النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
تفسير سورة الصّافّات
١٠َ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ لَمْ إِنَّا
◌َ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ
(١٢٢
◌َ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
اللَّهَ
١٢٥
الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَّقُونَ (٢َ أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ
(١٢٨)
جَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَهُمْ لَمُحْضَرُونٌّ الِّه ◌ِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَيَكُمُ الْأَوَّلِن
سَلَمُ عَلَىَ إِلَ يَاسِينَ ﴿مَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (ْ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
١٢٩
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِىِ الْآَخِرِينَ !
الْمُؤْمِنِينَ () وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ الْهَ إِذْ نَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ, أَجْمَعِينٌَ (َهَ إِلَّا عَجُوزًا فِ الْغَبِرِينَ (٣٦) ثُمَّ
ـَ وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينٌّ ◌ِجَهَا وَبِلَيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٢) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ
١٣٠
دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ
الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٢٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( !! ) فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ
موسى وهارون وقومهما وقيل على موسى وهارون خاصّة وعاملهما معاملة الجماعة للتعظيم
وهذا ضعيف ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ يعني التوراة ومعنى المستبين البيّن، وفي هذه
الآية وما بعدها نوع من أدوات البيان وهو الترصيع ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلياس من
ذرّيّة هارون وقيل إنه إدريس، وقد أخطأ مَن قال إنه إلياس المذكور في أجداد النبيّ صلّى
الله عليه وآله وسلّم ﴿أَتَذْعُونَ بَعْلاً﴾ البعل في اللغة الربّ بلغة أهل اليمن وقيل بعل اسم
صنم يقال له بعلبك ﴿سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ال هنا على هذه القراءة بمعنى أهل ياسين اسم
لإلياس، وقيل لأبيه، وقيل لسيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقرىء إلياسين بكسر
الهمزة ووصل اللام ساكنة على هذا جمع إلياس أو منسوب لإلیاس حذفت منه الياء كما
حذفت من أعجمين، وقيل سمّي كل واحد من آل ياسين إلياس ثم جمعهم وقيل هو لغة في
إلياس ﴿عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ قد ذكر ﴿وَإِنَّ يُونُس لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قد ذكرنا قصته في
يونس والأنبياء ﴿إِذْ أَبَقَ إلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي هرب إلى السفينة والفُلْك هنا واحد
والمشحون المملوء، وسبب هروبه غضبه على قومه حين لم يؤمنوا، وقيل إنه أخبرهم أن
العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله، فلما رأوا قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع
الله عنهم العذاب فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ﴾ معنى
ساهم ضارب القرعة والمدحض المغلوب في القرعة والمحاجّة وسبب مقارعته أنه لمّا ركب
السفينة، وقفت ولم تجرٍ، فقالوا إنما وقفت من حدث أحدثه فنقترع لنرى على مَن تخرج
القرعة فنطرحه فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ
وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي فعل ما يُلام عليه وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ

٢٤٢
تصغير سورة الصّافات
﴿فَدْفَهُ بِالْعَرَآءِ
◌َ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٣
ـّ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ
١٤٢
مُلِيمٌ لـ
وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ لَّوْ يَزِيدُونَ
١٤٦
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ
١٤٥
وَهُوَ سَقِيمٌ !
١٤٧
أَمْ خَلَقْنَا
١٤٩
فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَئِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْجَنُونَ
١٤٨
فَقَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
﴿﴿ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ
أَلََّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
الْمَلَبِكَةَ إِنَاثًّا وَهُمْ شَهِدُونَ
١٥٠
مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ تسبيحه هو قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين حسبما.
حكى الله عنه في الأنبياء وقيل هو قوله سبحان الله وقيل هو الصلاة، واختلف على هذا هل
يعني صلاته في بطن الحوت أو قبل ذلك واختلف في مدة بقائه في بطن الحوت فقيل ساعة
وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام وقيل أربعون يومًا ﴿فَتَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ العراء الأرض الفضاء
التي لا شجر فيها، ولا ظل وقيل يعني الساحل ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ رُوِيَ أنه كان كالطفل المولود
بضعة لحم ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ أي أنبتناها فوقه لتظلّه، وتَقِيه حرّ الشمس،
واليقطين، القرع وإنما خصّه الله به لأنه يجمع برد الظلّ ولين اللمش وكبر الورق وأن
الذّباب لا يقربه فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب وقيل اليقطين كل
شجرة لا ساق لها كالبقول والقرع والبطيخ، والأول أشهر ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفِ﴾ يعني
رسالته الأولى التي أبق بعدها وقيل هذه رسالة ثانية بعد خروجه من بطن الحوث والأول
أشهر ﴿أَو يَزِيدُونَ﴾ قيل أو هنا بمعنى بل، وقرأ ابن عباس، بل يزيدون، وقيل هي بمعنى
الواو وقيل هي للإبهام وقيل المعنى أن البشر إذا نظر إليهم يتردّد فيقول هم مائة ألف أو
يزيدون واختلف في عددهم فقيل مائة وعشرون ألفًا وقيل مائة وثلاثون ألفًا وقيل مائة
وأربعون ألفًا وقيل مائة وسبعون ألفًا ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ رُوِيّ أنهم خرجوا
بالأطفال وأولاد البهائم، وفرّقوا بينهم وبين الأمهات وناحوا وتضرّعوا إلى الله وأخلصوا
فرفع الله العذاب عنهم إلى حين: يعني لانقضاء آجالهم وقد ذكر الناس في قصة يونس
أشياء كثيرة أسقطناها لضعف صحتها ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال الزمخشري
إن هذا معطوف على قوله فاستفتهم الذي في أول السورة وإن تباعد ما بينهما والضمير
المفعول لقريش وسائر الكفّار أي اسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عمّا زعموا من أن
الملائكة بنات الله فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور وتلك قسمة ضيزى ثم قرّرهم على ما
زعموا من أن الملائكة إناث وردّ عليهم بقوله وهم شاهدون، ويحتمل أن يكون بمعنى
الشهادة، أو بمعنى الحضور أي أنهم لم يحضروا ذلك ولم يعلموه ثم أخبر عن كذبهم في
قولهم ولد الله ثم قرّرهم على ما زعموا من أن الله اصطفى لنفسه البنات؛ وذلك كله ردّ

