النص المفهرس
صفحات 321-340
سورة الدخان مكية وآياتها ٥٩ نزلت بعد الزخرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمـ حمّ ◌َ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (® أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الْمَرَبِّ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينٍ﴾ ذكر في الزخرف وهو قسم جوابه إنّا أنزلناه، وقيل إنّا كنّا منذرين وهو بعيد ﴿إِنّا أَنْزَلْنَهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ يعني ليلة القدر من رمضان وكيفية إنزاله فيها أنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي ◌ّ شيئًا بعد شيء وقيل معناه أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، وقيل يعني بالليلة المباركة ليلة النصف من شعبان وذلك باطل، لقوله: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ مع قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضان الّذِي أُنْزِلَ فِيه الْقُرْآنِ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فِيهَا يُقْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ معنى يفرق يفصل ويخلص، والأمر الحكيم أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم في ذلك العام نسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر ليتمثّل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة، وقيل إن هذا يكون ليلة النصف من شعبان وهذا باطل لِما قدّمنا ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾ مفعول بفعل مضمر على الاختصاص قاله الزمخشري، وقال ابن عطية نصب على المصدر، وقيل على الحال ﴿مُرْسِلِينَ﴾ إرسال الرسل عليهم ٣٢٢ تفسير سورة الدخان ثَ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِى، وَيُمِيثٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُنتُمْ قُوقِنِينَ ءَابَا بِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٤) بَلْ هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ (ج فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ١٠ يَخْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ رَّبَّنَا أَكْتِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٦) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى إِنَّا كَاشِفُواْ أَلْعَذَابٍ قَلِيلًا إِنَّكُمُ ١٤ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُونُ ١٣ وَقَدْ جَّةَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ عَبِدُونَ ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ١٦ وَجَآءَ هُمْ رَسُولُ كَرِيمٌ ﴿ أَنْ أَدُوّاْ إِلَّ عِبَادَ اللّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ ءَاتِيكُ بِسُلْطَانِ مُبِينٍ (١) وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِىِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٤٥) وَإِنْ لَّْ نُؤْمِنُوْ لِ فَاعْتَرِلُونِ () فَدَهَا رَبَّهُ: فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (ث) وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا إِنَّهُمْ جُنْدٌ (٢٢ أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُرِمُونَ السلام، وقيل من إرسال الرحمة والأول أظهر ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ في هذا قولان أحدهما قول عليّ بن أبي طالب وابن عباس أن الدخان يكون قبل يوم القياهة يصيب المؤمن منه مثل الزكام وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين وهومن أشراط الساعة، وروى حذيفة أن رسول الله وَ ل ﴿ قال: ((إن أول أشراط الساعة الدخان)) والثاني قول ابن مسعود: إن الدخان عبارة عمّا أصاب قريشًا حين دعا عليهم رسول الله وَ ر بالجدب فكان الرجل يرى دخانًا بينه وبين السماء من شدّة الجوع. قال ابن مسعود خمس قد مضين: الدخان واللزام والبطشة والقمر والدوم ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أو من قول الناس لما أصابهم الدخان، وهذا أظهر لأن ما بعده من كلامهم باتفاق فيكون الكلام متناسقًا ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ هذا من كلم الله تعالى وضعناه استبعاد تذكير الكفّار مع تكذيبهم للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والواو في قوله وقد جاءهم واو الحال ﴿رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعني محمدًاً وَّرِ ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمْ﴾ أي يعلّمه بشر ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ قال ابن عباس هي يوم القيامة، وقال ابن مسعود هي يوم بدر و﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى عليه السلام ﴿أَنْ أَدُّوا إلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ أن هنا مفسّرة نائب مناب القول، وأدّوا فعل أمر من الأداء وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل، والمعنى أرسلوا بني إسرائيل كما قال في طله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيل﴾ [طه: ٤٧] وقيل عباد الله منادى، والمعنى أدوا إليّ الطاعة والإيمان يا عباد الله، والأول أظهر ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُوا﴾ أي لا تتكبّروا ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ أي حجّة. وبرهان ﴿أَنْ تَرْجُمُونَ﴾ اختلف هل معناه الرجم بالحجارة أو السب والأول أظهر ﴿فَاعْتَزِلُونٍ﴾ أي اتركون وخلوا سبيلي ﴿فَأَسْرٍ بِعِبَادِي﴾ هذا أمر من الله لموسى عليه السلام. ٣٢٣ تفسير سورة الدخان ٢٤ ٢٧ ) وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ ٢٦ كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٦ تَغْرَقُونَ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمَاءَ اخَرِينَ (٤) فَمَا بَكَتْ عَلَهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ (*) وَلَقَدْ نَّنَا ◌َ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًّا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ (٢) وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَوْأْ مُِّينَ ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ ٣٢ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ لَيَقُولُونَ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنِشَرِينَ (٥) فَأَتُوْ بِثَابَآيِنَآ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ ٣٦ والعباد هنا بنو إسرائيل أي اخرج بهم بالليل ﴿إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ﴾ إخبار أن فرعون وجنوده يتبعونهم ﴿وَاتْرُكِ الْبَخْرَ رَهْوًا﴾ أي ساكنًا على هيئته وقيل يابسّا ورُوِيّ أن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فقال الله له اتركه كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا فيه، وقيل معنى رهوًا سهلاً، وقيل منفرجًا ﴿وَعُيُونٍ﴾ يحتمل أن يريد الخلجان الخارجة من النيل وكانت ثم عيون في ذلك الزمان، وقيل يعني الذهب والفضة وهو بعيد ﴿وَمَقَامَ كَرِيم﴾ فيه قولان المنابر والمساكن الحِسان ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ من التنعّم بالأرزاق وغيرها ﴿فَاكِهِينَ﴾ أيّ متنعمين، وقيل فرحين وقيل أصحاب فاكهة ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع نصب أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم، أو في موضع رفع تقديره الأمر كذلك ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يعني بني إسرائيل حكاه الزمخشري والماوردي وضعّفه ابن عطية قال لأنه لم يروٍ في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في ذلك الزمان، وقد قال الحسن إنهم رجعوا إليها، ويدلّ على أن المراد بنو إسرائيل قوله في الشعراء وأورثناها بني إسرائيل ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه عبارة عن تحقيرهم، وذلك أنه إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيمه بكت عليه السماء والأرض على وجه المجاز والمبالغة، فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم أحقر من أن يبالى بهم. الثاني قيل إذا مات المؤمن بكى عليه من الأرض موضع عبادته ومن السماء موضع صعود عمله، فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم كفّار أو ليس لهم عمل صالح. الثالث أن المعنى ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض، والأول أفصح وهو منزع معروف في كلام العرب ﴿وَكَانُوا مُنظَرِينَ﴾ أي مؤخرين ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بدل من العذاب ﴿عَالِيًا﴾ أي متكبرًا ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم﴾ أي كنّا عالِمين بأنهم مستحقّون لذلك ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي على أهل زمانهم ﴿بَلَاَءٌ مُبِينٌ﴾ أي اختبار ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ يعني كفّار قريش ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ خاطبت قريش بذلك النبي وَلّ وأصحابه على وجه التعجيز، رُوِيّ أنهم طلبوا أن يحيي لهم قصيّ بن كلاب يسألوه عن أحوال الآخرة ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ﴾ كان تُبّع ملك من حمير ٣٢٤ تفسير سورة الدخان أَهُمْ خَيْرٌّ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ (٦) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ (٨) مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢) إِنَّ يَوْمَ الْفَضْلِ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١) إِلَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ ٤ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٤٢ ◌َ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ (٥) طَعَامُ الْأَثِيْمِ! ا كَالْمُهْلِ یَقلِی فی خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْحَحِيمِ (٨) ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ اَلْبُطُونِ (٥) كَعَلِ الْحَمِيمِ! عَذَابٍ الْحَمِيمِ (٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَامَا كُنتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ (٥) إِنَّ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ ٥٢ (٥َ فِ جَتَتٍ وَعُيُونٍ اُلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ ◌َكَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ (١) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ،َاِمِنِينَ ٥٣ مُتَقَِلِينَ وكان مؤمنًا وقومه كفّارًا فذمّ الله قومه ولم يذمّه، ورُوي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ما أدري أكان تُبَع نبيًّا أو غير نبيّ))، ومعنى الآية أقريش أشدّ وأقوى أم قوم تُبّع والذين من قبلهم من الكفّار، وقد أهلكنا قوم تُبع وغيرهم لما كفروا فكذلك نهلك هؤلاء، فمقصود الكلام تهديد ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عطف على قوم تُبّع: وقيل هو مبتدأ فيوقف على ما قبله والأول أصحّ ﴿لَعِبِينَ﴾ حال منفية ذكرت في الأنبياء ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلَى عَن مَّوْلَى﴾ المولى هنا يعمّ الوليّ والقريب وغير ذلك من الموالي ﴿إِلاّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ استثناء منقطع إن أراد بقوله: ﴿وَلَاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ الكفّار، ومتصل إن أراد بذلك جميع الناس ﴿طَعَامُ الأَثِيم﴾ أي الفاجر وهو من الإثم، وقيل يعني أبا جهل فالألف واللام للعهد والأظهر أنها للجنس فتعمّ أبا جهل وغيره ﴿كَالْمُهلِ﴾ هو درديّ الزيت، وقيل ما يُذاب من الرصاص وغيره ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي سوقوه بتعنيف ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيم﴾ المصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم وهو الماء الحارّ، ولكن جعل المصبوب هنا العذاب المضاف إلى الحميم مجازًا لأن ذلك أبلغ وأشدّ تهويلاً، وقد جاء الأصل في قوله يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ يقال هذا للكافر على وجه التوبيخ والتهكم به أي كنت العزيز الكريم عند نفسك، ورُوِيَ أن أبا جهل قال ما بين جبليها أعزّ منّي ولا أكرم فنزلت الآية ﴿َتَمْتَرُونَ﴾ تفتعلون من المرية وهي الشك ﴿فِي مَقَام أَمِينٍ﴾ قرىء بضم الميم أي موضع إقامة، وفتحها أي موضع قيام والمراد به الجنة والأمين من الأمن أي مأمون فيه، وقيل من الأمنة وصف به المكان مجازًا ﴿مِن سُندُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السندس الرقيق من الديباج والإستبرق الغليظ منه ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع رفع أي الأمر كذلك، أو في موضع نصب أي ٣٢٥ تفسير سورة الدخان لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ إِلَّ اُلْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَدَهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ◌َ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ٥٦ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿ فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم ٥٩ مُرْتَقِبُونَ مثل ذلك زوّجناهم ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ أي يدعون خدّامهم ﴿إِلاَّ الْمَوْتَّةَ الأُولَى﴾ استثناء منقطع، والمعنى لا يذوقون فيها الموت: لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى خاصّة قبل ذلك، ولولا قوله فيها لكان متصلاً لعموم لفظ الموت، وقيل إلاّ هنا بمعنى بعد وذلك ضعيف ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾ أي سهّلناه والضمير للقرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي بلغتك وهي لسان العرب ﴿فَأَرْتَقِبْ إنَّهُم مُرْتَقِبُونَ﴾ أي ارتقب نصرنا لك وإهلاكهم فإنهم مرتقبون ضدّ ذلك، ففيه وعد له ووعید لهم. سورة الجاثية مكية إلاّ آية ١٤ فمدنية وآياتها ٣٧ نزلت بعد الدخان ٠٠٠ بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الـ ٠٠٠٠ أَتَنْزِيلُ اَلْكِتَبٍ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٤) إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٤) وَفِ خَلْفِكُمْ ١ حم ﴿ وَأَخْتِلَفِ اَلَّْلِ وَالنََّارِ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٤ وَمَا يَبْثُّ مِنْ دَابَةٍ ◌َايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ! بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿تَنْزِيلُ﴾ ذكر في المزّمّل وما بعد ذلك تنبيه على الاعتبار بالموجودات وقد ذكر معناه في مواضع ﴿وَيْلٌ لَكُلٌ أَفَّاكِ أَثِيمٍ﴾ الأفاك مبالغة من الإفك وهو الكذب، والأتيم من الإثم، وقيل إنها نزلت في النضر بن الحارث ولفظها على العموم ﴿يُصِرُ﴾ أي يدوم على حاله من الكفر، وإنما عطفه بثم لاستعظام الإصرار على الكفر بعد سماعه آيات الله واستبعاد ذلك في العقل والطبع ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي إذا بلغه منها شيء ولم يرد العلم الحقيقي ﴿مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمَ﴾ كقوله من ورائه عذاب غليظ، وقد ذكر في إبراهيم ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ يعني الشمس والقمر والملائكة وبني آدم والحيوانات والنبات وغير ذلك ﴿جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ أي كل نعمة فمن الله تعالى، والمجرور في موضع الحال أو خبر ابتداء مضمر، وقرأ ابن عباس منه ﴿قُلْ لُلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أمر الله المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفّار ولا يؤاخذوهم إذا آذوهم، وكان ذلك في صدر ٣٢٧ تفسير سورة الجاثية تِلَّكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقٌّ فَأَتِ حَدِيثٍ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرَّجِءَايَتِّ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يَسْمَعُ ءَايَتِ اَللَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْرًا كَأَنْ لَّمْ ج وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيرٍ إلاّ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَئِهِ يُؤْمِنُونَ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيِ ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (٥) مِّن وَرَآيِهِمْ جَهٌَّ وَلَا يُغْنِ عَنْهُم مَا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَا مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيًا: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ ١٠ هَذَا هُدَّىٌّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيِهُ ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخََّ لَكُمُ الْبَحْرَ لِنَجْرِىَ اٌلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِنَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشَّكُرُونَ (٨) وَسَخَرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرَحُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ لِيَجْزِئَ قَوْمًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٨) مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (٨) وَلَقَدْءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اُلْطَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى اُلْعَلَمِينَ () وَءَاتَّيْنَهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٥) ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً وَإِنَّ اُلْأَمْرٍ فَتَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨ هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ ١٩ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُنَّفِينَ يُوقِنُونَ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ الإسلام، قيل إنها منسوخة بالسيف، وقيل ليست بمنسوخة لأن احتمال الأذى مندوب إليه على كل حال، وأما القتال على الإسلام فليس من ذلك، ورُوِيّ أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل من الكفّار فأراد عمر أن يبطش به، وأيام الله هي نعمه، فالرجاء على أصله، وقيل أيام الله عبارة عن عقابه، فالرجاء بمعنى الخوف ويغفروا مجزوم في جواب شرط مقدّر دلّ عليه قل، قال الزمخشري حذف معمول القول، والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا ﴿لِيَجْزِيَّ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فاعل يجزي ضمير يعود على الله، وقرىء بنون المتكلّم، وقال ابن عطية إن الآية وعيد، فالقوم على هذا هم الذين لا يرجون أيام الله ويكسبون يعني السيئات، وقال الزمخشري القوم هم الذين آمنوا وجزاؤهم الثواب بما كانوا يكسبون بكظم الغيظ واحتمال المكروه ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ذكر في البقرة ﴿بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ﴾ أي معجزات من أمر الدين ﴿جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ﴾ أي ملّة ودين ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ ٣٢٨ تفسير سورة الجاثية ◌َ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بَِلَّقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ سَوَآءَ تَحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿ أَفَرََّيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمْ عَلَى ) وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّ حَيَانُنَ ٢٣ سَمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِء غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أم