكون اختلافهم قول بعضهم سحر وقول بعضهم شعر وكهانة

٥٢٨
تفسير سورة النبأ
جَ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّا جَا إِلَهُمْ وَأَنْزَلْنَا
١٢
أَوَبَنَيْنَا قَوْقَكُمْ سَبْعَا شِدَادًا
١١
لِبَاسَا الثّ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
١٧
(٤) إِنََّوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنًا
مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَاجًا لِالكَهْشَرِيَ بِهِ، حَبََّ وَنَبَاتًا ◌ْ وَجَنَّةٍ أَلْفَافًا
◌َ وَفَتْحَتِ أَلْشُّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبَا لَ وَسُبِرَتِ اِبَالُ فَكَانَتْ
١٨
يَوْمَ يُنفَعُ فِي الصُّورِ فَتَّةُ أَفْوَاجًا
سَرَابًا ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا لِأَ لِلطَّعِيْنَ جَابَ قَالَِّئِينَ فِيَهَا أَحْقَابًا مَ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا
السماء لي تاج :٠ لبناء قيقه
وغير ذلك وإن كان الضمير لجميع الناس فاختلافهم أن منهم المؤمن والكافر ﴿كَلاَّ
سَيَعْلَمُونَ﴾ ردع وتهديد ثم كرّره للتأكيد ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادَا﴾ أي فراشًا، وإنما ذكر
الله تعالى هنا هذه المخلوقات على جهة التوقيف ليقيم الحجة على الكفّار فيما أنكروه من
البعث كأنه يقول إن الإله الذي قدر على خلفة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء
الناس بعد موتهم، ويحتمل أنه ذكرها حجّة على التوحيد لأن الذي خلق هذه المخلوقات
هو الإله وحده لا شريك له ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادَا﴾ شبهها بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أَن تميد
﴿وَخَلَقْتَه ◌ُمْ أَزْ وَاجًا﴾ أي راءووجين ذكرًا وَأَثْى ◌ّ وَقيل معناه أنوالهماءبهنّ أْوانكُمْ وَّصُورَهُمْ
◌ِألسنتكم ﴿وَجَعَلْنَا تَخْفَكُمْ سِبَانًا﴾ أي وأحم لكم، وقيل معناو قطعًا للأعمال والمخصِّ
والسبت القطع وقيل معناه موتًا لأن النوم هو الموت الأصغر ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأَنْفُسَ حِينَ مَوتِها وَالَّتِي لَم تَمُت في مَنامها﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبّهه
بالثياب التي تلبس لأنه ستر من الحيوانن ﴿وَبَعَلَّهَ االنَّهَا مَعَاشَ﴾ أي تُطلَب فيه المعيشة، فهو
على حذف مضاف تقديره ذا معاش، وقال الزمخشري معناه يُعاش فيه فجعله بمعنى الحياة
في مقابلة السُّبات الذي بمعنى الموت ﴿وَبَتَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ يعني السموات ﴿وَجَعَلْنَا
سفراتجًا وَفَاجًا﴾ يعني الشمس والوهاج الوقاد الشديد الإضاءة، وقيل العطار الذي يَقْتُّطْرم من
شدة لهبه ﴿ وَأَنْزَلْا مِنَّ الْمُعْضِرَاتَ مَاءٌ تَتْجَاجًا﴾ يعني المطر والمُّعضراتَ ميّ الشَّخَابُ فَوَهُو
مأخوذ من العصر لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء، أو من العشرة، بمعنى الأعمائة وْمَشْهَ
وفيه يعصرون، وقيل كمي التموات وقيل الرياح والتجاج السريع الاندفاع وتخرجٌ بِمِحب
وثباتًا﴾ الحبُّ ◌َهُوَّ القمح والشعير وسائر التخبوْبِ وَالنِبَاتُ هُوَ العَشِبْ ﴿وَجَنَّابٌ أَلْفَاقًا﴾ ذاتي
مَمَة وَهُوَّ ◌ُجُمْعَ لِفْ تَظْمْ الْلامَ، وَقِيلَ بِالْكِسُولَة ولَّلُ لَ وَأَخَذ ◌َهَ ﴿كَانُ مِيقَةًا﴾ أيُّ قِيَّ وَقَتْ
مَعْلُومٌ ﴿يُوَمٌ يُنْفَحُ فِي الصُّورِ﴾َ يمعيّ نفَحْةُ القِيامُ المَنُ الْقَبُوْرِ ﴿فَتَأْتُونَ أَقْوَالجَا﴾ُ ليّ مجمدالخولى
﴿فَكَتْلُ أَبُوَ ابّ﴾ أَمي ◌َتْفَتَعَ فتَكُونَ فَيْهَا شِقَالُ كَالأَبْوَابُ ﴿وَسَتْكَ اَلْجِبَالُ ﴾ ◌َآئِ حَتْ مِ
﴿لكانت شرابًا﴾ العبارة عمن تلاشيها وفنائها والشراب في اللغة مها يظهر على البطارية وهي
ولكن ذلك الأمروالك هنة وإنما هو الشعبية في أنه لا شيء ﴿مِزْصَادًا﴾ أي موضع المرصد

٥٢٩
تفسير سورة النبأ
وَلَا شَرَابًا ◌ِثَ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا
