النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ تفسير سورة محمد ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ اُلْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ (١) وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ﴿يَا أَفَنْ كَانَ عَلَى بَيِنَةٍ مِن رَّبِّهِ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوَهُ عَمَلِهِ، وَبَعُوْ أَهْوَآءَ هُمْ (٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ فِيهَا أَنْهٌَ مِّن ◌ٍَّ غَيْرِءَاسٍِ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لََّنٍ لَّمْ يَغَيِّرْ طَعْمُ وَنْهٌَ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِنَ وَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفّى وَلَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمْ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِ النَّارِ وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمَّعَاءَ هُمْ (١٥) وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندَِ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَائِقًا وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدِّى وَءَانَهُمْ ١٦ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَتَّعُواْ أَهْوَاءَ هُمْ الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله وردوا إلى الله مولاهم الحق لأن معنى المولى مختلف في الموضعين فمعنى مولاهم الحق ربهم وهذا على العموم في جميع الخلق بخلاف قوله مولى الذين آمنوا فإنه خاصّ بالمؤمنين لأنه بمعنى الوليّ والناصر ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ عبارة عن كثرة أكلهم وعن غفلتهم عن النظر كالبهائم ﴿مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني مكة وخروجه صلّى الله عليه وآله وسلّم من وقت الهجرة ونسب الإخراج إلى القرية والمراد أهلها لأنهم آذوه حتى خرج ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله وكأيّن من قرية وجمعه حملاً على المعنى والمراد أهلكنا أهلها ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي على حجة ويعني به النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كما يعني قريشًا بقوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ واللفظ أعمّ من ذلك ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾ ذكر في الرعد ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي غير متغيّر ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ تقديره أمثل أهل الجنة المذكورة كمَن هو خالد في النار فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدّم وهو قوله أفمن كان على بيّنة من ربّه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافقين وجاء يستمعون بلفظ الجمع رعيًا لمعنى من ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ رُوِيَ أنه عبد الله بن مسعود ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين إما احتقارًا لكلامه كأنهم قالوا أيّ فائدة فيه، وإما جهلاً منهم ونسيانًا لأنهم كانوا وقت كلامه مُعرِضين عنه وآنفًا معناه الساعة الماضية قريبًا وأصله من استأنفت الشيء إذا ابتدأته ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدَى﴾ يعني المؤمنين والضمير في زادهم الله تعالى أو للكلام الذي قال فيه المنافقون ماذا قال آنفًا وقيل يعني بالذين اهتدوا قومًا من النصارى آمنوا بسيّدنا محمد ◌ّر فاهتداؤهم هو إيمانهم بعيسى وزيادة هداهم إسلامهم ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ﴾ ٣٤٢ تفسير سورة محمد فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَّةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا فَ لَهُمْ إِذَا جَآءَ تُهُمْ (١٧. تَقْوَمُهُمْ فَأَعْلَمْ أَنَُّ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ (١٨ ذِكْرُهُمْ مُتَفَلَّكُمْ وَمَنْوَنِكُمْ (١٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَوَلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَأَوْلَى لَهُمْ (٣٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ (٤) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِيعُوْ أَرْحَامَكُمْ (٢٠) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٌ الضمير للمنافقين والمعنى هل ينتظرون إلاّ الساعة لأنها قريبة ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي علاماتها والذي كان قد جاء من ذلك مبعث سيدنا محمد وَله لأنه قال أنا من أشراط الساعة وبعثت أنا والساعة كهاتين ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي كيفب لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة بغتة فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة ففاعل جاءتهم الساعة، وذكراهم مبتدأ وخبره الاستفهام المتقدّم والمراد به الاستبعاد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ الله﴾ أي دُمْ على العلم بذلك واستدلّ بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل لأنه قدّم قوله فاعلم على قوله واستغفر ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ قيل متقليكم تصرّفكم في الدنيا. ومثواكم إقامتكم في القبور وقيل متقلبكم تصرفكم في اليقظة ومثواكم منامكم ﴿لَوْلاً نُزَّلَتْ سُورَةٌ﴾ كان المؤمنون يقولون ذلك على وجه الحرص على نزول القرآن والرغبة فيه لأنهم كانوا يفرحون به ويستوحشون من إبطائه ﴿مُحْكَمَةٌ﴾ يحتمل أن يريد بالمحكمة أي ليس فيها منسوخ، أو يراد متقنة، وقرأ ابن مسعود سورة محدثة ﴿رَأَنْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم. مَّرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافقين ونظرهم ذلك من شدّة الخوف من القتل لأن نظر الخائف قريب من نظر المُغشى عليه ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ في معناه قولان أحدهما أنه بمعنى أحقّ وخبره على هذا طاعة والمعنى أن الطاعة والقول المعروف أولى لهم وأحقّ والآخر أن أولى لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقولك ويل لهم ومنه أولى لك فأولى، فيوقف على أولى لهم على هذا القول ويكون طاعة ابتداء كلام، تقديره طاعة وقول معروف أمثل، أو المطلوب منهم طاعة وقول معروف، وقولهم لك يا محمد طاعة وقول معروف بألسنتهم: دون قلوبهم ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أسند العزم إلى الأمر مجازًا کقولك نهارهصائم اولیلہ قائم ﴿صَدَقُوا اللَّهَ﴾ يحتمل أن يريد صدق اللسان، أو صدق العزم والنيّة وهو أظهر ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطَّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج ٠ ٣٤٣ تفسير سورة محمد جَ أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (١٩) إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَّدُ واْ عَلَ أَدْبَرِهِ (٢٣ أَبْصَرَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اَللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ () فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ (١٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُوْمَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ (٥٦) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ أَنْ لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ اُلْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَضْغَنَهُمْ لَمـ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَِهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ (٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ٣٠ أَعْمَلَكُمْ من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم الإفساد في الأرض وقطع الأرحام إن تولّيتم، ومعنى توليتم صرتم وُلاة على الناس وصار الأمر لكم وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني أَميّة وقيل معناه أعرضتم عن الإسلام ﴿إِنَّ الَّذِينَ أرْتَدُوا عَلَى أَدْبَارِهِم﴾ نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل نزلت في قوم من اليهود كانوا قد عرفوا نبوّة سيدنا محمد بََّ من التوراة ثم كفروا به ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زيّن لهم ورجّاهم ومنّاهم ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي مدّ لهم في الأماني والآمال والفاعل هو الشيطان وقيل الله تعالى والأول أظهر، لتناسب الضمير بين الفاعلين، في سوّل وأملى ﴿سَتُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ قال ذلك اليهود للمنافقين، وبعض الأمر يعنون به مخالفة رسول الله وَ ل﴿ ومحاربته ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي كيف يكون حالهم إذا توفّتهم الملائكة، يعني ملك الموت ومَن معه، والفاء رابطة للكلام مع ما قبله والمعنى هذا جزعهم من ذكر القتال فكيف يكون حالهم عند الموت ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُم﴾ ضمير الفاعل للملائكة، وقيل إنه للكفّار أي يضربون وجوه أنفسهم وذلك ضعيف ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ الآية: معناها ظن المنافقون أن لن يفضحهم الله والضغن الحقد ويراد به هنا النفاق والبغض في الإسلام وأهله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَنِنَاكَهُمْ﴾ أي لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم بعلامتهم ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين، ورُوِيَ أن الله لم يذكر واحدًا منهم باسمه ﴿وَلَتَعْرِ فَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ معنى لحن القول مقصده وطريقته وقيل اللحن هو الخفي المعنى كالكناية والتعريض والمعنى أنه صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم سيعرفهم من دلائل كلامهم، وإن لم يعرفه الله بهم على التعيين ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي نختبركم ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي نعلمه علمًا ظاهرًا في الوجود تقوم به الحجة عليكم وقد علم الله الأشياء قبل كونها ٣٤٤ تفسير سورة محمد وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُّواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُ اَلْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُمَحَسِطُ أَعْمَلَهُمْ ﴿ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهُ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ: كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ (٦) فَلاَ تَهِنُواْ وََدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ إِنَّمَا المَوَةُ الدُّنْيَ لَسِبُّ وَلَهْوٌّ وَإِن تُؤْمِنُواْ ٣٥ وَنْتُمُ الْأَعْلَوّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ اْ إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْفَتَكُمْ لَ هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم ◌َن يَبْخَلُ وَمَن يَبَْخَلْ ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال اللّهمَّ لا تبتلينا فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ﴿وَشَاقُوا الرَّسُولَ﴾ أي خالفوه وعادوه، ونزلت الآية في المنافقين وقيل في اليهود ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ يحتمل أربعة معانٍ أحدها لا تبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان والثاني لا تبطلوا حسناتكم بفعل السيئات ذكره الزمخشري وهذا على مذهب المعتزلة خلافًا للأشعرية فإن مذهبهم أن السيئات لا تبطل الحسنات. والثالث لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والعجب، والرابع لا تبطلوا أعمالكم بأن تقتطعوها قبل تمامها، وعلى هذا أخذ الفقهاء الآية: وبهذا يستدلّون على أن مَن ابتدأ نافلة لم يجز له قطعها، وهذا أبعد هذه المعاني، والأول أظهر لقوله قبل ذلك في الكفّار أو المنافقين، وسيحبط أعمالهم فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أعمالكم مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدّهم عن سبيل الله ومشاقتهم الرسول ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ هذا قطع بأن مَن مات على الكفر لا يغفر الله له وقد أجمع المسلمون على ذلك ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي لا تضعفوا عن مقاتلة الكفّار وتبتدئوهم بالصلح فهو كقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسِّلْمِ فَاجْنَحِ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَّكُمْ﴾ أي لن ينقصكم أجور أعمالكم يقال وترت الرجل أثره إذا نقصته شيئًا أو أذهبت له متاعًا ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ أي لا يسألكم جميعها إنما يسألكم ما يخفّ عليكم مثل ربع العشر وذلك خفيف ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ معنى يحفكم يلحّ عليكم والإحفاء أشدّ السؤال وتبخلوا جواب الشرط ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ الفاعل الله تعالى أو البخل، والمعنى يُخرِجِ ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق ﴿هَؤُلاَءِ﴾ منصوب على التخصيص أو منادى ﴿لِتُتْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني الجهاد والزكاة ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنِ نَّفْسِهِ﴾ أي إنما ضرر بخله. على نفسِه فكأنه بخل على نفسه بالثواب الذي يستحقه بالإنفاق ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا ٣٤٥ تفسير سورة محمد فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنِ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا ٣٨ يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ غَيْرَكُم﴾ أي يأتِ بقوم على خلاف صفتكم بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله، فقيل إن هذا الخطاب لقريش، والقوم غيرهم هم الأنصار