النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
تفسير سورة الواقعة
(٣٢
إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ
٣٤
وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ
٣٣
لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ
وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةِ
٣١
مَسْكُوبٍ
ـا ثُلَّهُ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٦) وَثُلَّةٌ مِنَ
٣٨
جَ عُرُبًا أَتْزَابًا (٨) لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ
٣٦
فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا لإ
٣٥
إِنشَآءُ
اليمين اعتراضًا، والأول أحسن، وكذلك إعراب أصحاب الشمال ﴿فِي سِذْرٍ مَّخْضُودٍ﴾
السّدر شجر معروف، قال ابن عطية هو الذي يقال له شجر أم غيلان وهو كثير في بلاد
المشرق وهي في بعض بلاد الأندلس دون بعض والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد
شوكه، وذلك أن سدر الدنيا له شوك، فوصف سدر الجنة بضدّ ذلك وقيل المخضود هو
الموقّر الذي انثنت أغصانه من كثرة حمله فهو على هذا من خضد الغصن إذا ثناه ﴿وَطَلْحِ
مَّنضُودٍ﴾ الطلح شجر عظيم كثير الشوك، قاله ابن عطية وقال الزمخشري هو شجر الموز،
وحكى ابن عطية هذا عن علي بن أبي طالب وابن عباس وقرأ عليّ بن أبي طالب وطلع
منضود بالعين فقيل له إنما هو وطلح بالحاء فقال ما للطلح والجنة فقيل له أنصلحها في
المصحف فقال المصحف اليوم لا يغير، والمنضود الذي تنضد بالثمر من أعلاه إلى أسفله
حتى لا يظهر له ساق ﴿وَظِلٌ مَّمْدُودٍ﴾ أي منبسط لا يزول لأنه لا تنسخه الشمس، وقال
رسول الله ـ: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها اقرؤوا إن
شئتم وظلّ ممدود)» وماء مسكوب: أي مصبوب، وذلك عبارة عن كثرته وقيل المعنى أنه
جار في غير أخاديد، وقيل المعنى أنه يجري من غير ساقية ولا دلو ولا تعب ﴿لَّ مَقْطُوعَةٍ
وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي لا ينقطع إبانها كفاكهة الدنيا، فإن شجر الجنة يثمر في كل وقت ولا تمتنع
يُعد تناولها ولا بغير ذلك من وجوه المنع ﴿وَفُرُشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ هي الأسرة، وقد رُوِيَ ارتفاع
السرير منها مسيرة خمسمائة عام وقيل هي النساء وهذا بعيد ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ الضمير لنساء
الجنة، فإن سياق الكلام يقتضي ذلك، وإن لم يتقدّم ذكرهنّ ولكن تقدّم ذكر الفرش وهي
تدلّ على النساء وأما من قال إن الفرش هي النساء فالضمير عائد عليها وقيل يعود على
الحور العين المذكورة قبل هذا وذلك بعيد فإن ذلك في وصف جنّات السابقين، وهذا في
وصف جنّات أصحاب اليمين ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهنّ في الجنة خلقًا آخر
في غاية الحُسْن بخلاف الدنيا فالعجوز ترجع شابّة والقبيحة ترجع حَسَنة ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ
أَبْكَارًا﴾ رُوِيَ أنهنّ دائمات البكارة متى عاود الوطء وجدها بكرًا ﴿عُرُبًا﴾ جمع عروب وهي
المتودّدة إلى زوجها بإظهار محبته وعبّر عنهنّ ابن عباس بأنهنّ العواشق لأزواجهنّ وقيل
الحسنة الكلام ﴿أَتْرَابًا لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي مستويات في السنّ مع أزواجهنّ، ورُوِيَ أنهنّ
يكونون في سنّ أبناء ثلاث وثلاثين عامًا ولأصحاب اليمين يتعلق بقوله: ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ على
٠

٤٠٢
تفسير سورة الواقعة
٤٢
أَفَظِلٍ مِّنْ يَحْهُمِ جَ لَا يَارِدٍ وَلَا
(@) فى سمور وحميد
﴿ وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ!
اُلْآَخِرِينَ
أَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ(يَا وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَهِدَا
٤٥
كَرِيمٍ (﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
مِتْنَا وَكْنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَيِّنَا لَمَبْعُوتُونَ
أَوَ ءَابَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ
٤٨
قُلْ إِنَّ الْأَوَِّينَ وَالْآَخِرِينُّ
٤٩
لَكُونُ مِنْ شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِقَتِ يَّوْمِ مَعْلُومِ (٢) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ
٥٦
فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِمِ لْجِ هَذَا نُزُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
وَ فَشَرِبُونَ عَيْهِ مِنَ الْحَسِيمِ أثّ
فَلِتُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
ما قاله الزمخشري ويحتمل أن يتعلق بأترابًا، وهذا هو الذي يقتضيه المعنى أي أترابًا
لأزواجهنّ ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ أي جماعة من أول هذه الأمة وجماعة من
آخرها وقد قال رسول الله وَله: ((الفرقتان من أمتي)) وفي ذلك رد على من قالٍ إنهما من غير
هذه الأمة وتأمل كيف جعل أصحاب اليمين ثُلّة من الأوّلين وثُلّة من الآخرين بخلاف
السابقين فإنهم قليل في الآخرين وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في آخرها
لفضيلة السلف الصالح وأما أصحاب اليمين فكثير في أولها وآخرها: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ
وَظِلْ مِّن يَخْمُوم﴾ السموم الحرّ الشديد والحميم الماء الحارّ جدًّا واليحموم هو الأسود
وظلّ من يحموم هو الدخان في قول الجمهور، وقيل سرادق النار المحيط بأهلها فإنه يرتفع
من كل جهة حتى يظلّهم وقيل هو جبل في جهنم ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾
معنى يصرّون يدومون من غير إقلاع والحنث هو الإثم، وقيل هو الشرك، وقيل هو الجنث
في اليمين أو اليمين الغموس ﴿أَئِذَا مِثْنَا﴾ الآية معناها أنهم أنكروا البعث بعد الموت، وقد
ذكرنا قراءة الاستفهامين في الرعد وآباؤنا في الصّافَات ﴿أَيُّهَا الضَّالُونَ﴾ خطابًا لكفّار قریش
وسائر الكفّار ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ الضمير للمأكول ﴿فَشَارِبُونَ شْرْبَ الَّهِيم﴾ وزن الهيم فعل
بضم الفاء، وكسرت الهاء لأجل الياء وهو جمع أهيم وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم.
الهاء وهو داء مُعطِش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقم والأنثى هيماءٍ، وقيل جمع
هائم وهائمة، وقيل الهيم الرمال التي لا تُروَى من الماء وهو على هذا جمع هيام بفتح الهاء.
وقرىء شرب بضم الشين واختلف هل هو مصدر أو اسم المشروب وقرىء بالفتح وهو
مصدر فإن قيل كيف عطف قوله فشاربون على شاربون ومعناهما واحد، فالجواب أن
المعنى مختلف لأن الأول يقتضي الشرب مطلقًا والآخر يقتضي الشرب الكثير المشبّه لشرب
الهيم ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ النزل أول ما يأكله الضيف فكأنه يقول هذه أول عذابهم فما ظنّك
بسائره .
2.
٠٠