وَكَذَّبُواْ
٢٧
) إِنَّهُمْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا
جَزَآءُ وِفَاقًا الأشـ
٢٥
◌َ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ
بِثَايَئِنَا كِذَّابًا (٨َ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا (أَ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا إِـ
وَكَوَعِبَ أَنْزَابًا (جـ) وَكَأْسَا دِهَاقًا (٦) لَّا يَسَّمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّبًا
٣٢
مَغَازَا ثَ حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا
﴿ يَوْمَ يَقُومُ
مِّن رَّكَ عَطَآءَ حِسَابً ﴿ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا يَلِكُونَ مِنَّهُ خِطَابًا
والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي تنتظر الكفّار ليدخلوها وقيل معناه طريقًا للمؤمنين
يمرّون عليه إلى الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم ﴿مَآبَا﴾ أي مرجعًا ﴿لاَّيِثِينَ فِيهَا
أَخْقَابًا﴾ جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، وقيل إنها محدودة
ثم اختلف في مقدارها، فرُوِيَ عن النبي ◌َّلتر أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس ثلاثون
سنة وقيل ثلثمائة سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقابًا كلما انقضى
حقب جاء آخر إلى غير نهاية وقيل إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله:
﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ وهذا خطاب لأن الأخبار لا تنسخ، وقيل هي في عصاة
المؤمنين الذي يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفّار لقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾
وقيل معناها أنهم يبقون أحيانًا لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا ثم يبدل لهم نوع آخر من
العذاب ﴿لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَزْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ أي لا يذوقون برودة تخفّف عنهم حرّ النار وقيل
لا يذوقون ماءً باردًا وقيل البرد هنا النوم والأول أظهر ﴿إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ استثناء من
الشراب وهو متصل والحميم الماء الحارّ والغسّاق صديد أهل النار وقد ذكر في سورة داود
﴿جَزَاءٌ وِفَاقًا﴾ أي موافقًا أعمالهم لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار، ووفاقًا مصدر وصف به
أو هو على حذف مضاف تقديره ذو وفاق ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ هذا مثل لا
یرجون لقاءنا وقد ذكر ﴿كِذَابًا﴾ بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف بمعنى الكذب أو
المكاذبة وهي تكذيب بعضهم لبعض ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ قال رسول الله وَالَ:
((ما نزل في أهل النار أشدّ من هذه الآية)) ﴿مَفَازًا﴾ أي موضع فوز يعني الجنة ﴿حَدَائِقَ﴾ أي
بساتين ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها ﴿أَتْرَابًا﴾ أي على سنُّ واحد
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ أي ملأى وقيل صافية والأول أشهر ﴿عَطَاءَ حِسَابًا﴾ أي كافيًا من أحسب
الشيء إذا كفاه، وقيل معناه على حسب أعمالهم ﴿رَّبِ السَّمَاوَاتِ﴾ بالرفع مبتدأ أو خبر
ابتداء مضمر وبالخفض صفة لربك، والرحمن بالخفض صفة وبالرفع خبر المبتدأ أو خبر
ابتداء مضمر ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال ابن عطيّة الضمير للكفّار أي لا يملكون أن
يخاطبوه بمقدرة ولا غيرها وقيل المعنى لا يقدرون أن يخاطبهم كقوله ولا يكلمهم الله وقال

٥٣٠
تفسير سورة النبأ
◌َ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحُّ فَمَنْ
٣٨
اَلُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا
شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّدِ مَثَابًا (٣٦) إِنَّا أَنَذَرْنَّكُمْ عَذَابًا قَرِيِبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّهَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافُ
◌َلَيْتَنِ كُنْتُ تُرَبًا
٤٠
الزمخشري الضمير لجميع الخلق أي ليس بأيديهم شيء من خطاب الله ﴿يَوْمٌ يَقُومُ الرُّوحُ﴾
قيل هو جبريل وقيل ملك عظيم يكون هو وحده صفًّا والملائكة صفًّا، وقيل يعني أرواح
بني آدم فهو اسم جنس ويوم يتعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون ﴿لاَّ يَتَكَلَّمُونَ﴾ الضمير
الملائكة والروح أي تمنعهم الهيبة من الكلام إلاّ من بعد أن يأذن الله لهم وقول الصواب
يكون في ذلك الموطن على هذا وقيل الضمير للناس خاصّة والصواب المُشار إليه قول لا
إله إلّ الله أي مَن قالها في الدنيا ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي الحق وجوده ووقوعه ﴿فَمَن شَاءَ﴾
تخصيص وترغيب ﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني عذاب الآخرة ووصفه بالقرب لأن كلّ آتٍ قريب أو
لأن الدنيا على آخرها ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ المرءِ هنا عموم في المؤمن
والكافر، وقيل هو المؤمن وقيل هو الكافر والعموم أحسن لأن كل أحد يرى ما عمل لقوله
تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ﴾ [الزلزلة: ٧] الآية ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾
تمنّی أن یکون يوم القيامة ترابًا فلا يُحاسب ولا يُجازَی، وقیل تمنّی أن یکون في الدنیا ترابًا
أي لم يُخلَق، ورُوِيَ أن البهائم تُحشَر ليقتصّ لبعضهم من بعض ثم تُرَدّ ترابًا فيتمني الكافر
أن يكون ترابًا مثلها، وهذا يقوّي الأول، وقيل الكافر هنا إبليس يتمنّى أن يكون خُلِقَ مِن
تراب مثل آدم وذرّيته لما رأى ثوابهم وقد كان احتقر التراب في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ
وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].

سورة النازعات
مکية وآياتها ٤٦ نزلت بعد النبأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحمـ
فَالسَّبِقَتِ سَبْقًا أَ فَالْمُدََِّتِ
٣
حَ وَالتَّشِطَتِ نَشْطًا (أَ وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا
وَالنَّزِعَتِ غَرَفَا (
﴿ قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاجِفَةُ إِذَ أَبْصَرُهَا خَاشِعَةٌ
أَمْرًا مَا يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ ( تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ لَّ
٩
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
اختلف في معنى النازعات والناشطات والسابقات والسابحات والمدبّرات، فقيل إنها
الملائكة وقيل النجوم، فعلى القول بأنها الملائكة سمّاهم نازعات لأنهم ينزعون نفوس بني
آدم من أجسادها وناشطات لأنهم ينشطونها أي يخرجونها فهو من قولك نشطت الدلو من
البئر إذا أخرجتها وسابحات لأنهم يسبحون في سيرهم أي يسرعون فيسبقون فيدبّرون أُمور
العباد والرياح والمطر وغير ذلك حسبما يأمرهم الله وعلى القول بأنها النجوم سمّاها نازعات
لأنها تنزع من المشرق إلى المغرب وناشطات لأنها تنشط من برج إلى برج وسابحات لأنها
تسبح في الفلك ومنه كلَّ في فلك يسبحون فتسبق في جريها فتدبّر أمرًا من علم الحساب،
وقال ابن عطية لا أعلم خلافًا أن المدبّرات أمرًا الملائكة وحكى الزمخشري فيها ما ذكرنا
وقد قيل في النازعات والناشطات أنها النفوس تنزع من معنى النزع بالموت فتنشط من
الأجساد، وقيل في السابحات والسابقات أنها الخيل وأنها السفن ﴿غَزْقًا﴾ إن قلنا النازعات

٥٣٢
تفسير سورة النازعات
﴿ قَالُوْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةً خَاسِرَةٌ لَا فَإِما
يَقُولُونَ أَِنَّا لَمَرْدُ ودُونَ فِىِ الْحَافِرَةِ ◌َّ أَإِذَا كُنَا عِطَمًا تَخِرَةً
الملائكة ففي معنى غرقًا وجهان: أحدهما أنها من الغرق أي تغرق الكفّار في جهنم والآخر
