النص المفهرس
صفحات 441-460
سورة الصفّ مدنيّة وآياتها ١٤ نزلت بعد التغابن اللَّهِ الرَّغْيِ آَ نـ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٥) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٤) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ ٢ لَا تَفْعَلُونَ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ في سببها ثلاثة أقوال أحدها قول ابن عباس أن جماعة قالوا وددنا أن نعرف أحبّ الأعمال إلى الله فنعمله ففرض الله الجهاد فكرهه قوم فنزلت الآية والآخر أن قومًا من شبّان المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا ويقولون فعلنا وصنعنا وذلك كذب فنزلت الآية زجرًا لهم والثالث أنها نزلت في المنافقين لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن معكم ومنكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك وهذا ضعيف لأنه خاطبهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلاّ أن يريد أنهم آمنوا بزعمهم وفيما يظهرون ومع ذلك فحكم الآية على العموم في زجر مَن يقول ما لا يفعل ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ كان بعض السلف يستحي أن يعظ الناس لأجل هذه الآية ويقول أخاف من مقت الله والمقت هو البغض لريبة أو نحوها وانتصب مقتًا على التمييز وأن تقولوا فاعل وقيل فاعل كبر محذوف تقديره كبر فعلكم مقتًا وأن تقولوا بدل من الفاعل ٤٤٢ تفسير سورة الصفّ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ ٤ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ تُؤْذُونَنِ وَقَدْ تَّعْلَمُونَ أَبِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴿ وَإِذْقَُّ حِسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَنْبَنِىّ ◌ِشْرَّهِ يَلَ إِنِّ رَسُولُ الَّهِإِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَيَّةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُ أَحْمَدَّ فَلَمَا جَاءَ هُم بِلَِْتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِ، وَلَهُ لَ يَهْدِىِ الْقَوْمَِّنَيُرِدُونَ لِيُظْفِئُوا نُورَ الَّهِ بِأَفْوَهِمْ وَاَللَّهُ مُثِمُ نُرِدٍ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحِّ ◌ِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ المحذوف أو خبر ابتداء مضمر ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ ورود هذه الآية هنا دليل على أن الآية التي قبلها في شأن القتال وقال بعض الناس قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراضي فيه يتمكن أكثر مما يتمكّن للفرسان قاله ابن عطية وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية وليس المراد نفس التراص وإنما المراد الثبوت والجدّ في القتال ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ المرصوص هو الذي يضمّ بعضه إلى بعض وقيل، هَكَ المعقود بالرصاص ولا يبعد أن يكون هذا أصل اللفظ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمٍ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ كانوا يؤذونه بسوء الكلام وبعصيانه وتنقيصه وانظر في الأحزاب ولا تكونوا کالذین آذوا موسی ﴿وَقَدْ تَغْلَهُونَ أَنّي رَسُولُ اللَّه إلَيكُمْ﴾ هذا إقامة حجّة علیهم وتوبيخ لهم وتقبيح لإذايته مع علمهم بأنه رسول الله ولذلك أدخل قد الدّالّة على التحقيق ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ هذه عقوبة على الذنب بذنب وزيغ القلب هو ميله عن الحق ﴿وإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إنما قال موسى يا قوم وقال عيسى يا بني إسرائيل لأنه لم يكن له فيهم أب ﴿مُصَدِّقًّا لَّمَا بَيْنَ يَدَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ معناه مذكور في البقرة في قولِهِ}. ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمٍ﴾ [٤١] ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى يا روحٍ الله هل بعدنا من أمة قال نعم أمة أحمد حكماء علماء أتقياء أبرار ﴿أَسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ قَالَ رَسُولِ الله وَله: ((لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا سفيعدة الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي وأنا العاقب فلا نبيّ بعدي))، وأحمد مشتق من الحمد ويحتمل أن يكون فعلاً سُمّي به أو يكون صفة سُمّي بها كأحمدٍ ويحتمل أن يكون بمعنى حامد أو بمعنى محمود كمحمد ﴿فَلَمَّا جَاءَّهُم بِالْبَيْنَاتِ﴾ يحتمل أن يزيد عيسى أو محمد عليهما الصلاة والسلام ويؤيّد الأول اتصاله بما قبله ويؤيّد الثّاني قوله وهو يدعى إِلَى الإسلام لأن الداعي إلى الإسلام هو محمد ◌َّهِ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ ذكر في براءة ٤٤٣ تفسير سورة الصفّ وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَزَةٍ نُجِيَكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمِ (٤٠) ثُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِ ٩ كَرِهَ الْمُشْرِكُنَ وَتُّحَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ نَعْلَمُونَ (٤) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْرِكُمْ جَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ وَمَسَلِكِنَ طَيَِّةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٤) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ بِّنَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اَللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ اللَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌّ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَمَنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَّهِيلَ وَكَفَرَت ◌َطَائِفَةٌ فَأَبَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ١٤ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية تفسير للتجارة المذكورة قال الأخفش هو عطف بيان عليها ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جزم في جواب تؤمنون لأنه بمعنى الأمر وقد قرأه ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر لأنه يقتضي التحضيض ﴿وَأُخْرَىْ تُحِبُّونَها﴾ ارتفع أخرى على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره ولكم نعمة أخرى أو