٤٠٣
تفسير سورة الواقعة
نَحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
(ج) نَحْنُ قَدَّرْنَا
وَءَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ : أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ
أَفَرَءَ يْتُم مَّا تُمْنُونَ
٥١
◌َ عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْتَلَكُمْ وَنُنِشِئَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
٦٠
بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ، أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ (بَ لَوْ نَشَآءُ
(٦٣
الَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (َ أَفَّهَ يْتُ مَّا تَّخُونَ إِ
أَ بَلْ نَحْنُ مَحِرُومُونَ (٦) أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى
(٦٦
لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ
تَشْرَبُونَ (٨جَاءَأَنْتُمْ أَنزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزّنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (وَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
﴿فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ تحضيض على التصديق إما بالخالق تعالى وإما بالبعث لأن الخلقة
الأولى دليل عليه ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ هذه الآية وما بعدها تتضمن إقامة براهين على
الوحدانية وعلى البعث وتتضمن أيضًا وعيد وتعديد نِعَم ومعنى تُمنون تقذفون المنيّ في
رحم المرأة ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ هذا توقيف يقتضي أن يجيبوا عليه بأن الله
هو الخالق لا إله إلاّ هو ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي جعلناه مقدّرًا بآجال معلومة
وأعمار منها طويل وقصير ومتوسّط ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُشِئَكُمْ فِي
مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ المسبوق على الشيء هو المغلوب عليه بحيث لا يقدر عليه ونبدّل أمثالكم
معناه نهلککم ونستبدل قوما غیرکم، وقیل نمسخكم قردة وخنازير وننشئكم معناه نبعثكم
بعد هلاككم وفيما لا تعلمون معناه ننشئكم في خلقة لا تعلمونها على وجه لا تصل
عقولكم إلى فهمه فمعنى الآية أن الله قادر على أن يهلكهم وعلى أن يبعثهم ففيها تهديد
واحتجاج على البعث ﴿فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ تحضيض على التذكير والاستدلال بالنشأة الأولى
على النشأة الآخرة وفي هذا دليل على صحة القياس ﴿أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾
المراد بالزراعة هنا إنبات ما يزرع وتمام خلقته لأن ذلك مما انفرد الله به ولا يدّعيه غيره قال
رسول الله وَالفقير: ((لا يقولنّ أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت)) والمراد بالحرث قلب الأرض
وإلقاء الزريعة فيها وقد يقال لهذا زرع ومنه قوله يعجب الزراع ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ الحطام اليابس المفتّت وقيل معناه تبن بلا قمح فظلتم تفكهون أي تطرحون
الفاكهة وهي المسرّة يقال رجل فكه إذا كان مسرورًا منبسط النفس ويقال تفكّه إذا زالت عنه
الفكاهة فصار حزينًا لأن صيغة تفاعل تأتي لزوال الشيء كقولهم تحرّج وتأثّم إذا زال عنه
الحرج والإثم فالمعنى صرتم تحزنون على الزرع لو جعله الله حطامًا وقد عبّر بعضهم عن
تفكهون بأن معناه تتفجعون وقيل تندمون وقيل تعجبون وهذه معانٍ متقاربة والأصل ما ذكرنا
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ تقديره تقولون ذلك لو جعل الله زرعكم حطامًا والمغرم
المعذب لأن الغرام هو أشدّ العذاب ويحتمل أن يكون من الغرم أي مثقلون بما غرمنا من

٤٠٤
تفسير سورة الواقعة
غَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةٌ
ءَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا لَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ
أَفَرَءَ يْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ
فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ ﴿﴿ وَلِنَّهُ
وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ ﴿ فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (جم
الََّّ يَمَشُّهُ: إِلَّا
٧٧
٧٨
فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ أ
) إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ
YT
لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
النفقة على الزرع والمحروم الذي حرمه الله الخير ﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾ هي السحاب، والأجاج
الشديد الملوحة، فإن قيل لم تثبت اللام في قوله لو نشاء لجعلناه حطامًا وسقطت في قوله
لو نشاء جعلناه أجاجًا؟ فالجواب من وجهين أحدهما أنه أغنى إثباتها أولاً عن إثباتها ثانيًا مع
قرب الموضعين والآخر أن هذه اللام تدخل للتأكيد فأدخلت في آية المطعوم دون آية
المشروب للدلالة على أن الطعام أوكد من الشراب لأن الإنسان لا يشرب إلاّ بعد أن يأكل
﴿النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أي تقدحونها من الزناد والزناد قد يكون من حجرين ومن حجر
وحديدة ومن شجر وهو المرخ والعلماء والعفار ولمّا كانت عادة العرب في زنادهم من
شجر، قال الله تعالى: ﴿أَأَنتُم أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ أي الشجرة التي تزند النار منها وقيل أراد
بالشجرة نفس النار كأنه يقول نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك وهذا بعيد ﴿نَخْنُ
جَعَلْتَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي تذكّر بنار جهنم ﴿وَمَتَاعًا لْلْمُقْوِينَ﴾ المتاع ما يتمتع به ويحتمل المقوين
أن يكون من الأرض القواء وهي الفيافي ومعنى المقوين الذين دخلوا في القواء ولذلك عبر
ابن عباس عنه بالمسافرين ويحتمل أن يكون من قولهم أقوى المنزل إذا خلا فمعناه الذين
خلت بطونهم أو موائدهم من الطعام ولذلك عبّر بعضهم عنه بالجائعين ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعٍ
النُّجُومِ﴾ لا في هذا الموضع وأمثاله زائدة وكأنها زيدت لتأكيد القسم: أو الاستفتاح الكلام
نحو ألا وقيل هي نافية لكلام الكفّار كأنه يقول لا صحة لما يقول الكفّار وهذا ضعيف
والأول أحسن لأن زيادة لا كثيرة معروفة في كلام العرب ومواقع النجوم فيه قولان أحدهما
قال ابن عباس إنها نجوم القرآن إذ نزل على النبي ولو مقطعًا بطول عشرين سنة فكل قطعة
منه نجم والآخر قول كثير من المفسّرين أن النجوم الكواكب ومواقعها مغاربها وضعاقطها.،
وقيل مواضعها من السماء وقيل انكدارها يوم القيامة ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمْ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ هذه
جملة اعتراض بين القسم وجوابه وقوله لو تعلمون اعتراض بين الموصوف وصفته فهنو
اعتراض في اعتراض، والمقصود بذلك تعظيم المقسم به وهو مواقع النجوم وجواب القسم
إنه لقرآن كريم وأعاد الضمير على القرآن لأن المعنى يقتضيه أو لأنه مذكور على قول من
قال إن مواقع النجوم نزول القرآن ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي مصون والمراد بهذا الكتاب
المكنون المصاحف التي كتب فيها القرآن أو صحف القرآن التي بأيدي الملائكة عليهم

