النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ تفسير سورة الحجرات قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ ١٥ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٨٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَعُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٨) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨ أعمالهم وقد قال إنهم لم يؤمنوا ولا يقبل عمل إلاّ من مؤمن؟ فالجواب: أن طاعة الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح الأعمال فالمعنى إن رجعتم عمّا أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم وعملتم أعمالاً صالحةً فإن الله لا ينقصكم منها شيئًا ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي لم يشكّوا في إيمانهم وفي ذلك تعريض بالأعراب المذكورين بأنهم في شكٌّ وكذلك قوله في هؤلاء أولئك هم الصادقون تعريض أيضًا بالأعراب إذ كذبوا في قولهم آمنًا وإنما عطف ثم لم يرتابوا بثم إشعارًا بثبوت إيمانهم في الأزمنة المتراخية المتطاولة ﴿وَجَاهَدُوا﴾ يريد جهاد الكفّار لأنه دليل على صحة الإيمان ويبعد أن يريد جهاد النفس والشيطان لقوله بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴿يَمُثُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسَلَمُوا﴾ نزلت في بني أسد أيضًا فإنهم قالوا للنبي وَل﴿ إنّا آمنًا بك واتّبعناك ولم نحاربك كما فعلت هوازن وغطفان وغيرهم ﴿بَلٍ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ أي هداكم للإيمان على زعمكم ولذلك قال: ﴿إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ويمنّ عليكم يحتمل أن يكون بمعنى ينعم عليكم أو بمعنى يذكر إنعامه، وهذا أحسن لأنه في مقابلة يمنّون عليك. v' سورة ق مكية إلاّ آية ٣٨ فمدنيّة وآياتها ٤٥ نزلت بعد المرسلات ١٠٠ اَللَّهِ الََّنِ الرَّ بسـ قَّ وَلْقُرْءَانِ الْمَحِيدِ ١٥َ بَلْ عِبُواْ أَنْ جَءَ هُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عِيدُ مِثْنَا وَكُنَا نُرَبًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ (٢) قَدْ عَلْنَا مَا نَنقُصُنِ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِنَبُّ حَفِظْ () بَلْـ بِسْم اللّهِ الرَّحمن الرّحيم ٠٢٠ تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة ويختصّ ﴿ق﴾ بأنه قيل إنه من اسم الله القاهر أو القدير وقيل هو اسم للقرآن وقيل اسم للجبل الذي يحيط بالدنيا ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ من المجد وهو الشرف والكرم وجواب هذا القسم محذوف تقديره ما ردّوا أمرك بحجّة وما كذّبوك ببرهان وشبه ذلك وعبّر عن هذا المحذوف وقع الإضراب ببل وقيل الجواب ما يلفظ من قول وقيل إن في ذلك لذكرى وقيل قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وهذه الأقوال ضعيفة متكلّفة ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُم﴾ الضمير في عجبوا الكفّار قريش والمنذر هو سيدنا محمد # وقيل الضمير لجميع الناس واختاره ابن عطية قال ولذلك قال تعالى ﴿فَقَّالَ الْكَافِرُونَ﴾ أي الكافرون من الناس والصحيح أنه لقريش وقوله: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمّهم بالكفر كما تقول جاءني فلان فقال الفاجر كذا إذا قصدت ذمّه وقوله: ﴿مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ إن كان الضمير لقريش فمعنى منهم ٣٦٣ تفسير سورة ق كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِيَّ أَمْرِ مَّرِيجٍ ◌ّ أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا ٧ وَزَيَّنَهَا وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجِ ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْفَيَّنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَها مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّبٍ ﴿ وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّاتٍ وَحَبَّ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَمَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾َ رِّزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ ٩ المَصیدِ من قبيلتهم يعرفون صدقه وأمانته وحسبه فيهم وإن كان الضمير لجميع الناس فمعنى منهم إنسان مثلهم، وتعجّبهم يحتمل أن يكون من أن بعث الله بشرًا أو من الأمر الذي يتضمنه الإنذار وهو الحشر ويؤيّد هذا ما يأتي بعد ﴿أَئِذَا مِثْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ العامل في إذا محذوف تقديره أنبعث إذا متنا ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ الرجع مصدر رجعته والمراد به البعث بعد الموت ومعنى بعيد، أي بعيد الوقوع عندهم وقيل الرجع الجواب أي جوابهم هذا بعيد عن الحق وعلى هذا يكون قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ من كلام الله تعالى وأما على الأول فهو حكاية كلام الكفّار وهو أظهر ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ هذا ردّ على الكفّار في إنكارهم للبعث معناه قد علمنا ما تنقص الأرض منهم من لحومهم وعظامهم فلا يصعب علينا بعثهم، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((كلّ جسد ابن آدم تأكله الأرض إلاّ عجب الذنب منه خلق وفيه يركّب)) وقيل المعنى قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم والأول قول ابن عباس والجمهور وهو أظهر ﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ يعني اللوح المحفوظ ومعنى حفيظ جامع لا يشذّ عنه شيء وقيل معناه محفوظ من التغيير والتبديل ﴿بَلْ كَذِّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ هذا الإضراب أتبع به الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أقبح من تعجّبهم وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة وما تضمنته من الإخبار بالحشر وغير ذلك وقال ابن عطية هذا الإضراب عن كلام محذوف تقديره ما أجادوا النظر ونحو ذلك ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيج﴾ أي مضطرب لأنهم تارة يقولون شاعر وتارة ساحر وغير ذلك من أقوالهم وقيل معناه منكر وقيل ملتبس وقيل مختلط ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ يعني بالنجوم ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجِ﴾ أي من شقوق وذلك دليل على إتقان الصنعة ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال ﴿مِن كُلِّ ذَوْجٍ بَهِيَجٍ﴾ أي من كل نوع جميل ﴿مَاءً مُّبَارَكًا﴾ يعني المطر كله وقيل الماء المبارك ماء مخصوص ينزله الله كل سنة وليس كل المطر يتّصف بالمبارك وهذا ضعيف ﴿حَبَّ اٌلْحَصِيدِ﴾ هو القمح والشعير ونحو ذلك مما يحصد ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ أي طويلات ﴿طَلْعْ نَضِيدٌ﴾ الطلع أول ما يظهر من الثمر وهو أبيض منضّد كحبّ الرمّان فما دام ملتصقًا بعضه ببعض فهو نضيد فإذا تفرّق فليس بنضيد ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ تمثيل لخروج الموتى من القبور ٣٦٤ تفسير سورة ق اَلْنُرُوجُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ أَ وَأَصْحَبُ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ أَلَّ وَثَمُودُ ١١ أَفَعِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِ لَيْسِ مِّنْ خَلْقِ ١٤ اُلْأَتْكَةٍ وَقَوْمُ تُبَّحِ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَّ وَعِدِ وراً وفي وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُّوَسَوِسُ بِه نَفْسُهُمْ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿ إِذْ يَتَلَقَى جَدِيدٍ الْمُلَفِيَانِ عَنِ الْيَعِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِدٌ (٨)َمَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عَنِيْدٌ (١٨) وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بخروج النبات من الأرض ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسُ﴾ قوم كانت لهم بئر عظيم وهي الرسّ بعث إليهم نبيّ فجعلوه في الرسّ وردموا عليه فأهلكهم الله ﴿وَأَصْحَابُ الأَنْكَةِ﴾ يعني قوم شعيب وقد ذكر ﴿وَقَوْمُ تُبَّع﴾ ذكر في الدخان ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي حلّ بهم الهلاك ﴿أَفَعَيِينَا بِالْجَلْقِ الأَوَّلِ﴾ يقال عَبِيَ بالأمر إذا لم يعرف علمه والخلق الأول خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة وقيل يعني خلق آدم، وقيل خلق السموات والأرض، والأول أظهر، ومقصود الآية الاستدلال بالخلقة الأولى على البعث والهمزة للإنكار ﴿بَلْ هُمْ فِي لَيْسِ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي هم في شكٌّ من البعث وإنما نكر الخلق الجديد لأنه كان غير معروف عند الكفّار المخاطبين وعرف الخلق الأول لأنه معروف معهود ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ يعني جنس الإنسان ومعنى توسوس به نفسه تحدّثه نفسه من فكرتها وذلك أخفى الأشياء وقيل يعني آدم ووسوسته عند أكله من الشجرة والأول أظهر وأشهر ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو عرق كبير في العنق وهما وريدان عن يمين وشمال وهذا مثل في فرط القرب، والمراد به قرب علم الله واطلاعه على عبده وإضافة الحبل إلى الوريد كقولك: مسجد الجامع أو يراد بالحبل العاتق ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَّقْيَانِ﴾ يعني المَلَكّين الحافظين الكاتبين للأعمال، والتلقّي هو تلقّي الكلام بحفظه وكتابته، والعامل في إذ نحن أقرب، وقيل مضمر تقديره اذكر واختاره ابن عطيّة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي قاعد، وقيل مقاعد بمعنى مجالس، وردّه ابن عطيّة بأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، والقاعد يكون على جميع هيئة الإنسان وإنما أفرده وهما اثنان لأن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقين، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الفرّاء لفظ قعيد يدلّ على الاثنين والجماعة فلا يحتاج إلى حذف ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَنِهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ العتيد الحاضر، وفي الحديث أن رسول الله وَ﴾ قال: ((إن مقعد المَلَكَين على الشفتين قلمهما اللسان ومِدادهما الريق))، وعموم الآية يقتضي أن المَلَكَين يكتبان جميع أعمال العبد ولذلك قال الحسن وقتادة يكتبان جميع الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك، وقال عكرشة إنما تكتب الحسنات والسيئات لا غير ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي بلقاء الله أو فراق ٣٦٥ تفسير سورة ق ) وَحَمَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَأَبِقٌ ٢٠ ◌ْجَ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تِدُ إِ وَشَهِيدٌ [®َ لَّقَدْ كُنْتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (*) وَقَالَ فَرِيُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَنِدُ ﴿ أَلْقِيَا فِ جَهَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عِنْدٍ (١) مَنَِّ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ (٥) الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا الدنيا، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك قرأها أبو بكر الصدّيق، وإنما قال جاءت بالماضي لتحقّق الأمر وقربه، وكذلك ما بعده من الأفعال ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي تفرّ وتهرب، والخطاب للإنسان ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ السائق مَلَك يسوقه، وأما الشهيد فقيل مَلَك آخر يشهد عليه وهو الأظهر، وقيل صحائف الأعمال، وقيل جوارح الإنسان ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ خطاب للإنسان الذي يقتضيه قوله: كل نفس، يريد أنه كان غافلاً عمّا لَقِيَ في الآخرة، وقيل هو خطاب لسيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، أي كنت في غفلة من هذا القصص وهذا في غاية الضعف لأنه خروج عن سياق الكلام ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قيل كشف الغطاء معاينته أمور الآخرة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي يُبصِر ما لم يبصره قبل، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)) ﴿وَقَالَ قَرِيتُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ القرين هنا الشيطان الذي كان يغویه، وقيل الملك الذي يتولى عذابه في جهنم، والأول أرجح لأنه هو القرين المذكور بعد، ولقوله نقيّض له شيطانًا فهو له قرين، ومعنى قوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، أي هذا الإنسان حاضر لديّ أعتدته ويسّرته لجهنم، وكذلك المعنى إن قلنا إن القرين هو المَلَك السائق، وإن قلنا إنه أحد الزبانية فمعناه هذا العذاب لديّ حاضر ويحتمل أن يكون ما في قوله: ﴿مَا لَدَيَّ﴾، موصوفة أو موصولة، فإن كانت موصوفة فعتيد وصف لها وإن كانت موصولة، فعتيد بدل منها، أو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف وما هي خبر المبتدأ على هذه الوجوه، ويحتمل أن يكون عتيد الخبر وتكون ما بدلاً من هذا أو منصوبة بفعل مضمر ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَثَّمَ﴾ الخطاب للمَلَّكَين السائق والشهيد، وقيل إنه خطاب لواحد على أن يكون بالنون المؤكدة الخفيفة، ثم أبدل منها ألف أو على أن يكون معناه ألق ألق مثنى مبالغةً وتأكيدًا أو على أن يكون على عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم خليلي وصاحبي وهذا كله تكلّف بعيد، ومما يدلّ على أن الخطاب لاثنين قوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ ﴿مَّنَّاعْ لْلْخَيْرِ﴾ قيل منّاع للزكاة المفروضة والصحيح العموم ﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌ في الدين فهو من الرّيب بمعنى الشك ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ يحتمل أن يكون مبتدأ وخبره فألقياه وأدخل فيه ألفًا لتضمنه معنى الشرط أو يكون بدلاً أو صفة ويكون فألقياه تكرارًا للتوكيد ٣٫٦٦ تفسير سورققة ◌َ قَالَ لَا ﴿قَالَ فَيْتُ رَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَّلَلِ بَعِيدٍ ءَاخَرَ فَأَلْفِيَاهُ فِىِ الْعَذَابِ الشَدِيدِ ـَ مَا يُبَدَّلُّ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْهِيدِ [٢٥ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَّمَ ٢٨ تَخْصِمُواْ لَدَنَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ هَلٍ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ لـ ٣٠ أ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ! هَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّامٍ ثَ أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [٦]لَهُ مَّا حَفِيظٍ ثَ مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبٍ وَجَآءُ بِقَلْپٍُنِيبٍ يَشَآءُ وَنَّ فِيهَّا وَلَدَيْنَا مَزِيِّدٌ (٢٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قْلَهُم مِن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطِّئًا فَقَّبُواْ فِى الْبِلَدِ هَلّ ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبََّا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ القرين هنا شيطانه الذي وكّل به في الدنياهثلا خلاف ومعنى لما. أطغيته ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى باختياره وإنما حذف الواو هنا لأن هذه جطلة، مستأنفة بخلاف قوله وقال قرينه قبل هذا فإنه عطف ﴿لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ خطاب للمناسرد. وقونائهم من الشياطين ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَّيَّ﴾ أي قد حكمت بتعذيب الكفار فلا تبديل* لذلك، وقيل معناه لا يكذب أحد لديّ لعلمي بجميع الأمور فالإشارة على هذا إلى قول. القرين ما أطغيته ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ الفعل مسند إلى جهنم، وقيل إلى خزنتها بما الملائكة، والأول أظهر واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة أو مجازًا اباقهان الحال، والأظهر. أنه حقيقة وذلك على الله يسير، ومعنى قولها: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ إنما تطلب الزيادة وكالتْ: لم تمتلىء وقيل معناه لا مزيد أي ليس عندي موضع للزيادة فهي على هذا قد امتلأت. والأول أظهر وأرجج، لما ورد في الحديث لا يزال جهنم يُلقى فيها، وتقول هل من مزيد حتّى يُلقي فيها الجبار قدمه، وفي الحديث كلام ليس هذا موضعه، والمزيد يحتمل أن یکون مصدرًا کالمحيض أو اسم مفعول فإن كان مصدرًا فوزنه مفعوإن كان اسم مفعول فوزنه مفعول ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي قربت ثم أكّد كذلك بقوله غير بعيد ﴿لِكُلُّ أَوَّابٍ﴾ أي كثير الرجوع إلى الله فهو من آب يؤوب إذا رجع، وقيل هو المسبح لله من قوله: ﴿يَا لجِبَالُ. أَوّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] ﴿حَفِيظٍ﴾ أي حافظ لأوامر الله فيفعلها ولنواهيه فيتركها ﴿مِّنْ تَعِلْي" الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي اتّقى الله وهو غائب عن الناس، فالمجرور في موضع الحال ومَن خشي بدل أو مبتدأ، فإن قيل: كيف قرن بالخشية الاسم الدّالّ على الوحمة؟ فالجواب: إن: ذلك: القصد المبالغة: في الثناء على مَن يخشى الله لأنه يخشاه مع علمه برحمته وعفوهه، وقالى. ذلك الزمخشري: ويحتمل أن يكون الجواب عن ذلك أن الرحمن « صباو يستعمل استعمال) الاسم الذي ليس بصفة كقولنا الله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قيل معناه النظر إلى وجه الأرض، كقوله: ﴿الحُسْنَى وَزِيَادَةٍ﴾ [يونس: ٢٦] وقيل يعني ما لم يخطر على قلوبهم كما ورد في ٣٦٧ تفسير سورة ق ) إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ث) وَلَقَدْ ٣٦ مِن مُحِيصٍ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامِ وَمَا مَسَنَا مِن لُّغُوبٍ (٨) فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٢) وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَذْبَرَ ◌َْ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ وَأُسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ فَرِيبٍ ٤٠ الشُّجُودِ إِنَّا نَحْنُ نُحِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَاً ذَلِكَ حَشَرٌ ٤٢ المُرُوج الحديث مما يرويه النبي ◌َّ ر عن ربّه أنه قال: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)) ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ الضمير في هم للقرون المتقدمة، وفي منهم الكفّار قريش ﴿فَتَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ﴾ أي طافوا فيها وأصله دخولها من أنقابها أو من التنقّب عن الأمر، بمعنى البحث عنه ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ أي قالوا هل من مهرب من الله أو من العذاب ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي قلب واع يعقل ويفهم ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي استمع وهو حاضر القلب ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ اللغوب الإعياء والتعب ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني كفّار قريش وغيرهم ﴿وَسَبِّخْ بِحَمْدٍ رَبُّكَ﴾ يحتمل أن يريد التسبيح باللسان، أو يريد الصلاة وقد ذكر الزمخشري فيه الوجهين وقال ابن عطية: معناه صلّ بإجماع من المتأوّلين، وهي على هذا إشارة إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس الصبح وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل المغرب والعشاء، وقيل هي النوافل ﴿وَأَذْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما: الركعتين بعد المغرب وقال ابن عباس هي النوافل بعد الفرائض، وقيل الوتر ﴿وَأَسْتَمِعْ﴾ معناه انتظر فهو عامل في يوم ينادٍ على أنه مفعول به صريح، وقيل المعنى استمع لما نقصّ عليك من أهوال القيامة فعلى هذا لا يكون عاملاً في يوم ينادٍ فيوقف على استمع والأول أظهر ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ المنادي هنا إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وقيل إنما وصفه بالقرب لأنه يسمعه جميع الخلق، وقيل المكان صخرة بيت المقدس، وإنما وصفها بالقرب لقربها من مكّة، وقيل لقربها من السماء، لأنها أقرب إلى الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً وهذا ضعيف ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ يعني خروج الناس من القبور و﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ﴾ العامل في هذا الظرف معنى قوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أو هو بدل مما قبله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ أي بقهّار تقهرهم على الإيمان كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقيل إخبار بأنه رَِّ رؤوفٌ بهم غير جبّار عليهم وهذا أظهر ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ ٣٦٨ تفسير سورة ق عَلَيْنَا يَسِيْرٌ ◌َحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ! ٤٤ 93 يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ [فاطر: ١٨] لأنه لا ينفع التذكير إلاّ مَن يخاف. سورة الذاريات مكتبة وآياتها ٦٠ نزلت بعد الأحقاف بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًّا (٤َ إِنََّا تُوعَدُونَ ٣ ! فَالْجَرِيَتِ يُسْرًّا ٢ وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا (٠َ فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا لَصَادِقٌ ﴿٥ْجَ فَإِنَّ الِّينَ لَوَفِّعٌ (٢) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٥) إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُخْلِفٍ ◌ِأَ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ٩ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ هي الرياح تذرو التراب وغيره، ومنه قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] وانتصب ذروًا على المصدرية ﴿فَالْحَامِلاَتِ وَقْرًا﴾ هي السحاب تحمل المطر والوقر الحمل وهو مفعول به ﴿فَالْجَارِبَاتِ يُسْرًا﴾ هي السفن تجري في البحر وإعراب يُسْرًا صفة لمصدر محذوف ومعناه بسهولة ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ هي الملائكة تقسم أمر الملكوت من الأرزاق والآجال وغير ذلك، وأمرًا مفعول به، وقيل إن الحاملات وقرّا: السفن، وقيل جميع الحيوان الحامل، وقيل إن الجاريات يسرًا: السّحاب، وقيل الجواري من الكواكب والأول أشهر وهو قول عليّ بن أبي طالب ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ هذا جواب القسم ويحتمل توعدون أن يكون من الوعد أو من الوعيد والأظهر أنه يراد به البعث في الآخرة وهو يشمل الوعد والوعيد ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ الدين هنا الجزاء، وقيل الحساب ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ﴾ أي ذات الطرائق مثل الطرائق التي تكون في الماء إذا هبّت عليه ٣٧٠ تفسير سورة الذاريات ـَ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ ١٢ يَسْتَلُونَ أَيََّنَ يَوْمُ الدِيْنِ ١١ قُئِلَ الْخَرَّصُونَ (٤) الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَةِ سَاهُونَ ◌َ ذُوقُواْ فِتْنَتَّكُمْ هَذَا الَّذِى كُم بِهِ ، تَسْتَعَِّلُونَ (١٤) إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٢)،َاخِذِينَ مَآ (١٣ يَفْئِنُونَ ـا كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْتُونَ ءَانَتْهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ ١٧ الرياح، وكذلك حبك الزرع وهي الطرائق التي فيه وقيل الحبك النجوم وقيل زينة السماء وقيل حُسْن خلقتها وواحد الحبك حباك أو حبيكة ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ يحتمل أن يكون خطابًا لجميع الناس لأنهم اختلفوا فمنهم مؤمن ومنهم كافر، ويحتمل أن يكون خطابًا للكفّار خاصّة لأنهم اختلفوا فقال بعضهم ساحر، وقال بعضهم كاهن، وقال بعضهم شاعر ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ معنى يؤفك يصرف، والضمير في عنه يحتمل أربعة أوجه أحدها أن يكون للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو للقرآن أو للإسلام والمعنى يصرف عن الإيمان به مَن صرف أي مَن سبق في علم الله أنه مصروف، الثاني أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين والمعنى يصرف عن الإيمان به مَن صرف. الثالث أن يكون الضمير للقول المختلف والمعنى يصرف عن ذلك القول إلى الإسلام مَن قضى الله بسعادته، وهذا القول حسن إلاّ أن عُرْف الاستعمال في أفك ويؤفك إنما هو في العُرْف من خير إلى شرّ وهذا من شرّ إلى خير. الرابع أن يكون الضمير للقول المختلف وتكون عن سببية والمعنى يصرف بسبب ذلك القول مَن صرف عن الإيمان ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ دعاء عليهم كقولهم قاتلك الله، وقيل قتل بمعنى لعن، قال ابن عطية واللفظ لا يقتضي ذلك وقال الزمخشري أصله الدعاء بالقتل، ثم جرى مجرى لعن وقبح، والخرّاصون الكذّابون، وأصل الخرص التخمين والقول بالظن والإشارة إلى الكفّار، وقيل إلى الكهّان والأول أظهر ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي ◌َمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة ما يغطّي عقل الإنسان وأصله من غمرة الماء والمراد به هنا الجهلة والغفلة عن النظر ﴿يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي يقولون متى يوم الدين على وجه الاستبعاد والاستخفاف ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ هذا جواب عن سؤالهم، ومعنى يفتنون يحرقون ويعذبون، ومنه قيل للحّة فتين لأن الشمس أحرقت حجارتها، ويحتمل أن يكون يومهم معربًا والعامل فيه مضمر تقديره يقع ذلك يوم هم على النار يفتنون، وأن يكون مبنيًّا لإضافته إلى مبني، وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا أو في موضع رفع والتقدير هو يوم هم على النار يفتنون ﴿ذُوقُوا فِتْتَتَكُمْ﴾ أي يقال لهم ذوقوا حرقتكم: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ يعني يأخذون في الجنة ما أعطاهم ربهم من الخيرات والنعيم، وقيل المعنى آخذين في الدنيا ما آتاهم ربّهم من شرعه، والأول أظهر وأرجح لدلالة الكلام عليه ﴿كَانُوا ٠١ ٣٧١ تفسير سورة الذاريات يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِيّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ لِّلِسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)، وَفِىِ اُلْأَرْضِ ءَايٌَ لِلْمُوقِينَ (١٠) وَفِيّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (٢٦) وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٦) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَُّ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ ٢٣ قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ الهجوع النوم وفي معنى الآية قولان: أحدهما وهو الصحيح أنهم كانوا ينامون قليلاً من الليل ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرّع والدعاء، والآخر أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلاً ولا كثيرًا، ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه: الأول أن يكون قليلاً خبر كانوا وما يهجعون فاعل بقليلاً، لأن قليلاً صفة مشبهة باسم الفاعل، وتكون ما مصدرية، والتقدير كانوا قليلاً هجوعهم من الليل، والثاني مثل هذا إلاّ أن ما موصولة والتقدير كانوا قليلاً الذي يهجعون فيه من الليل، والثالث أن تكون ما زائدة، وقليلاً ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير كانوا يهجعون وقتًا قليلاً من الليل، والرابع مثل هذا إلاّ أن قليلاً صفة لمصدر محذوف، والتقدير كانوا يهجعون هجوعًا قليلاً، وأما على القول الثاني ففي الإعراب وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية، وقليلاً ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير كانوا ما يهجعون قليلاً من الليل، والآخر أن تكون ما نافية، وقليلاً خبر كان، والمعنى كانوا قليلاً في الناس، ثم ابتدأ بقوله من الليل ما يهجعون وكلا الوجهين باطل عند أهل العربية، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فظهر ضعف هذا المعنى لبطلان إعرابه ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي يطلبون من الله مغفرة ذنوبهم، والأسحار آخر الليل، وقد جاء في الحديث أن الله تعالى يقول في الثلث الآخر من الليل: مَن يستغفرني فأغفر له، وقيل معنى يستغفرون يصلّون وهذا بعيد من اللفظ ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لْلسَّائِلِ وَالْمَخْرُومِ﴾ الحق هنا نوافل الصدقات، وقيل المراد