انتصب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره ويمنحكم أخرى ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ تفسير لأخرى فهو بدل منها ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الزمخشري عطف على تؤمنون بالله لأنه في معنى الأمر ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ جمع ناصر وقد غلب اسم الأنصار على الأوس والخزرج سمّاهم الله به وليس ذلك المراد هنا ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ هذا التشبيه محمول على المعنى لأن ظاهره كونوا أنصار الله كقول عيسى والمعنى كونوا أنصار الله كما قال الحواريون حين قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله وقد ذكر في آل عمران معنى الحواريين وأنصاري إلى الله ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ قيل إنهم ظهروا بالحجة، وقيل إنهم غلبوا الكفّار بالقتال بعد رفع عيسى عليه السلام، وقيل إن ظهور المؤمنين منهم هو بمحمد الچلـ سورة الجمعة مدنيّة وآياتها ١١ نزلت بعد الصف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ يُسَبِّحُ لِلَّهِمَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٠، هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى أَلْأُمَّيِّعَنَ رَسُولُا ◌ِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَلِهِ، وَيُزَكِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم. ﴿الْقُدُّوسِ﴾ ذِكر في الحشر ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأَمْيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ يعني سيّدنا محمدًاً وَل﴿، والأمّيين هم العرب، وقد ذكر معنى الأمّيّ في الأعراف ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ عطفًا عَلى الأميين وأراد بهؤلاء فارس وسئل رسول الله وَلَّ مَن هؤلاء الآخرون فأخذ بيد سلمان الفارسي، وقال: ((لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء)) يعني فارس، وقيل هم الروم ومنهم على هذين القولين يريد به البشرية وفي الدين لا في النسب وقيل هم أهل اليمن وقيل التابعون، وقيل هم سائر المسلمين والأول أرجح لوروده في الحديث الصحيح ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي لم يلحقوا بهم لنفي وسيلحقون وذلك أن لما لذكر الماضي القريب من الحال ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ إشارة إلى نبوّة محمد نَّهُ وهداية الناس به ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ يعني اليهود ومعنى حملوا التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها و﴿لَمْ يَخْمِلُوهَا﴾ لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ٤٤٥ تفسير سورة الجمعة جَ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ◌ُبِينٍ ﴿ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (أَ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النََّرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ اَللّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَأَيُها الَّذِينَ هَادُوّاْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ اُلْوْتَ إِن كُنْتُمُ صَدِقِينَ ٦ مَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَّفِرُّونَ ٧ وَلَا يَنَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمَّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمَّ ثُمَّتُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُ تَعْمَلُونَ ﴿مَا يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ ظهره ولم يدرَ ما فيها ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا محمد ﴿ وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها لأن التوراة تنطق بنبوّته صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم فكلّ مَن قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة ﴿فَتَمَّنَّوْا الْمَوْتَ﴾ ذكر في البقرة ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ النداء للصلاة هو الأذان لها ومَن في قوله من يوم الجمعة لبيان إذا، وتفسير له وذكر الله يراد به الخطبة والصلاة، ويتعلق بهذه الآية ثمان مسائل الأولى اختلف في الأذان للجمعة هل هو سُنّة كالأذان لسائر الصلوات أو واجب لظاهر الآية لأنه شرط في السعي لها أن يكون عند الأذان والسعي واجب فالأذان واجب. الثانية كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله وَلول على جدار المسجد وقيل على باب المسجد وقيل كان بين يديه صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو على المنبر وقد كان بنو أميّة يأخذون بهذا وبقي بقرطبة زمانًا وهو باقٍ في المشرق إلى الآن قال أبو محمد بن الفرس قال مالك في المجموعة إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه قال وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف. الثالث كان الأذان للجمعة واحدًا ثم زاد عثمان رضي الله عنه النداء على الزوراء ليسمع الناس واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ثلاثة: الرابعة، السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري وقرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله وهذا تفسير للسعي فهو بخلاف السعي في قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم: ((إذا نُودِي للصلاة فلا تأتونها وأنتم تسعون)). الخامسة، حضور الجمعة واجب لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق إلاّ أنها لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على المريض باتفاق ولا على العبد والمسافر عند مالك والجمهور خلافًا للظاهرية وتعلقوا بعموم الآية وحجة الجمهور قول : ٤٤٦ .