٤٠٥
تفسير سورة الواقعة
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ
◌ْمَ أَفَهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُ مُدْهِنُونَ
◌َ تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٧٩
اُلْمُطَهَّرُونَ
السلام ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ الضمير يعود على الكتاب المكنون، ويحتمل أن يعود
على القرآن المذكور قبله إلاّ أن هذا ضعيف لوجهين أحدهما: أن مسّ الكتاب حقيقة ومسّ
القرآن مجاز، والحقيقة أولى من المجاز والآخر أن الكتاب أقرب والضمير يعود على أقرب
مذكور فإذا قلنا إنه يعود على الكتاب المكنون فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي
بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد بهم الملائكة لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب والآية
إخبار بأنه لا يمسّه إلاّ هم دون غيرهم؛ وإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي
بأيدي الناس، فيحتمل أن يريد بالمطهرين المسلمين، لأنهم مطهرون من الكفر أو يريد
المطهرين من الحدث الأكبر وهي الجنابة أو الحيض، فالطهارة على هذا الاغتسال أو
المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا الوضوء ويحتمل أن يكون قوله لا يمسّه
خبرًا أو نهيًا على أنه قد أنكر بعض الناس أن يكون نهيّا وقال لو كان نهيّا لكان بفتح السين
وقال المحقّقون: إن النهي يصحّ مع ضمّ السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزومًا أو
اتصل به ضمير المفرد المذكر ضمّ عند التقاء الساكنين إتباعًا لحركة الضمير وإذا جعلناه
خبرًا فيحتمل أن يقصد به مجرّد الإخبار أو يكون خبرًا بمعنى النهي وإذا كان لمجرّد الإخبار
فالمعنى أنه لا ينبغي أن يمسّه إلاّ المطهّرون أي هذا حقّه وإن وقع خلاف ذلك واختلف
الفقهاء فيمَن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه
لا يجوز أن لا يمسّه كافر لأنه إن أراد بالمطهرين المسلمين، فذلك ظاهر وإن أراد الطهارة
من الحدث فالإسلام حاصل مع ذلك وأما الحدث ففيه ثلاثة أقوال: الأول أنه لا يجوز أن
يمسّه الجُنُب ولا الحائض ولا المُحدِث حدثًا أصغر وهو قول مالك وأصحابه ومنعوا أيضًا
أن يحمله بعلاقة أو وسادة وحجّتهم الآية على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث
الأكبر والأصغر وقد احتجّ مالك في الموطأ بالآية على المسألة ومن حجتهم أيضًا كتاب
رسول الله وَله إلى عمرو بن حزم أن لا يمسّ القرآن إلاّ طاهر، الثاني أنه يجوز مسّه للجنب
والحائض والمحدث حدثًا أصغر وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية وحملوا المطهرون
على أنهم المسلمون والملائكة أو جعلوا لا يمسّه لمجرد الإخبار، والقول الثالث أنه لا
يجوز مسّه بالحدث الأصغر دون الأكبر ورخّص مالك في نفسه على غير وضوء للمعلم
والصبيان لأجل المشقّة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا
وأجازه الظاهرية مطلقًا، وأجاز مالك قراءة الآية اليسيرة. واختلف في قراءة الحائض
والنفساء للقرآن عن ظهر قلب فعن مالك في ذلك روايتان، وفرّق بعضهم بين اليسير والكثير

٤٠٦
تفسير سورة الواقعة
﴿ْ) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (بَ) وَأَنْتُمْ حِيَئِذٍ نَنْظُرُونَ (٨َ وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْءٍ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا
ثُكَذِّبُونَ
﴿أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنْتُم مُّدْهِنُونَ﴾ هذا خطاب للكفّار، والحديث المُشار إليه هو القرآن،
ومدهنون معناه متهاونون وأصله من المداهنة وهي لين الجانب والموافقة بالظاهر لا بالباطن
قال ابن عباس معناه مكذبون ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عطية أُجتمع
المفسّرون: على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر إنه نزل بنوء كذا وكذا، والمعنى تجعلون
شكر رزقكم التكذيب فحذف شكر لدلالة المعنى عليه وقرأ علي بن أبي طالب وتجعلون
شكركم أنكم تكذبون وكذلك قرأ ابن عباس إلاّ أنه قرأ تكذبون بضمّ التاء والتشديد كقراءة
الجماعة وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب أي يكذبون في قولهم نزل المطر
بنوء كذا ومن هذا المعنى قول رسول الله وَ له: ((إن الله تعالى يقول أصبح من عبادي مؤمن
بي كافر بالكوكب وكافر بي مؤمن بالكوكب فأما مَن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك
مؤمن بي وكافر بالكوكب وأما مَن قال مطرنا بنوء كذا وكوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن
بالكوكب)). والمنهي عنه في هذا الباب أن يعتقد أن للكوكب تأثيرًا في المطر وأما مراعاة
العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به لقوله تعالى: ((إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك
عين غديقة))، وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء كم بقي من نوء الثريا؟ فقال
العباس: العلماء يقولون إنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال ابن الطيب فما
مضت سبع حتى مطروا، وقيل إن معنى الآية تجعلون سبب رزقكم تكذيبكم للنبي اث ار
فإنهم كانوا يقولون إن آمنًا به حرمنا الله الرزق، كقولهم إن نتبع الهدى معك نتخطف من
أرضنا فأنكر الله عليهم ذلك وإعراب أنكم على هذا القول مفعول بتجعلون على حذف
مضاف تقديره تجعلون سبب رزقكم التكذيب ويحتمل أن يكون مفعولاً من أجله تقديره
تجعلون رزقكم حاصلاً من أجل أنكم تكذبون، وأما على القول الأول فإعراب أنكم
تكذبون مفعول لا غير ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ لولا هنا عرض والضمير في بلغت
للنفس لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وبلوغها للحلقوم حين الموت والفعل الذي دخلت
عليه لولا هو قوله ترجعونها أي هلاّ رددتم النفس حين الموت، ومعنى الآية احتجاج على
البشر وإظهار لعجزهم لأنهم إذا حضر أحدهم الموت لم يقدروا أن يروا روحه إلى
جسده، وذلك دليل على أنهم عبيد مقهورون ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ هذا خطاب لمَن
يحضر الميت من أقاربه وغيرهم، يعني تنظرون إليه ولا تقدرون له على شيء ﴿وَنَحْنُ
أَقْرَبُ إلَیْهِ مِنكُمْ﴾ يحتمل أن يريد قرب نفسه تعالى بعلمه واطلاعه أو حزب الملائكة الذين
يقبضون الأرواح فيكون من قرب المسافة ﴿وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ إن أزاد بقوله نحن أقرب
٠