الزكاة وهذا بعيد لأن الآية مكيّة، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، وقيل إن الآية منسوخة بالزكاة، وهذا لا يحتاج إليه لأن النسخ إنما يكون مع التعارض، ولا تعارض بين الزكاة والنوافل وتسمية النوافل بالحق كقوله حقًّا على المحسنين، وإن كان غير واجب، وقال بعض العلماء حق سوى الزكاة ورجّحه ابن عطية واختلف الناس في المحروم حتى قال الشعبي أعياني أن أعلم ما المحروم، وقيل المحروم الذي ليس له في بيت المال سهم، وقيل الذي أُجيحت ثمرته، وقيل الذي ماتت ماشيته، وقيل هو الكلب وهذه أمثلة، والمعنى الجامع لها أن المحروم الذي حرمه الله المال بأيّ وجهٍ كان ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ﴾ إشارة إلى ما في خلقة الإنسان من الآيات والعِبَر، ولقد قال بعض العلماء فيه أن فيه خمسة آلاف حكمة، وقال بعضهم الإنسان نسخة مختصرة من العالم ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ٣٧٢ تفسير سورة الذاريات ◌َ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلٌَ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ (٢٤ هَلّ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُّكْرَمِينَ ـَ فَقَرَّبَةُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٦) فَأَوْحَسَنَ مِنْهُمْ خِفَةٌ قَالُوالَا فَرَغَ إِلَىْ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ◌َ قَالُواْ ٢٩ جَ فَأَقْبَتِ آَمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزُ عَقِيمُ ٢٨ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلٍَ عَلِيمٍ (! قَالُواْ إِنََّ ٣١ ﴿ قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ٣٠ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ ثَ لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ( ٢] ◌ُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ فَأَخْرَحْنَا ٣٣ معنى في السماء رزقكم المطر، وقيل القضاء والقدر، ويحتمل أن يكون ما توعدون من الوعد والوعيد والكلّ في السماء، ولذلك قيل يعني الجنة والنار، وقيل الخير والشر ﴿إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ هذا جواب القسم، والضمير لما تقدّم من الآيات أو الرزق أو لما توعدون ﴿مِّثْلَ مَا آنكُمْ تَنطِقُونَ﴾ أي حق مثل نطقکم لا يمكن الشك فيه، وما زائدة: وقرىء مثل بالنصب والرفع صفة لحق، والنصب على الحال من حق أو من الضمير المستتر فيه أو صفة لحق وبني لإضافته إلى مبني أو لتركيبه مع ما فيصير نحو أينما وكلما ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ إبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ المراد بالاستفهام في مثل هذا التفخيم والتهويل، وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين جاؤوا ليبشّروه بالولد وبإهلاك قوم لوط، ووصفهم بالمكرمين لأنهم مكرمون من عند الله، ولأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم لأنه خدمهم بنفسه وعجّل لهم الضيافة والعامل في إذ دخلوا على هذا: المكرمين، ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره اذكر ﴿فَقَالُوا سَلاَمًا﴾ نصب هذا لأنه في معنى الطلب وهو مفعؤل بفعل مضمر، ورفع الثاني لأنه خبر تقديره أمري سلام، وهذا على أن يكون السلام بمعنى السلامة، وإن كان بمعنى التحيّة فإنما رفع الثاني ليدلّ على إثبات السلام فيكون قد حيّاهم بأكثر ما حيّوه وينتصب السلام الأول على هذا على المصدرية تقديره سلّمنا عليك سلامًا، ويرتفع الثاني بالابتداء تقديره: سلام عليكم قوم منكرون أي لم يعرفهم ﴿قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ يحتمل أن يكون ألا حضًّا على الأكل أو تكون الهمزة للإنكار دخلت على لا النافية ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ إنما خاف منهم لمّا لم يأكلوا ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمِ عَلِيم﴾ هو إسحق عليه السلام لقوله: ﴿فَبَشَرْنَاهَا بِإِسْحَقٍ﴾ [هود: ٧١] ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أي صيحة، وذلك قولها: يا ويلتا أألذ وأنا عجوز وهو من صرّ القلم وغيره إذا صوّت، وقيل معناه في جماعة من النساء ﴿فَضَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي ضربته حياءً منهم وتعجّبًا من ولادتها وهي عجوز ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ تقديره أنا عجوز عقيم فكيف ألد أو تقديره أتلد عجوز عقيم ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي ما شأنكم وخبركم، والخطب أكثر ما يقال في الشدائد ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ٣٧٣ تفسير سورة الذاريات ◌َ وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ ٣٦ مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (﴿ فَمَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَوَلَّى بِّكْتِهِ، وَقَالَ سَحِرْ أَوْ ٣٨ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿ وَفِى مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ مَجْنُنٌ ﴿ فَأَخَذْنَهُ وَحُدَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْتَمّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٥) وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَهِمُ الْرِّيحَ الْحَقِيَمَ اجَمَا فَعَتَوْاْ عَنْ نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّحِيمِ (١) وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِلَ لَهُمْ تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ ﴿ ـّ فَا أُسْتَطَعُواْ مِن قِيَاءٍ وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ ( ٤٤ أَمْرِ رَبِهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَِّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَقوم ٤٥ ◌َ وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا ٤٧ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ (١) وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ! فَنِعْمَ الْمَِهِدُونَ (١٨) وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ (٢٦) فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْمِنْهُ نَذِيرٌ يعني قوم سيّدنا لوط وقد ذكرنا الحجارة ومسومة في هود ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الضمير المجرور لقرية قوم سيّدنا لوط لأن الكلام يدلّ عليها وإن لم يتقدّم ذكرها والمراد بالمؤمنين لوط وأهله: أمرهم الله بالخروج من القرية لينجوا من العذاب الذي أصاب أهلها، ووصفهم بالمؤمنين وبالمسلمين لأنهم جمعوا الوصفين وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان في الأحزاب ﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف على قوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لْلْمُوقِنِينَ﴾ أو على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ معنى تولّى أعرض عن الإيمان وركنه سلطانه وقوّته ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي قالوا إن موسى ساحر أو مجنون: فأو للشك أو للتقسيم، وقيل بمعنى الواو وهذا ضعيف ولا يستقيم هنا ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي فعل ما يلام عليه يعني فرعون ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ وصفها بالعقم لأنها لا بركة فيها من إنشاء المطر أو إلقاح الشجر ﴿كَالرَّمِيم﴾ أي الفاني المنقطع والعموم هنا يراد به الخصوص فيما أذِنَ للريح أن تهلكه ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ فيه قولان: أحدهما أن الحين هي الثلاثة الأيام بعد عقرهم الناقة والآخر أن الحين من بعد ما بعث صالح عليه السلام إلى حين هلاكهم، وعلى هذا يكون فعتوا مترتّبًا بعد تمتّعهم، وأما على الأول فيكون إخبارًا عن حالهم غير مرتّب على ما قبله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يعني الصيحة التي صاحها جبريل ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي يعاينونها لأنها كانت بالنهار ﴿وَالسَّمَاءَ بَتَيْنَاهَا بِأَنْدٍ﴾ أي بقوّة وانتصاب السماء بفعل مضمر ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فِيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه قادرون فهو من الوسع وهو الطاقة، ومنه على الموسع قدره أي القوي على الإنفاق، والآخر جعلنا السماء واسعة أو جعلنا بينها وبين الأرض سعة، والثالث أوسعنا الأرزاق بمطر السماء ﴿فَنِعْمَ المَاهِدُونَ﴾ الماهد الموطىء للموضع ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْتَا زَوْجَيْنٍ﴾ أي نوعين مختلفين ٣٧٤ تفسير سورة الذاريات جَ كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ لِمِن قَبْلِهِمْ مِن مُّبِينٌ (٥) وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٍّ إِنِِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَقَوَلَ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ 1 ٥٣ أَنَوَاصَوْ بِدٍّ، بَلَ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِ أَوْ مَجْنُونُ أَنَّ بِعَلُومٍ ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَّ تَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ لَّمَوَمَا خَفْتُ أَلِنَّ وَالْإِنِسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٦) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ (٠٨، فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُونٍ أَصْحَبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْبِلُونِ (٢٦) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِىَّ يُوعَدُونَ 2. ٦٠ كالليل والنهار، والسواد والبياض، والصحة والمرض وغير ذلك ﴿فَقِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أمر بالرجوع إليه بالتوبة والطاعة وفي اللفظ تحذير وترهيب ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ توقيف وتعجيب أي هم بمثابة مَن أوصى بعضهم بعضًا أن يقول ذلك ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف ﴿فَمَا أَنْشَ بِمَلُومٍ﴾ أي قد بلغت الرسالة فلا لوم عليك ﴿وَمَا خَلَقْتُ آلْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ قيل معناه خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي، وقيل ليتذلّفوا إليّ فإن جميع الإنس والجنّ متذلّل ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رُّزْقٍ﴾ أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم ﴿وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ أي لا أُريد أن يطعمون لأني مُتَزّه عن الأكل وعن صفات البشر، وأنا غنيٌّ عن العالمين، وقيل المعنى ما أُريد أن يطعموا عبيدي، فحذف المضاف تجوّزًا، وقيل معناه ما أُريد أن ينفعوني لأني غنيّ عنهم، وعبّر عن النفع العام بالإطعام، والأول أظهر ﴿الْمُتِينَ﴾ أي الشديد القوة ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَتُوبًا﴾ الذنوب النصيب ويريد به هنا نصيبًا من العذاب» وأصل الذنوب الدلو، والمراد بالذين ظلموا كفّار قريش، وبأصحابهم مَن تقدّم من الكفّار ﴿فَوَيْلٌ لَلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُون﴾ يحتمل أن يريد يوم القيامة أو يوم هلاكهم ببدر والأول أرجح لقوله في المعارج ﴿ذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون﴾ [المعارج:٤٤] يعني يوم القيامة . د ... ٠٠ ٠٠ ی ٠٠ سورة الطور مكية وآياتها ٤٩ نزلت بعد السجدة ٠ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِمَـ ◌َ وَاُلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ () وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ٥ ٣ ، وَكِنَبِ مَّسْطُورٍ (ج) فِ رَقٍّ مَّنْشُورٍ وَالُطُورِ الأَـ جَ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ﴾﴾ وَتَسِيرُ وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِّعُ (٢) مَّا لَهُ مِن دَافِعِ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالطُّورِ﴾ هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام، وقيل الطور كل جبل فكأنه أقسم بجنس الجبال ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ قيل هو اللوح المحفوظ، وقيل القرآن، وقيل صحائف الأعمال ﴿فِي رِقْ مَّنشُورٍ﴾ الرقّ في اللغة الصحيفة، وخصّصت في العُرْف بما كان من جلد، والمنشور خلاف المطوي ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك، لا يعودون إليه أبدًا وبهذا عمرانه، وهو حيال الكعبة، وقيل البيت المعمور الكعبة وعمرانها بالحجاج والطائفين، والأول أظهر، وهو قول عليّ وابن عباس ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يعني السماء ﴿وَالْبَخْرِ الْمَسْجُورِ﴾ هو بحر الدنيا، وقيل بحر في السماء تحت العرش والأول أظهر وأشهر، ومعنى المسجور المملوء ماء، وقيل الفارغ من الماء، ويُروَى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة، واللغة تقتضي الوجهين: لأن اللفظ من الأضداد، وقيل معناه الموقد نارًا من قولك سجرت التنّور، واللغة أيضًا تقتضي هذا، ورُوِيَ ٣٧٦ تفسير سورة الطور ◌ِ يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ ◌َ فَوَيِّلٌ يَوْمَيِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ١٠ اَلْجِبَالُ سَيْرًا ١٥ جَهَنَّمَ دَعَّا الْجَ هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿ذَا أَفَسِحْرُّ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْأَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَ الْمُنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيْئًا بِمَا ١٨ فَكِهِينَ بِمَآ ءَائَنُهُمْ رَبُّهُ وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٧ وَنَعِيمٍ (٤) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّعَنْهُمْ مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفٍَ وَزَوَّهْنَاهُم ◌ُورِ عِينٍ ١٩ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أن جهتم في البحر ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعْ﴾ هذا جواب القسم، ويعني عذاب الآخرة ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ أي تجيء وتذهب، وقيل تدور، وقيل تتشقّق، والعامل في الظرف واقع ودافع أو محذوف ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ الخوض التخبّط في الأباطيل شبه بخوض الماء ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ﴾ أي يدفعون بتعنيف، ويوم بدل من الظرف المتقدّم ﴿أَفَسِخْرٌ هَذَا﴾ توبيخ للكفّار على ما كانوا يقولونه في الدنيا من أن القرآن سحر ﴿أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ توبيخ أيضًا لهم وتهكّم بهم أي هل أنتم لا تبصرون هذا العذاب الذي حلّ بكم. كما كنتم في الدنيا لا تبصرون الحقائق ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا﴾ ليس المراد بذلك الأمر بالصبر ولا النهي عنه وإنما المراد التسوية بين الصبر وعدمه في أن كل واحد من الحالين لا ينفعهم ولا يخفّف عنهم شيئًا من العذاب ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذا تعليل لما ذكر من عذابهم، وليس تعليلاً للصبر ولا لعدمه كما قال بعض الناس ﴿فَاكِهِينَ﴾ يحتمل أن يكون معناه أصحاب فاكهة فيكون نحو لابن وتامر أو يكون من الفكاهة بمعنى السرور ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ معطوف على قوله في جنّات أو على آتاهم ربّهم، أو تكون الواو للحال ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي يقال لهم كلوا ﴿هَنِيئًا﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره كلوا أكلاً هنيئًا، ويحتمل أن يكون وقع موقع فعل تقديره هنّأكم الأكل والشرب ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ الحور: جمع حوراء وهي الشديدة بياض بياض العين وسواد سوادها، والعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع جمالها، وإنما دخلت الباء في قوله بحور لأنه تضمن قوله زوجناهم معنى قرنّاهم، قاله الزمخشري وقال إن الذين آمنوا معطوف على بحور عين أي قرناهم بحور للتلذّذ بهنّ، وبالذين آمنوا للأنس معهم والأظهر أن الكلام تمّ في قوله: ﴿بِحُورٍ عِینِ﴾ ويكون والذين آمنوا مبتدأ خيره ألحقنا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ معنى الآية ما ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم قال: ((إن الله يرفع ذرّيّة المؤمن في درجته في الجنة))، وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه، فذلك كرامة للأبناء بسبب الآباء، قيل إن ذلك في الأولاد الذين ماتوا صغارًا، ٣٧٧ تفسير سورة الطور ذُرِّيَّنُهُمْ بِإِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَآ أَلَهُم مِنْ عَمَلِهِم ◌ِن شَىْءٍ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ٢١ ﴿﴿ وَيَطُوفُ يَتَّْعُونَ فِهَا كَأْسَا لَّا لَغَوْ فِيهَا وَلَا تَأْثٌِّ ٢٢ وَأَمْدَدْنَهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْنَهُونَ ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَّسَاءَلُونَ (١٥) قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىّ ٢٤ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَهُمْ لُؤْلٌ مَّكْنُونٌ ! أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَدْنَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ (٨) فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا مَجْنُونٍ (٤٦) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّبَصُ وقيل على الإطلاق في الأبناء المؤمنين، وبإيمان في موضع الحال من الذرّيّة، والمعنى أنهم اتّبعوا آباءهم في الإيمان، وقال الزمخشري إن هذا المجرور يتعلق بألحقنا، والمعنى عنده بسبب الإيمان ألحقنا بهم ذرّيّتهم، والأول أظهر، فإن قيل: لِمَ قال بإيمان بالتنكير؟ فالجواب: أن المعنى بشيء من الإيمان لم يكونوا به أهلاً لدرجة آبائهم ولكنهم لحقوا بهم كرامة للآباء، فالمراد تقليل إيمان الذرّيّة ولكنه رفع درجتهم فكيف إذا كان إيمانًا عظيمًا ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مُّنْ شَيْءٍ﴾ أي ما أنقصناهم من ثواب أعمالهم بل وفّينا لهم أجورهم، وقيل المعنى ألحقنا ذرّيّتهم بهم وما نقصناهم شيئًا من ثواب أعمالهم بسبب ذلك بل فعلنا ذلك تفضّلاً زيادة إلى ثواب أعمالهم والضمير على القولين يعود على الذين آمنوا، وقيل إنه يعود على الذرّيّة ﴿كُلُّ آمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي مرتهن، فإما أن تُنجيه حسناته، وإما أن تهلكه سيئاته ﴿وَأَمْدَذْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ﴾ الإمداد هو الزيادة مرة بعد مرة ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي يتعاطونها إذ هم جلساء على الشراب ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمْ﴾ اللغو الكلام الساقط والتأثيم الذنب فهي بخلاف خمر الدنيا ﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ يعني خدّامهم ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤْ مَّكْتُونٌ﴾ اللؤلؤ الجوهر، والمكنون المصون، وذلك لحُسْنه وقيل هو الذي لم يخرج من الصدف ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي كنّا في الدنيا خائفين من الله، والإشفاق شدّة الخوف ﴿السَّمُوم﴾ أشدّ الحرّ وقيل هو من أسماء جهنم ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَذْعُوهُ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى نعبده، أو من الدعاء بمعنى الرغبة، ومن قبل يعنون في الدنيا قبل لقاء الله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ البرّ الذي يبرّ عباده ويُحسِن إليهم، وقرىء أنه بفتح الهمزة على أن يكون مفعولاً من أجله، أو يكون هذا اللفظ هو المدعو به، وقرىء بكسرها على الاستئناف ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ هذا خطاب للنبي ◌َّ أي ذكّر الناس ثم نفى عنه ما نسبه إليه الكفّار من الكهانة والجنون. ومعنى بنعمة ربّك: بسبب إنعام الله عليك ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ تَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أم في هذا الموضع وفيما بعده ٣٧٨ تفطير سورة الطور قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَّيِّصِينَ ﴿َ أَمْ تَأْمُ هُمْ أَخْلَمُهُمْ بَذَا أَم ◌ُهُمْقَوْمٌ ٣٠ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ طَاغُونَ ﴿َّ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلُ بَلَ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُواْ صَحْدِقِينَ الأَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِفُونَ ٣٥ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُؤِّْنُونَ ٣. أَمْ عِبَدَهُمّ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ الْ أَمْ لَمْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِّهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانِ قُبِينٍ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٦) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًّا فَهُمْ مِنَ مَّغْرَمٍ مُّشْقَلُونَ (٥) أَمْ عِندَهُ أَلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْثُبُونَ للاستفهام بمعنى الإنكار، والتربّص الانتظار، وريب المنون حوادث الدهر، وقيل الموت، وكانت قريش قد قالت إنما هو شاعر ننتظر به ريب المنون فيهلك كما هلك من كان قبله. من الشعراء كزهير والنابغة ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أمر على وجه التهديد ﴿أَمْ تَأْمُرُّهُمْ أَخْلاَمُهُمُ بِهَذَا﴾ الأحلام العقول: أي كيف تأمرهم عقولهم بهذا، والإشارة إلى قولهم هو شاعر أو إلى ما هم عليه من الكفر والتكذيب، وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز كقوله أصلاتك تأمرك ﴿آم هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أم هنا بمعنى بل، ويحتمل أن تكون بمعنى بل وهمزة الاستفهام بمعني الإنكار كما هي في هذه المواضع كلها ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أي اختلقةٍ من تلقاء نفسهِ. وضمير الفاعل لرسول اللهَ وَّر وضمير المفعول للقرآن ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مُثْلِهِ﴾ ردّ عَلَيْهَم وإقامة حجّة عليهم، والأمر هنا للتعجيز ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدهاً أن معناه أم خلقوا من غير ربّ أنشأهم واستعبدهم، فهم من أجل ذلك لا يعبدون الله: الثاني أم خلقوا من غير أب ولا أم كالجمادات فهم لا يؤمرون ولا ينهون كحال الجمادات: الثالث أم خلقوا من غير أن يُحاسبوا ولا يُجازوا بأعمالهم فهو على هذا كقوله: ﴿أَفْحَسَبْتُم أَنّمَا خَلَقْنَاكُم عَبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ معناه أهم الخالقون لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق أم هم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبرون ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ المعنى أعندهم خزائن الله بحيث يستغنون عن عبادته، وقيل أعندهم خزائن الله بحيث يعطون مَن شاءوا أو يمنعونَ مَن شاءوا، ويخصّون بالنبوّة مَن شَاءُوا ﴿أَمْ هُمْ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي الأرباب الغالبون، وقيل المسيطر المسلّط القاهر ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونٌ فِيهِ﴾ يعني أم لهم سُلِّمٌ يصعدون به إلى السماء فيسمعون ما تقول الملائكة بحيث يعلمون صحة دعواهم ثم عجزهم بقوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي يُحِجَة واضحة على دعواهم ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّنِ مَّغْرَم مُّثْقَلُونَ﴾ معناه أتسألهم على الإسلام أُجْرةٍ فيثقل ٠١٠ عليهم غرمها فيشقّ عليهم اتّباعكِ ﴿أَمَّ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ المعنى أعندهم علم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا لا نبعث وإن بعثنا لا نعذب، وقيل المعنى ٣٧٩ تفسير سورة الطور (٤) أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٢) وَإِن يَرَوّأْ يُرِيدُونَ كَيَدًا فَلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومٌ (٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ (٥) يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ (٤) وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣) وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَِّحْ بِحَهْدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ () وَمِنَ الَّتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِذْبَرَ النُّجُومِ ! (٤٩ فهم يكتبون للناس سُنَّا وشرائع من عبادة الأصنام وتسييب السوائب وشبه ذلك ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ إشارة إلى كيدهم في دار الندوة بالنبي ◌ِّر حيث تشاوروا في قتله أو إخراجه ﴿قَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي المغلوبون في الكيد، والذين كفروا يعني مَن تقدّم الكلام فيهم وهم كفّار قريش فوضع الظاهر موضع المضمر، ويحتمل أن يريد جميع الكفّار ﴿لَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ المعنى هل لهم إله غير الله يعصمهم من عذاب الله ويمنعهم منه وحصر الله في هذه الآية جميع المعاني التي توجب التكبّر والبُعد من الدخول في الإسلام ونفاها عنهم ليبيّن أن تكبّرهم من غير موجب وكفرهم من غير حجّة ﴿وَإِن يَرَوْا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ كانوا قد طلبوا أن ينزل عليهم كِسَفًا من السماء، فالمعنى أنهم لو رأوا الكِسْفَ ساقطًا عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن يقولوا ليس بكِسف وإنما هو سحاب مركوم: أي كثيف بعضه فوق بعض ﴿فَذَرْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُضْعَقُونَ﴾ يعني يوم القيامة والصعقة فيه هي النفخة الأولى، وقيل غير ذلك والصحيح ما ذكرنا لقوله في المعارج عن يوم القيامة: ﴿ذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون﴾ [المعارج: ٤٤]، ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني قتلهم يوم بدر وقيل الجوع بالقحط، وقيل عذاب القبر ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْم رَبِّكَ﴾ أي اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا لهم فإنا نُريك ﴿وَسَبِّخْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه قول سبحان الله، ومعنی حین تقوم من كل مجلس، وقيل أراد حين تقوم وتقعد، وفي كل حال وجعل القيام مثالاً. الثاني أنه الصلوات النوافل؛ والثالث أنه الصلوات الفرائض، فحين تقوم الظهر والعصر: أي حين تقوم من نوم القائلة، ومن الليل المغرب والعشاء، وإدبار النجوم: الصبح ومَن قال هي النوافل جعل إدبار النجوم ركعتي الفجر. سورة النجم مكيّة إلا آية ٣٢ فمدنيّة وآياتها ٦٢ نزلت بعد الإخلاص اللَّهِ الرََّنِ الرَ أَمَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى (٥) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَى (٤) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى لَوْ ١ وَالنّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿َ ثُمَّدَنَا فَتَدَلَى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ فَ ذُومِرَّةٍ فَأَسْتَوَى ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ◌ِ بِسْم اللّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنها الثّريا لأنها غلب عليها التسمية. بالنجم، ومعنى هوى غرب وانتثر يوم القيامة، الثاني أنه جنس النجوم، ومعنى هوي كما ذكرنا أو انقضت ترجم الشياطين. الثالث أنه من نجوم القرآن وهي الجملة التي تنزل، وَهوى على هذا معناه نزل ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ هذا جواب القسم، والخطاب لقريش وصاحبكم هو النبي ◌َّلل فنفى عنه الضلال والغيّ، والفرق بينهما أن الضلال بغير. قصد والغيّ بقصد وتكسّب ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي ليس يتكلم بهواه وشهوته إنما. يتكلم بما يوحي الله إليه ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ وَخَيّ يُوحَى﴾ يعني القرآن ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىُ﴾ ضميرٍ. المفعول للقرآن أو للنبي وَله، والشديد القوى: جبريل، وقيل الله تعالى، والأول أرجح لقوله: ﴿ذِي قُوّة عند ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠] والقوى جمع قوة ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي ذو قوّة، وقيل ذو هيئة حسنة، والأول هو الصحيح في اللغة ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي استوى جبريل في