٢٤٣
تفسير سورة الصّافّات
أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ ◌ِقَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ
١٥٤
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
(١٥٣
﴿اَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ إِ
لَكَذِبُونَ
◌ُبِينٌ
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِنَّةِ نَسَبَّأَ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ
١٥
◌َ فَأْتُواْ بِكِنَبِّكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ
١٥٠
سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦) مَآ أَنْتُمْ
١٥٨
لَمُحْضَرُونَ إِ
وَمَا مِنَّآَ إِلَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦) وَإِنَّ لَنَحْنُ الصََّافُونَ الْ)، وَإِنَّا
عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ (١) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ الـ
عليهم وتوبيخ لهم، تعالى الله عن أقوالهم علوًّا كبيرًا ﴿أَضْطَفَى﴾ دخلت همزة التقرير
والتوبيخ على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل ﴿مَا لَكُمْ﴾ هذا استفهام معناه التوبيخ وهي
في موضع رفع بالابتداء والمجرور بعدها خبرها فينبغي الوقف على قوله ما لكم ﴿أَمْ لَكُمْ
سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أي برهان بيّن ﴿فَأَتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ تعجيز لهم لأنهم ليس لهم كتاب يحتجّون به
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الضمير في جعلوا لكفّار العرب وفي معنى الآية قولان:
أحدهما أن الجنة هنا الملائكة وسُمّيت بهذا الاسم لأنه مشتق من الاجتنان وهو الاستتار
والملائكة مستورين عن أعين بني آدم كالجنّ والنسب الذي جعلوه بينهم وبين الله قولهم
إنهم بنات الله، والقول الثاني أن الجن هنا الشياطين، وفي النسب الذي جعلوه بينه وبينهم
قولان: أحدهما أن بعض الكفّار قالوا إن الله والشياطين أخوان، تعالى الله عن ذلك علوًّا
كبيرًا والآخر أن بعضهم قال إن الله نكح في الجنّ فولدت له الملائكة سبحانه وتعالى عمّا
يقول الظالمون علوًّا كبيرًا ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُخْضَرُونَ﴾ مَن قال إن الجنّ الملائكة
فالضمير في قوله إنهم لمحضرون يعود على الكفّار أي قد علمت الملائكة أن الكفّار
محضرون في العذاب ومَن قال إن الجنّ الشياطين فالضمير يعود عليهم أي قد علمت
الشياطين أنهم محضرون في العذاب ﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع من
المحضرين أو من الفاعل في يصفون والمعنى لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في
العذاب أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
بِفَاتِينَ إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيم﴾ هذا خطاب للكفّار والمراد بما تعبدون الأصنام وغيرها
وما تعبدون عطف على الضمير في إنكم ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ومعنى فاتنين
مُضِلّين والضمير في عليه يعود على ما تعبدون وعلى سببية معناها التعليل ومن هو مفعول
بفاتنين والمعنى إنكم أيّها الكفّار وكل ما تعبدونه لا تضلّون أحدًا إلاّ مَن قضى الله أنه يصلى
الجحيم أي لا تقدرون على إغواء الناس إلاّ بقضاء الله وقال الزمخشري الضمير في عليه
يعود على الله تعالى ﴿وَمَا مِنَّا إلَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ هذا حكاية كلام الملائكة عليهم السلام،
تقديره ما منّا ملك إلاّ وله مقام معلوم، وحذف الموصوف لفهم الكلام، والمقام المعلوم:

٢٤٤٠
· تفسير سورة الضّافّات
لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ
٦٨
لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينٌ
١٦٧
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونٌ
١٦٦
لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
الْمُخْلَصِينَ
إِنَّهُمْ نَهُمُ
١٧
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الُْْسَلِينَ
فَكَفَرُواْ بِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
١٦٩
ـْلَ وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُمُ الْغَلِبُونَ ﴿َّ فَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (٤) أَفَعَذَإِنَا
اٌلْمَنصُورُونَ؟
} وَأَبْصِرْنِ فَسَوْفَ
١٧٨
﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ الَمْ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
يَسْتَعْجِلُونَ
يحتمل أن يراد به المكان الذي يقومون فيه، لأن منهم مَن هو في السماء الدنيا، وفي
الثانية، وفي السموات، وحيث شاء الله، ويحتمل أن يراد به المنزلة من العبادة والتقريب
والتشريف ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ﴾ أي الواقفون في العبادة صفوفًا، ولذلك أمر المسلمون
بتسوية الصفوف في صلاتهم ليقتدوا بالملائكة، وليس أحد من أهل المِلَل يصلّون صفوفًا
إلاّ المسلمون ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ قيل معناه المصلّون، لأن الصلاة يقال لها تسبيح،
وقيل معناه القائلون سبحان الله، وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة ردّ على مَن قال إنهم
بنات الله وشركاء له، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له، ويدلّ هذا
الكلام أيضًا على أن المراد بالجنّ قبل هذا الملائكة، وقیل إن هذا کله من کلام سيّدنا
محمد ◌َّ وكلام المسلمين، والأول أشهر ﴿وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِنَ
الأَوَّلِينَ﴾ الضمير لكفّار قريش وسائر العرب، والمعنى أنهم كانوا قبل بعث محمد عليه
يقولون لو أرسل الله إلينا رسولاً وأنزل علينا كتابًا لكنّا عباد الله المخلصين ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾
الضمير للذكر أو لسيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم
يتقدّم له ذِكْر ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد ووعيد لهم على كفرهم ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتْنَا لِعِبَادِنَا
المُرْسَلِينَ إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ المعنى سبق القضاء بأن المرسلين منصورون على أعدائهم
﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هذا النصر والغلبة بظهور الحجة والبرهان، وبهزيمة الأعداء في
القتال، وبالسعادة في الآخرة ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي أعرض عنهم، وذلك موادعة
منسوخة بالسيف، والحين هنا يُراد به يوم بدر، وقيل حضور آجالهم، وقيل يوم القيامة
﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هذا وعد للنبيِ وََّ ووعيد لهم ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إشارة
إلى قولهم متى هذا الوعد وأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾
الساحة الفناء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محظور
وسوء ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ الصباح مستعمل في ورود الغارات والرزايا، ومقصد الآية
التهديد بعذاب يحلّ بهم بعد أن أنذروا فلم ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيل بقوم أنذرهم ناصح
بأن جيشًا يحلّ بهم فلم يقبلوا نصحه حتى جاءهم الجيش وأهلكهم ﴿وَأَبْصِرْ﴾ كرّر الأمر

٢٤٥
تفسير سورة الصّافّات
(٨) وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ لِّمُ وَالْحَمْدُ لِلّهِرَبِّ
سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (
١٧٩
يُبْصِرُونَ
(١٨٢)
اَلْعَلَمِينَ
بالتولّي عنهم والوعد والوعيد على وجه التأكيد، وقيل أراد بالوعيد الأول عذاب الدنيا،
وبالثاني عذاب الآخرة، فإن قيل: لِمَ قال أولاً أبصرهم، وقال هنا أبصر، فحذف الضمير
المفعول؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه اكتفى بذكره أولاً عن ذكره ثانيًا فحذفه
اقتصارًا، والآخر أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدّم وغيرهم كأنه قال أبصر جميع الكفّار
بخلاف الأول، فإنه في قريش خاصّة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصفُونَ﴾ نزّه الله تعالى
نفسه عمّا وصفه به الكفّار مما لا يليق به، فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالاً كثيرةً
شنيعة، والعزّة إن أراد بها عزّة الله: فمعنى ربّ العزّة، ذو العزّة وأضافها إليه لاختصاصه
بها، وإن أراد بها عزّة الأنبياء والمؤمنين: فمعنى ربّ العزّة مالكها وخالقها، ومن هذا قال
محمد بن سحنون: مَن حلف بعزّة الله، فإن أراد صفة الله فهي يمين، وإن أراد العزّة التي
أعطى عباده فليست بيمين، ثم ختم هذه السورة بالسلام على المرسلين ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ﴾ فأما السلام على المرسلين فيحتمل أن يريد به التحية أو سلامتهم من أعدائهم،
ويكون ذلك تكميلاً لقوله إنهم لهم المنصورون، وأما الحمد لله، فيحتمل أن يريد به الحمد
لله على ما ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك ويحتمل أن يريد
الحمد لله على الإطلاق.

سورة ص
مکيّة وآیاتھا ٨٨ نزلت بعد القمر
بِسْمِ اللَّهِ الََّى الرَّ
٧
صَّّ وَاَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ
وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴿ وَعَبُوْ أَنْ جَآءَ هُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ (٤) أَجَعَلَ الْأَلِهَةَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿ص﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة ويختصّ بهذا أنه قال فيه معناه صدق
محمد، وقيل هو حرف من اسم الله الصمد أو صادق الوعد، أو صانع المصنوعات
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذُكْرِ﴾ هذا قسم جوابه محذوف تقديره إن القرآن من عند الله، وإن محمدًا
لصادق وشبه ذلك. وقيل جوابه في قوله: ﴿ص﴾ إذ هو بمعنى صدق محمد، وقيل جوابه
إن كل إلّ كذب الرسل وهذا بعيد، وقيل جوابه إن ذلك لحق تخاصم أهل النار وهذا أبعد،
ومعنى ذي الذكر ذي الشرف، والذكر بمعنى الموعظة أو ذكر الله وما يحتاج إليه من
الشريعة ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ الذين كفروا يعني قريشًا، وبل للإضراب عن
كلام محذوف وهو جواب القسم أي إن كفرهم ليس ببرهان بل هو بسبب العزّة والشقاق،
والعزّة التكبّر، والشقاق العداوة وقصد المخالفة، وتنكيرهما للدلالة على شدّتهما وتفاخم
الكفّار فيهما ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرٍْ﴾ إخبار يتضمن تهديدًا لقريش ﴿فَتَادَوا وَلاَتَ

٢٤٧
تفسير سورة ص
﴿ وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَ الِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ
إِلَهَا وَحِدًّاً إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ
يُرَادُ ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِ آلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآَ إِلَّ اخِلَقُ ®اأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى
حِينَ مَنَاصٍ﴾ المعنى أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك، ولات
بمعنى ليس وهي لا النافية زِيدَت عليها علامة التأنيث، كما زيدت في ربت وثمّت، ولا
ندخل لات إلاّ على زمان واسمها مضمر، وحين مناص خبرها، والتقدير ليس الحين الذي
دعوا فيه حين مناض، والمناص المفرّ والنجاة من قولك ناص ينوص إذا فرّ ﴿وَعَجِبُوا أَنْ
جَاءَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ الضمير لقريش والمنذر سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم أي
استبعدوا أن يبعث الله رسولاً منهم، ويحتمل أن يريد من قبيلتهم أو يريد من البشر مثلهم
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ كان الأصل وقالوا ولكن وضع الظاهر موضع المضمر قصدًا لوصفهم
بالكفر ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهَا وَاحِدًا﴾ هذا إنكار منهم للتوحيد، وسبب نزول هذه الآيات أن
قريشًا اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كُفّ ابن أخيك عنّا فإنه يعيب ديننا ويذمّ آلهتنا ويسفّه
أحلامنا فكلّمه أبو طالب في ذلك، فقال وَلَ إنما أُريد منهم كلمة واحدة يملكون بها
العجم، وتدين لهم بها العرب، فقالوا نعم وعشر كلمات معها فقال قواءا لا إله إلاّ الله،
فقاموا وأنكروا ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آمْشُوا
وَاصْبِرُوا﴾ انطلاق الملأ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وقيل عبارة عن تفرقتهم في
طرق مكة وإشاعتهم للكفر، وأن امشوا: معناه يقول بعضهم لبعض امشوا واصبروا على
عبادة آلهتكم ولا تطيعوا محمدًا فيما يدعو إليه من عبادة الله وحده ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾
هذا أيضًا مما حكى الله من كلام قريش وفي معناه وجهان: أحدهما أن الإشارة إلى الإسلام
والتوحيد أي إن هذا التوحيد شيء يراد منّا الانقياد إليه، والآخر أن الإشارة إلى الشرك
والصبر على آلهتهم أي إن هذا لشيء ينبغي أن يراد ويتمسك به أو أن هذا شيء يريده الله
منّا لما قضى علينا به والأول أرجح لأن الإشارة فيما بعد ذلك إليه فيكون الكلام على نسق
واحد ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ هذا أيضًا مما حكى الله عنهم من كلامهم أي ما
سمعنا بالتوحيد في الملّة الآخرة، والمراد بالملة الآخرة ملة النصارى لأنها بعد ملّة موسى
وغيره وهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد، وقيل المراد ملّة قريش أي ما سمعنا بهذا في الملّة
التي أدركنا عليها آباءنا، وقيل المراد الملّة المنتظرة إذ كانوا يسمعون من الأحبار والكهّان أن
رسولاً يبعث يكون آخر الأنبياء ﴿إِنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاَقْ﴾ هذا أيضًا ممّا حُكِيَ من كلامهم
والإشارة إلى التوحيد والإسلام ومعنى الاختلاف الكذب ﴿أَنْزَلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾

٢٤٨
تفسير سورة ص
◌َ أَمْ عِندَهُمْ خَزَابِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَطَّابِ رَ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ
شَاتٍ مِّن ذِكْرِىٌّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ
٨
جُنْدُمَّا هُنَالِكَ مَهْزُومُ مِّنَ اْأَحْزَابِ لَإِّ
١٠
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا فَلْيَقُواْ فِ الْأَسْبَابِ
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَكَ
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوبٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ
اٌلْأَحْزَابُ ◌َ إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ (١) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّ صَيْحَةٌ وَحِدَةً مَّا
الهمزة للإنكار، والمعنى أنهم أنكروا أن يخصّ الله محمدًا صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم
بإنزال القرآن عليه دونهم ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِّن ذِكْرِي﴾ هذا ردّ عليهم والمعنى أنهم ليست
لهم حجة ولا برهان بل هم في شكّ من معرفة الله وتوحيده، فلذلك كفروا، ويحتمل أن
يريد بالذكر القرآن ﴿بَلْ لَّمَّا يذوقوا عذاب﴾ هذا وعيد لهم وتهديد، والمعنى أنهم إنما
حملهم على الكفر كونهم لم يذوقوا العذاب فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وأذعنوا للحق ﴿ أَمْ
عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ هذا ردّ عليهم فيما أنكروا من اختصاص محمد.
* بالنبوة، والمعنى أنهم ليس عندهم خزائن رحمة الله حتى يعطوا النبوّة من شاؤوا،
ويمنعوا مَن شاؤوا بل يعطيها الله لمَن يشاء ثم وصف نفسه بالعزيز الوهاب، لأن العزيز
يفعل ما يشاء، والوهّاب ينعم على مَن يشاء فلا حجة لهم فيما أنكروا ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْتَهُمَا﴾ هذا أيضًا ردّ عليهم، والمعنى أم لهم الملك فيتصرفون فيه
كيف شاؤوا، بل مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء وأم الأولى منقطعة بمعنى بل وهمزة
الإنكار، وأما أم الثانية فيحتمل أن تكون كذلك أو تكون عاطفة معادلة لما قبلها ﴿فَلْيَرْتَقُوا
فِي الأَسْبَابِ﴾ هذا تعجيز لهم، وتهكّم بهم، ومعنى يرتقوا يصعدوا، والأسباب هنا السلالم
والطرق وشبه ذلك مما يوصل به إلى العلو، وقيل هي أبواب السماء، والمعنى إن كان لهم
ملك السموات والأرض فليصعدوا إلى العرش ويدبّروا المُلْك ﴿جُنْدٌ مَّا هُتَالِكَ مَهْزُومٌ مُنَ
الأَخْزَابِ﴾ هذا وعيد بهزيمتهم في القتال وقد هزموا يوم بدر وغيره، وما هنالك صفة لجند
وفيها معنى التحقير لهم، والإشارة بهنالك إلى حيث وصفوا أنفسهم من الكفر والاستهزاء،
وقيل الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب وهذا بعيد؛ وقيل الإشارة إلى موضع بدر، ومن
الأحزاب معناه من جملة الأحزاب الذين تعصبوا للباطل فهلكوا ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَاءِ﴾ قال
ابن عباس كانت له أوتاد وخشب يلعب بها وعليها، وقيل كانت له أوتاد يسمرها في الناس.
لقتلهم، وقيل أراد المباني العِظام الثابتة، ورجّحه ابن عطية، وقال الزمخشري إن ذلك
استعارة في ثبات الملك كقول القائل: في ظل ملك ثابت الأوتاد ﴿وَأَضْحَابُ الأَبَكَةِ﴾ قد
ذكر ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ينظر هنا بمعنى ينتظر، وهؤلاء يعني قريشًا.