٤٠٧
تفسير سورة الواقعة
فَمَّا إِن كَانَ مِنَ
٨١
تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٨٦
فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِنٌّ
٨٥
اٌلْمُقَرَّبِينَ
جَ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ
◌َ وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِينُّ ◌َ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ !
٩١
أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ {
٩٤
نُصِرُونَ
فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ
٩٠
وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ الْيَمِينِ
٨٩
فَرَوْعُ وَرَتْجَانٌ وَحَتَّتُ نَّعِيمٍ!
٨٨
الملائكة فقوله لا تبصرون من رؤية العين، وإن أراد نفسه تعالى فهو من رؤية القلب ﴿فَلَوْلاً
إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ لولا هنا عرض كالأولى وكرّرت للتأكيد
والبيان لما طال الكلام والفعل الذي دخلت عليه لولا الأولى والثانية قوله ترجعونها أي هلاً
رددتم النفس إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين وغير مربوبين ومقهورين
فافعلوا ذلك إن كنتم صادقين في كفركم وترتيب الكلام فلولا ترجعون النفس إذا بلغت
الحلقوم إن كنتم غير مدينين فارجعوا إن كنتم صادقين ﴿فَأَمَّا إن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ الضمير
في كان للمتوفى وكرّر هنا ما ذكره في أول السورة من تقسيم الناس إلى ثلاثة أصناف
السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فالمراد بالمقربين هنا السابقون المذكورون
هناك ﴿فَرَوْحْ وَرَيْحَانْ﴾ الروح الاستراحة وقيل الرحمة رُوِيَ أن رسول الله وَّر قرأ فروح
بضم الراء ومعناه الرحمة وقيل الخلود أي بقاء الروح وأما الريحان فقيل إنه الرزق وقيل
الاستراحة وقيل الطيب وقيل الريحان المعروف وفي قوله روح وريحان ضرب من ضروب
التجنيس ﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ معنى هذا على الجملة نجاة أصحاب اليمين
وسعادتهم والسلام هنا يحتمل أن يكون بمعنى السلامة أو التحيّة والخطاب في ذلك يحتمل
أن يكون للنبي # أو لأحد من أصحاب اليمين فإن كان للنبي وَّ فالسلام بمعنى السلامة
والمعنى سلام لك يا محمد منهم أي لا ترى منهم إلّ السلامة من العذاب وإن كان الخطاب
لأحد من أصحاب اليمين فالسلام بمعنى التحيّة والمعنى سلام لك أي تحيّة لك يا صاحب
اليمين من إخوانك وهم أصحاب اليمين أي يسلّمون عليك فهو كقوله إلاّ قيلاً سلامًا سلامًا
أو يكون بمعنى السلامة والتقدير سلامة لك يا صاحب اليمين ثم يكون قوله من أصحاب
اليمين خبر ابتداء مضمر تقديره أنت من أصحاب اليمين ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذْبِينَ
الضَّالَّينَ﴾ يعني الكفّار وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ﴿فَتْزُلٌ مُنْ حَمِيمٍ﴾ النزل
أول شيء يقدّم للضيف ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ الإشارة إلى ما تضمنته هذه السورة من
أحوال الخلق في الآخرة وحق اليقين معناه الثابت من اليقين. وقيل إن الحق واليقين بمعنى
واحد فهو من إضافة الشيء إلى نفسه كقوله مسجد الجامع واختار ابن عطية أن يكون
كقولك في أمر تؤكده هذا يقين اليقين أو صواب الصواب بمعنى أنه نهاية الصواب ﴿فَسَبِخ

٤٠٨
تفسير سورة الواقعة
٩٦
فَسَيِحْ يِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ
٩٥
إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِيِنِ
بِسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((اجعلوها
في ركوعكم)) فلما نزلت سبّح اسم ربّك الأعلى قال عليه السلام: ((اجعلوها في سجودكم))
فلذلك استحبّ مالك وغيره أن يقول في السجود سبحان ربي الأعلى وفي الركوع سبحان
ربي العظيم وأوجبه الظاهرية ويحتمل أن يكون المعنى تسبيح الله بذكر أسمائه والاسم هنا
جنس الأسماء والتعظيم صفة للربّ أو يكون الاسم هنا واحدًا والعظيم صفة له وكأنه أمره
أن يسبّح بالاسم الأعظم ويؤيّد هذا ويشير إليه اتصال سورة الحديد بها وفي أولها التسبيح
وجملة من أسماء الله وصفاته، قال ابن عباس اسم الله العظيم الأعظم موجود في ست آيات
من أول سورة الحديد، ورُوِيَ أن الدعاء عند قراءتها مُستجاب.

سورة الحديد
مدنيّة وآياتها ٢٩ نزلت بعد الزلزلة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّـ
سَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ (أَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُحِي، وَيُّمِيثٌ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٤) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (ْجَ هُوَ الَّذِى خَلَقَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحِيم
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هذا التسبيح المذكور هنا وفي أوائل سائر
السور المسبّحات يحتمل أن يكون حقيقة أو أن يكون بلسان الحال لأن كل ما في
السموات والأرض دليل على وجود الله وقدرته وحكمته والأول أرجح لقوله: ﴿وَلَكِن لاَ
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم﴾ [الإسراء: ٤٤] وذكر التسبيح هنا وفي الحشر والصفّ بلفظ الماضي،
وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع، وكل واحد منهما يقتضي الدوام ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾
أي ليس لوجوده بداية ولا لبقائه نهاية ﴿والظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ أي الظاهر للعقول بالأدلّة
والبراهين الدالّة على الباطن الذي لا تدركه الأبصار أو الباطن الذي لا تصل العقول إلى
معرفة كُنْه ذاته وقيل الظاهر العالي على كل شيء فهو من قولك ظهرت على الشيء إذا
علوت عليه، والباطل الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، والأول أظهر وأرجح ودخلت
الواو بين هذه الصفات لتدلّ على أنه تعالى جامع لها مع اختلاف معانيها وفي ذلك مطابقة

٤١٠
تفسير سورة الحديد
السَّمَوَاتِ وَآلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعُرْيِنِّ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ
مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ وَإِلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿وَ لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ
يُولِجُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّارَ فِ الَلِّ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
وَاَلْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تَُّعُ الْأُمُورُ
الصُّدُورِ ﴿َ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيَّهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَأَنْفَقُواْ
لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ وَمَا لَكُ لَا تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِتَقَّكُمْإِن كُمُ
مُؤْمِنِينَ ﴿َ هُوَ الَّذِى يَُّزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: مَايَتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ
لَرَّدُوفٌ رَّحِيمٌ (®َ وَمَا لَكُمْ أَلَا نُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ◌َّهِ وَلَّهِرَةُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ
لفظية، وهي من أحسن أدوات البيان ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد ذكر وكذلك ما بعده
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يعني أنه حاضر مع كل أحد بعلمه وإحاطته. وأجمع العلماء
على تأويل هذه الآية بذلك ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ ذكر في الحج ولقمان ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم
مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني الإنفاق في سبيل الله وطاعته، ورُوِيَ أنها نزلت في الإنفاق في غزوة
تبوك وعلى هذا رُوِيَ أن قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾ نزلت في عثمان بن عفّان
رضي الله عنه، فإنه جهز جيش العسرة يومئذ ولفظ الآية مع ذلك عامّ وحكمها باقٍ، لجميع
الناس وقوله: ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني أن الأموال التي بأيديكم إنما هي أموال الله لأنه
خلقها ولكنه متّعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرّف فيها فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء فلا تمنعوها
من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه ويحتمل أن يكون جعلكم مستخلفين عمّن كان
قبلكم فورثتم عنه الأموال فأنفقوها قبل أن تخلفوها لمَن بعدكم كما خلفهالكم من كان
قبلكم، والمقصود على كل وجه تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا ﴿وَمَّا لَكُمْ لاَ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ معناه أيّ شيء يمنعكم من الإيمان والرسول يدعوكم إليه بالبرأمين القاطعة
والمعجزات الظاهرة فقوله ما لكم استفهام يُراد به الإنكار ولا تؤمنون في موضع الحال من
معنى الفعل الذي يقتضيه ما لكم والواو في قوله والرسول يدعوكم واو الحال ﴿وَقَد ◌َخَذَ
مِيثَاقَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما جعل في العقول من النّظر الذي يؤدّي إلى
الإيمان، أو يكون الميثاق الذي أخذَه على بني آدم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم
على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزَّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَّاتٍ﴾ يعني سيدنا مُحَمَّدًا
صلّى اله تعالى عليه وآله وسلّم والعبودية هنا للتشريف والاختصاص والآيات هنا القرآن
﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي ◌َسْبِيلِ اللّهِ﴾ الآية: معناه أيّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله

٤١١
تفسير سورة الحديد
أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ
ـّ ◌َنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَنْعِفَهُ لَهُ وَلَهُ، أَجْرٌ
١٠
اَُْْنَىَّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
كَرِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَنَّمَتِهِمِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ نَجْرِى مِن
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَأَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
أَنْظُرُونَا نَفْئِسْ مِن نُوْرِكُمْ قِيلَ آَرْجِعُواْ وَرَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُرّ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ
والله يرث ما في السموات والأرض إذا فني أهلها ففي ذلك تحريض على الإنفاق وتزهيد
في الدنيا ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الفتح هنا فتح مكة، وقيل صلح
الحديبية، والأول أظهر وأشهر، ومعنى الآية التفاوت في الأجر والدرجات بين مَن أنفق في
سبيل الله وقاتل قبل فتح مكة وبين مّن أنفق وقاتل بعد ذلك فإن الإسلام قبل الفتح كان
ضعيفًا والحاجة إلى الإنفاق والقتال كانت أشدّ ويؤخذ من الآية أن مَن أنفق في شدّة أعظم
أجْرًا ممّن أنفق في حال الرخاء وفي الآية حذف دلّ عليه الكلام تقديره لا يستوي منكم مَن
أنفق من قبل الفتح وقاتل مع مَن أنفق من بعد الفتح وقاتل ثم حذف ذلك لدلالة قوله أولئك
أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وفي هذا المعنى قال رسول الله صلّى الله عليه
وآله وسلّم: ((لا تسبّوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا
نصيفه))، يعني السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار وخاطب بذلك مَن جاء بعدهم من
سائر الصحابة، ويدخل في الخطاب كلّ مَن يأتي إلى يوم القيامة ﴿وَكُلاَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾
أي كل واحدة من الطائفتين الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده وعدهم الله الجنة ﴿مَّن ذَا
الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا﴾ ذكر في البقرة ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ العامل في الظرف أجْر كريم أو
تقدير اذكر ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَنْدِيهِمْ وبِأَئِمَانِهِمْ﴾ قيل إن هذا النور استعارة يُراد به الهدى
والرضوان والصحيح هو قول الجمهور أنه حقيقة وقد رُوِيّ ذلك عن رسول الله وَّر فالمعنى
على هذا أن المؤمنين يكون لهم يوم القيامة نور يُضيء قدّامهم وعن يمين كل واحد منهم
وقيل يكون أصله في أيمانهم يحملونه فينبسط نوره قدّامهم، ورُوِيّ أن نور كل أحد على
قدر إيمانه فمنهم مَن يكون نوره كالنخلة ومنهم مَن يضيء ما قرب من قدميه، ومنهم مَن
يضيء مرة ويهمّ بالإطفاء مرة، قال ابن عطية ومن هذه الآية أخذ الناس مشي المعتق
بالشمعة قدّام معتقه إذا مات ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ أي يقال لهم ذلك ﴿يَوْمَ يَقُولُ
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُتَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ من ◌ُّورِكُمْ﴾ يوم بدل من يوم ترى أو متعلق
بالفوز العظيم أو بمحذوف تقديره اذكر ومعنى الآية أن كل مؤمن مُظهِر للإيمان يعطى يوم

٤١٢٠
تفسير سورة الحديد
يُنَادُونَهُمْ أَمْ تَكُنُ مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِتَّكُرْ فَتُمْ أَنْفُسُكُمْ وَتَرَضْتُمْ
١٣:
وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ
وَرْبَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمْ أَلْأَمَانِىُّ حَّى ◌َجَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُوُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْبَةٌ وَلَا
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَمَكُمُ النَّارِّ هِىَ مَوْلَئِكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٩) ﴾ أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْاْ أَنْ تَغْشَعَ
القيامة نورًا فيبقى نور المؤمنين وينطفئ نور المنافقين فيقول المنافقون للمؤمنين انظرونا
نقتبس من نوركم أي نأخذ منه ونستضيء به ومعنى انظرونا انتظرونا وذلك لأن المؤمنين
يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف والمنافقون ليسوا كذلك ويحتمل أن يكون من النظر أي
انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فاستضاؤوا بنبورهم ولكن يضعف
هذا لأن نظر إذا كان بمعنى النظر بالعين يتعدّى بإلى وقرىء أنظرونا بهمزة قطع ومعناه
أخّرونا أي أمهلونا في مشيكم حتى نلحقكم ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ يحتمل
أن يكون هذا من قول المؤمنين أو قول الملائكة ومعناه الطّرد للمنافقين والتهكّم بهم لأنهم
قد علموا أن ليس وراءهم نور، ووراءكم ظرف العامل فيه ارجعوا وقيل إنه لا موضع له من
الإعراب وأنه كما لو قال ارجعوا ومعنى هذا الرجوع ارجعوا إلى الموقف فالتمسوا فيه النور
أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل الإيمان أو ارجعوا خائبين وتنحّوا عنّا فالتمسوا
نورًا آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورِ لَّهُ بَابٌ﴾ أي ضرب پین
المؤمنين والمنافقين بسور يفصل بينهم وفي ذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه وقيل
إن هذا السور هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار وقيل هو الجدار الشرقي من بينت
المقدس وهذا بعيد ﴿يَاطِئُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ باطِئه هو جهة المؤمنين
وظاهره هو جهة المنافقين وهي خارجة كقوله ظاهر المدينة أي خارجها والضمير في باطنه
وظاهره يحتمل أن يكون للسور أو للباب والأول أظهر ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ أي
ينادي: المنافقين المؤمنين فيقولون لهم ألم نكن معكم في الدنيا يريدون إظهارهم الإيمان
﴿فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي أهلكتموها وأضللتموها بالنفاق ﴿وَتَرَبَّضْتُمْ﴾ أي أبطأتم بإيمانكم وقيل
تربصتم الدوائر بالنبي والر وبالمسلمين ﴿وَأَرْتَبْتُمْ﴾ أي شككتم في الإيمان ﴿وَغَرَّتْكُم
الأَمَانِيُ﴾ أي طول الأمل والتمني ومن ذلك أنهم كانوا يتمنّون أن يهلك النبي والر والمؤمنين
أو يهزمون إلى غير ذلك من الأماني الكاذبة ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي الفتح وظهور الإسلام
أو موت المنافقين على الحال الموجبة للعذاب ﴿الْغُرُورُ﴾ هو الشيطان ﴿هِيَ مَؤْلاَكُمْ﴾ أي
هي أولى بكم وحقيقة المولى الوليّ الناصر فكأن هذا استعارة منه أي لا ولميّ لكم تأوون
إليه إلاّ النار ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ معنى ألم يأن: ألم يحِن.