وهذا ضعيف لأن الآية مدنية نزلت والأنصار حاضرون، وقيل الخطاب لكل مَن كان حينئذ بالمدينة والقوم هم أهل اليمن وقيل فارس. :. ٠ سورة الفتح مدنيّة نزلت في الطريق عند الانصراف من الحديبية وآياتها ٢٩ نزلت بعد الجمعة ١٫٠ 1 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحمـ (جَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٥) وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم نزلت هذه السورة حين انصرف رسول الله 18 من الحديبية، لما أراد أن يعتمر بمكة فصدّه المشركون وقال رسول الله وسل ◌ّ لعمر وهما راجعان إلى المدينة، لقد نزلت عليّ سورة هي أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ يحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون بمعنى الحكم أي حكمنا لك على أعدائك، أو من الفتح بمعنى العطاء كقوله: ((ما يفتح الله للناس من رحمة)) أو من فتح البلاد واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال: الأول أنه فتح مكة وعده الله به قبل أن يكون وذكره بلفظ الماضي لتحقّقه وهو على هذا بمعنى فتح البلاد، الثاني أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرضوان ومن الصلح الذي عقده رسول الله وَلير مع قريش وهو على هذا بمعنى الحكم أو بمعنى العطاء ويدلّ على صحة هذا القول أنه لما وقع صلح الحديبية، شقّ ذلك على بعض المسلمين بشروط كانت فيه حتى أنزل الله هذه السورة، ويتبيّن أن ذلك الصلح له عاقبة محمودة وهذا هو الأصح، ٣٤٧ تفسير سورة الفتح إِيمَنَا مَّعَ إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٥) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الطَّائِينَ بَاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآبِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّهٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٤) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿ إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا (٨) لِّتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُؤُهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَنُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْلَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ لأنه رُوِيّ أنها لمّا نزلت قال بعض الناس ما هذا الفتح وقد صدّنا المشركون عن البيت، فبلغ ذلك رسول الله وَلير فقال بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالروح، ورغبوا إليكم في الأمان، الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر وغيرها، الرابع أنه الهداية إلى الإسلام ودليل هذا القول قوله ليغفر الله لك فجعل الفتح عّة للمغفرة ولا حجة في ذلك إذ يتصوّر في الجهاد وغيره أن يكون علّة للمغفرة أيضًا أو تكون اللام للصيرورة والعاقبة لا للتعليل فيكون المعنى إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة بأن غفر لك وأتمّ نعمته عليك وهداك ونصرك ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي السكون والطمأنينة، يعني سكونهم في صلح الحديبية وتسلّيهم بفعل رسول الله وَلَّ وقيل معناه الرحمة ﴿الَّانِّينَ بالله ظنّ السَّوْءِ﴾ معناه أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين وقالوا لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا وقيل معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته فذلك هو ظن السوء به، والأول أظهر بدليل ما بعده ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ يحتمل أن يكون خبر أو دعاء ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي تشهد على أمتك ﴿وَتُعَزَّرُوهُ﴾ أي تعظّموه وقيل تنصرونه وقرىء تعزّزوه بزايين منقوطتين، والضمير في تعزروه وتوقروه للنبي وَ ﴿ وفي تسبّحوه لله تعالى، وقيل الثلاثة لله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ هذا تشريف للنبي وَل حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وذلك على وجه التخييل والتمثيل يريد أن يد رسول الله اليه. التي تعلو يد المبايعين له هي يد الله في المعنى وإن لم تكن كذلك في الحقيقة وإنما المراد أن عقد ميثاق البيعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، كعقده مع الله كقوله: ﴿مَن يُطِع الرَّسُول فَقَد أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] وتأوّل المتأوّلون ذلك بأن يد الله معناها النعمة أو ٣٤٨ تفسير سورة الفتح ◌َ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَاْ أَمْوَ لْنَا وَأَهْلُوْنَا فَأَسْتَغْفِرْ. فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ! لَنَّا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرً (١) بَلْ ظَنَسْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًّا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ وَظَنَفْتُمْ ظَرَنَّ اَلسَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا لَ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن ◌ِاللّهِ وَرَسُولِ، فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا ﴿ وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ. ١٤ مَن يَشَدَةٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا لِتَأْخُّذُ وهَا ذَرُونَا نَتَّعْكُمْ بُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ قُل لَن تَشَِّعُونَأَ كَذَالِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَّ تَحُْدُ ونَأَ بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٥) قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ القوّة وهذا بعيد هنا ونزلت الآية في بيعة الرضوان تحت الشجرة وسنذكرها بعد ﴿فَمَّن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يعني أن ضرر نكثه على نفسه ويراد بالنكث هنا نقض البيعة ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ الآية: سمّاهم بالمخلفين لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية، والأعراب هم أهل البوادي من العرب، لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى مكة يعتمر رأوا أنه يستقبل عدوًّا كثيرًا من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه ولم يكن إيمانهم متمكّنًا فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك الشّفر ففضحهم الله في هذه السورة، وأعلم رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾ يحتمل أن يريد قولهم شغلتنا أموالنا وأهلونا لأنهم كذبوا في ذلك أو قولهم فاستغفر لنا لأنهم قالوا ذلك رياء من غير صدق ولا توبة ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أي هالكين من البوار، وهو الهلاك ويعني به الهلاك في الدين ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّقُونَ﴾ الآية: أخبر الله رسوله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم أن المخلّفين عن غزوة الحديبية يريدون