تفسير سورة الجمعة ◌َ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ◌َّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ إِ وَلَذْكُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٥) وَ إِذَا رَأَوْ فِجَرَةً أَوْ لَوْا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَقَّكُوَ قَابِضَاً قُلَّ مَا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلاّ أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وحجّتهم في المسافر أن رسول الله صلّى "الله عليه وآله وسلّم كان لا يقيم الجمعة في السفر واختلف هل تسقط الجمعة بسبب المطر أم لا، وهل يجوز للعروس التخلّف عنها أم لا، والمشهور أنها لا تسقط عنه لعموم الآية، السادسة، اختلف متى يتعيّن الإقبال إلى الصلاة فقيل إذا زالت الشمس، وقيل إذا أذن المؤذِّن وهو ظاهر الآية، السابعة اختلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة فقيل ثلاثة أميال وهو مذهب مالك وقيل ستة أميال وقيل تجب على مَن كان داخل المصير، وقيل على مَن سمع النداء، وقيل على مَن آواه الليل إلى أهله، الثامنة، اختلف في الوالي هل هو من شرط الجمعة أم لا على قولين، والمشهور سقوطه لأن الله لم يشترطه في الآية ﴿وَذَّرُوا الْبَيْعَ﴾ أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذّنون في الأذان وذلك على الوجويب فيقتضي تحريم البيع. واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هلى يفسخ أم لا واختلف في بيع مَن لا تلزمهم الجمعة من النساء والعبد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا والأظهر جوازه لأنه إنما منع منه من يدعى إلى الجمعة ويجري النكاح في ذلك الوقت مجرى البيع في المنع ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ هذا الأمر للإباحة باتفاق وحكى الإجماع على ذلك، ابن عِطية وابن الفرس: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ قيل معناه طلب المعاش فالأمر على هذا للإباحة وؤُوِيَ عن النبي وَ ﴿ أنه قال: ((الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة)) ، وقيل هو طلب العلم وإن صحّ الحديث لم يعدله إلى سواه ﴿وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا أَنْفَضُوا إِلَيْهَا﴾ سبب الآية أن رسول الله وكل كان قائمًا على المنبر يخطب يوم الجمعة فأقبلت غِير من الشام بطعام وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سرورًا بها فلما دخلت الغير كذلك انفضّ أهل المسجد إليها وتركوا رسول الله ◌َ قائمًا على المنبر ولم يبقَ معه إلاّ اثني عشر رجلاً قال جابر بن عبد الله أنا أحدهم وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة واختلف في الثاني عشرة فقيل بجهد الله مسعودٍ وقيل عمّار بن ياسر وقيل إنما بقي معه ◌َاو ثمانية ورُوِيَ أنّهِ وَل*مقال لهؤلاء: ((لقد كانت الحجارة سوّمت في السماء على المنفضّين)) وظاهر الآية يقتضي أن الجماعة شرط في الجمعة وهو مذهب مالك والجمهور إلاّ أنهم اختلفوا في مقدار الجماعة ٤٤٧ تفسير سورة الجمعة عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَّةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ١١ الذين تنعقد بهم الجمعة فقال مالك ليس في ذلك عدد محدود وإنما هم جماعة تقوم بهم قرية وروى ابن الماجشون عن مالك ثلاثون وقال الشافعي أربعون وقال أبو حنيفة ثلاثة مع الإمام وقيل اثني عشر عدد الذين بقوا مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإن قيل: لِمَ قال انفضّوا إليها بضمير المفرد وقد ذكر التجارة واللهو؟ فالجواب من وجهين أحدهما أنه أراد انفضّوا إلى اللهو وانفضّوا إلى التجارة ثم حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه قاله الزمخشري والآخر أنه قال ذلك تهممًّا بالتجارة إذ كانت أهم وكانت هي سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها قاله ابن عطية ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ اختلفوا في القيام في الخطبة هل هو واجب أم لا، وإذا قلنا بوجوبه فهل هو شرط فيها أم لا، فمَن أوجبه واشترطه أخذ بظاهر الآية من ذكر القيام ومَن لم يوجبه رأى أن ما فعله النبي وَلّر من ذلك لم يكن على الوجوب ومذهب مالك أن من سُنّة الخطبة الجلوس قبلها والجلوس بين الخطبتين وقال أبو حنيفة لا يجلس بين الخطبتين لظاهر الآية وذكر القيام فيها دون الجلوس، وحجّة مالك فعل رسول الله اليه ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهُوِ وَمِنَ التِجَارَةِ﴾ إن قيل لِمَ قدّم اللهو هنا على التجارة وقدّم التجارة قبل هذا على اللهو؟ فالجواب أن كل واحد من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه وذلك أن العرب تارة يبتدئون بالأكثر ثم ينزلون إلى الأقل كقولك فلان يخون في الكثير والقليل فبدأت بالكثير ثم أردفت عليه الخيانة فيما دونه وتارة يبتدئون بالأقل ثم يرتقون إلى الأكثر كقولك فلان أمين، على القليل والكثير فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الأمانة فيما هو أكثر منه لو عكست في كل واحد من المثالين لم يكن حسنًا فإنك لو قدّمت في الخيانة القليل لعلم أنه يخون في الكثير من باب أولى وأحرى ولو قدّمت في الأمانة ذكر الكثير لعلم أنه أمين في القليل من باب أولى وأحرى فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة وكذلك قوله إذا رأوا تجارةً أو لهوّا انفضّوا إليها. قدّم التجارة هنا ليبيّن أنهم ينفضّون إليها وأنهم مع ذلك ينفضّون إلى اللهو الذي هو دونها وقوله خير من اللهو ومن التجارة قدّم اللهو ليبيّن أن ما عند الله خير من اللهو وأنه أيضًا خير من التجارة التي هي أعظم منه ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يحسن. سورة المنافقون مدنيّة وآياتها ١١ نزلت بعد الحج بشـ آللَّهِ الرَّغَنِ الرَّ فينا إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ تَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ ذَلِلِكَ تَكَذِبُونَ أَ آَمَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَلَّةَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ كانوا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فلذلك كذبهم الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ أي كذبوا في دعواهم الشهادة بالرسالة، وأما قوله والله يعلم إنك لرسوله فليس من كلام المثافقين وإنما هو من كلام الله تعالى، ولو لم يذكره لكان يوهم أن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْشُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية المنافقين وبين تكذيبهم ليُزيل هذا الوهم وليحقّق الرسالة وعلى هذا ينبغي أن يوقف على قوله لرسول الله ﴿جُنّةً﴾ ذكر في المجادلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَثُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الإشارة إلى سوء عملهم وفضيحتهم وتوبيخهم، وأما قوله: ﴿أَمَنُوا ثُمّ ◌َفَرُوا﴾ فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فيمن