٤١٣
تفسير سورة الحديد
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ
فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِفُونَ (٤٦) أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٤) إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ
أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ- أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
يقال أنى الأمر إذا حان وقته، وذكر الله يحتمل أن يريد به القرآن أو الذكر أو التذكير
بالمواعظ وهذه آية موعظة وتذكير قال ابن عباس: عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاثة
عشر سنة من نزول القرآن وسمع الفضيل بن عياض قارئًا يقرأ هذه الآية فقال قد آن فكان
سبب رجوعه إلى الله وحُكِيَ أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه
الآية فكسره ابن المبارك وتاب إلى الله ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ عطف
ولا يكونوا على أن تخشع ويحتمل أن يكون نهيّا والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون
كأهل الكتب المتقدمة وهم اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ أي مدّة الحياة وقيل
انتظار القيامة، وقيل انتظار الفتح والأول أظهر ﴿أَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُخْبِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
أي يحييها بإنزال المطر وإخراج النبات، وقيل إنه تمثيل للقلوب أي يُحيي الله القلوب
بالمواعظ كما يُحيي الأرض بالمطر، وفي هذا تأنيس للمؤمنين الذين ندبوا إلى أن تخشع
قلوبهم، والأول أظهر وأرجح لأنه الحقيقة ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدْقَاتِ﴾ بتشديد الصاد من
الصدقة وأصله المتصدقين، وكذلك قرأ أُبيّ بن كعب وقرىء بالتخفيف من التصديق أي
صدقوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ معطوف على المعنى، كأنه قال إن
الذين تصدقوا وأقرضوا، وقد ذكرنا معنى أقرضوا في قوله مَن ذا الذي يقرض الله
﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ مبالغة من الصدق أو من التصديق، وكونه من الصدق أرجح لأن صيغة فعيل
لا تبنى إلاّ من فعل ثلاثي في الأكثر، وقد حُكِيَ بناؤها من رباعي كقولهم رجل مسيك من
أمسك ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يحتمل أن يكون الشهداء مبتدأ وخبره ما بعده، أو يكون
معطوفًا على الصدّيقين، فإن كان مبتدأ ففي المعنى قولان: أحدهما أنه جمع شهيد في
سبيل الله فأخبر أنهم عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم والآخر أنه جمع شاهد، ويراد به الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام لأنهم يشهدون على قومهم، وإن كان معطوفًا ففي المعنى قولان،
أحدهما: أنه جمع شهيد فوصف الله المؤمنين بأنهم صدّيقون وشهداء: أي جمعوا
الوصفين، ورُوِيَ في هذا المعنى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((مؤمنو أُمَتي
شهداء)» وتلا هذه الآية، والآخر أنه جمع شاهد لأن المؤمنين يشهدون على الناس كقوله

٤١٤
تفسير سورة الحديد
أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيُّوَّةُ
(١٩
وَنُؤْرُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِتَابَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
اُلُّنْيَا لَعِبُّ وَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِ اَلْأَمَوَّلِ وَالْأَوْلِّدِ كَمَثَلِ غَيْتٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ
نَبَانُهُ ثُمَّ بِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاْ وَفِىِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُّ ◌َا
اَلْيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ (٢) سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السََّاءِ
وَاْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
اَلْعَظِيمِ ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَرٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا
لتكونوا شهداء على الناس ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَتُورُهُمْ﴾ هذا خبر عن الشهداء خاصّة إن كان
مبتدأ أو خبر عن المؤمنين إن كان الشهداء معطوفًا، ونورهم هو النور الذي يكون لهم يوم
القيامة حسبما ذكر في هذه السورة، وقيل هو عبارة عن الهدى والإيمان، ﴿كَمَثَلِ غیثٍ
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَّاتُهُ﴾ الآية معناها تشبيه الدنيا بالزرع الذي يُنبته الغيث في سرعة تغيّره بعد
حُسْنه وتحطّمه بعد ظهوره والكفّار هنا يراد به الزرّاع فهو من قوله كفرت الحَبّ إذا سترته
تحت الأرض وخصّهم بالذكر لأنهم أهل البصر بالزرع والفلاحة، فلّ يعجبهم إلا ما هو
حقيق أن يعجب، وقيل أراد الكفّار بالله وخصّهم بالذّكر لأنهم أشدّ إعجابًا بالدنيا وأكثر
حرصًا عليها ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي سابقوا إلى الأعمال التي تستحقّونٍ بِها
المغفرة، فقيل المعنى كونوا في أول صف من القتال، وقيل احضروا تكبيرة الإحرام مع
الإمام، وقيل كونوا أول داخل إلى المسجد، وأول خارج منه وهذه أمثلة، والمعنى العام
المسابقة إلى جميع الأعمال الصالحات وقد استدلّ بها قوم على أن الصلاة في أول الوقت
أفضِل ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ السماء هنا يراد به جنس السموات بدليل
قوله في آل عمران، وقد ذكرنا هناك معنی عرضها.
﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَا﴾
المعنى أن الأمور كلها مقدّرة مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن تكون، قَالُ رسول
الله وَله: ((إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة
وعرشه على الماء والمصيبة هنا عبارة عن كل ما يصيب من خير أو شر وقيل أراد به
المصيبة في العُرف وهو ما يصيب من الشرّ وخصّ ذلك بالذكر لأنه أهُمّ على الناس وفي
الأرض يعني القحوط والزلازل وغير ذلك وفي أنفسهم يعني الموت، والمرض، والفقر،