أنه من الإغراق في الأمر بمعنى المبالغة فيه أي تبالغ في نزعها فتقطع الفلك كله، وإن قلنا
إنها النفوس فهو أيضًا من الإغراق أي تغرقُ في الخروج من الجسد والإعراب غرقًا مصدر
في موضع الحال، ونشطًا وسبحًا وسبقًا مصادرً، وأمرًا مفعول به، وجواب القسم محذوف
وهو بعث الموتى بدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وقيل الجواب يوم ترجف الراجفة
تتبعها الرادفة على تقدير حذف لام التأكيد، وقيل هو ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِيْرَةً لِمَن يَخْشَى﴾
وهذا بعيد لبُعده عن القسم ولأنه إشارة إلى قصة فرعون لا لمعنى القسم ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ
الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قيل الراجفة النفخة الأولى في الصور والرادفة النفخة الثانية لأنها
تتبعها ولذلك سمّاها رادفة من قولك ردفت الشيء إذا تبعته، وفي الحديث أن بينهما أربعين
عامًا، وقيل الراجفة الموت والرادفة القيامة، وقيل الراجفة الأرض، من قوله: ﴿تَرْجُهُ
الأرْضُ وَالجِيَالُ﴾ [المزمل: ١٤] والرادفة السماء لأنها تنشقّ يومئذ والعامل في يوم ترجف
محذوف وهو الجواب المقدّر تقديره لتبعثنّ يوم ترجف الراجفة وإن جعلنا يوم ترجّف
الجواب فالعامل في يوم معنى قوله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ وقوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ في
موضع الحال ويحتمل أن يكون العامل فيه تتبعها ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي شديدة
الاضطراب والوجيف والوجيب بمعنى واحد وارتفع قلوب بالابتداء وواجفة خبره، وقال
الزمخشري: واجفة صفة والخبر أبصارها خاشعة ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ كناية عن الذلّ
والخوف وإضافة الأبصار إلى القلوب على تجوّز والتقدير قلوبٍ أصحابها ﴿يَقُولُونَ أَبِنَّا
لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةَ﴾ هذا حكاية قول الكفّار في الدنيا، ومعناهٍ على
الجملة إنكار البعث فالهمزة في قوله: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ﴾ للإنكار ولذلك اتفق العلماء على
قراءته بالهمزتين إلاّ أن منهم مَن سهّل الثانية ومنهم مَن خفّفها واختلفوا في إذا كُنّا عِظَامًا
نَخرة فمنهم من قِرأه بهمزة واحدة لأنه ليس بموضع استفهام ولا إنكار ومنهم مَن قرأه
بهمزتين تأكيدًا للإنكار المتقدّم ثم اختلفوا في معنى الحافرة على ثلاثة أقوال: أحدها أنها
الحالة الأولى يقال رجع فلان في حافرته إذا رجع إلى حالته الأولى فالمعنى أثنا لمردودون
إلى الحياة بعد الموت والآخر أن الحافرة الأرض بمعنى محفورة فالمعنى أننا لمردودوت إِلى
.٠
وجه الأرض بعد الدفن في القبور والثالث أن الحافرة النار والعظام النخرة البالية المتعفنة
EL E
وقرىء ناخرة بألف ويحذف الألف وهما بمعنى واحد إلاّ أن حذف الألف أبلغ لأنّ فعل
أبلغ من فاعل وقيل معناه العظام المجوّفة التي تمرّ بها الربح فيُسمع لها نَخَير والعامل في إذا

۔
تفسير سورة النازعات
٥٣٣
﴿ إِذْ نَادَنُهُ رَبُُّ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ
١٥
هَلْ أَنَنَكَ حَدِيثُ مُوسَىّ
(١٤
فَإِذَاَ هُم بِالسَّاهِرَةِ
هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ لَ
﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّ (١٠) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى (١٩)] فَأَرَبُ
طُوَى (١٦) أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغَى
فَكَذَّبَ وَعَصَى
٢٠
الْآَيَةَ الْكُبْرَى
٢٤
ثَ فَحَشَرَ فَنَادَى (٤) فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى
ثُمَّ أَذَبَرَ يَسْعَى
٢١
ـَاءَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَّا أَمِ السَّمَاءُ بَهَا ◌َلْ) رَفَعَ
فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ (٤٥) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَ !
كنا محذوف تقديره إذا كنّا عظامًا نبعث ويحتمل أن يكون العامل فيه مردودون في الحافرة
ولكن إنما يجوز ذلك على قراءة إذا كنّا بهمزة واحدة على الخبر ولا يجوز على قراءته
بهمزتين لأن همزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ الكرّة
الرجعة والخاسرة منسوبة إلى الخسران كقوله عيشة راضية أي ذات رِضَى أو معناه خاسر
أصحابها ومعنى هذا الكلام أنهم قالوا إن كان البعث حقًّا فكرّتنا خاسرة لأنّا ندخل النار
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ يعني النفخة في الصور للقيام من القبور وهذا من كلام الله تعالى
ردًا على الذين أنكروا البعث كأنه يقول لا تظنوا أنه صعب على الله هو عليه يسير فإنما ينفخ
نفخة واحدة في الصور فيقوم الناس من قبورهم ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ إذا هنا فجائية
والساهرة وجه الأرض والباء ظرفية والمعنى إذا نفخ في الصور حصلوا بالأرض أسرع شيء
﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ توقيف وتنبيه وليس المراد به مجرد الاستفهام ﴿طُوَى﴾ ذكر في طله ﴿أَذْهَبْ
إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تفسير للنداء ﴿هَلْ لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ أن تتطهّر من الكفر والذنوب والعيوب
والرذائل وقال بعضهم تزكّى تسلم وقيل تقول لا إله إلاّ الله والأول أعمّ ﴿الآية الْكُبْرَى﴾
قلب العصا حيّة وإخراج اليد بيضاء وجعلهما واحدة لأن الثانية تتبع الأولى ويحتمل أن يريد
الأولى وحدها ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ الإدبار كناية عن الإعراض عن الإيمان ويسعى عبارة عن
جدّه في الكفر وفي إبطال أمر موسى عليه السلام وقيل هو حقيقة أي قام من مجلسه يفرّ من
مُجالسة موسى أو يهرب من العصا لما صارت ثعبانًا ﴿فَحَشَرَ﴾ أي جمع جنوده وأهل
مملكته ﴿فَنَادَى﴾ أي نادى قومه وقال لهم ما قال ويحتمل أنه ناداهم بنفسه أو أمر من
يناديهم والأول أظهر ورُوِيَ أنه قام فيهم خطيبًا فقال ما قال ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ
وَالأُولَى﴾ النكال مصدر بمعنى التنكيل والعامل فيه أخذه الله لأنه بمعناه وقيل العامل
محذوف والآخرة هي دار الآخرة والأولى الدنيا فالمعنى نكال الآخرة بالنار ونكال الأولى
بالغرق وقيل الآخرة قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ والأولى قوله ما علمت لكم من إله غيري
وقيل بالعكس فالمعنى أخذه الله وعاقبه على كلمة الآخرة وكلمة الأولى ﴿أَنْتُمْ أَشَدُ خَلْقًا أَم
السَّمَاءُ﴾ هذا توقيف قصد به الاستدلال على البعث فإن الذي خلق السماء قادر على خلق

٥٣٤
تفسير سورة النازعات
سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتُهَاَ ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآَهَا
٢٩
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنِهَا
٢٨
وَمَرْ عَنْهَا ثَ وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا ◌ِثَ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ (®) فَإِذَا جَمَتِ الطََّمَّةُ الْكُتْرَى
◌َ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ
٣٤
یوم
اَلْإِنسَانُ مَا سَعَى
فَإِنَّ الْجَحِيَمَ
٣٨
وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴿ فَمَّا مَنْ طَغَىّ ◌ِ) وَءَاثْرَ الْحَوَةَ الدُّنْيَا
٣٥
هِىَ الْمَأْوَى ﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ (٥) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى (١) يَسْتَلُونَكَ
عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرُّسَهَا ( فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا (٢) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَهَا (٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَتُهَا
٤٥
الأجساد بعد فنائها ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ السمك غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين سطح
السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها ومعنى رفعه أنه جعله مسيرة
خمسمائة عام وقيل السمك السقف ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي أتقن خلقتها وقيل جعلها مستوية ليس
فيها مرتفع ولا منخفض ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي جعله مظلمًا يقال غطش الليل إذا أظلم
وأغطشه الله ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى وأضاف الضحى
والليل إلى السماء من حيث أنهما ظاهران منها وفيها ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَاهَا﴾ أي بسطها
واستدلّ بها مَن قال إن الأرض بسيطة غير كروية وقد ذكرنا في فصّلت الجمع بين هذا وبين
قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩، وفصّلت: ١١] ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءُها
وَمَزْعَاهَا﴾ نسب الماء والمرعى إلى الأرض لأنهما يخرجات منها فإن قيل لما قال أخرج بغير
حرف العطف؟ فالجواب أن هذه الجملة في موضع الحال وتفسير لما قبلها قاله الزمخشري
﴿وَآلْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي أثبتها ونصب الجبال بفعل مضمر يدلّ عليه الظاهر وكذلك الأرض
﴿مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ تقديره فعل ذلك كله تمتيعًا لكم منه ﴿وَلأَنَّعَامِكُمْ﴾ لأن بني آدم والأنعام
ينتفعون بما ذكر ﴿الطَّامَّةُ﴾ هي القيامة وقيل النفخة الثانية واشتقاقها من قولك لهم الأمر إذا
علا وغلب ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ أي أظهرت لكل مَن یری فهي لا تخفى على أحد
﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ذكر في سورة الرحمن ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أي ردها عن شهواتها
وأغراضها الفاسدة قال بعض الحكماء إذا أردت الصواب فانظر هواك وخالفه وقال سهل
التستري لا يسلم من الهوى إلاّ الأنبياء وبعض الصدّيقين ﴿أَيَّنَ مُرْسَاهَا﴾ ذكر في الأعراف.