٢٤٩
تفسير سورة ص
لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴿ أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا
دَاوُودَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ: أَوَّابُ (٨) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاَلْإِشْرَاقِ هَذَ وَالطَّيَرَ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ
والصيحة الواحدة النفخة في الصور وهي نفخة الصعق، وقيل الصيحة عبارة عمّا أصابهم
من قتل أو شدّة، والأول أظهر، وقد رُوِيّ تفسيرها بذلك عن النبي ◌ََّ ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾
فيه ثلاثة أقوال: الأول ما لها رجوع أي لا يرجعون بعدها إلى الدنيا وهو على هذا مشتق
من الإفاقة، الثاني ما لها من ترداد: أي إنما هي واحدة لا ثانية لها. الثالث ما لها من تأخير
ولا توقّف مقدار فواق ناقة وهي ما بين حلبتي اللبن، وهذا القول الثالث إنما يجري على
قراءة فواق بالضم لأن فواق الناقة بالضم، والقولان الأولان على الفتح والضم ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا
عَجْل لَّنَا قِطَّنَا﴾ القطّ في اللغة له معنيان: أحدها الكتاب، والآخر النصيب، وفي معناه هنا
ثلاثة أقوال: أحدها نصيبنا من الخير: أي دعوا أن يعجّله الله لهم في الدنيا والآخر نصيبهم
من العذاب، فهو كقولهم أمطر علينا حجارة من السماء. الثالث صحائف أعمالنا ﴿اضيِزْ
عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ الأيد القوة، وكان داود جمع قوّة البدن
وقوّة الدين والملك والجنود، والأوّاب: الرجاع إلى الله، فإن قيل: ما المناسبة بين أمر الله
لسيدنا محمد بل* بالصبر على أقوال الكفّار وبين أمره بذكر داود؟ فالجواب عندي أن ذكر
داود ومن بعده من الأنبياء في هذه السورة فيه تسلية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ووعد
له بالنصر وتفريج الكرب وإعانة له على ما أُمِرَ به من الصبر، وذلك أن الله ذكر ما أنعم به
على داود من تسخير الطير والجبال، وشدّة ملكه، وإعطائه الحكمة وفصل الخطاب، ثم
الخاتمة له في الآخرة بالزلفى وحُسْن المآب، فكأنه يقول يا محمد كما أنعمنا على داود
بهذه النِّعَم كذلك ننعم عليك، فاصبر ولا تحزن على ما يقولون، ثم ذكر ما أعطى سليمان
من المُلْك العظيم وتسخير الريح والجنّ والخاتمة بالزّلفى وحُسْن المآب، ثم ذكر مَن ذكر
بعد ذلك من الأنبياء والمقصد ذكر الإنعام عليهم لتقوية قلب النبي صلّى الله عليه وآله
وسلّم، وأيضًا فإن داود وسليمان وأيّوب أصابتهم شدائد ثم فرجها الله عنهم، وأعقبها
بالخير العظيم، فأمر سيدنا محمدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم بذكرهم ليُعلمه أنه يفرج عنه ما
يلقى من إذاية قومه ويعقبها بالنصر والظهور عليهم، فالمناسبة في ذلك ظاهرة وقال ابن
عطية: المعنى: اذكر داود ذا الأيدي في الدين فتأسَّ به وتأيد كما تأيّد، وأجاب الزمخشري
عن السؤال فإنه قال كأن الله قال لنبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم اصبر على ما يقولون،
وعظم أمر المعصية في أعين الكفّار بذكر قصة داود، وذلك أنه نبي كريم عند الله ثم زلّ زلّة

٢٥٠
تفسير سورة ص
﴿ وَهَلْ أَتَئِكَ نَجَوْ اْلْمَخَصْمِ إِذَ
لَّهُ أَوََّبٌ ثَ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَانَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الِطَابِ
تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ (٤) إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُرِدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُّنَا عَلَى بَعْضِ
فوبّخه الله عليها فاستغفر وأناب، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم، وهذا الجواب لا
يخفى ما فيه من سوء الأدب مع داود عليه السلام حيث جعله مثالاً يهدّد الله به الكفّارِ
وصرّح بأنه زلّ وأن الله وبّخه على زلّته، ومعاذ الله من ذكر الأنبياء بمثل هذا ﴿والإشْرَاقِ﴾.
يعني وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس: أي تضيء ويصفّر شعاعها وهو وقت الضحى
وأما شروقها فطلوعها ﴿مَخْشُورَةَ﴾ أي مجموعة ﴿كُلِّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كلَّ مُسَبّح لأجل تسبيح
داود، ويحتمل أن يكون أوّاب هنا بمعنى رجاع أي ليرجع إلى أمره ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قيل.
يعني النبوّة، وقيل العلم والفهم وقيل الزبور ﴿وَفَضْلَ الْخِطَّابِ﴾ قال ابن عباس هو فصل
القضاء بين الناس بالحق، وقال عليّ بن أبي طالب هو إيجاب اليمين على المدعى عليه
والبيّنة على المدّعي، وقيل أراد قول أما بعد فإنه أول مَن قالها، وقال الزمخشري معنى
فصل الخطاب البيّن من الكلام الذي يفهمه مَن يخاطب له، وهذا المعنى اختاره ابن عطية،،
وجعله من قوله تعالى: ﴿إِنّه لَقَوْلٌ فَصْلِ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَّأَ الخَضْمِ إذْ تَسَوَّرُوا
الْمِخْرَابَ﴾ جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام تنبيهًا للمخاطب ودلالة على أنها من الأخبار
العجيبة التي ينبغي أن يلقى البال لها والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة كقولك
عدل وزور واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة، ورُوِيَ أنهما جبريل وميكائيل
بعثهما الله ليضرب بهما المثل لداود في نازلة وقع هو في مثلها، فأفتى بِفُتِيا هي واقعة عليه
في نازلته ولما شعر وفهم المراد أناب واستغفر، وسنذكر القصة بعد هذا، ومعنى تسوّروا
المحراب علوًّا على سوره ودخلوه، والمحراب الموضع الأرفع من القصر أو المسجد وهو
موضع التعبّد، ويحتمل أن يكون المتسوّر المحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة إنما
كانت بين اثنين فقط فتجيء الضمائر في تسوّروا، ودخلوا، وفزع منهم: على وجه التجوّز
والعبارة عن الاثنين بلفظ الجماعة، وذلك جائز على مذهب مَن يرى أن أقلّ الجمع اثنان،
ويحتمل أنه جامع كل واحد من الخصمين جماعة فيقع على جميعهم خصم، وتجيء
الضمائر المجموعة حقيقة، وعلى هذا عوّل الزمخشري ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَرِعَ مِنْهُمْ﴾
العامل في إذ هنا تسوّروا، وقيل هي بدل من الأولى، وأما إذ الأولى فالعامل فيها أتاك أو
تسوّروا ورة الزمخشري ذلك، وقال إن العامل فيها محذوف تقديره: هل أتاك نبأ تحاكم
الخصم إذ تسوّروا، وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن ودخلوا من غير