٤١٥
تفسير سورة الحديد
لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَدَكُمْ وَاللَّهُ لَا
٢٢
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلُ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُوٍ
٢٣
اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَهِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
٢٥
بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ
وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ (٤) ثُمَّ قَفَِّنَا عَلَىّءَ اذَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلٌ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ أَتَّعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ وَرَهْبَانِيَّةً
وغير ذلك ونبرأها معناه نخلقها والضمير يعود على المصيبة أو على أنفسكم أو على
الأرض، وقيل يعود على جميعها لأن المعنى صحيح في كلها ﴿لْكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ المعنى فعل الله ذلك وأخبركم به لكيلا تسلموا لقضاء الله ولا
تكترثوا بأمور الدنيا، ومعنى لا تأسوا لا تحزنوا أي فلا تحزنوا على ما فاتكم منها ولا
تفرحوا فيها وقرأ الجمهور بما آتاكم بالمدّ أيّ بما أعطاكم الله من الدنيا، وقرأ أبو عمرو بما
أتاكم بالقصر أي بما جاءكم من الدنيا فإن قيل إن الإنسان لا يملك نفسه أن يفرح بالخير
ويحزن للشر كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أتي بمال كثير اللّهمَّ إنّا لا نستطيع
إلاّ أن نفرح بما زيّنت لنا، فالجواب: أن النهي عن الفرح إنما هو عن الذي يقود إلى الكبر
والطغيان، وعن الحزن الذي يُخرِج عن الصبر والتسليم ﴿كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ المختال
صاحب الخيلاء والفخور شديد الفخر على الناس ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من كل مختال
فخور أو خبر ابتداء مضمر تقديره هم الذين أو منصوب بإضمار أعني أو مبتدأ وخبره
محذوف ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ الكتاب هنا جنس الكتاب والميزان العدل وقيل
الميزان الذي يوزن به ورُوِيّ أن جبريل نزل بالميزان ودفعه إلى نوح وقال له مُرْ قومك يَزِنُوا
به ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال وقيل بل أنزله حقيقة لأن آدم نزل من
الجنة ومعه المِطْرَقة والإبرة ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يعني أنه يعمل منه سلاح للقتال ولذلك قال
وليعلّم الله مَن ينصره ورسله والمنافع للناس سكك الحرث والمسامير وغير ذلك ﴿فَمِنْهُم
مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مُّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي من ذرّيّة نوح وإبراهيم مهتدون قليلون، وأكثرهم فاسقون
لأن منهم اليهود والنصارى وغيرهم و﴿قَفَّيْنَا﴾ ذكر في البقرة ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ
اَتْبَعُوهُ رَأْنَةً وَرَحْمَةً﴾ هذا ثناء عليهم بمحبة بعضهم في بعض كما وصف أصحاب سيّدنا

٤١٦
تفسير شؤوة الحديد
آبْتَدُعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاْ فَشَاتَّيْنَا الَّذِينَ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْبَللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ*
٢٧
ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمِّ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غُفُورٌ رَّحِيمٌ إِيَ لِكَلَا
يَعْلَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْنِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
محمد ◌َّل، بأنهم رحماء بينهم ﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ أَبْتَدَعُوهَا﴾ الرهبانية هي الانفراد في الجبال
والانقطاع عن الناس في الصوامع، ورفض النساء وترك الدنيا ومعنى ابتدعوها أي أحدثوها
من غير أن يشرعها الله لهم، وإعراب رهبانية معطوف على رأفة ورحمة أي جعل الله في.
قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية وابتدعوها صفة للرهبانية والجعل هنا بمعنى الخلق
والمعتزلة يعربون رهبانية مفعولاً بفعل مضمر يفسّره ابتدعوها لأن مذهبهم أن الإنسان يخلق
أفعاله فأعربوها على مذهبهم وكذلك أعربها أبو علي الفارسي وذکر الزمخشري الوجھین
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ أَبْتِغَاءَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ كتبنا هنا بمعنى فرضنا وشرعثا وفي هذا قولان:
أحدهما أن الاستثناء منقطع والمعنى ما كتبنا عليهم الرهبانية، ولكنهم فعلوها من تلقاء
أنفسهم ابتغاء رضوان الله والآخر أن الاستئناف متصل والمعنى كتبناهنا عليهم ابتغاء رضوان
الله والأول أرجح لقوله: ﴿ابتدعوها﴾ ولقراءة عبد الله بن مسعود ما کتبناها علیهم لگ
ابتدعوها ﴿قَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي لم يدوموا عليها ولم يحافظوا على الوفاء بها يعني:
أن جميعهم لم يرعوها وإن رعاها بعضهم والضمير في رعوها للذين ابتدعوا الرهبانية وكان
يجب عليهم إتمامها وإن لم يكتبها الله سبحانه وتعالى عليهم، لأن من دخل في شيء من
النوافل يجب عليه إتمامه وقيل الضمير لمَن جاء بعد الذين ابتدعوا الرهبانية من أتباعهم
﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ إن قيل كيف خاطب الذين آمنوا وأمرهم بالإيمان وتحصيل الحاصل لا
ينبغي فالجواب من وجهين: أحدهما أن معنی آمنوا «وموا على الإيمان واثبتوا خانيه».
والآخر أنه خطاب لأهل الكتاب فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد
صلّى الله عليه وآله وسلم ويؤيّد هذا قوله يؤتكم كفلين من رحمته أي نطيبين، وقال رسول
الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن
بنبيّه وآمن بي الحديث ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يحتمل أن يريد النور: الذي يسلعى بين
أیدي المؤمنین يوم القيامة أو يكون عبارة عن الهدى ویؤنّد الأول أنه مذکور قي منده
السورة، ويؤيّد الثاني قوله: وجعلنا له نورًا يتمشي به في الناس ﴿لْثَلاَّ يَظْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّ
يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ لا في قوله لئلا زائدة، والمعنى ليعلم أهل الكتاب.

٤١٧
تفسير سورة الحديد
٢٩
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
وكذلك قرأها ابن عباس وقرأ ابن مسعود لكيلا يعلم، والمعنى إن كان الخطاب لأهل
الكتاب يا أهل الكتاب آمنوا بمحمد ◌ّالر ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أن لا يقدروا
على شيء من فضل الله الذي وعد مَن آمن منكم، وهو تضعيف الأجر والنور والمغفرة،
لأنهم لم يسلموا. فلم ينالوا شيئًا من ذلك، وإن كان الخطاب للمسلمين، فالمعنى: ليعلم
أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أنهم لا يقدرون أن ينالوا شيئًا مما أعطى الله المسلمين من
ضعيف الأجر والنور والمغفرة، وقد رُوِيّ في سبب نزول الآية: أن اليهود افتخرت على
المسلمين فنزلت الآية في الردّ عليهم، وهو يقوّي هذا القول، ورُوِيَ أيضًا أن سببها أن
الذين أسلموا من أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المسلمين بأنهم يؤتيهم الله أجرَهم
مرتين فنزلت الآية مُعلمة أن المسلمين مثلهم في ذلك.

بثفات
سورة المجادلة
مدنيّة وآياتها ٢٢ نزلت بعد المنافقون
ـمِ اللَّهِ الْتََِّ الرَّ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللّهُ سَمِيعٌ
بَصِيرٌ ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآءِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ نزلت الآية في خولة بنت حكيم، وقيل
خولة بنت ثعلبة، وقيل خولة بنت خويلد، وقيل اسمها جميلة وكانت امرأة أوس بن
الصامت الأنصاري أخي عبادة بن الصامت فظاهر منها وكان الظهار في الجاهلية يوجب
تحريمًا مؤبّدًا فلما فعل أوس ذلك جاءت امرأته إلى رسول الله وَله فقالت: يا رسول الله إن
أوسًا أكل شبابي ونشرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي ظاهر منّي، فقال رسول الله وَالت:
((ما رأيتك إلاّ قد حرمت عليه))، فقالت: يا رسول الله لا تفعل إني وحيدة ليس لي أهل
سواه فراجعها رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم بمثل مقالته فراجعته، فهذا هو
جدالها ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ كانت تقول اللّهمَّ إني أشكو إليك حالي وانفرادي وفقري،
ورُوِيَ أنها كانت تقول اللّهمَّ إن لي منه صبية صغارًا إن ضممتهم إليّ جاعوا، وإن ضممتهم
إليه ضاعوا ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ المحاورة هي المراجعة في الكلام قالت عائشة رضي