آمن منهم إيمانًا صحيحًا ثم نافق بعد ذلك، والآخر أن يريد آمنوا في الظاهر كقوله: ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنًا﴾ [البقرة: ١٤ و٧٦] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ يعني أنهم حِسَان الصور ﴿وإن تَقُولُوا تَسْمَغْ ٤٤٩ تفسير سورة المنافقون ﴿وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ ٣ بِنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِّ كَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ بَحَسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ قَثَلَهُمُ اَللَّهُ أَنَّى يُؤْفَّكُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ لِقَوْلِهِمْ﴾ يعني أنهم فصحاء الخطاب والضمير في قوله وإذا رأيتهم تعجبك وفي قوله تسمع لقولهم للنبي ◌َّ ولكل مخاطب ﴿كأنّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ شبههم بالخشب في قلّة أفهامهم فكان لهم منظر بلا مخبر وقال الزمخشري إنما شبّههم بالخُشُب المسنّدة إلى حائط لأن الخشب إذا كانت كذلك لم يكن فيها منفعة بخلاف الخشب التي في سقف أو مغروسة في جدار فإن فيها حينئذ منفعة فالتشبيه على هذا في عدم المنفعة، وقيل كانوا يستندون في مجلس رسول الله وَ * فشبّههم في استنادهم بالخشب المسنّدة إلى الحائط ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ عبارة عن شدّة خوفهم من المسلمين وذلك أنهم كانوا إذا سمعوا صياحًا ظنّوا أن النبي وَّه يأمر بقتلهم ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ الدعاء عليهم يتضمن ذمّهم وتقبيح أحوالهم ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الإيمان مع ظهوره ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ أي أمالوها إعراضًا واستكبارًا وقصص هذه الآية وما بعدها أن رسول الله وير خرج في غزوة بني المصطلق فبلغ الناس إلى ماء ازدحموا عليه فكان ممّن ازدحم عليه جهجاه بن سعيد أجير لعمر بن الخطاب وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أُبيّ ابن سلول رأس المنافقين فلطم الجهجاه سنان فغضب سنان ودعا بالأنصار ودعا جهجاه بالمهاجرين فقال عبد الله بن أبيّ والله ما مثلنا ومثل هؤلاء يعني المهاجرين إلاّ كما قال الأول سمّن كلبك يأكلك ثم قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ يعني بالأعزّ نفسه وأتباعه ويعني بالأذلّ رسول الله وَّهِ ومَن معه، ثم قال لقومه إنما يقيم هؤلاء المهاجرون بالمدينة بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفرّوا عن مدينتكم فسمعه زيد بن أرقم فأخبر بذلك رسول الله وَ ﴿ فبلغ ذلك عبد الله بن أُبيّ ابن سلول فحلف أنه ما قال من ذلك شيئًا وكذّب زيدًا فنزلت السورة عند ذلك فبعث رسول الله ◌َ* إلى زيد وقال: ((لقد صدقك الله يا زيد)) فخزي عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومقته الناس، فقيل له امضٍ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستغفر لك فلوى رأيه إنكارًا لهذا الرأي وقال أمرتوني بالإسلام فأسلمت وأمرتوني بأداء زكاة مالي ففعلت ولم يبقَ لكم إلاّ أن تأمروني أن أسجد لمحمد ثم مات عبد الله بن أبيّ بعد ذلك بقليل وأسندت هذه الأقوال التي قالها عبد الله بن أُبيّ إلى ضمير الجماعة لأنه كان له أتباع من المنافقين يوافقونه عليها ٤٥٠ تفسير سورة المنافقون ◌ْمَ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهَّ إِنَّ وَهُم ◌ُسْتَكْبِرُونَ ◌َهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُواْ عَلَ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ حَتَّ يَنْفَضُواْ وَلِلَّهِ خَرَّابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَّهُونَ رِثْمَا يَقُولُونٌ الَِّنَ رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ أََُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُِّكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلِّدُسِكُمْ عَنْ دِخَطٍُ ٨ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ـا وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَّكُم مِّنِ فَيْلِ أَن ◌َأَتِيَه ٩ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبٍّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقََ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ () وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاَللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١١ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ رُوِيّ أنه لما نزلت إن تستغفرَ لَهُمْ شَبَعْنَ" مرة فلن يغفر الله لهم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لأُزيدٌ على السبعين)) قائماً" فعل عبد الله بن أبيّ وأصحابه ما فعلوا شدّد الله عليهم في هذه السورة وأخبر أنه لا يغفر لهم بوجه وفي هذا نظر، لأن هذه السورة نزلت في غزوة بني المصخلق قبل الآية الأخرى بمدّةٌ ﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالْكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي لا تشغلكم وذكر الله هنا على العموم في الصلاة والدعاء والعبادة، وقيل يعني الصلاة المكتوبة والعموم أولنى ﴿وَأَتْفِقُوا مِنْ. مَّا رَزَقَتَاكُم﴾ عموم في الزكاة وصدقة التطوّع والنفقة في الجهاد وغير ذلك، وقيل يعني الزكاة المفروضة والعموم أولى ﴿وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ بالجزم عطف على موضع جواب الشرط، وقرأ أبو عمرو فأكون بالنصب عطف على فأصدّق. العطاء سورة التغابن مدنيّة وآياتها ١٨ نزلت بعد التحريم بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ أَ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (٤) خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ في تأويل الآية وجهان: أحدهما الذي خلقكم فكان يجب على كل واحد منكم الإيمان به لكن منكم مَن كفر ومنكم مَن آمن فالكفر والإيمان على هذا هو من اكتساب العبد والآخر أن المعنى هو الذي خلقكم على صنفين فمنكم مَن خلقه مؤمنًا ومنكم من خلقه كافرًا فالإيمان والكفر على هذا هو ما قضى الله على كل واحد، والأول أظهر، لأنه عطفه على خلقكم بالفاء يقتضي أن الكفر والإيمان واقعان بعد الخلقة لا في أصل الخلقة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ذكر معناه في مواضع ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَخْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ تعديد نعمه في حُسْن خلقة بني آدم لأنهم أحسن صورة من جميع أنواع الحيوان وإن وجد بعض الناس قبيح المنظر فلا يخرجه ذلك عن حُسْن الصورة الإنسانية وإنما هو قبيح بالنظر إلى مَن هو أحسن منه من الناس وقيل يعني العقل والإدراك الذي خصّ به الإنسان والأول أرجح لأن الصورة إنما تطلق على الشكل ٤٥٢ تفسير سورة التغابن وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ (٢) يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَّ وَلَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥َ أَلَمَّ يَأْتِّكُمْ نَبُّأْ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ هَا ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالِْتَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ مَدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَقُولُواْ وَاسْتَغْنَى اللّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرَبِّ لَُعَثُنَّ ثُمَّ لَُّوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الَّهِ ٦ يَسِيرٌ ﴿ فَامِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٥) يَوْمَ تَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَنَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَِحًا يُكَفِرْ عَنْهُ سَيِّئَائِهِ، وَيُدِِّلُهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ اْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَّأَ ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا پاذْنِ ١٠ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيهَا وَبِْسَ الْمَصِيرُ اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُمْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِنْ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ ١٢ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّحِكُمْ ١٣ الْمُؤْمِنُونَ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ خطاب لقريش وسائر الكفّار ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ معناه أنهم استبعدوا أن يرسل الله بشرًا أو تكبّروا عن اتّباع بشر واليشر يقع على الواحد والجماعة ﴿زَعَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَن يُبْعَثُوا﴾ قال عبد الله بن عمر زعم كناية عن كذب ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ العامل في يوم لتنبؤن أو محذوف تقديره اذكر ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره ذلك يوم التغابن يعني يوم القيامة والتغابن مستعار من تغابن الناس في التجارة وذلك إذا فاز السعداء بالجنة فكأنهم غبنوا الأشقياء في منازلهم التي كانوا ينزلون منها لو كانوا سعداء فالتغابن على هذا يمعنى الغبن وليس على المتعارف في صيغة تفاعل من كونه بين اثنين كقولك تضارب وتقاتل إنما هي فعل واحد كقولك تواضع قال ابن عطية وقال الزمخشري يعني نزول السعداء منازل الأشقياء ونزول الأشقياء منازل السعداء والتغابن على هذا بين اثنين قال وفيه تهكّم بالأشقياء لأن نزولهم في جهنم ليس في الحقيقة بغين للسعداء ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد بالمصيبة الرزايا وخصّها بالذكر لأنها أهم على الناس أو يريد جميع الحوادث من خير أو شر وبإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قيل معناه مَن يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهدِ الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله وهذا أحسن إلاّ أن العموم أحسن منه ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاخِذَرُوهُمْ﴾ ٤٥٣ تفسير سورة التغابن فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤) إِنَّمَا أَمَوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاَللَّهُ عِندَهُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَنَّقُوا اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٤) إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ حَسَنًا يُضَحِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيمٌ (شَ ١٨ الْحَكِيمُ سببها أن قومًا أَسلموا وأرادوا الهجرة فثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة فحذّرهم الله من طاعتهم في ذلك وقيل نزلت في عوف بن مالك الأشجعي وذلك أنه أراد الجهاد فاجتمع أهله وأولاده فشكوا من فراقه فرقٌ لهم ورجع ثم إنه ندم وهمّ بمعاقبتهم فنزلت الآية محذّرة من فتنة الأولاد ثم صرف الله تعالى عن معاقبتهم بقوله: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية ولفظ الآية مع ذلك على عمومه في التحذير ممّن يكون للإنسان عدوًّا من أهله وأولاده سواء كانت عداوتهم بسبب الدين أو الدنيا ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ترغيب في الآخرة وتزهيد في الأموال والأولاد التي فتن الناس بها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قيل إن هذا ناسخ لقوله: ﴿اتّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَرُوِيَ أنه لما نزل حق تقاته شقّ ذلك على الناس حتى نزل ما استطعتم وقيل لا نسخ بينهما لأن حق تقاته معناه فيما استطعتم إذ لا يمكن أن يفعل أحد إلاّ ما يستطيع وهذه الآية على هذا مبيّنة لتلك وتحرز بالاستطاعة من الإكراه والنسيان وما لا يؤاخذ به العبد وإعراب ما في قوله ما استطعتم ظرفية ﴿خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ﴾ منصوب بإضمار فعل لا يظهر عند سيبويه وقيل هو مفعول بأنفقوا لأن الخير بمعنى المال وقيل هو نعت لمصدر محذوف تقديره أنفقوا إنفاقًا خيرًا لأنفسكم ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ذكر في الحشر ﴿إن تُقْرِضُوا﴾ ذكر في البقرة ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ذكر في اللغات. .4 سورة الطلاق: مدنيةٌ وآياتها ١٢ نزلت بعد الإنسان آلرّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى يََّيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ الْنِسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَةً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُرَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَا إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبِنَّةٍ وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم آ٠ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إن قيلِ لِمَ نُودِيَ النبيّ وَّرَ وحده ثم جاء بعد ذلكٍ خطاب الجماعة؟ فالجواب: أنه لمّا كان حكم الطلاق يشترك فيه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمته، قيل إذا طلّقتم خطابًا له ولهم وخصّ هو عليه الصلاة والسلام بالنداء تعظيمًا له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان افعلوا أي افعل أنت وقومك، ولأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلّغ لأمته، فكأنه قال يأيها النبي إذا طلّقت أنت وأمتك وقيل تقديره يأيّها النبي قل لأمتك إذا طلّقتم وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن هذا الحكم مختصّ بأمته دونه، وقيل إنه خوطب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بطلّقتم تعظيمًا له، كما تقول للرجل المعظّم أنتم فعلتم، وهذا أيضًا ضعيف، لأنه يقتضي اختصاصه عليه الصلاة والسلام بالحكم دون أمته، ومعنى إذا طلّقتم هنا إذا أردتم الطلاق، واختلف في الطلاق هل هو مُباح أو مكروه، فأما إذا كان على غير وجه السُّنّة فهو ممنوع ولكن يلزم، وأما اليمين : ٤٥٥ تفسير سورة الطلاق بالطلاق فممنوع ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ تقديره طلّقوهنّ مستقبلات لعدّتهنّ، ولذلك قرأ عثمان وابن عباس وأُبيّ بن كعب فطلّقوهنّ في قبل عدّتهنّ وقرأ ابن عمر لقبل عدّتهنّ ورُوِيَت القراءتان عن رسول الله وَلّر ومعنى ذلك كله لا يطلّقها وهي حائض، فهو منهيٍّ عنه بإجماع لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله بها وهو استقبال العدّة، واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض هل هو معلّل بتطويل العدّة، أو هو تعبّد، والصحيح أنه معلّل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأة أم لا؟ ومنها هل يجوز طلاقها في الحيض وهي حامل أم لا؟ ومنها هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدّة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد يقتضي المنع، ومَن طلّق في الحيض لزمه الطلاق، ثم يؤمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك وبدون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر حين طلّق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ◌ّ﴾ فقال له مُزه فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك واشترط مالك أن يطلّقها في طُهْر لم يمسّها فيه ليعتدّ بذلك الطهر فإنه إن طلّقها في طهر بعد أن جامعها فيه فلا تدري هل تعتدّ بالوضع أو بالأقراء فليس طلاقًا لعدّتها كما أمر الله ﴿وَأَخْصُوا العِدّةَ﴾ أمر بذلك لما ينبني عليها من الأحكام في الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾ نهى الله سبحانه وتعالى أن يُخرِجِ الرجل المرأة المطلّقة من المسكن الذي طلّقها فيه ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجًا عن بيتها ولا أن تغيب عنه نهارًا إلاّ لضرورة التصرّف، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة، فإن كان المسكن مُلْكًا للزوج، أو مُكترّی عنده، لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدّة وإن كانت قد أمتعته فيه مدّة الزوجية ففي لزوم خروج العدّة له قولان في المذهب والصحيح لزومه لأن الامتناع قد انقطع بالطلاق ﴿إِلاَ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّئَةٍ﴾ اختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدّة ما هي؟ على خمسة أقوال الأول أنها الزنا فتخرج لإقامة الحدّ قاله الليث بن سعد والشعبي. الثاني أنه سوء الكلام مع الأصهار فتخرج ويسقط حقّها من السكنى، ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظًا للنسب، قاله ابن عباس ويؤيّده قراءة أبيّ بن كعب، إلاّ أن يفحشن عليكم. الثالث أنه جميع المعاصي من القذف والزنا والسرقة وغير ذلك، فمتى فعلت شيئًا من ذلك سقط حقها في السكنى، قاله ابن عباس أيضًا وإليه مال الطبري، الرابع أنه الخروج عن بيتها خروج انتقال فمتى فعلت ذلك سقط حقّها في السكنى قاله ابن الفرس: وإلى هذا ذهب ٤٥٦ تفسير سورة الطلاق يَتَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (٤) فَإِذَا بَغْنَ أَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُنْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مُخْرَهَا (٢٠) وَبَرْزُقَّهُ مالك في المرأة إذا نشرت في العدّة، الخامس أنه النشوز قبل الطلاق، فإذا طلّقَهَا بَسَبَب نشوزها فلا يكون عليه سكنى قاله قتادة ﴿لَاَّ تَذْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدٌ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ المُراد به الرجعة عند الجمهور أي أحصوا العدّة وامتثلوا ما أمرتم به لعلّ الله يُحدِّث الرجعة لنسائكم، وقيل إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي ولو لحفصة بنت عمر فأمره الله بمراجعتها ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يريد آخر العدّة والإمساك بمعروف هو تحسين العِشرة وتوفية النفقة، والفراق بالمعروف هو أداء الصداق والإمتاع حين الطلاق والوفاء بالشروط ونحو ذلك ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَذْلَ مَّنكُمْ﴾ هذا خطّاب للأزواج والمأمور به هو الإشهاد على الرجعة عند الجمهور، وقد اختلف فيه هل هو واجب أو مستحبّ على قولين في المذهب وقال ابن عباس هو الشهادة على الطلاق وعلى الرجعة، وهذا أظهر لأن الإشهاد به يرفع الإشكال والنزاع ولا فرق في هذا بين الرجعة والطلاق، وقد ذكرنا العدالة في البقرة وقوله ذوي عدل يدلّ على أنه إنما يشهد في الطلاق والنكاح الرجال دون النساء وهو مذهب مالك خلافًا لمَن أجاز شهادة النساء في ذلك وقوله منكم يريد من المسلمين وقيل من الأحرار فيؤخذ من ذلك ردّ شهادة العبيد، وهو مذهب مالك ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ هذا خطاب للشهود وإقامة الشهادة يحتمل أن يريد بها القيام فإذا استشهد وجب عليه أن يشهد وهو فرض كفاية، وإلى هذا المعنى أشار أبن القرّس ويحتمل أن يريد إقامتها بالحق دون ميل ولا غرض، وبهذا فسّره الزمخشري وهو أظهر لقوله لله وهو كقوله: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدّم من الأحكام ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ قيل إنها في الطلاق ومعثَاهَاً مَنْ يتّق الله فيطلّق طلقة واحدة، حسبما تقتضيه السُّنّة، يجعل له مخرجا بجواز الرجعة متّى قَدِمَ على الطلاق وفي هذا المعنى رُوِيّ عن ابن عباس أنه قال لمّن طَلَقُ ثلاثًا إنك لم تَتَّقِ الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجًا أي لا رجعة لك وقيل إنها على العموم أي مَنْ يَتْقٍ الله في أقواله وأفعاله يجعل له مخرجًا من كرب الدنيا والآخرة، وقد رُوِيّ هذا أيضًا عن ابن عباس وهذا أرجح لخمسة أوجه أحدها حمل اللفظ على عمومه فيدخل في ذلك الطلاق وغيره، الثاني أنه رُوِيّ أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي وذلك أنه أسر ولده وضيّق ٤٥٧ تفسير سورة الطلاق مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِّ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا (ثَ وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ عليه رزقه فشكى ذلك إلى رسول الله وَر فأمره بالتقوى فلم يلبث إلاّ يسيرًا وانطلق ولده ووسّع الله رزقه، والثالث أنه رُوِيَ عن بيسول الله وَّر أنه قرأها فقال: ((مخرجًا من شُبُهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة)»، والرابع رُوِيَ عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم)) ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ الآية: فما زال يقرؤها ويُعيدها، الخامس قوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَخْتَسِبُ﴾، فإن هذا لا يناسب الطلاق وإنما يناسب التقوى على العموم قال بعض العلماء الرزق على نوعين رزق مضمون لكل حيّ طول عمره وهو الغذاء الذي تقوم به الحياة وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ((ورزق موعود للمتقين خاصّة))، وهو المذكور في هذه الآية ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه بحیث لا يحتاج معه إلى غيره وقد تكلمنا على التوكّل في آل عمران ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي يبلغ ما يريد ولا يُعجِزه شيءٍ، هذا حضٍّ على التوكّل وتأكيد له، لأن الع إذا تحقّق أن الأمور كلّها بيد الله توكّل عليه وحده ولم يعوّل على سواه ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي مقدارًا معلومًا ووقتًا محدودًا ﴿وَاللَّتِي يَتِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نُّسَائِكُمْ إِن آرْتَبْتُمْ فَعَدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ رُوِيَ أنه لما نزل قوله: ﴿وَالمُطَلَّقَاتٍ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَة قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالوا يا رسول الله فما عدّة مَن لا قرء لها من صغر أو كبر؟ فنزلت هذه الآية معلمة أن المطلّقة إذا كانت ممّن لا تحيض فعدّتها ثلاثة أشهر، فقوله: ﴿اللَِّي يَتِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾: يعني التي انقطعت حيضتها لكبر سِنّها، وقوله: ﴿وَاللَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يعني الصغيرة التي لم تبلغ المحيض وهو معطوف على اللاَّئي يئسن أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره واللائي لم يحضن كذلك، وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ هو من الريب بمعنى الشك وفي معناه قولان أحدهما إن ارتبتم في حكم عدّتها فاعلموا أنها ثلاثة أشهر والآخر إن ارتبتم في حيضها هل انقطع أو لم ينقطع فهي على التأويل الأول في التي انقطعت حيضتها لكبر سنّها حسبما ذكرنا وهو الصحيح وهي على التأويل الثاني في المرتابة وهي التي غابت عنها الحيضة وهي في سنّ مَن تحيض وقد اختلف العلماء في عدّتها على ثلاثة أقوال: أحدها أنها ثلاثة أشهر خاصّة حسبما تقتضيه الآية على هذا التأويل، والآخر أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر تستبرىء بها أُمَد الحمل وهذا مذهب مالك وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والثالث ٤٥٨ تفسير سورة الطلاق وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَُّ مِنْ أَمْسِ يُّسْرَ أَ ذَلِكَ أَقُ اللَّهِ أَنْزَُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَِّ اَللَّهَ بَكَفِّرْ عَنْهُ سَبِئَاتِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ( أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُممِن أنها تعتد بالأقراء ولو بقيت ثلاثين سنة حتى تبلغ سنّ مَن لا تحيض وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ﴿وَأُوَلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلَهُنَّ أَنْ يَضَغْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هذه الآية عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء عامّة في المطلّقات والمتوفّى عنهنّ فمتى كانت إحداهنّ حاملاً فعدّتها وضع حملها وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس إنما هذه الآية في المطلّقات الحوامل فهنّ اللآئي عدّتهنّ وضع حملهنّ وأما المتوفّى عنها إذا كانت حاملاً فعدّتها عندهما أبعد الأجلين إما الوضع أو انقضاء الأربعة الأشهر وعشرًا فحجّة الجمهور حديث سبيعة الأسلمية أنها كانت زوجًا لسعد بن خولة فتوقّي عنها في حجّة الوداع وهي حبلى فلما وضعت خطبها أبو السنابل بن بعكك فسألت رسول الله مثل﴿ فقال لها: ((أنكحي من شئت)؟ !. وقد ذكر أن ابن عباس رجع إلى هذا الحديث لما بلغه ولو بلغ عليًّا رضي الله عنه لرجع إليه وقال عبد الله بن مسعود إن هذه الآية التي نزلت في سورة النساء القصرى يعني سورة الطلاق نزلت بعد الآية التي في البقرة ﴿وَالْذِينَ يَتَوَفُونَ مِنْكُم، وَيَذَرُوِلَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِمِنْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ فهي مخصّصِةِ لِهَا حسبما قاله جمهور العلماء ﴿أَسْكِتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ أمر الله بإسكان المطلّقة طول العدّة فأما المطلّقة غير الميتوتة فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة باتّفاق، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها أنها يجب لها السكنى دون النفقة وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني يجب لها السكنى والنفقة وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث أنها ليس لها سكنى ولا