٢٥١
تفسير سورة ص
إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْمَةٌ وَلِىَ
٢٢
فَأَحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ
نَعْجَةُ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِىِ الْخِطَابِ (٨) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا
الباب، وقيل إن ذلك كان ليلاً ﴿خَضْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ تقديره نحن خصمان،
ومعنى بغى تعدّى ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾ أي لا تَجُزْ علينا في الحكم، يقال أشطْ الحاكم إذا جارَ،
وقرىء في الشاذ لا تشطط بفتح التاء: أي لا تبعد عن الحق، يقال شطّ إذا بعد ﴿سَوَاءِ
الصِّرَاطَ﴾ أي وسط الطريق، ويعني القصد والحق الواضح ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ
نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ هذه حكاية كلام أحد
الخصمين، والأخوة هنا أخوة الدين، والنعجة في اللغة تقع على أنثى بقر الوحش وعلى
أُنثى الضأن، وهي هنا عبارة عن المرأة، ومعنى أكفلنيها أملكها لي وأصله اجعلها في
كفالتي، وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي، ومعنى عزّني في الخطاب أي غلبني في الكلام
والمحاورة يقال عزّ فلان إذا غلبه وهذا الكلام تمثيل للقصة التي وقع داود فيها. وقد
اختلف الناس فيها وأكثروا القول فيها قديمًا وحديثًا حتى قال عليّ بن أبي طالب رضي الله
عنه: مَن حدّث بما يقول هؤلاء القصاص في أمر داود عليه السلام جلدته حدّين لِما ارتكب
من حُرمة مَن رفع الله محله، ونحن نذكر من ذلك ما هو أشهر وأقرب إلى تنزيه داود عليه
السلام: رُوِيّ أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته
فيتزوّجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة في ذلك لا ينكرونها، وقد جاء عن الأنصار في أول
الإسلام شيء من ذلك، فاتفق أن وقعت عين داود على امرأة رجل فأعجبته فسأله النزول
عنها ففعل وتزوّجها داود عليه السلام فولد له منها سليمان عليه السلام، وكان لداود تسع
وتسعون امرأة فبعث الله إليه ملائكة مثالاً لقصته، فقال أحدهما إن هذا أخي له تسع
وتسعون نعجة إشارة إلى التسع والتسعين امرأة التي كانت لداود، ولي نعجة واحدة إشارة
إلى أن ذلك الرجل لم تكن له إلاّ تلك المرأة الواحدة، فقال أكفلنيها إشارة إلى سؤال داود
من الرجل النزول عن امرأته فأجابه داود عليه السلام بقوله لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى
نعاجه، فقامت الحجّة عليه بذلك، فتبسّم الملكان عند ذلك وذهبا ولم يرهما، فشعر داود
أن ذلك عتاب من الله له على ما وقع فيه ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ولا تقتضي هذه
القصة على هذه الرواية أن داود عليه السلام وقع فيما لا يجوز شرعًا، وإنما عوتب على أمر
جائز كان ينبغي له أن يتنزّه عنه لعلوّ مرتبته ومتانة دينه، فإنه قد يعاتب الفضلاء على ما لا
يعاتب عليه غيرهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وأيضًا فإنه كان له ..

٢٥٢
تفسير سورة ص
مِّنَ اْخُلَطَاءِ لَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ
فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُم ◌ِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ م يَدَاوُودُ
وتسعون امرأة فكان غنيًّا عن هذه المرأة فوقع العتاب على الاستكثار من النساء، وإن كان
جائزًا، ورُوِيّ هذا الخبر على وجه آخر، وهو أن داود انفرد يومًا في محرابه للتعبّد فدخل
:
عليه طائر من كوّة فوقع بين يديه فأعجبه فمدّ يده ليأخذه فطار على الكوّة فصعد داود؛
ليأخذه فرأى من الكوّة امرأة تغتسل عريانة فأعجبته ثم انصرف فسأل عنها فأخبر أنها امرأة.
رجل من جنده وأنه خرج للجهاد مع الجند فكتب داود إلى أمير تلك الحرب أن يقدّم ذلك
الرجل يقاتل عند التابوت وهو موضع قلّ ما تخلّص أحد منه فقدّم ذلك الرجل فقاتل حتى
قتل شهيدًا فتزوّج داود امرأته فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل وتزوّجه أُمرأته بعده مع
أنه كان له تسع وتسعون امرأة سواها، وقيل إنّ داود همّ بذلك كله ولم يفعله، وإنما وقعت
المعاتبة على همّه بذلك، ورُوِيَ أن السبب فيما جرى له مثل ذلك أنه أعجب بعلمه وظهر
منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه ففتن بتلك القصة، ورُوِيٌّ أيضًا أن السبب في
ذلك أنه تمنّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يبتلى كما ابتلوا فابتلاه الله بما
جرى له في تلك القصة.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ سؤال مصدر مضاف إلى المفعول،.
وإنما تعدّى بإلى لأنه تضمن معنى الإضافة كأنه قال بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى
نعاجه، فإن قيل: كيف قال له داود لقد ظلمك قبل أن يثبت عنده ذلك فالجواب أنه رُوِيّ
أن الآخر اعترف بذلك وحذف ذکر اعترافه اختصارًا، ویحتمل أن یکون قوله لقد ظلمك.
على تقدير صحة قوله، وقد قيل إن قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك قبل أن يسمع حجّة .
الآخر كانت خطيئته التي استغفر منها وأناب ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى ..
بَعْضٍ﴾ الخلطاء هم الشركاء في الأموال، ولكن الخلطة أعمّ من الشركة، ألا ترى أن
الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها وقصد داود بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي
بقي، والتسلية بالتأسي للخصم الذي بقي عليه ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ ما زائدة للتأكّد ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ
أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ظن هنا بمعنى شعر بالأمر، وقيل بمعنى أيقن، وفتنّاه اختبرناه ﴿وَخَرَّ رَاكِمًا
وَأَنَابَ﴾ معنى خرّ ألقى بنفسه إلى الأرض، وإنما حقيقة ذلك في السجود، فقيل إن الركوع
هنا بمعنى السجود، وقيل خرّ من ركوعه ساجدًا بعد أن ركع، ومعنى أناب تاب، ورُوِيّ أنه ..
بقي ساجدًا أربعين يومًا يبكي حتى نبت البقل من دموعه، وهذا الموضع فيه سجدة عند
:

٢٥٣
تفسير سورة ص
إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا
يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ (
ج
ـ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
٢٧
بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ !
الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَ لِيَدَّبَّرُواْ
ءَايَتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ (٢٠) وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابُ (٢) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ
مالك خلافًا للشافعي، إلاّ أنه اختلف في مذهب مالك هل يسجد عند قوله وأناب، أو عند
قوله وحُسْن مآب ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزلفى الفرية والمكانة الرفيعة،
والمآب المرجع في الآخرة ﴿يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ تقديره قال الله يا داود،
وخلافة داود بالنبوّة والملك، قال ابن عطية: لا يقال خليفة الله إلاّ لنبيّ، وأما الملوك
والخلفاء فكلّ واحد منهم خليفة الذي قبله، وقول الناس فيهم خليفة الله تجوّز ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَاءَ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ أي عبثًا بل خلقهما الله بالحق للاعتبار بهما والاستدلال
على خالقهما ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المعنى أن الكفّار لمّا أنكروا الحشر والجزاء كانت
خلقة السمّوات والأرض عندهم باطلاً بغير الحكمة، فإن الحكمة في ذلك إنما تظهر في
الجزاء الأُخروي ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ أم هنا
استفهامية يراد بها الإنكار: أي أن الله لا يجعل المؤمنين والمتّقين كالمفسدين والفجّار، بل
يجازي كل واحد بعمله لتظهر حكمة الله في الجزاء، ففي ذلك استدلال على الحشر
والجزاء وفيه أيضًا وعد ووعيد ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِئَاتُ الْجِيَادُ﴾ الصافنات جمع
صافن وهو الفرس الذي يرفع إحدى رجليه أو يديه ويقف على طرف الأخرى، وقيل
الصافن هو الذي يسوّي يديه، والصّفن علامة على فراهة الفرس، والجياد السريعة الجري
واختلف الناس في قصص هذه الآية، فقال الجمهور إن سليمان عليه السلم عرضت عليه
خيل كان ورثها عن أبيه وقيل أخرجتها له الشياطين من البحر، وكانت ذوات أجنحة،
وكانت ألف فرس، وقيل أكثر فتشاغل بالنظر إليها حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشيّ
((العصر)) فأسف لذلك، وقال رُدّوا عليّ الخيل وطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف حتى
عقرها لمّا كانت سبب فوات الصلاة ولم يترك منها إلّ اليسير فأبدله الله أسرع منها وهي
الريح، وأنكر بعض العلماء هذه الرواية، وقال تفويت الصلاة ذنب لا يفعله سليمان وعقر
الخيل لغير فائدة لا يجوز، فكيف يفعله سليمان عليه السلام؟ وأيّ ذنب للخيل في تفويت
الصلاة فقال بعضهم: إنما عقرها ليأكلها الناس، وكان زمانهم زمان مجاعة فعقرها تقرّبًا إلى