الخروج معه إذا خرجوا إلى غزوة أخرى، وهي غزوة خيبر فأمر الله بمنعهم من ذلك وأن يقول لهم لن تتبعونا ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ﴾ أي يريدون أن يبدلوا وعد الله لأهل الحديبية وذلك أن الله وعدهم أن يعوّضهم من. غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها وأن يكون ذلك مختصًّا بهم دون غيرهم وأراد المخلّفون أن: يشاركوهم في ذلك فهذا هو ما أرادوا من التبديل وقيل كلام الله قوله فلن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًّا وهذا ضعيف لأن هذه الآية نزلت بعد رجوع رسول الله وَ له من تبوك بعد الحديبية بمدة ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ يريد وعده باختصاصه أهل الحديبية بغنائم ٣٤٩ تفسير سورة الفتح سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) لَّْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْيِظْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَن يَتَوَّلَّ يُعَذِّبَّهُ عَذَابًا أَلِمًا ثَ﴾ لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ خيبر ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ معناه يعزّ عليكم أن نصيب معكم مالاً وغنيمةً وبل هنا للإضراب عن الكلام المتقدّم وهو قوله لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فمعناها رد أن يكون الله حكم بأن لا يتبعوهم وأما بل في قوله تعالى بل كانوا لا يفقهون إلاّ قليلاً فهي إضراب عن وصف المؤمنين بالحسد وإثبات لوصف المخلفين بالجهل ﴿سَتُذْعَوْنَ إِلَى قَوْمِ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ اختلف في هؤلاء القوم على أربعة أقوال الأول: أنهم هوازن ومَن حارب النبي ◌َّر في غزوة خيبر والثاني أنهم الروم إذ دعا رسول الله وَّ إلى قتالهم في غزوة تبوك والثالث أنهم أهل الردّة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصدّيق والرابع أنهم الفرس ويتقوّى الأول والثاني بأن ذلك ظهر في حياة الرسول وَلّ وقوّى المنذر بن سعيد القول الثالث بأن الله جعل حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية قال وهذا لا يوجد إلاّ في أهل الردّة قلت وكذلك هو موجود في كفّار العرب إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوّي ذلك أنهم هوازن أو يسلمون عطف على تقاتلونهم وقال ابن عطية هو مستأنف ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمّا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ﴾ يريد في غزوة الحديبية ﴿لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجْ﴾ الآية معناها أن الله تعالى عذر الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد لسبب أعذارهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال رسول الله وَّ: ((لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها)) وفي الحديث أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة وقيل ألفًا وخمسمائة وسبب هذه البيعة أن رسول الله و18 لمّا بلغ الحديبية وهي موضع على نحو عشرة أميال من مكة أرسل عثمان بن عفّان رضي الله عنه رسولاً إلى أهل مكة يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر وأنه لا يريد حربًا فلما وصل إليهم عثمان حبسه أقاربه كرامة له فصرخ صارخ أن عثمان قد قتل فدعا رسول الله وَ ﴿ الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفرّ أحد وقيل بايعوه على الموت ثم جاء عثمان بعد ذلك سالمًا وانعقد الصلح بين رسول الله واليهود وبين أهل مكة على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في العام القابل، والشجرة المذكورة كانت سمرة هنالك ثم ذهبت بعد سنين فمرّ عمر بن الخطاب بالموضع في خلافته فاختلف الصحابة في موضعها ﴿فعلم ما في قلوبهم﴾ يعني من صدق الإيمان وصدق العزم على ما ٣٥٠ تفسيراً سورة الفتح السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا إِ ◌َ وَمَغَّانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيًّا بِحَكِيمً ◌َاا ١٨ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُوْنَ امَايَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٨) وَأُخْرَى لَمْ نَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَاً، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا جَا وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوْ اْلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيَّمَوَلَا نَصِيرًا (٦)سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدّ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢) وَهُوَ الَّذِى كَفَّـ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيًّا (٦) بايعوا عليه وقيل من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل لأنه ذمّ للصحابة وقد ذكرنا السكينة ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعني فتح خيبر وقيل فتح مكة والأول أشهر أي جعل الله ذلك ثوابًا لهم على بيعة الرضوان زيادة على ثواب الآخرة وأما المغانم المذكورة أوّلاً فهي غنائم خيبر وهي المعطوفة على الفتح القريب وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله وهي المذكورة ثانيًا فهي كل ما يغنم المسلمون إلى يوم القيامة والإشارة يقوله فعجّل لكم هذه إلى خيبر وقيل إن المغانم التي وعدهم هي خيبر والإشارة إلى صلح الحديبية ﴿و گَفَّ أَندِيَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾ أي كفّ أهل مكة عن قتالكم في الحديبية وقيل كفّ اليهود وغيرهم عن إضرار نسائكم وأولادكم بينما خرجتم إلى الحديبية ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تكون هذه الفعلة وهي كفّ أيدي الناس عنكم آية للمؤمنين يستدلّون بها على النصر، واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره فعل الله ذلك لتكون آية ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ يعني فتح مكة، وقيل فتح بلاد فارس والروم وقيل مغانم هوازن في حنين، والمعنى لم تقدروا أنتم عليها وقد أحاط الله بها بقدرته ووهبها لكم، وإعراب أخرى عطف على عجّل لكم هذه أو مفعول بفعل مضمر تقديره أعطاكم أخرى أو مبتدأ ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكة ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي عادته والإشارة إلى يوم بدر وقيل الإشارة إلى نصر الأنبياء قديمًا ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ رُوِيّ في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله وَ له، فبعث إليهم رسول الله ولم يخالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قومًا، وساقوهم إلى رسول الله ولو فأطلقهم، فكفّ أيدي الكفّار هو أن هزموا وأسروا وكفّ أيدي المؤمنين عنى الكفّارِ هِو إطلاقهم من الأسْر وسلامتهم من القتل، وقوله: ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ يعني مِن بعدما أخذتموهم أسارى ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكة ﴿وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ : ٣٥١ تفسير سورة الفتح هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مِلَّهُ, وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَّئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٠) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اَللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ اٌلْحَرَام﴾ يعني أنهم منعوهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام الحديبية ﴿وَالْهَذْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ الهدي ما يُهدى إلى البيت من الأنعام، وكان رسول الله وَّه قد ساق حينئذ مائة بدنة وقيل سبعين ليهديها، والمعكوف المحبوس ومحله موضع نحره يعني مكة والبيت وإعراب الهدي عطف على الضمير المفعول في صدّوكم ومعكوفًا حال من الهدي، وأن يبلغ مفعول بالعكف فالمعنى صدّوكم عن المسجد الحرام، وصدّوا الهدي عن أن يبلغ محله والعكف المذكور يعني به منع المشركين للهدي عن بلوغ مكة أو حبس المسلمين بالهدي بينما ينظرون في أمورهم ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ الآية تعليل لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم فلو سلّط الله المسلمين على أهل مكة، لقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ولكن كفّهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم، وجواب لولا محذوف تقديره لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلّطناكم عليهم ﴿أَن تَطَتُوهُمْ﴾ في موضع بدل من رجال ونساء أو بدل من الضمير المفعول في لم تعدموهم والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَعَرَّةٌ﴾ أي تصيبكم من قتلهم مشقّة وكراهة، واختلف هل يعني الإثم في قتلهم أو الديّة أو الكفّارة أو الملامة أو عيب الكفّار لهم بأن يقولوا قتلوا أهل دينهم أو تألم نفوسهم من قتل المؤمنين وهذا أظهر لأن قتل المؤمن الذي لا يعلم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا ديّة، ولا ملامة، ولا عيب، ﴿لَيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ يعني رحمة المؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفّار بأن كفّ سيوف المسلمين عن الكفّار من أجلهم أو رحمة لمَن شاء من الكفّار بأن يسلموا بعد ذلك واللام تتعلق بمحذوف يدلّ عليه سياق الكلام تقديره كان كفّ القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته مَن يشاء ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معنى تزيلوا تميزوا عن الكفّار والضمير للمؤمنين المستورين الإيمان أي لو انفصلوا عن الكفّار لعذّبنا الكفّار فقوله لعذّبنا جواب لو الثانية وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا ويحتمل أن يكون لعذّبنا جواب لو الأولى وكرّرت لو الثانية تأكيدًا ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ يعني أنفة الكفر وهي منعهم ٣٥٢ تفسير سورة الفتح وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ◌َ لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّعْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ للنبي وَلّ والمسلمين عن العمرة ومنعهم من أن يكتب في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم ومنعهم من أن يكتب محمد رسول الله وقولهم لو نعلم أنك رسول الله لاتّبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك والعامل في إذ جعل محذوف تقديره اذكر أو قوله لعذّبنا والسكينة هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال الجمهور هي لا إله إلاّ الله وقد رُوِيّ ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقيل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وقيل لا إله إلاّ الله والله أكبر وهذه كلها متقاربة وقيل هي بسم الله الرحمن الرحيم التي أبى الكفّار أن تكتب ﴿وكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم وقيل أحقّ بها من اليهود والنصارى. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ كان رسول الله ◌َ ر قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون، ورُوِيَ أنه أتاه مَلَك في النوم فقال له: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الآية: فأخبر الناس برؤياه ذلك فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام فلما صدّه المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون أين الرؤيا، ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك فأنزل الله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق أي تلك الرؤيا صادقة وسيخرج تأويلها بعد ذلك فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله وَّر في العام المقبل هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا وأقاموا بمكة ثلاثة أيام وظهر صدق رؤياه وتلك عمرة القضية ثم فتح مكة بعد ذلك ثم حجّ هو وأصحابه وصدق في هذا الموضع يتعدّى إلى مفعولين، وبالحق يتعلق بصدق أو بالرؤيا على أن يكون حالاً منها ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك مُحال على الله، اختلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال: الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في المنام فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني أنه تأديب من الله لعباده ليقولون إن شاء الله في كل أمر مستقبل، والثالث أنه استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته لأنه يمكن أن يتمّ له الأمر أو يموت أو يمرض فلا يتمّ له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله ﴿مُحَلْقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الحلق والتقصير من سُنّة الحج والعمرة، والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله صلّى الله عليه وآله ٠٥٠ ٣٥٣ تفسير سورة الفتح رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيِبًا ◌ِشَاهُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا ٢٨ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَنَّهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وسلّم: ((رحم الله المحلّقين ثلاثًا)) ثم قال في المرة الأخيرة: ((والمقصّرين)) ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ يريد ما قدّره من ظهور الإسلام في تلك المدّة فإنه لما انعقد الصلح وارتفعت الحرب ورعب الناس في الإسلام فكان رسول الله و # في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعني فتح خيبر، وقيل بيعة الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح لأن عمر قال لرسول الله ﴿ أفتح هو يا رسول الله؟ قال: (نعم)). وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله من دون ذلك قبل دخول المسجد الحرام وإنما كان فتح مكة بعد ذلك فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة وفتح مكة عام ثمانية ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ذكر في براءة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي شاهدًا بأن محمدًا رسول الله أو شاهدًا بإظهار دينه ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني جميع أصحابه وقيل مَن شهد معه الحديبية وإعراب الذين معطوف على محمد ورسول الله صفته وأشدّاء خبر عن الجميع، وقيل الذين معه مبتدأ وأشداء خبره ورسول الله خبر محمد ورجّح ابن عطية هذا والأول عندي أرجح لأن الوصف بالشدّة والرحمة يشمل النبي وَّلهو وأصحابه، وأما على ما اختاره ابن عطية فيكون الوصف بالشدّة والرحمة مختصًا بالصحابة دون النبيِ وَ لّ وما أحقّ النبي * بالوصف بذلك لأن الله قال فيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ والمُنَافِقِينَ واغْلِظ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: ٧٣] فهذه هي الشدّة على الكفّار والرحمة بالمؤمنين ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ السيما العلامة وفيه ستّة أقوال، الأول أنه الأثر الذي يحدث في جبهة المصلّي من كثرة السجود، والثاني أنه أثر التراب في الوجه الثالث أنه صُفرة الوجه من السّهر والعبادة، الرابع حُسْن الوجه لما ورد في الحديث مَن كَثُرَت صلاته بالليل حَسُنَ وجهه بالنهار وهذا الحديث غير صحيح بل وقع فيه غلط من الراوي فرفعه إلى النبي ◌َّل﴿ وهو غير مروي عنه، الخامس أنه الخشوع، السادس أن ذلك يكون في الآخرة يجعل الله لهم نورًا من أثر السجود كما يجعل غرّة من أثر الوضوء وهذا بعيد لأن قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ وصف حالهم في الدنيا فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك، والأول أظهر، وقد كان بوجه علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعلي بن ٣٫٥٤٠ تفسير سورة الفتح ........ وَرِضْوَنَاْ سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَِ السُّجُوزِ ◌َذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِىِ الثَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِيْلِ كَزَّرْعُ أَخْرَجَ سَطَهُ فَازَ رَؤُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِ يُعْجِبُ الزُّرَعَ لِيَغِيظَمْبِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدُ اللَّهُ الَّذِينَ ٠٢٠٩ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَِّحَسْتِهِ مِنْهُم ◌َغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا عبد الله بن العباس أثر ظاهر من أثر السجود ﴿ذَلِكَ مَثَلُّهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ أي وصفهم فيها وثمّ الكلام هنا، ثم ابتدأ قوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ أُ كَوَّرْعٍ﴾، وقيل إن فمثلهم في الإنجيل معظف على مثلهم في التوراة ثم ابتدأ قوله كزرع وتقديره هم كزرع، والأول أظهر، ليكون وضُفهم في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان وتمثيلهم في الإنجيل في الزرع المذكورة بعد ذلك وعلى هذا يكون مثلهم في الإنجيل بمعنى التشبيه والتمثيل وعلى القول الآخر يكون المُثل بمعنى الوصف كمثلهم في التوراة ﴿كَّرْع أَخْرَجَ شَطْأَةُ﴾ هذا تمثل ضربة الله للإسلام حيث بدأ ضعيفًا، ثم قوي وظهر وقيل الزرع مثل للنبي ولو لأنه بعث لوحده وكان كالزرع يحبّة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالنشط= وهو فراخ السنبلة التي تنبعث حول الأصيل» ويقال بإسكان الطاء وفتحها بمدّ وبدون مدّ وهي لغات ﴿فَازَّرَهُ﴾ أي عمرها وهو من الموازرة بمعنى المعاونة ويحتمل أن يكون الفاعل الزراع والمفعول شطأه أو بالعكس لأن كل واحد منهما يقوّي الآخر، وقيل معناه ساواه طولاً فالفاعل على هذا الشطاً ووزان آزره فاعله وقين أفعله، وقرىء بقصر الهمزة على وزن فعل ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي صار غليظا ﴿فَاسْتَوِى عَلَى شُوقِهِ﴾ جمع ساق أي قلم الزرع على سوقه، وقيل قوله كزرع يعني التجلي والله أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعطر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ بن أبي طالب ﴿لِيَخِيطَ بِهِم الْكُفَّارَ﴾ تعليل لما دلّ عليه المثل المتقدّم من قوّة المسلمين فهو يتعلق بفعل يدلّ عليه الكلام تقديره جعلهم الله كذلك ليغيظ بهم الكفار، وقيل يتعلق بوعد وهو بعيد ﴿مِنْهُم﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض لأنه وعد عمّ جميعهم رضي الله عنهم. سورة الحجرات مدنيّة وآياتها ١٨ نزلت بعد المجادلة بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمـ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُقَدِّمُوْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به ولا تقطعوا في أمر إلاّ بنظره والثاني لا تقدّموا الولاة بمحضره فإنه يقدّم مَن شاء، والثالث لا تتقدّموا بين يديه إذا مشى وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب لا تقدّموا بفتح التاء والقاف والدال، والأول هو الأظهر لأن عادة العرب الاشتراك في الرأي وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له فربما فعل ذلك قوم مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد معناه لا تفتاتوا على الله شيئًا حتى يذكره على لسان رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنما قال بين يدي الله لأن النبي بَّ إنما يتكلم بوحي من الله ﴿لَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ أمر الله المؤمنين أن يتأدبوا مع النبي ◌َّ بهذا الأدب كرامةً له وتعظيمًا وسببها أن بعض جُفاة الأعراب كانوا يرفعون أصواتهم ﴿أَن تَخْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ مفعول من أجله تقديره مخافة أن تحبط أعمالكم إذا رفعتم أصواتكم فوق صوته ٣٥٦ تفسير سورة الحجرات ) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُمْتَحَنَ ٢ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ لـ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٥َ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَُّواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا أو جهرتم له بالقول وَ ﴿ فالمفعول من أجله يتعلق بالفعلين معًا من طريق المعنى، وأما من طريق الإعراب فيتعلق عند البصريين بالثاني وهو لا تجهر وعند الكوفيين بالأول وهو لا ترفعوا أصواتكم، وهذا الإحباط لأن قلّة الأدب معه وَ لّ والتقصير في توقيره يحبط الحسنات وإن فعله مؤمن، لعظيم ما وقع فيه من ذلك وقيل إن الآية خطاب للمنافقين وهذا ضعيف، لقوله في أولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ فإنه لا يصحّ أن يقال هذا المنافق فإنه يفعله جرأة وهو يقصده ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَضْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فإنه لما نزلت الآية قبلها قال أبو بكر: والله يا رسول الله لا أُكلّمنّك إلاّ سرًّا وكان عمر يخفي كلامه حين يستفهمه النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، ولفظها مع ذلك على عمومه ومعنى امتحن اختبر فوجدها كما يجب مثل ما يختبر الذهب بالنار، فيوجد طيبًا، وقيل معناها درّبها للتقوى حتى صارت قوية على احتماله بغير تكلّف وقيل معناه أخلصها الله للثقوى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ الحجرات جمع حجرة وهي قطعة من الأرض يحجر عليها بحائط وكان الكل واحدة من أزواج النبي # حجرة ونزلت الآية في وفد بني تميم قَدِموا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فدخلوا المسجد ودنوا من حجرات أزواج النبي وَّر ووقفوا خارجها ونادوا يا محمدًا اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلّة توقير فتربص رسول الله وُّر مدة ثم خرج إليهم فقال له واحد منهم وهو الأقرع بن حابس: يا محمد إن مدحي زين وذمّي شين فقال له رسول الله وَّرُ: ((ويحك)) ذلك الله تعالى ﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون فيهم قليل ممّن يعقل ونفى العقل عن أكثرهم لا عن جميعهم والآخر أن يكون جميعهم ممّن لا يعقل وأوقع القلّة موضع النفي والأول أظهر في مقتضى اللفظ والثاني أبلغ في الذمّ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ يعني خيرًا في الثواب وفي انبساط نفس النبي ◌َّ وقضائه حوائجهم وإنكار فعلهم فيه تأديب لهم وتعليم لغيرهم ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَّنُوا﴾ سببها أن النبي ◌َّبعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ زكاتهم فرُوِيَ أنه كان مُعاديًا لهم فأراد إذايتهم ٣٥٧ تفسير سورة الحجرات فَعَلْتُمْ نَدٍمِينَ (® وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْيِ لَعَنْتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ ٧ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْعِصْيَانَ أُوْلَكَ هُمُ الََّشِدُونَ ج فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فرجع من بعض طريقه فكذب عليهم وقال للنبي وَّر إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني وارتدّوا فغضب رسول الله وَ﴿ وهمّ بغزوهم ونظر في ذلك فورد وفدهم مُنكِرِين لذلك ورُوِيّ أن الوليد بن عقبة لمّا قَرُبَ منهم خرجوا إليه ملتفّين له فرآهم على بُعد ففزع منهم وظنّ بهم الشرّ فانصرف فقال ما قال، ورُوِيَ أنه بلغه أنهم قالوا لا نعطيه صدقة ولا نطيعه فانصرف فقال ما قال فالفاسق المُشار إليه في الآية هو الوليد بن عقبة ولم يزل بعد ذلك يفعل أفعال الفسّاق حتى صلّى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران ثم قال لهم أزيدكم إن شئتم، ثم هي باقية في كل مَن اتّصف بهذه الصفة إلى آخر الدهر، وقرىء فتبيّنوا من التبيّن وتثبتوا بالثاء من التثبّت ويقوّي هذه القراءة أنها لمّا نزلت رُوِيّ أن رسول الله وَهم قال: ((التثبّت من الله والعجلة من الشيطان))، واستدلّ بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد، لأن دليل الخطاب يقتضي أن خبر غير الفاسق مقبول، قال المنذر البلّوطي: وهذه الآية تردّ على مَن قال إن المسلمين كلهم عدول، لأن الله أمر بالتبيّن قبل القبول، فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقًا ﴿أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع المفعول من أجله تقديره مخافة أن تصيبوا قومًا بجهالة، والإشارة إلى قتال بني المصطلق لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُمْ﴾ أي لشقيتم، والعنت المشقّة، وإنما قال لو يطيعكم ولم يقل لو أطاعكم للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم، والحق خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه لا أن يطيعهم، وذلك أن رأي رسول الله وَلل خير وأصوب من رأي غيره، ولو أطاع الناس في رأيهم لهلكوا، فالواجب عليهم الانقياد إليه والرجوع إلى أمره، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبِّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ الآية ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ اختلف في سبب نزولها، فقال الجمهور هو ما وقع بين المسلمين وبين المتحزّبين منهم لعبد الله بن أُبيّ ابن سلّول حين مرّ به رسول الله وَّ ر وهو متوجّه إلى زيارة سعد بن عُبادة في مرضه فَبَالَ حمار رسول الله وَّه فقال عبد الله بن أَبِيّ للنبي ◌َّ لقد آذاني نتن حمارك فرد عليه عبد الله بن رواحة وتلاحا الناس حتى وقع بين الطائفتين ضرب بالجريد، وقيل بالحديد، وقيل سببها أن فريقين من الأنصار وقع بينهما قتال فصالحهم رسول الله وَ ﴿ بعد جهد ثم ٣٥٨ تفسير سورة الحجرات فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ فَإِن ◌َتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْتَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّه الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِمُواْ بَيْنَ أَخَوَيَكُمْ وَتَّقُواْ ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن ◌ََّكُونُوْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَ فِيََّ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنٌّ وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَ لْقَبٍ بِتْسَ اُلْإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ حكمها باقٍ إلى آخر الدهر وإنما قال اقتتلوا ولم يقل اقتتلا لأن الطائفة في معنى القوم والناس، فهي في معنى الجميع ﴿فَإِن بَغِتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَّاتِلُوا الَّتِي تَبْفِي﴾ أمرِّ اللهُ في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، وذلك إذا تبيّن أنها باغية فأما الفتن التي تقع بين المسلمين، فاختلف العلماء فيها على قولين أحدهما أنه لا يجوز النهوض في شيء منها ولا القتال وهو مذهب سعد بن أبي وقاص وأبي ذرّ وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ وحجّتهم قول رسول الله ﴿: ((قتال المسلم كفر)). وأمره عليه الصّلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن. والقول الثاني أن النهوض فيها واجب لتكفّ الطائفة الباغية، وهذا قول عليّ وعائشة وطلحة والزبير وأكثر الصحابة، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء، وحجْتّهم هذه الآية فإذا فرّعنا على القول الأول، فإن دخل داخل على مَن اعتزل الفريقين منزله يريد نفسه أو ماله فليدفعه عن نفسه وإن أدى ذلك إلى قتله لقوله وَ له: ((مَّن قَتْل دون نفسه أو ماله فهو شهيد))، وإذا فرّعنا على القول الثاني فاختلف مع مَن يكون النهوض في الفتن فقيل مع السواد الأعظم وقيل مع العلماء، وقيل مع مَن يرى أن الحق معه، وحكم القتال في الفتن أن لا يجهز على جريح ولا يطلب هارب، ولا يقتل أسير ولا يقسم فَيْءٍ ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ أي ترجع إلى الحق ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إنما ذكره بلفظ التثنية لأن أَقَلّ مَنْ يَقع بينهم البغي اثنان، وقيل أراد بالأخوين الأوس والخزرج، وقرىء بين إخوتكم بالتاء