٤١٩
تفسير سورة المجادلة
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ (٢٤) وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ
الله عنها: سبحان مَن وسَعَ سمعه الأصوات لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى
عليّ وسمع الله كلامها، ونزل القرآن في ذلك فبعث رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله
وسلّم إلى زوجها وقال له أتعتق رقبة، فقال والله ما أملكها فقال أتصوم شهرين متتابعين،
فقال والله ما أقدر، فقال له أتطعم ستّين مسكينًا، فقال لا أجد إلاّ أن يعينني رسول الله
صلّى الله عليه وآله وسلّم بمعونة وصلاة يريد الدعاء فأعانه رسول الله وَلَه بخمسة عشر
صاعًا وقيل بثلاثين صاعًا ودعا له فكفّر بالإطعام وأمسك زوجته ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن
نْسَائِهِم﴾ قرىء يظاهرون بألف بعد الظاء وبحذفها وبالتشديد والتخفيف والمعنى واحد وهو
إيقاع الظهار، والظهار المجمع عليه هو أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أُمي
ويجري مجرى ذلك عند مالك تشبيه الزوجة بكل امرأة مُحَرّمة على التأبيد كالبنت والأُخت
وسائر المُحَرّمات بالنسب والمُحَرّمات بالرّضاع والمصاهرة سواء ذكر لفظ الظهر أو لم
يذكره كقوله أنتِ عليّ كأُمّي أو كبطن أُمّي أو يدها أو رِجلها خلافًا للشافعي فإن ذلك كله
عنده ليس بظهار لأنه وقف عند لفظ الآية وقاسَ مالك عليها لأنه رأى أن المقصد تشبيه
حلال بحرام ﴿مَّ هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ردّ الله بهذا على مَن كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة وأخبر
تعالى أن تصير الزوجة أُمَّا باطل فإن الأم في الحقيقة إنما هي الوالدة ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرَا
مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورَا﴾ أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور فالمنكر هو الذي لا تُعرَف له حقيقة
والزّور هو الكذب وإنما جعله كذبًا لأن المظاهر يصير امرأته كأُمّه وهي لا تصير كذلك أبدًا
والظهار محرّم ويدلّ على تحريمه أربعة أشياء أحدها قوله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ فإن
ذلك تكذيب للمُظاهر والثاني أنه سمّاه منكرًا والثالث أنه سمّاه زورًا والرابع قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ
لَعَفُوْ غَفُورٌ﴾ فإن العفو والمغفرة لا تقع إلاّ عن ذنب وهو مع ذلك لازم للمظاهر حتى يرفعه
بالكفّارة ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نْسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ اختلف الناس في معنى قوله
ثم يعودون لما قالوا على ستّة أقوال الأول أنه إيقاع الظهار في الإسلام فالمعنى أنهم كانوا
يظاهرون في الجاهلية فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه هذا قول ابن قتيبة فتجب
الكفّارة عنده بنفس الظهار بخلاف أقوال غيره فإن الكفّارة لا تجب إلاّ بالظهار والعَوْد معًا.
الثاني أن العَوْد هو وطأ الزوجة رُوِيّ ذلك عن مالك فلا تَجِب الكفّارة على هذا حتى يطأ
فإذا وطىء وجبت عليه الكفّارة سواء أمسك المرأة أو طلّقها أو ماتت الثالث أن العود هو
العزم على الوطىء ورُوِيّ هذا أيضًا عن مالك فإذا عزم على الوطء وجبت الكفّارة سواء
أمسك المرأة أو طلّقها أو ماتت. الرابع أن العود هو العزم على الوطىء وعلى إمساك

٤٢٠
تفسير سورة المجادلة
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآَشَأْ ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٥)
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأْ فَمَن لَّْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَأْ ذَلِكَ
الزوجة وهذا أصحّ الروايات عن مالك. الخامس أنه العزم على الإمساك خاصّة وهذا
مذهب الشافعي فإذا ظاهر ولم يطلّقها بعد الظهار وجبت الكفّارة، السادس أنه تكرار الظهار
مرة أخرى وهذا مذهب الظاهرية وهو ضعيف لأنهم لا يرون الظهار يوجب حكمًا في أول
مرة وإنما يوجب في الثانية وإنما نزلت الآية فيمَن ظاهر أول مرة فذلك يردّ عليهم ويختلف
معنّى لما قالوا باختلاف هذه الأقوال فأما على قول ابن قتيبة والظاهرية فما مصدرية والمعنى
يعودون لقولهم وأما على سائر الأقوال فما بمعنى الذي والمعنى يعودون للوطء الذي
حرّموه أو للعزم عليه أو للإمساك الذي تركوه أو للعزم عليه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ جعل الله
الكفّارة في الظهار على ثلاثة أنواع مرتبة لا ينتقل إلى الثاني حتى يعجز عن الأول ولا ينتقل
إلى الثالث حتى يعجز عن الثاني فالأول تحرير رقبة والثاني صيام شهرين متتابعين والثالث
إطعام ستين مسكينًا فأما الرقبة فاشترط مالك أن تكون مؤمنة لأن مذهبه حمل المطلق على
المقيّد وجاءت هنا مطلقة وجاءت في كفّارة القتل مقيّدة بالإيمان وأما صيام الشهرين فاشترط
فيه التتابع فإن أفسد الصائم التتابع باختياره ابتدأه من أوله باتفاق وإن أفسده بعذر كالمرض
والنسيان فقال مالك يبني على ما كان فيه وقال أبو حنيفة يبتدى، ورُوِيَ القولان عن
الشافعي، وأما الإطعام فمشهور مذهب مالك أنه مدّ لكل مسكين بمدّ هشام واختلف في مدّ
هشام فقيل إنه مدّان غير ثلث بمدّ النبي وَل زل، وقيل إنه مدّ وثلث، وقيل إنه مدّان وقال
الشافعي وابن القصّار يطعم مدًّا بمدّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لكل مسكين ولا يجزيه
إلاّ كمال عدد الستّين فإن أطعم مسكينًا واحدًا ستّين يومًا لم يجزه عند مالك والشافعي
خلافًا لأبي حنيفة وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين والطعام يكون من غالب قوت البلد ﴿مِن
قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا﴾ مذهب مالك والجمهور أن المسيس هنا يراد به الوطء وما دونه من اللمس
والتقبيل فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئًا من ذلك حتى يكفر. وقال الحسن والثوري أراد
الوطء خاصّة فأباحا ما دونه قبل الكفّارة وذكر الله قوله من قبل أن يتماسًا في التحريم
والصوم ولم يذكره في الإطعام فاختلف العلماء في ذلك فحمل مالك الإطعام على ما قبله،
ورأى أنه لا يكون إلاّ قبل المسيس وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيّد، وقال
أبو حنيفة يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفّارة لأن الله لم ينصّ في
الإطعام أنه قبل المسيس ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا﴾ قال ابن عطية الإشارة إلى الرخصة في النقل من