٢٥٤
تفسير سورة ص
بِالْعَشِّ الصَّفِنَاتُ لِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرٍ عَن ذِكْرِ رَبِِّ حَتَّى تَوَرَتْ بِالْحِجَائِ
٠٠٠
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْنَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْمِيِّهِ، جَدًا ثُمَّ
٣٣
رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْتَخْا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
الله، وقال بعضهم لم تفته الصلاة ولا عقر الخيل، بل كان يصلّي فعرضت عليه الخيل
فأشار إليهم فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها فلما فرغ من صلاته قال ردوها عليّ فطفق
يمسح عليها بيده كرامة لها ومحبة، وقيل إن المسح عليها كان وَسْمًا في سوقها وأعناقها
بوسم حبس في سبيل الله ﴿فَقَالَ إِنِّي أَخْبَيْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ معنى هذا يختلف
على حسب الاختلاف في القصة، فأما الذين قالوا إن سليمان عقر الخيل لما اشتغل بها
حتى فاتته الصلاة فاختلفوا في هذا على ثلاثة أقوال: أحدها أن الخير هنا يراد به الخيل،
وزعموا أن الخيل يقال لها خير، وأحببت بمعنى آثرت أو بمعنى فعل يتعدّى بعن كأنه قال
آثرت حبّ الخيل فشغلتي عن ذكر ربّي، والآخر أن الخير هنا يراد به المال لأن الخيل
وغيرها مال فهو كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أي مالاً، والثالث أن
المفعول محذوف، وحبّ الخير مصدر والتقدير أحببت هذه الخيل مثل حبّ الخير فشغلني
عن ذكر ربّي وأما الذين قالوا كان يصلّي فعرضت عليه الخيل فأشار بإزالتها فالمعنى أنه قال
إني أحببت حبّ الخير الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربّي، وشغلني ذلك عن النظر
إلى الخيل ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ الضمير للشمس وإن لم يتقدّم ذكرها، ولكنها تُفْهَم
من سياق الكلام وذكر العشي يقتضيها، والمعنى حتى غابت الشمس، وقيل إن الضمير
للخيل، ومعنى توارت بالحجاب دخلت اصطبلاتها والأول أشهر وأظهر ﴿رُدُّوهَا عَليَّ﴾ أي
قال سليمان رُدُّوا الخيل عليّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَغْنَاقِ﴾ السوق جمع ساق يعني
سوق الخيل وأعناقهم: أي جعل يمسحها مسحًا، وهذا المسح يختلف على حسب
الاختلاف المتقدّم، هل هو قطعها وعقرها أو مسحها باليد محبة لها، أو وسمها للتحبيس
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيَّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ تفسير هذه الآية يختلف على حسب
الاختلاف في قصتها، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول أن سليمان كان له خاتم ملكه وكان فيه
اسم الله، فكان ينزعه إذا دخل الخلاء توقيرًا لاسم الله تعالى، فنزعه يومًا ودفعه إلى جارية
فتمثّل لها جني في صورة سلیمان وطلب منها الخاتم فدفعته له، رُوِيّ أن اسمه صخر فقعد
على كرسيّ سليمان يأمر وينهى والناس يظنون أنه سليمان، وخرج سليمان فارًا بنفسه
فأصابه الجوع فطلب حوثًا ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه، وكان الجنّي قد رماه في البحر
فلبس سليمان الخاتم وعاد إلى مُلْكه ففتنة سليمان على هذا هي ما جرى له من سلب

٢٥٥
تفسير سورة ص
أَنَبَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِى وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٦٥) فَسَخَرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ
تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُخَ حَيْثُ أَصَابَ ﴿َ وَالشَّيَطِينَ كُلّ بَنٍَّ وَغَوَّاصِ (٨) وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِىِ الْأَصْفَادِ
مُلكه، والجسد الذي أُلقي على كرسيه هو الجنيّ الذي قعد عليه وسمّاه جسدًا، لأنه تصوّر
في صورة إنسان، ومعنى أناب رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء أو رجع إلى ملكه، والقول
الثاني أن سليمان كان له امرأة يحبّها وكان أبوها ملكًا كافرًا قد قتله سليمان فسألته أن يضع
لها صورة أبيها فأطاعها في ذلك فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها وصار صنمًا
معبودًا في داره وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون يومًا، فلما علم به كسره فالفتنة على
هذا عمل الصورة، والجسد هو الصورة والقول الثالث أن سليمان كان له ولدًا وكان يحبّه
حبًّا شديدًا فقالت الجن إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في السخرة أبدًا فلم يشعر
إلاّ وولده ميت على كرسيّه فالفتنة على هذا حبّه الولد، والجسد هو الولد لما مات وسمّي
جسدًا لأنه جسد بلا روح، القول الرابع أنه قال لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة تأتي كل
واحدة منهنّ بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فلم تحمل إلاّ واحدة
جاءت بشقّ إنسان فالفتنة على هذا كونه لم يقل إن شاء الله، والجسد هو شقّ الإنسان الذي
ولد له، فأما القول الأول فضعيف من طريق النقل مع أنه يبعد ما ذكر فيه من سلب ملك
سليمان وتسليط الشياطين عليه، وأما القول الثاني فضعيف أيضًا مع أنه يبعد أنه يعبد صنم
في بيت نبي، أو يأمر نبي بعمل صنم، وأما القول الثالث فضعيف أيضًا، وأما القول الرابع
فقد رُوِيّ في الحديث الصحيح عن رسول الله ويّي لكنه لم يذكر في الحديث أن ذلك تفسير
الآية ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ قدّم الاستغفار على طلب
الملك لأن أمور الدين كانت عندهم أهم من الدنيا فقدّم الأولى والأهمّ، فإن قيل: لأيّ
شيء قال لا ينبغي لأحد من بعدي، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحجّاج إنه
كان حسودًا؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى
من أخذ الجنّي لمُلكه، فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره، والآخر أنه
طلب ذلك ليكون معجزة ودلالة على نبوّته ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءَ حَيْثُ
أَصَابَ﴾ معنى رخاء ليّنة طيبة، وقيل طائعة له، وقد ذكرنا الجمع بين هذا وبين قوله عاصفة
في الأنبياء، وحيث أصاب: أي حيث قصد وأراد ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ الشياطين
معطوف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين أي سخّرنا له الريح والشياطين مَن يبني منهم
ومَن يغوص في البحر ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ أي آخرين من الجنّ موثقون في