على الجمع وقرىء بين إخوانكم بالنون على الجمع أيضًا ﴿لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمِ﴾ نهى عِنْ السخرية وهي الاستهزاء بالناس ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا تَخَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ أي لعلّ المسخور منه خير من الساخر عند الله وهذا تعليل للنهي ﴿وَلاَ نِسَاءٌ مِن نّسَاءٍ﴾ لمّا كان القوم لا يقع إلا على الذكور عطف النساء عليهم ﴿وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي لا يطعن بعضكم على بعض واللمز العيب سواء كان بقول أو إشارة أو غير ذلك، وسنذكر الفرق بينه وبين الهمز في سورة الهمزة وأنفسكم هنا بمنزلة قوله: ﴿فَسَلَّمُوا عَلَى أَنْفِسِكُم﴾ [النور: ٦١] ﴿وَلاَ تَتَابَزُوَاَ بِالأَلْقَابِ﴾ أي لا يدع أحد أحدًا بلقب والتنابز بالألقاب التداعي بها وقد أجاز المحدّثُون أَنْ يقال الأعمش والأعرج ونحوه إذا دعت إليه الضرورة ولم يقصد النقص والاستخفاف ﴿بِئْسَ ٣٥٩ تفسير سورة الحجرات ◌ْجَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ اٌلْإِيمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُّبْ فَأُوْلَئِكَ هُ الظَّلِمُونَ اَلَّنِ إِنْهُ وَلَا تَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ يريد بالاسم أن يسمّى الإنسان فاسقًا بعد أن سُمّي مؤمنًا، وفي ذلك ثلاثة أوجه: أحدها استقباح الجمع بين الفسق وبين الإيمان، فمعنى ذلك أن مَن فعل شيئًا من هذه الأشياء التي نهى عنها فهو فاسق وإن كان مؤمنًا، والآخر بئس ما يقوله الرجل للآخر يا فاسق بعد إيمانه، كقولهم لمَن أسلم من اليهود يا يهودي، الثالث أن يجعل من فسق غير مؤمن وهذا على مذهب المعتزلة ﴿أَجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنْ﴾ يعني ظنّ السوء بالمسلمين، وأما ظن الخير فهو حسن ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنَّ إِثْمٌ﴾ قيل في معنى الإثم هنا الكذب لقوله ◌َله: ((الظن أكذب الحديث لأنه قد لا يكون مطابقًا للأمر)). وقيل إنما يكون إثمًا إذا تكلم به وأما إذا لم يتكلم به فهو في فسحة لأنه لا يقدر على دفع الخواطر واستدل بعضهم بهذه الآية على صحّة سدّ الذرائع في الشرع لأنه أمر باجتناب كثيرٍ من الظن، وأخبر أن بعضه إثم فأمر باجتناب الأكثر من الإثم احترازًا من الوقوع في البعض الذي هو إثم ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ أي لا تبحثوا عن مخبات الناس وقرأ الحسن تحسّسوا بالحاء والتجسس بالجيم في الشرّ وبالحاء في الخير، وقيل التجسّس ما كان من وراء والتحسّس بالحاء الدخول والاستعلام ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ المعنى: لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو سمعه والغيبة هي ما يكره الإنسان ذكره من خلقه أو خلقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك، وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((الغيبة أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره))، قيل يا رسول الله وإن كان حقًّا، قال: ((إذا قلت باطلاً فذلك بهتان)) وقد رخص في الغيبة في مواضع منها في التجريح في الشهادة والرواية والنكاح وشبهه وفي التحذير من أهل الضلال ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ شبّه الله الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتًا والعرب تشبّه الغيبة بأكل اللحم ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتًا لأن الجيفة مستقذرة ويجوز أن يكون ميتًا حال من الأخ أو من لحمه وقيل فكرهتموه إخبار عن حالهم بعد التقرير كأنه لمّا قرّرهم قال هل يحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا أجابوا فقالوا لا نحبّ. ذلك فقال لهم فكرهتموه وبعد هذا محذوف تقديره فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي تشبهه وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وعلى هذا المحذوف يعطف قوله واتقوا الله، قاله أبو علي الفارسي، وقال الرمّاني كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل وهو أحقّ أن يُجاب لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل، وقال الزمخشري في هذه الآية ٣٦٠ تفسير سورة الحجرات فَكَرِهِتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (٤) يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا ج وَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَدِكُمْ إِنَّ الَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٠ ﴾قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ آلْإِمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ ١٠ مبالغات كثيرة منها الاستفهام الذي معناه التقرير ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحد من الأحدين لا يحبّ ذلك ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتًا ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله أخّا له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ الذكر والأنثى هنا آدم وزوجه قال ابن عطية ويحتمل أن يريد الجنس كأنه قال إنّا خلقنا كل واحد منكم من ذكر وأنثى والأول أظهر وأصحّ لقوله وَله: ((أنتم من آدم وآدم من التراب)» ومقصود الآية التسوية بين الناس والمنع مما كانت العرب تفعله من التفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب فبيّن الله أن الكرم والشرف عند الله ليس بالحسب والنسب وإنما هو بالتقوى قال رسول الله وَله: ((مَن أحبّ أن يكون أكرم الناس فليتق الله))، ورُوِيَ أن سبب هذه الآية أن رسول الله وَ ل أمر بني بياضة أن يزوّجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا كيف نزوّج بناتنا لموالينا؟ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ الشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أعظم من القبيلة وتحته القبيلة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة وهم القرابة الأدنون فمُضَر وربيعة وأمثالهما شعوبًا، وقريش قبيلة، وبني عبد مناف بطن، وبنو هاشم فخذ، ويقال بإسكان الخاء فرقًا بينه وبين الجارحة وبنو عبد المطّلب فصيلة. وقبل الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل ومعنى لتعارفوا ليعرف بعضكم بعضًا ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام وكانوا إنما يحبّون المغانم وعرض الدنيا فأكذبهم الله في قولهم آمنًا وصدّقهم لو قالوا أسلمنا وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى وقد يكونان متفقان وقد یکون الإسلام أعمّ من الإيمان فيدخل فيه الإيمان حسبما ورد في مواضع أُخَر ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتِكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ معنى لا يلتكم لا ينقصكم شيئًا من أجور أعمالكم وفيه لغتان يقال لات وعليه قراءة نافع لا يلتكم بغير همز» ويقال ألت وعليم قراءة مَن قرأ لا يألتكم بهمزة قبل اللام، فإن قيل: كيف يعطيهم أجور