﴿قیم أَنتَ مِن ذكراها﴾ أي من ذکر زمانها فالمعنى لست في شيء من ذكر ذلك قالت
عائشة رضي الله عنها كان رسول الله ﴿ يسأل عن الساعة كثيرًا فلما نزلت هذه الآية انتهى
﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ أي منتهى علمها لا يعلم متى تكون إلاَّ هو وحده ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَنْ
يَخْشَاهَا﴾ أي إنما بُعِثْتَ لتنذر بها وليس عليك الإخبار بوقتها وخصّ الإغذار بمَن يخشاها.

٥٣٥
تفسير سورة النازعات
(٤٦
كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبِّئُّوْا إِلَّ عَشِيَّةً أَوْ شُحَهَا
لأنه هو الذي ينفعه الإنذار ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّ عَشِئَةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أخبر أنهم إذا رأوا الساعة ظنوا
أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلاّ عشية يوم أو ضحى يوم وأضاف الضحى كذلك
إلى العشيّة لما بينهما من الملابسة إذ هما في يوم واحد.

سورة عبس
٠٠
مکتّة وآیاتها ٤٢ نزلت بعد النجم
اُللَّهِ الرََِّ
ـَ أَنْ جَهُ الْأَعْمَىِ ﴿ وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّى (٥َ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنَفَعَهُ الذِّكْرِّ ◌ِ﴿وَ أَمَّا مَنِ
عَبَسَ وَتَوَلٌَّ
◌ِجَ وَهُوَ يَخْشَى (٥] فَأَنْتَ عَنْهُ
أُسْتَغْنَى أَ فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّى ﴿َ وَمَا عَلَيَّكَ أَلَّا يَزََّى يَ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعٌَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحِيم
سبب نزول صدر هذه السورة أن رسول الله وَله كان حريصًا على إسلام قريش وكان
يدعو أشرافهم إلى الله تعالى ليسلموا فيسلم بإسلامهم غيرهم فبينما هو مع رجل من
عظمائهم قيل هو الوليد بن المغيرة وقيل عتبة بن ربيعة وقيل أُميّة بن خلف، وقال ابن
عباس كانوا جماعة إذ أقبل عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى فقال يا رسول الله علّمني مما
علّمك الله، وكرّر ذلك وهو لا يعلم عنه بتشاغله بالقوم فكره رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم قطع الأعمى كلامه فعبس وأعرض عنه وذهب الرجل الذي كان مع رسول الله وَل
فنزلت الآية فكان رسول الله وَ له إذا رأى عبد الله ابن أم مكتوم بعد ذلك يقول: ((مرحبًا
بمَن عاتبني فيه ربّي ويبسط له رداءه وقد استخلفه على المدينة مرّتين)) ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ أي
عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه قال ابن عطيّة في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في
العتب لأن في ذلك بعض الإعراض وقال الزمخشري في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار،

٥٣٧
تفسير سورة عبس
١٥
أَ بِأَيْدِى سَفَرَقِ !
١٤
إنَّرْفُوعَةِ مُطَهَّرَقِم
١٣
أَفَ شَآءُ ذَكَرَهُ نَافِ ◌ُفٍ مُكَرَّمَتٍ
١١
تَقَّى ®َ كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ
إِثُمَّ السَّبِيلَ
١٩
١٧
قُئِلَ الْإِنَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
كِرَامٍ بَّ له
مِنْ أَتِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَمُ
وقال غيرهما هو إكرام للنبي وَ لَه وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب وهذا أحسن ﴿أَنْ جَاءَهُ
الأَعْمَى﴾ في موضع مفعول من أجله وهو منصوب بتولّى أو عبس وذكر ابن أم مكتوم بلفظ
الأعمى ليدلّ أن عماه هو الذي أوجب احتقاره وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات
جائز إذا كانت لمنفعة أو يشهد صاحبها ومنه قول المحدّثين سليمان الأعمش وعبد الرحمن
الأعرج وغير ذلك ﴿وَمَا يُذْرِيكَ﴾ أي أيّ شيء يُطلِعك على حال هذا الأعمى ﴿لَعَلَّهُ
يَزْكِّى﴾ أو يتطهّر وينتفع في دينه بما يسمع منك، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي
تتعرّض للغني رجاء أن يسلم ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّ يَزَّكَّى﴾ أي لا حرج عليك أن لا يتزكّى هذا
الغني ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ إشارة إلى عبد الله ابن أم مكتوم، ومعنى يسعى يسرع في
مشيه من حرصه في طلب الخير ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي يخشى الله أو يخاف الكفّار وإذايتهم له
على اتّباعك وقيل جاء وليس معه مَن يقوده، فكان يخشى أن يقع وهذا ضعيف ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ
تَلَهَّى﴾ أي تشتغل عنه بغيره من قولك لهيت عن الشيء إذا تركته، ورُوِيّ أن رسول الله اله
تأذّب بما أدّبه الله في هذه السورة فلم يُعرِض بعدها عن فقير ولا تعرّض لغني، وكذلك
اتّبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في مجلس سفيان الثوري كالأمراء وكان الأغنياء يتمنّون
أن يكونوا فقراء ﴿كَلاَّ﴾ ردع عن معاودة ما وقع العتاب فيه ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ فیه وجهان،
أحدهما: أن هذا الكلام المتقدّم تذكرة أو موعظة للنبي وَّه والآخر أن القرآن تذكرة لجميع
الناس فلا ينبغي أن يؤثر فيه أحد على أحد، وهذا أرجح لأنه يناسبه: فمَن شاء ذكره، وما
بعده، وأنّث الضمير في قوله إنها تذكرة على معنى القصة أو الموعظة أو السورة أو القراءة
وذكرها في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ على معنى الوعظ أو الذكرى والقرآن ﴿فِي صُحُفٍ﴾
صفة لتذكرة أي ثابتة في صحف وهي الصحف المنسوخة من اللوح المحفوظ وقيل هي
مصاحف المسلمين ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ إن كانت الصحف المصاحف فمعناه مرفوعة المقدار وإن
كانت صحف الملائكة فمعناه كذلك أو مرفوعة في السماء ومطهّرة أي منزهة عن أيدي
الشياطين ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ هي الملائكة، والسفرة جمع سافر وهو الكاتب؛ لأنهم يكتبون
القرآن وقيل لأنهم سفراء بين الله وبين عبيده، وقيل يعني القرّاء من الناس والأول أرجح
وقد قال رسول الله وَّير: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)) أي أنه يعمل مثل عملهم
في كتابة القرآن وتلاوته أو له من الأجر على القرآن مثل أجورهم ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ دعاء عليه

٥٣٨
Wiwas
تفسير سورة عبس
افَلْتُظُرِ اْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ»
◌َ كَلَّ لَنَّا يَقْضِ مَآَ أَمَُّ الَّ
٢٢
) ثُمَّإِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ
يَتَرَؤُ هُثُمّ ◌َمَانَهُ فَأَثْبَهُ
فَبَّنَا فِيهَا حَّ ◌َثَ وَعِنَبًا وَقَضْبًا لَهَ وَزَيْتُونَا وَنَّْلَا
وَحَدَآَبِقَ غُلْبًا جَ وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا لِأَ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَیِكُمْ
أَ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
أَنَا صَبِّنَ الْعَّةَ صَبَّارِ
يَوْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ
٣٣
) فَإِذَا جَآءَتِ الصَّنَّةُ
٣٢
على ما جرت به عادة العرب من الدعاء بهذا اللفظ، ومعناه تقبيح حاله وأنه ممّن يستحق أن
يقال له ذلك، وقيل معناه لعن وهذا بعيد ﴿ما أكفرَهُ﴾ تعجیب من شدّة کفره مع أنه كان
يجب عليه خلاف ذلك ﴿مِن أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَةُ﴾ توقيف وتقرير ثم أجاب عنه بقوله: ﴿مِن
نُطْفَةٍ خَلَّقَهُ﴾ يعني المنيّ ومقصد الكلام تحقير الإنسان ومعناه أنه يجب عليه أن يعظّم الرّبّ
الذي خلقه ﴿فَقَدْرَهُ﴾ أي هيّأه لما يصلح له ومنه خلق كل شيء فقدْره تقديرًا، وقيل معناه
جعله على مقدار معلوم في إعطائه وأجله ورزقَه وغير ذلك ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ نصب
السبيل بفعل مضمر فسّره يسّره، وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: يسّر سبيل خروجه من بطن
أُمه والآخر أنه سبيل الخير والشر لقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمّا شَاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾
[الإنسان: ٣]، الثالث سبيل النظر السديد المؤدي إلى الإيمان، والأول أرجح لعطفه على
قوله من نطفة خلقه فقدّره وهو قول ابن عباس ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي جعله ذا قبر يقال
قبرت الميت إذا دفنته وأقبرته إذا أمرت أن يدقن ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي بعثه من قبره يقال
نشر الميت إذا قام وأنشره الله والإشارة بإذا شاء ليوم القيامة، أي الوقت الذي يقدر أن
ينشره فيه ﴿كَلاً﴾ ردع للإنسان عمّا هو فيه ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي لم يقضِ الإنسانَ على
تطاول عمره ما أمره الله، قال بعضهم لا يقضي أحد أبدًا جميع ما افترض الله عليه إذ لا بدّ
للعبد من تفريط ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ أمر بالاعتبار في الطعام كيف خلقه الله بقدرته