هنا للإنكار، واجترحوا اكتسبوا، والمراد بالذين اجترحوا السيئات الكفّار لمقابلته بالذين آمنوا، ولأن الآية مكيّة: وقد يتناول لفظها المذنبين من المؤمنين ولذلك يذكر أن الفضيل بن عياض قرأها بالليل فما زال يرددها ويبكي طول الليل ويقول لنفسه من أيّ الفريقين أنت، ومعناها إنكار ما حسبه الكفّار من أن يكونوا هم والمؤمنون سواء في المحيا والممات، وفي تأويلها مع ذلك قولان: أحدهما أن المراد ليس المؤمنون سواء مع الكفّار لا في المحيا ولا في الممات، فإن المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة، والكفّار عاشوا على الكفر والمعصية وكذلك ملّتهم ليست سواء، والقول الآخر أنهم استووا في المحيا في أمور الدنيا من الصحة والرزق فلا يستوون في الممات، بل يسعد المؤمنون ويشقى الكافرون، فالمراد بها إثبات الجزاء في الآخرة وتفضيل المؤمنين على الكافرين في الآخرة، وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح فيكون معنى الآية كقوله: ﴿أَفَنَجْعَل المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، ﴿أَم نَجْعَلِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَل المُتَّقِينَ كَالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨]، ﴿سَوَاءً مَّخِيَّاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ هذه الجملة بدل من الكاف في قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهي مفسّرة للتشبيه، وهي داخلة فيما أنكره الله مما حسبه الكفّار وقيل هي كلام مستأنف؛ والمعنى على هذا أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وأن محيا الكفّار ومماتهم سواء لأن كل واحد يموت على ما عاش عليه، وهذا المعنى بعيد، والصحيح أنها من تمام ما قبلها على المعنى الذي اخترناه، وأما إعرابها فمَن قرأ سواء بالرفع فهو مبتدأ وخبره محياهم ومماتهم والجملة، بدل من الجار والمجرور الواقع مفعولاً ثانيًا لنجعل، ومَن قرأ سواء بالنصب فهو حال أو مفعول ثانٍ لنجعل، ومحياهم فاعل بسواء، لأنه في معنى مستوي ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ معطوف على قوله بالحق، لأن فيه معنى التعليل، أو على تعليل محذوف تقديره خلق الله السموات والأرض ليدلّ بهما على قدرته ولتجزى كل نفس بما كسبت ﴿اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ﴾ أي أطاعه حتى صار له كالإله ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم﴾ أي على علم من الله سابق، وقيل على علم من هذا الضالّ بأنه على ضلال، ولكنه يتبع الضلال معاندة ﴿خَتَّمَّ﴾ ذكر في البقرة ﴿فَمَنْ ٣٢٩ تفسير سورة الجاثية اُلُّنْيَا نَمُوتُ وَتَخْيَا وَمَا يُهْلِكُاَ إِلَّ الدَّهْرُ وَمَا لَمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلٍَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (١) وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْءَ ايَتُنَا بَيِنَتِ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِثَابَآَيْنَآ إِن كُمْ صَدِّقِينَ (٤٥) قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (*) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٦) وَتَرَى كُلّ أُمٍَّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَّ إِلَى كِنَبِهَا اَلْيَوْمَ نُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِنَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٤) فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَيِهٍ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٢) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَتُمْ وَكُمْ قَوْمَا تُجْرِمِينَ (٢) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ (٦) ﴾ وَبَدَا لَمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عطية فيه حذف مضاف تقديره من بعد إضلال الله إياه، ويحتمل أن يريد فمَن يهديه غير الله ﴿وَقَالُوا﴾ الضمير لمَن اتخذ إلهه هواه أو لقريش ﴿فَمُوتُ وَنَخْيَا﴾ في أربع تأويلات: أحدها أنهم أرادوا يموت قوم ويحيا قوم، والآخر نموت نحن ويحيا أولادنا، الثالث نموت حين كنّا عدمًا أو نطفًا، ونحيا في الدنيا، والرابع نموت الموت المعروف، ونحيا قبله في الدنيا فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، ومقصودهم على كل وجه إنكار الآخرة، ويظهر أنهم كانوا على مذهب الدهرية بقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الآية ﴿قَالُوا أَتَّتُوا بِآبَائِنَا﴾ ذكر في الدخان ﴿قُلْ اللَّهُ يُخْبِيكُمْ﴾ الآية: ردّ على المنكرين للحشر والاستدلال على وقوعه بقدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَائِيَةً﴾ أي تجثو على الركب وتلك هيئة الخائف الذليل ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُذْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ أي إلى صحائف أعمالها، وقيل الكتاب المنزل عليها، والأول أرجح لقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِ﴾ الآية: فإن قيل: كيف أضاف الكتاب تارة إليهم وتارة إلى الله تعالى؟ فالجواب أنه أضافه إليهم لأن أعمالهم ثابتة فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه، وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه ﴿إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة الحافظين بكتب أعمالكم، وقيل إن الله يأمر الحَفَظَة أن تنسخ أعمال العباد من اللوح المحفوظ، ثم يمسكونه عندهم فتأتي أفعال العباد على ذلك، فتكتبها الملائكة، فذلك هو الاستنساخ وكان ابن عباس يحتجّ على ذلك بأن يقول: لا يكون الاستنساخ إلاّ من أصل ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ تقديره يقال لهم ذلك ﴿وَحَاقَ﴾ ذکر ٣٣٠ تفسير سورة الجاثية وَقِيلَ أَلْيَّوْمَ نَسَنَكُمْ كَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَكُمُ النَّلُ وَمَا لَكُمْ مِنْ ٣٣ كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءُونَ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ أَّخَذْتُمْ ءَايَتِ أَلَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُ الْحَةُ الدُّنْيَا فَأَلْيَّوْمَ لَ يُخْرَبُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ نَّصِرِينَ (®) يُسْتَعْنَبُونَ ﴿ فَلِلَّهِ أَنْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّهِ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِىِ الشَّهُوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِرُ الْحَكِيمُ ٣٧ مرارًا ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ﴾ النسيان هنا بمعنى الترك، وأما في قوله نسيتم فيحتمل أن يكون بمعنى الترك أو الذهول ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ من العتبى وهي الرضا. نـ سورة الأحقاف مکیة إلاّ الآيات ١٠ و١٥ و٣٥ فمدنيّة وآياتها ٣٥ نزلت بعد الجاثية بِسْمِ اللهِ الرَِّْ آَ حَمّ (١) تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَقَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ (٥) قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا نَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿تَنْزِيلُ﴾ ذكر في الزمر ﴿إِلاَّ بِالْحَقٌ﴾ ذكر مرارًا ﴿وَأَجَلٍ مُسَمَّى﴾ يعني يوم القيامة ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا﴾ احتجاج على التوحيد وردّ على المشركين، فالأمر بمعنى التعجيز ﴿شِرْكَ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أي نصيب ﴿أَثْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ تعجيز لأنهم ليس لهم كتاب يدلّ على الإشراك بالله، بل الكتب كلها ناطقة بالتوحيد ﴿أَو أَثَارَةٍ مُّنْ عِلْم﴾ أي بقية من علم قديم يدلّ على ما يقولون، وقيل معناه من علم تُثيرونه أي تستخرجونه، وقيل هو الإسناد، وقيل هو الخط في الرمل، وكانت العرب تتكهّن به، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان نبيّ من الأنبياء يخطّ في الرمل فمَن وافق خطّه فذاك ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ الآية. معناها لا أحد أضلّ ممّن يدعو إلهًا لا يستجيب له وهي الأصنام فإنها لا تسمع ولا تعقل، ولذلك وصفها بالغفلة عن دعائهم، لأنها لا تسمعه ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءَ﴾ أي كان الأصنام أعداء للذين عبدوها ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ الضمير في كانوا للأصنام: أي تتبرّأ ٣٣٢ تفسير سورة الأحقاف خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِ بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَوْ مِنْ عِلْمٍ إِن كُمُ صَدِقِينَ ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْلَهُمْ أَعْدَآَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِنَ () وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَّهُ قُلْ إِنٍ أَفْتََّيَتُُّ فَلَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ هُمْ هَذَا سِخْرٌ مُبِينُ ( تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِىِ وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ جَاقُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَأْ إِلَّا نَذِيْرُ ◌ُبِينٌ جَاقُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى الأصنام من الذين عبدوها، وإنما ذكر الأصنام بضمائر مثل ضمائر العقلاء لأنه أسند إليهم ما يسند إلى العقلاء، من الاستجابة والغفلة والعداوة ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتَهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي لو افتريته لعاقبني الله على الافتراء عقوبة لا تقدرون على دفعها ولا تملكون شيئًا من ردّها عليه فكيف أفتريه وأتعرّض لعقاب الله ﴿هُو أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي بما تتكلمون به، يقال أفاض الرجل في الحديث إذا خاض فيه واستمرّ ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِذْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ البدع والبديع من الأشياء: ما لم يرَ مثله أي ما كنت أول رسول ولا جئت بأمر لم يجىء به أحد قبلي، بل جئت بما جاء به ناسٍ كثيرون قبلي، فلأيّ شيء تنكرون ذلك ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ فيها أربعة أقوال: الأوّل أنها في أمر الآخرة وكان ذلك قبل أن يعلم أنه في الجنة، وقبل أن يعلم أن المؤمنين في الجنة وأن الكفّار في النار، وهذا بعيد، لأنه لم يزل يعلم ذلك من أول ما بعثه الله والثاني أنها في أمر الدنيا: أي لا أدري بما يقضي الله عليّ وعليكم، فإن مقادير الله مغيبة وهذا هو الأظهر. الثالث ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما تلزمه الشريعة. الرابع أن هذا كان في الهجرة إذ كان رسول الله والتر قد رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض بها نخل فقلق المسلمون لتأخير ذلك فنزلت هذه الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ معنى الآية أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين، ثم حذف قوله ألستم ظالمين وهو الجواب، لأنه دلّ على أن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، فالمعنى أرأيتم إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع شهادة شاهد من بني إسرائيل على مثله ثم آمن به هذا الشاهد وكفرتم أنتم ألستم أضلّ الناس وأظلم الناس، واختلف في الشاهد المذكور على ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبد الله بن ٣٣٣ تفسير سورة الأحقاف مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَ بَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِينَ (٨٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْلَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهٍّ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفٌْ قَدِيمٌ (٤) وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣ ) سلام، فقيل على هذا إن الآية مدنية، لأنه إنما أسلم بالمدينة، وقيل إنها مكية وأخبر بشهادته قبل وقوعها ثم وقعت على حسب ما أخبر، وكان عبد الله بن سلام يقول فيّ نزلت الآية، الثاني أنه رجل من بني إسرائيل كان بمكة: الثالث أنه موسى عليه السلام ورجّح ذلك الطبري والضمير في مثله للقرآن أي يشهد على مثله فيما جاء به من التوحيد والوعد والوعيد، والضمير في آمن للشاهد فإن كان عبد الله بن سلام أو الرجل الآخر فإيمانه بيّن، وإن كان موسى عليه السلام، فإيمانه هو تصديقه بأمر محمد بَ له وتبشيره به ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ أي لو كان الإسلام خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء، والقائلون لهذه المقالة هم أكابر قريش لما أسلم الضعفاء كبلال وعمّار وصهيب وقيل بل قالها كنانة وقبائل من العرب لمّا أسلمت غفار ومزينة وجهينة، وقيل بل قالها اليهود لمّا أسلم عبد الله بن سلام، والأول أرجح لأن الآية مكية وكانت مقالة قريش بمكة وأما مقالة الآخرين فإنما كانت بعد الهجرة ومعنى الذين آمنوا من أجل الذين آمنوا: أي قالوا ذلك عنهم في غيبتهم وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام لأنه لو كان خطابًا لقالوا ما سبقتمونا ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي لمّا لم يهتدوا قالوا هذا إفك قديم ونحو هذا ما جاء في المثل من جهل شيئاً عاداه، ووصفه بالقدم لأنه قد قيل قديمًا، فإن قيل: كيف تعمل فسيقولون في إذ وهي للماضي والعامل مستقبل؟ فالجواب: أن العامل في إذ محذوف تقديره إذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون، قال ذلك الزمخشري، ويظهر لي أن إذ هنا بمعنى التعليل لا ظرفية بمعنى الماضي فلا يلزم السؤال، والمعنى أنهم قالوا هذا إفك بسبب أنهم لم يهتدوا به، وقد جاءت إذ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب ومنه ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْم إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] أي بسبب ظلمكم ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةٌ﴾ الضمير في قبله للقرآن وكتاب موسى هو التوراة، وإمامًا حال، ومعناه يقتدى به ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لْسَانَا عَرَبِيًّا﴾ الإشارة بهذا إلى القرآن، ومعنى مصدّق مصدّق بما قبله من الكتب، وقد ذكرنا ذلك في البقرة ولسان حال من الضمير في مصدّق، وقيل مفعول بمصدّق أي صدق ذا لسان عربي وهو محمد الَّر، ٣٣٤ تفسير سورة الأحقاف ..- (١) وَوَضَيْنَا الْإِنِسَنَ بَوَلِدَيْهِ إِحْسَتَّا جَمَلَتْهُ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَالِيْنَ فِيَهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ: أُمُّدُ كُرْهَا وَوَضَعَنْهُ كُرُّهًّاً وَحَمْلُ وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَرَبِّ أَوَزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىَ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِىِفِى ذُرِّيَّنِىٌّ إِنِّي تُبْثُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَّبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَنَجَاوَزُ عَن. سَبِّئَاتِهِمْ فِىّ أَصْحَدٍ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ (١) وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَتْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ وَهُمَا يَسْتَغِيَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ ءَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ٠.٤ مَا هَذَا إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىّ أُمَرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِنِّ. : ٤ واختار هذا ابن عطية ﴿اسْتَقَامُوا﴾ ذكر في حم السجدة ﴿إحْسَانًا﴾ ذكر في العنكبوت ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي حملته بمشقّة ووضعته بمِشِقّة، ويقال كره بفتح الكاف وضمّها بمعنى واحد ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ أي مدة حمله ورضاعه ثلاثون. شهرًا وهذا لا يكون إلاّ بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إما أن يكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر، ومن هذا أخذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والعلماء أن أقلّ مدة: الحمل ستة أشهر، وإنما عبّر عن مدة الرضاع بالفصال وهو الفطام لأنه منتهى الرضاع: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ذكر في يوسف ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ هذا حدّ كمال العقل والقوة، ويقال إن الآية. نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وقيل إنها عامّة ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي في جملة أصحاب الجنة كما تقول رأيت فلانًا في الناس أي مع الناس ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُنِّهِ لَّكُمَا﴾ قال مروان بن الحكم نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق حين كفره كان. أبوه وأُمه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ويقول لهما أُفٍّ، وأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك، وقالت والله ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلاّ براءتي، ويبطل ذلك قطعًا قوله: تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق أسلم وكان من خيّار المسلمين، وكان له في الجهاد غنّى عظيم، وقال السدّيّ ما رَأيت أعبد منه، وقالٍ. ابن عباس نزلت في ابن لأبي بكر ولم يُسَمِّه، ويردّ ذلك ما ذكرناه عن عائشة وقيل هي على الإطلاق فيمَن كان على هذه الصفة من الكفر والعقوق لوالديه، ويدلّ على أنها عامّةٍ قوله. تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ بصيغة الجمع، ولو أراد واحدًا بعينه لقال ذلك. الذي حقّ عليه القول، وقد ذكرنا معنى أُفٍّ في الإسراء ﴿أَتَعِدَانِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي أتعدانني ٣٣٥ تفسير سورة الأحقاف وَالْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ (١٨) وَلِكُلِّ دَرَجَتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا فَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ﴿ وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ اُلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحِ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ ◌ِاَلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّىَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالَتِنَا فَأْيِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (﴾﴾ قَالَ إِنَّمَا اَلْعِلِمُ عِندَ اللَّهِ وَأَبْلِغُّكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّيَّ أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (*) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أنا أن أخرج من القبر إلى البعث ﴿وقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ أي وقد مضت قرون من الناس ولم يبعث منهم أحد ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيئَانِ اللَّهَ﴾ الضمير لوالديه أي يستغيثان بالله من كراهتهما لما يقول منهما ثم يقولان له ويلك ثم يأمرانه بالإيمان: فيقول ما هذا إلاّ أساطير الأوّلين: أي قد سطّرِه الأوّلون في كتبهم، وذلك تكذيب بالبعث والشريعة ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ أي للمحسنين والمُسيئين درجات في الآخرة بسبب أعمالهم، فدرجات أهل الجنة إلى علو، ودرجات أهل النار إلى سفل، وليوفّيهم تعليل