٢٥٦
تفسير سورة ص
﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ الْمَ، وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُوُبَ إِذْ
هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ لَـ
نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿ أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌه ◌ِيَ: وَوَهَبْنَا لَهُ
أَهْلَهُ وَمَثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ (٤٢) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِب ◌ِبِهِ، وَلَا تَحْنَثُّ إِنَّا
القيود والأغلال ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ الإشارة إلى الملك الذي أعطاه الله له،
والمعنى أن الله قال له أعطِ مَن شئت وامنع مَن شئت، وقيل المعنى امئن على مَن شئت من
الجنّ بالإطلاق من القيود، وأمسك مَن شئت منهم في القيود، والأوّل أحسن وهو قول ابن
عباس ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يحتمل ثلاثة معانٍ: أحدها أنه لا يحاسب في الآخرة على ما فعل،
والآخر بغير تضييق عليك في الملك، والثالث بغير حساب ولا عدد بل خارج عن الحصر
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ قد ذكر في قصة داود ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ قد ذكرنا قصة أيوب عليه السلام في الأنبياء والنصب
يقال بضم النون وإسكان الصاد، ويفتح النون وإسكان الصاد ويضمّ النون والصاد
وبفتحهما، ومعناه واحد وهو المشقّة، فإن قيل: لِمَ نسب ما أصابه من البلاء إلى الشيطان
فالجواب من أربعة أوجه: أحدها أن سبب ذلك كان من الشيطان، فإنه رُوِيَ أنه دخل على
بعض الملوك فرأى منكرًا فلم يغيّره، وقيل إنه كانت له شاة فذبحها وطبخها، وكان له جار
جائع فلم يُعْطِ جاره منها شيئًا، والثاني أنه أراد ما وسوس له الشيطان في مرضه من الجزع
وكراهة البلاء، فدعا إلى الله أن يدفع عنه وسوسة الشيطان بذلك، والثالث أنه رُوِيَ أن الله
سلّط الشيطان عليه ليفتنه فأهلك ماله فصبر وأهلك أولاده فصبر وأصابه الجذام(١) والمرض
الشديد فصبر فنسب ذلك إلى الشيطان لتسليط الشيطان عليه، والرابع رُوِيّ أن الشيطان لَقِيَ
امرأته فقال لها قولي لزوجك إن سجد لي سجدة أذهبت ما به من المرض فذكرت المرأة
ذلك لأيوب، فقال لها ذلك عدوّ الله الشيطان وحينئذ دعا ﴿اركُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدْ
وَشَرَابٌ﴾ التقدير قلنا له اركض برجلك فضرب الأرض برجله فنبعت له عين ماء صافية
باردة فشرب منها فذهب كل مرض كان داخل جسده واغتسل منها فذهب ما كان في ظاهر
جسده، ورُوِيَ أنه ركض الأرض مرتين فنبع له عينان فشرب من أحدهما واغتسل من
الأخرى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ ذكر في الأنبياء ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَاضْرِبٍ بِّهِ وَلاَ تَحْتَثْ﴾
الضغث القبضة من القضبان، وكان أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط
-
(١) الحق أن سيدنا أيوب لم يصبه الجذام وإنما أصابه مرض باطني لا ينفر منه الناس لعصمة الأنبياء من
ذلك .

٢٥٧
تفسير سورة ص
وَأَذْكُرْ عِبَدَنَآ إِبَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى
وَجَدْنَهُ صَلِأَ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّابٌ
٤٧
﴿ إِنَّ أَخْلَصْنَهُ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ (١٩) وَإِنَهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ
٤٥
وَاْأَبْصَرِ لـ
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ
٤٩
٤٨
وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِنَ الْأَخْيَارِ
@﴿ وَعِنْدَهُمْ
وَ مُتَّكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَتِ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةً لَهُ الْأَنْوَبُ
إذا برىء من مرضه، وكان سبب ذلك ما ذكرته من لقاء الشيطان، وقوله لها إن سجد لي
زوجك أذهبت ما به من المرض، فأمره أن يأخذ ضغئًا فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة
واحدة فيبرّ في يمينه، وقد ورد مثل هذا عن نبيّنا وَّ في حدّ رجل زنى وكان مريضًا فأمر
رسول الله ري لر بعذق نخلة فيه شماريخ مائة فضرب به ضربة واحدة ذكر ذلك أبو داود
والنسائي، وأخذ به بعض العلماء، ولم يأخذ به مالك ولا أصحابه ﴿أُولِي الأَيَدِي
وَالأَبْصَارِ﴾ الأيدي جمع يد وذلك عبارة عن قوّتهم في الأعمال الصالحات، وإنما عبّر عن
ذلك بالأيدي، لأن الأعمال أكثر ما تعمل بالأيدي، وأما الأبصار فعبارة عن قوة فهمهم
وكثرة علمهم من قولك أبصر الرجل إذا تبيّنت له الأمور، وقيل الأيدي جمع يد بمعنى
النعمة ومعناه أُولو النّعَم التي أسداها الله إليهم من النبوّة والفضيلة، وهذا ضعيف لأن اليد
بمعنى النعمة أكثر ما يجمع على أيادي، وقرأ ابن مسعود أُولو الأيدِ بغير ياء، فيحتمل أن
تكون الأيدي محذوفة الياء، أو يكون الأيدِ بمعنى القوّة: كقوله: ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيَّدِ﴾
[ص: ١٧] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ معنى أخلصناهم جعلناهم خالصين لنا،
أو أخلصناهم دون غيرهم، وخالصة صفة حذف موصوفها تقديره بخصلة خالصة، وأما الباء
في قوله بخالصة، فإن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خالصين، فالباء سببية للتعليل، وإن
كان أخلصناهم بمعنى خصصناهم فالباء لتعدية الفعل، وقرأ نافع بإضافة خالصة إلى ذكر من
غير تنوين، وقرأ غيره بالتنوين على أن تكون ذكر بدلاً من خالصة على وجه البيان والتفسير
لها، والدار يحتمل أن يريد به الآخرة أو الدنيا، فإن أراد به الآخرة ففي المعنى ثلاثة أقوال:
أحدها أن ذكرى الدار يعني به ذكرهم للآخرة وجهنّم فيها والآخر أن معناه تذكيرهم للناس
بالآخرة، وترغيبهم للناس فيها عند الله، والثالث أن معناه ثواب الآخرة: أي أخلصناهم
بأفضل ما في الآخرة، والأول أظهر، وإن أراد بالدار الدنيا فالمعنى حُسْن الثناء والذكر
الجميل في الدنيا كقوله لسان صدق ﴿الأَخْيَارِ﴾ جمع خير بتشديد الياء أو خير المخفّف من
خير كميت مخفّف من ميت ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ ذكر في الأنبياء ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم
في هذه السورة من ذكر الأنبياء، وقيل الإشارة إلى القرآن بجملته، والأول أظهر وكأن قوله

YO1
تفسير سورة ضربة
+ ٠،٣۵۵
﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن ◌َّفَاةٍ.
٥٣
قَضِرَاتُ الطَّرْفِ أَنْرَبُّ إِنْ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَّابِ
هَذَا فَلْيُ وقُوهُ حِيْعٌ وَغَسَانٌ
جَهَنَّمَ يَضْلَوْنَهَا فَتْسَ الِهَادُ
وَإِنَّ لِلَّغِينَ لَثَرَّ مَتَابٍ
وَءَآخَرٌ مِن شَكْلِهِ: أَرَّوَجُ لَ هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إَِهُمْ كِنَالُواْ النَّارِ (جـ) قَالُواْعَّ
أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَّاً فِئْسَ الْقَرَارُ (٢) قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدَهُ عَذَابَا ضِنَعْغَا فِ
هذا ذكر ختام للكلام المتقدّم، ثم شرع بعده في كلام آخر كما يتمّ المؤلّف بابًا ثم يقول.
فهذا باب ثم يشرع في آخر ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ذكر في الصّافَات ﴿أَتْرَابْ﴾ يعني أسنانِهِنّ
سواء يقال فلان ترب فلان إذا كان مثله في السنّ، وقيل إن أسنانهنّ وأسنان أزواجهنّ
سواء.
﴿مَا لَهُ مِن تَّفَادٍ﴾ أي ما له من فتاء ولا أنقضاء ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلْطَّاغِيْنَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾ تقَدَيْرُه"
الأمر هذا: لما تمّ ذكر أهل الجنة ختمه بقوله هذا ثم ابتدأ وصف أهل النار، ويعنّيّ
بالطاغين الكفّار ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ هذا مبتدأ وخبره حمَّيم، فليذوقوة اعتراف
بينهما، والحميم الماء الحار والغساق قرىء بتخفيف السين وتشديدها وهو صديد أهل
النار، وقيل ما يسيل من عيونهم، وقيل هو عذاب لا يعلمه إلا الله ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ
أَزْوَاجٌ﴾ آخر معطوف على حميم وغساق تقديره وعذاب آخر قيل يعني الزمهرير، ومعلنى
من شكلة من مثله وتوعه أي من مثل العذاب المذكور، وأرّواج معتاهُ أصناف وهو صفة
للخميم والغساق والعذاب الآخر والمعنى أنهما أصناف من العذاب، وقال ابن عطية. آخر
مبتدأ، وأختلف في خبره، فقيل تقديره ولهم عذاب آخر وقيل أزواج مبتدأ ومن شكله + خبز
أزواج، والجملة خبر آخر، وقيل أزواج خبر الآخر، ومن شكلة في موضع الصفة وقرىء
آخر بالجمع وهو أليق أن يكون أزواج خبره لأنه جمع مثله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ الفوج
جماعة من الناس والمقتحم الداخل في زحام وشدّة وهذا من كلام خَزَنَة النار خاطبوا بها
رؤساء الكفّار الذين دخلوا النار أولاً ثم دخل بعدهم أتباعهم وهو الفوج المشار إليه، وقيل
هو كلام أهل النار بعضهم لبعض والأول أظهر ﴿لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي لا يلقون رخبّاً ولا
خيرًا، وهو دعاء من كلام رؤساء الكفّار: أي لا مرحبًا بالفوج الذين هم أتباع لهم ﴿قَالُوا
بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ هذا حكاية كلام الأتباع للرؤساء لما قالوا لهم: لا مرحباً بهمّ،
أجابوهم بقولهم: بل أنتم لا مرحباً بكم ﴿أَنتُمْ قَلَّمْتُمُوهُ لَا﴾ هذا أيضًا من كلام الأتباع
خطابًا للرؤساء، وهو تعليل لقولهم بل أنتم لا مرحبًا بكم، والضمير، في قدّمتموه للغذاب؟