نفقة، فحجّة مالك حديث فاطمة بنت قيس وهو أن زوجها طلّقها البتّة، فقال لها رسول الله وقال له: ((ليس لك عليه نفقة))، فيؤخذ من هذا أن لها السكنى دون النفقة، وحجّة مَن أوجب لها السكنى: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آية من كتاب ربّنا لقول امرأة إني سمعت رسول الله وَلّ وهو يقول: ((لها السكني والنفقة))، وحجّة مَن لا يجعل لها سكنى ولا نفقة أن في بعض الروايات عنها أنها قالت لم يجعل لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نفقة ولا سكنى، وقوله: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنتُم﴾ معناه: أسكنوهنّ مكانًا من بعض مساكنكم فمن للتبعيض، ويفسر ذلك قول قتادة لو لم يكن له إلاّ بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه ﴿مّن وُجْدِكُمْ﴾ الوجد هو الطاقة والسّعة في المال فالمعنى أسكنوهنّ مسكنًا مما تقدرون عليه، وإعرابه عطف بيان لقوله حيث سكنتم ويجوز في الوجد ضمّ الواو وفتحها وكسرها وهو بمعنى واحد، والضمّ أكثر وأشهر ﴿وَإِن كُنَّ ٤٥٩ تفسير سورة الطلاق وُجْدِكُمْ وَلَا نُضَازُوهُنَّ لِتُضَّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَتَّهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَثَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأَتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ، أُخْرَى (٥) لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَنِةِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقُ مِمَّآ ءَانَنهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآءَاتَنْهَا سَيَجْعَلُ اُللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴿ وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْسِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا تُكْرًا ®َ فَذَاقَتْ وَبَلَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٥) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِى أُوَلاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعنِ حَمْلَهُنَّ﴾ اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدّة المطلّقة الحامل عملاً بهذه الآية سواء كان الطلاق رجعيًا أو بائنًا واتفقوا على أن للمطلقة غير الحامل النفقة في العدّة إذا كان الطلاق رجعيًّا فإن كان بائنًا فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه وأما المتوفّى عنها زوجها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور لأنهم رأوا أن هذه الآية إنما هي في المطلّقات وقال قوم لها النفقة في التّرِكَة ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المعنى إن أرضع هؤلاءً الزوجات المطلّقات أولادكم فآتوهنّ أُجرة الرضاع وهي النفقة وسائر المؤن حسبما ذكر في كتب الفقه ﴿وَاثْتَدِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ هذا خطاب للرجال والنساء والمعنى أن يأمر كلّ واحد صاحبه بخير من المسامحة والرفق والإحسان وقيل معنى ائتمروا تشاوروا ومنه ﴿إِنّ المَلأَّ يَأْتَمِرُونَ بِك﴾ [القصص: ٢٠] ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ المعنى إن تشطّطت الأُم على الأب في أُجرة الرضاع وطلبت منه كثيرًا فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق له إلاّ أن لا يقبل الطفل غير ثدي أُمه فتُجبّر حينئذ على رضاعه بأُجرة مثلها ومثل الزوج ﴿لِيْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ أمر بأن ينفق كل واحد على مقدار حاله ولا يكلّف الزوج ما لا يطيق ولا تضيع الزوجة بل يكون الحال معتدلاً وفي الآية دليل على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الناس وهو مذهب مالك خلافًا لأبي حنيفة فإنه اعتبر الكفاية ومَن عجز عن نفقة امرأته فمذهب مالك والشافعي أنها تطلق عليه خلافًا لأبي حنيفة وإن عجز عن الكسوة دون النفقة ففي التطليق عليه قولان في المذهب ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ أي حاسبنا أهلها قيل يعني الحساب في الآخرة وكذلك العذاب المذكور بعده وقيل يعني في الدنيا وهذا أرجح لأنه ذكر عذاب الآخرة بعد ذلك في قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، أو لأن قوله حاسبناها وعذّبناها بلفظ الماضي فهو حقيقة فيما وقع مجاز فيما لم يقع فمعنى حاسبناها أي آخذناهم بذنوبهم ولم يغتفر لهم شيء من صغائرها والعذاب هو عقابهم في الدنيا والنكر هو الشديد الذي لم يعهد مثله ﴿قَدْ أَنْزَّلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولاً﴾ الذكر هنا هو القرآن والرسول هو محمد وَل ٤٦٠ تفسير سورة الطلاق اَلْأَلْبِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ ◌ِلَتَّكُمْ ذِكْرًا (٥َ رَسُولُ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ الَّهِ مُّبِمِنَاتٍ لِيُخْرِعَ الَّذِينَ ◌َ مَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ الظّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا اٌلْأَنْهَرُ خَلِنَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (٦َ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ◌َزَّلُ اٌلْأَمُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَّدْ أَ حَاطَ بِكُلِّ شَىْ ءٍعِلْمًا وإعراب رسولاً مفعول بفعل مضمر تقديره أرسل رسولاً وهذا الذي اختاره ابن عطية وهو أظهر الأقوال وقيل إن الذكر والرسول معًا يراد بهما القرآن والرسول على هذا بمعنى الرسالة وقيل إنهما يراد بهما القرآن على حذف مضاف تقديره ذكرًا ذا رسول وقيل رسولاً مفعول بالمصدر الذي هو الذكر. وقال الزمخشري: الرسول هو جبريل بدل من الذكر لأنه نزل به أو سمّي ذكرًا لكثرة ذكره لله وهذا كله بعيد ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لا خِلاف أن السموات سبع وأما الأرض فاختلف فيها فقيل إنها سبع أرضين الظاهر هذه الآية ولقوله وَله: ((مَن غصب شبرًا من أرض طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين)) وقيل إنما هي واحدة فقوله مثلهنّ على القول الأول يعني به المماثلة في العدد وعلى القول الثاني يعني به المماثلة في عظيم الجرم وكثرة العمار وغير ذلك والأول أرجوح ﴿يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ يحتمل أن يريد بالأمر الوحي أو أحكام الله وتقديره لخلقه. ١,۔ ٠٠ ٠ ٠٠٠ 2 ٠٠. -- ٠٠ ٤. ٠ ۔ ٠