بفعل محذوف وبه يتعلق تقديره جعل جزاءهم درجات ليوفّيهم أعمالهم ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ العامل فيه محذوف تقديره اذكر ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيْبَاتِكُمْ﴾ تقديره يقال لهم أذهبتم طيّباتكم؛ والطيبات هنا الملاذ من المآكل وغيرها؛ وقرىء أذهبتم بهمزة واحدة على الخبر وبهمزتين على التوبيخ، والآية في الكفّار بدليل قوله يعرض الذين كفروا وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقد رآه اشترى لحمًا أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي العذاب الذي يقترن به هوان ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ يعني هودًا عليه السلام ﴿بِالأَحْقَافِ﴾ جمع حقف وهو الكدس من الرمل واختلف أين كانت فقيل بالشام، وقيل بين عمان ومهرة وقيل بين عمان وحضرموت، والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ أي تقدّمت من قبله ومن بعده، والنذر جمع نذير، فإن قيل: كيف يتصوّر تقدّمها من بعده؟ فالجواب أن هذه الجملة اعتراض وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رُسُلاً متقدّمين قبل هود وبعده، وقيل معنى مَن خلفه من زمانه ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي قل إن العذاب الذي قلتم ائتنا به ليس لي علم متى يكون، وإنما يعلمه الله، وما عليّ إلاّ أن أُبلغكم ما أرسلت به ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضَا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ العارض السّحاب الذي يعرض في أُفق السماء، والضمير في رأوه يعود على ما تعدنا أو على المرئي المبهم الذي ٣٣٦ تفسير سورة الأحقاف. ◌َ تُدَمِرُ كُلَّ شَىْءٍ ٤٣١ أَوْدِيَنِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مْطُِّنَا بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِّ رِيٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِّنُهُمْ كَذَلِكَ تَجْزِ الْقَوْمَ اَلْمُجْرِمِينَ (٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ الَا وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا اُلْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٨) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانًا ءَ إِهَةَّ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٤٨) وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ ٢٩ فسّره قوله عارضًا قال الزمخشري وهذا أعرب وأفصح، ورُوِيّ أنهم كانوا قد قحطوا مدّة، فلما رأوا هذا العارض ظنُّوا أنه مطر ففرحوا به فقال لهم هود عليه السلام: بل هو ما استعجلتم به من العذاب وقوله ريح بدل من ما استعجلتم أو خبر ابتداء مضمر ﴿تُدَمِّرُ كُلّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ عموم يراد به الخصوص ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَاكُمْ نِهِ﴾ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد أي مكّا عادًا فيما لم نمكّنكم فيه من القوة والأموال وغير ذلك، ثم أهلكناهم لما كفروا وإن هنا نافية بمعنى ما، وعدل عن ما كراهية لاجتماعها مع التي قبلها، وقيل إن شرطية، وجوابها محذوف تقديره إن مكْتّاكم فيه طغيئم، قال ابن عطية :.. وهذا تنطّع في التأويل ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى﴾ يعني بلاد عاد وثمود وسبأ. وغيرها، والمراد إهلاك أهلها ﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمْ﴾ الآية عرض معناه النفي أي لم تنصرهم آلهتهم التي عبدوا من دون الله ﴿قُرْبَانًا﴾ أي تقربوا بهم إلى الله وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وانتصاب قربانًا على الحال، ولا يصحّ أن يكون قربانًا مفعولاً ثانيًا لاتخذوا وآلهة بدل ﴿بَلْ ضَلُوا عَنْهُمْ﴾ أي تلغوا لمهم منه لفساد المعنى، قاله الزمخشري، وقد أجازه ابن عطيّة وغابوا عن نصرهم حين احتاجوا إليهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنْ﴾ أي أملناهم نحوك، والنفر دون العشرة ورُوِيّ أن الجنّ كانوا سبعة وكانوا كلهم ذكرانًا، لأن النفر. الرجال دون النساء، وكانوا من أهل نصيبين، وقيل من أهل الجزيرة، واختلف هل رآهم النبي ◌َّ؟ قيل إنه لم يرهم ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك، وقيل بل علم بهم واستعدّ لهم واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة، وسبب استماع الجنّ أنهم لمّا طردوا من استراقّ السمع من السماء برجم النجوم قالوا ما هذا إلاّ لأمر حدث فطافوا بالأرض ينظرون ما أوجب ذلك حتى سمعوا قراءة رسول الله صلّى ٣٣٧ تفسير سورة الأحقاف قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ (٢) يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَءَإِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُّهِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِرٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ (٦) أَوَّلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِْىَ الْمَوْنَى بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَيِّنَأَ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦) فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ اُلُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَنَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَم يَلْبَثُوا إِلَّ سَاعَةٌ مِن نَّهَرٍ بَغُ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ الله عليه وآله وسلّم في صلاة الفجر في سوق عكاظ فاستمعوا إليه وآمنوا به ﴿أَنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ في هذا دلالة على أنهم كانوا على دين اليهود وقيل كانوا لم يعلموا ببعث عيسى ﴿مُصَدْقًا لَّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ذكر في البقرة ﴿دَاعِيَ اللَّهِ﴾ هو رسول الله وٍَّ ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ من هنا للتبعيض على الأصحّ أي يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله، وقيل معنى التبعيض أن المظالم لا تغفر وقيل إن من زائدة ﴿ويُجِرْكُم مِّن عَذَابٍ أَلِيم﴾ أي من النار، واختلف الناس هل للجنّ ثواب زائد على النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلاّ النجاة خاصّة ﴿ومَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ الآية: يحتمل أن يكون من كلام الجنّ أو من كلام الله تعالى ومعنى ليس بمعجز أي لا يفوت ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا﴾ الآية: احتجاج