٢٥٩
تفسير سورة ص
أُلنَّارِ
أَّخَذْتَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ
٦٢
﴿ وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعْدُّهُم مِّنَ اْأَشْرَارِ
٦١
اُلْأَبْصَدُ ﴿ـ) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُ أَهْلِ النَّارِ (١٦) قُلْ إِنَّمَا أَنْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ الْوَِدُ الْقَهَارُ:
٦٥)
وَ أَنتُمُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ الِيَّمَا كَانَ
٦٧
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ (١) قُلْ هُوَ نَبَؤُّأْ عَظِيمٌ
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِی
٧٠
◌َِ مِنْ عِمٍ بِلْمَلَ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ (٢) إِن يُوحَىَ إِلَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُِّينٌ
ومعنى قدّمتموه أوجبتموه لنا بما قدّمتم في الدنيا من إغوائنا وأمركم لنا بالكفر ﴿قَالُوا رَبَّنَا
مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ هذا أيضًا من كلام الأتباع دعوا إلى الله تعالى أن
يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب فهو كقولهم ربّنا هؤلاء أضلّونا فآتهم
عذابًا ضعفاً في النار والضعف زيادة المثل ﴿قَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُهُم مِّنَ
الأَشْرَارِ﴾ الضمير في قالوا لرؤساء الكفّار، وقيل للطاغين والرجال منهم ضعفاء المؤمنين،
وقيل إن القائلين لذلك أبو جهل لعنه الله وأُميّة بن خلف وعتبة بن ربيعة وأمثالهم وأن
الرجال المذكورين هم عمّار وبلال وصهيب وأمثالهم واللفظ أعمّ من ذلك والمعنى أنهم
قالوا في جهنم ما لنا لا نرى في النار رجالاً كنّا في الدنيا نعدُّهم من الأشرار ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ
سِخْرِيًّا﴾ قرىء أتخذناهم بهمزة قطع ومعناها توبيخ أنفسهم على اتخاذهم المؤمنين سخريًّا،
وقرى بألف وصل على أن يكون الجملة صفة لرجال وقرىء سخريًّا بضم السين من
التسخير بمعنى الخدمة وبالكسر بمعنى الاستهزاء ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ هذا يحتمل
ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون معادلاً لقولهم ما لنا لا نرى رجالاً، والمعنى ما لنا لا نراهم
في جهنم فهم ليسوا فيها أم هم فيها ولكن زاغت عنهم أبصارنا ومعنى زاغت عنهم مالت
فلم نرهم. الثاني أن يكون معادلاً لقولهم اتخذناهم سخريًا والمعنى اتخذناهم سخريًا. وأم
زاغت الأبصار على هذا: مالت عن النظر إليهم احتقارًا لهم. الثالث أن تكون أم منقطعة
بمعنى بل والهمزة فلا تعادل شيئًا مما قبلها ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من حكاية
أقوال أهل النار ثم فسّره بقوله: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ الثَّارِ﴾ وإعراب تخاصم بدل من حق أو خبر
مبتدأ مضمر ﴿قُلْ هُوَ نَبَأْ عَظِيمٌ﴾ النبأ الخبر ويعني به ما تضمنته الشريعة من التوحيد
والرسالة والدار الآخرة، وقيل هو القرآن، وقيل هو يوم القيامة والأول أعمّ وأرجح ﴿مَا
كَانَ لِي مِنْ عِلْم بِالْمَلاَ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ الملأ الأعلى هم الملائكة ومقصد الآية
الاحتجاج على نبوّة محمد وَ الر لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمها قبل ذلك، والضمير في
يختصمون للملأ الأعلى واختصامهم هو في قصة آدم حين قال لهم إني جاعل في الأرض
خليفة حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن، وفي الحديث أن رسول الله و ليس رأى ربّه

٢٦٠
تفسير سورة ص
فَسَجَدَ الْمَلَبِكَةُ
٧٢
جَ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ
◌َْ قَالَ بَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ أَسْتَكْبَرَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿لَ قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِى مِنِ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْفى إِلَى يَوْمِ
٧٨
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
7
قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
٨١
﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِيِنَّ
يُبْعَثُونَ
قَالَ فَالْحَقُ وَاَلْحَقَ أَقُولُ (٨٢) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمَمَّن
٨٣
أَجْعِينُ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ الْتُكَلِّفِينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
٨٧
فقال يا محمد فِيمَ يختصم الملأ الأعلى فقال: ((لا أدري قال في الكفّارات وهي إسباغ
الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد)) الحديث بطوله، وقيل الضمير في
يختصمون للكفّار: أي يختصمون في الملأ الأعلى فيقول بعضهم هم بنات الله، ويقولون
آخرون هم آلهة تعبد، وهذا بعيد ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ إذ بدل
من إذ يختصمون، وقد ذكرنا في البقرة معنى سجود الملائكة لآدم، ومعنى كفر إبليس
وذكرنا في الحجر معنى قوله تعالى: ﴿مِن رُّوحِي﴾ ﴿قَالَ يَا إِنْلِيْسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الضمير في قال الله عزّ وجل، وبيديّ من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به
وتسليم علم حقيقته إلى الله، وقال المتأوّلون هو عبارة عن القدرة، وقال القاضي أبو
بكر بن الطّيب: إن اليد والعين والوجه صفات زائدة على الصفات المتقرّرة، قال ابن عطية
وهذا قول مرغوب عنه، وحكى الزمخشري أن معنى خلقت بيدي خلقت بغير واسطة
﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ دخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل فحذفت ألف
الوصل، وأم هنا معادلة، والمعنى أستكبرت الآن أم كنت قديمًا ممّن يعلو ويستكبر، وهذا
على جهة التوبيخ له ﴿رَجِيمٌ ﴾ أي لعين مطرود ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ يعني القيامة،
وقد تقدّم الكلام على ذلك في الحجر ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لِأُغْوِيَثَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الياء للقسم، أقسم
إبليس بعزّة الله أن يغوي ابن آدم ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقُّ أَقُولُ لِأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الضمير في قال هنا لله تعالى، والحق الأول مقسم به وهو منصوب بفعل
مضمر كقولك الله لأفعلنّ، وجوابه لأملأنّ جهنم، وقرىء بالرفع وهو مبتدأ، أو خبر مبتدأ
مضمر تقديره الحق يميني، وأما الحق الثاني فهو مفعول بأقول، وقوله والحق أقول جملة
اعتراض بين القسم وجوابه على وجه التأكيد للقسم ﴿وَمَا أَنَا مِّنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي الذين