ويسّره برحمته فيجب على العبد طاعته وشكره ويقبح معصيته والكفر به، وقيل فلينظر إلى
طعامه إذا صار رجعيًّا فينظر حقارة الدنيا وخساسة نفسه، والأول أشهر وأظهر في معنى الآية
على أن القول الثاني صحيح وانظر كيف فَسْرَه بقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ وما بعده
ليعدّد النِّعَم ويُظهِر القدرة وقرىء إنّا صببنا الماء بفتح الهمزة على البدل من الطعام ﴿ثُمَّ
شَقَقْنَا الأَرْضَ﴾ يعني يخرج النبات منها ﴿حَبًّا﴾ يعني القمح والشعير وسائر الحبوب
﴿وَقَضْبًا﴾ قيل هي الفصفصة، وقيل هي علف البهائم واختار ابن عطية أنها البقول وشبهها
مما يؤكل رطبًا ﴿غُلْبًا﴾ أي غليظة ناعمة ﴿وَأَبَّا﴾ الأب المرعى عند ابن عباس والجمهور،
وقيل التبن وقد توقف في تفسيره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ﴿الصَّاخّةُ﴾ القيامة وهي
مشتقة من قولك صخّ الأَذَّن إذا أصمّها بشدّة صياحه فكأنه إشارة إلى النفخة في الصور أو

٥٣٩
تفسير سورة عبس
أَخِهِ
وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ
لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُفِيهِ
٣٦
وَصَحِبَنِهِ، وَبَنِهِ
٣٥
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٤
مَسفرة
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (َ وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤) تَرْهَقُّهَا قَرَةُ ﴾﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ
٣٨
اُلْفَجَرَةُ
إلى شدّة الأمر حتى يصحّ مَن يسمعه لصعوبته وقيل هي من قولك أصاخ للحديث إذا
استمعه والأول هو الموافق للاشتقاق ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية ذکر فرار الإنسان من
أحبابه ورتّبهم على ترتيبهم في الحنوّ والشفقة فبدأ بالأقلّ وختم بالأكثر لأن الإنسان أشدّ
شفقة على بنيه من كل مَن تقدّم ذكره وإنما يفرّ منهم لاشتغاله بنفسه؛ وقيل إن فراره منهم
لئلا يطالبوه بالتَِّعات والأول أرجح وأظهر، لقوله: ﴿لِكُلْ آمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
أي هو مشغول بشأنه من الحساب والثواب والعقاب، حتى لا يسعه ذكر غيره، وانظر قول
الأنبياء عليهم السلام يومئذ نفسي نفسي ﴿وُجُوهُ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ أي مضيئة من السرور،
وهو من قولك أسفر الصبح إذا أضاء ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي غبار والقترة أيضًا الغبار قال ابن
عطية: الغبرة من العبوس والكرب كما يقتر وجه المهموم والمريض، والفترة هي غبار
الأرض، وقال الزمخشري الغبرة غبار يعلوها والقترة سواد فيعظم قبحها باجتماع الغبار
والسواد.
٠ ،

٫٩٥
سورة التكوير
مكية وآياتها ٢٩ نزلت بعد المسد
ـِ اَللَّهِ الرََِّ
وَ إِذَا التُّجُومُ أَنْكَدَرَيِْ ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
١
إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ
وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ﴿ وَ إِذَا الْبِحَارُ سُجْرَتْ () وَ إِذَا النَّقُوسُ زُوِّجَتْ لَ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُمِلَتْ
،٠
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
ذكر الله في هذه السورة أهوال يوم القيامة، وما يعتري الموجودات حينئذ من التغيير
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُؤْرَتْ﴾ قال ابن عباس: ذهب ضوءها وأظلمت وقيل رمي بها وقيل
اضمحلّت وأصله من تكوير العمامة لأنها إذا لفّت زال انبساطها وصغر جرمها ﴿وَإِذْا النُّجُومُ
أَنكَدَرَتْ﴾ أي تساقطت من مواضعها، وقيل تغيّرت والأول أرجح لأنه موافق لقوله: ﴿وَإذا
الكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] وَرُوِيَ أن الشمس والنجوم تُطرَح في جهنّم ليراها مَن
عبدها، كما قال: ﴿إنّكمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصْبَ جَهَنَّم﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿وَإِذا
اَلْجِبَالُ سُيَّرَتْ﴾ أي حملت وبعد ذلك تفتت فتصير هباء ثم تتلاشى ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطُّلَت﴾
العشار جمع عشراء وهي الناقة الحامل التي مرّ لحملها عشرة أشهر وهي أنفس ما عند
العرب وأعزّها فلا تعطّل إلاّ من شدّة الهول، وتعطيلها هو تركها سائبة أي ترك حلبها ﴿وَإِذَا
الْؤُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي جمعت وفي صفة حشرها ثلاثة أقوال: أحدها أنها تُحشَر أي تُبعَث