على بعث الأجساد بخلق السموات والأرض ﴿وَلَمْ يَغْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ يقال عييت بالأمر إذا لم تعرفه فالمعنى أنه تعالى عليم كيف خلق السموات والأرض وأحكم خلقتها فلا شك أنه قادر على إحياء الموتى ﴿بِقَادِرٍ﴾ في موضع رفع لأنه خبر أن وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وخبرها ﴿بَلَى﴾ جواب لما تقدّم أي هو قادر على أن يُحيي الموتى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ هذا خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أي اصبر على تكذيب قومك وأولو العزم هم نوح وإبراهيم وعيسى وموسى، وقيل هم الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام لقوله: ﴿فَبِهُدَاهُم اقْتَده﴾ [٩٠]، وقيل كل مَن لَقي من أُمّته شدّة وقيل الرسل كلهم أُولو عزم فمن الرسل على هذا لبيان الجنس وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض ﴿وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ أي لا تستعجل نزول العذاب بهم فإنهم صائرون إليه فإنهم إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلاّ ساعة من نهار لاستقصار أعمارهم ﴿بَلاَغْ﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره هذا الذي وعظتم به ٣٣٨ تفسير سورة الأحقاف اُلْقَوْمُ الْفَسِقُونَ ◌ِ ٣٥ بلاغ بمعنى كفاية في الموعظة أو بلاغ من الرسول عليه الصلاة والسلام أي بلّغ هذه المواعظ والبراهين. ٠٠ = : ٠ ٠ ٠ سورة محمد مدنيّة إلاّ آية ١٣ فنزلت في الطريق أثناء الهجرة وآياتها ٣٨ نزلت بعد الحديد بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ () وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن نَّهُمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ (١) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَطِلَ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني كفّار قريش وعموم اللفظ يعمّ كل كافر كما أن قوله بعد هذا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني الصحابة وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن ﴿وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون صدّوا بمعنى أعرضوا فيكون غير متعدٍّ أو يكون بمعنى صدّوا الناس فيكون متعدّيًا وسبيل الله الإسلام والطاعة ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أبطلها وأحبطها وقيل المراد بأعمالهم هنا ما أنفقوا في غزوة بدر فإن هذه الآية نزلت بعد بدر واللفظ أعمّ من ذلك ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزَّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ هذا تجريد للاختصاص والاعتناء بعد عموم قوله آمنوا وعملوا الصالحات ولذلك أكّده بالجملة الاعتراضية، وهو قوله وهو الحق من ربّهم ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قيل معناه أصلح حالهم وشأنهم وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب وإذا صلح القلب يصلح الجسد كله فالمعنى إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أصله فاضربوا الرقاب ضربًا ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه والمراد ٣٤٠ تفسير سورة محمد فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٣ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ اَلْرِقَابٍ خَّىَ إِذَا أَنْتَتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَبَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ حَتَّى تَضَعَ الْحَرِبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكٌ وَلَوْ بَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ (أَ سَيَهْدِيهِمْ حَ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبَتْ ٦ وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ وَيُصْلِحُ بَالَمْ ] وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴿هَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَّ أَقْدَامَكُمْ أَقَمَ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ٩ أَعْمَلَهُمْ : حَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ اُلْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ١٠ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا اقتلوهم ولكن عبّر عنه بضرب الرقاب لأنه الغالب في صفة القتل ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أي هزمتموهم والإثخان أن يكثر فيهم القتل والأسر ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ عبارة عن الأسْر ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ المنّ العتق والفداء فكّ الأسير بمال وهما جائزان فإن مذهب مالك أن الإمام مُخَيّر في الأسارى بين خمسة أشياء وهي المنّ والفداء والقتل والاسترقاق وضوب الجزية وقيل لا يجوز المنّ ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فلا يجوز على هذا إلاّ قتلهم والصحيح أنها مُحكَمة وانتصب منَّا وَفِداءً على المصدرية والعامل فيهما فعلان مضمران ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبَ أَوْزَارَهَا﴾ الأوزار في اللغة الأثقال فالمعنى حتى تذهب وتزول أثقالها وهي آلاتها وقيل الأوزار الآثام لأن الحرب لا بدّ أن يكون فيها إثم في أحد الجانبين واختلف في الغاية المُرادة هنا فقيل حتى يسلموا الجميع فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل حتى تقتلوهم وتغلبوهم وقيل حتى ينزل عيسى ابن مريم قال ابن عطية ظاهر اللفظ أنها استعارة يُراد بها التزام الأمر أبدًا كما تقول أنا فاعل ذلك إلى يوم القيامة ﴿ذَلِكَ﴾ تقديره الأمر ذلك ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أو لو شاء الله لأهلكَ الكفّار بعذاب من عنده ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين وأن يبلو بعض الناس ببعض ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها فهو من المعرفة وقيل معناه طيّها لهم فهو من العرف وهو طيب الرائحة وقيل معناه شرفها ورفعها فهو من الأعراف التي هي الجبال ﴿فَتَعْسًا لَّهُمْ﴾ أي عثارًا وهلاكًا وانتصابه على المصدرية والعامل فيه فعل مضمر وعلى هذا الفعل عطف وأضلّ أعمالهم ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أي لكفّار قريش أمثال عاقبة الكفّار المتقدمين من الدمار والهلاك ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي وليّهم وناصرهم وكذلك وأن الكافرين لا مولى لهم معناه لا ناصر لهم ولا يصحّ أن يكون المولى هنا بمعنى السيد لأن ١٠