النص المفهرس
صفحات 181-200
سورة الأحزاب مدنيّة وآياتها ٧٣ نزلت بعد آل عمران بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَـ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٥) وَأَنَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرًا ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ﴾ نداء فيه تكريم له، لأنه ناداه بالنبوّة، ونادى سائر الأنبياء بأسمائهم ﴿أَتَّقِ اللَّهَ﴾ أي دُمْ على التقوى وزد منها ﴿وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي لا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة، ويعني بالكافرين المُظهِرِين للكفر وبالمنافقين الذين يُظهِرون الإسلام ويخفون الكفر ورُوِيَ أن الكافرين هنا: أُبيّ بن خلف، والمنافقين هنا: عبد الله بن أُبيّ ابن سّول، والعموم أظهر ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال ابن عباس، كان في قريش رجل يقال له ذو القلبين لشدّه فهمه، فنزلت الآية نفيًا لذلك، ويقال إنه ابن أخطا، وقيل جميل بن معمر، وقيل إنما جاء هذا اللفظ توطئة لما بعده من النفي أي كما لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه كذلك لم يجعل أزواجكم أُمّهاتكم ولا أدعياءكم أبناءكم ﴿اللأَّتِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ أي تقولون للزوجة: أنت عليّ كظهر أُمي، وكانت العرب تطلق هذا اللفظ بمعنى التحريم ويأتي حكمه في المجادلة وإنما تعدّى هذا ١٨٢ تفسير سورة الأحزاب وَّكِيلًا جَ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفٍِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمَّ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ﴿َ آدْعُوهُمْ لِأَّبَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَّلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن ◌َّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَحِيمًا (٥) النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ وَأَزْوَجُهُ: أُقَهَُهُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَابِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا () وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِعِنَ مِيْشَقَهُمْ وَمِنكَ الفعل بمن لأنه يتضمن معنى يتباعدون منهنّ ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْتَاءَكُمْ﴾ الأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يدّعي ولد فلان وليس بولده، وسببها أمر زيد بن حارثة: وذلك أنه كان فتى من كلب فسباه بعض العرب وباعه من خديجة فوهبته للنبي و ﴿ فتبنّاه؛ فكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزلت هذه الآية ﴿ذَالِكُمْ قَوْلُكُم﴾ الإشارة إلى نسبة الدعي إلی غیر أبيه، أو إلى كل ما تقدّم من المنفيّات، وقوله: ﴿بِأَفْوَامِكُمْ﴾ تأكيد لبطلان القول ﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِم﴾ الضمير للأدعياء أي انسبوهم لآبائهم الذين ولدوهم ﴿النِّيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ يقتضي أن يحبّوه صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر مما يحبّون أنفسهم وأن ينصروا دينه أكثر مما ينصرون أنفسهم ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ جعل الله تعالى لأزواج النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم حُرمة الأمهات في تحريم نكاحهنّ ووجوب مبرّتهنّ، ولكن أوجب حجبهنّ عن الرجال ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ هذا نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بأُخوّة الإسلام، وبالهجرة وقد تكلمنا عليها في الأنفال ﴿في كِتَابِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد القرآن أو اللوح المحفوظ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يحتمل أن يكون بيانًا لأولي الأرحام أو يتعلق بأُولي: أي أُولو الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين الذين ليسوا بذوي أرحام ﴿إِلاّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾ يريد الإحسان إلى الأولياء الذين ليسوا بقرابة ونفعهم في الحياة، والوصية لهم عند الموت، فذلك جائز ومندوب إليه، وإن لم يكونوا قرابة، وأما الميراث فللقرابة خاصة، واختلف هل يعني بالأولياء المؤمنين خاصّة أو المؤمنين والكافرين ﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يعني القرآن أو اللوح المحفوظ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ هو الميثاق بتبليغ الرسالة والقيام بالشرائع، وقيل هو الميثاق الذي أخذه حين أخرج بني آدم من صلب آدم كالذر، والأول أرجح لأنه هو المختصّ بالأنبياء ﴿وَمِنكَ ١٨٣ تفسير سورة الأحزاب لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن ٧ وَمِن نُّوحِ وَإِبْهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمْ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِثَقًا غَلِظًا صِدْقِهِمَّ وَأَعَّ لِلْكَفِرِ ينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٤) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَ تَّكُمْ جُوٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَاْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٥) إِذْ جَآءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَنَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا (٤) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضُ مَّا وَمِن نُّوح﴾ قد دخل هؤلاء في جملة النبيّين ولكنه خصّهم بالذكر تشريفًا لهم، وقدّم محمدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم تفضيلاً له ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يعني الميثاق المذكور، وإنما كرّره تأكيدًا وليصفه بأنه غليظ أو وثيق ثابت يجب الوفاء به ﴿لْيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ اللام تحتمل أن تكون لام كي أو لام الصيرورة، والصدق هنا يحتمل أن يكون الصدق في الأقوال أو الصدق في الأفعال والعزائم ويحتمل أن يريد بالصادقين الأنبياء وغيرهم من المؤمنين ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة غزوة الخندق، والجنود المذكورة هم قريش ومَن كان معهم من الكفّار، وسمّاهم الله في هذه السورة الأحزاب وكانوا نحو عشرة آلاف حاصروا المدينة وحفر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الخندق حولها ليمنعهم من دخولها ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ أرسل الله عليهم ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم ولم يمكنهم معها قرار فانصرفوا خائبين ﴿وَجُنُودَا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني الملائكة ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي حصروا المدينة من أعلاها ومن أسفلها، وقيل معنى من فوقكم أهل نجد لأن أرضهم فوق المدينة ومن أسفل منكم أهل مكة وسائر تهامة ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ أي مالت عن مواضعها وذلك عبارة عن شدّة الخوف ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة وهي الحلق وبلوغ القلب إليها مجاز، وهو عبارة عن شدّة الخوف، وقيل بل هي حقيقة لأن الرئة تنتفخ من شدّة الخوف فتربو ويرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ أي تظنون أن الكفّار يغلبونكم وقد وعدكم الله بالنصر عليهم، فأما المنافقون فظنّوا ظنّ السوء وصرّحوا به، وأما المؤمنون فربما خطرت لبعضهم خطرة مما لا يمكن البشر دفعها ثم استبصروا ووثقوا بوعد الله، وقرأ نافع: الظنونا، والرسولا، والسبيلا، بالألف في الوصل وفي الوقف، وقرىء بإسقاطها في الوصل والوقف، وبإثباتها في الوقف دون الوصل فأما إسقاطها فهو الأصل وأما إثباتها فلتعديل رؤوس الآي لأنها كالقوافي، وتقتضي هذه العلّة أن تثبت في الوقف خاصّة، وأما مَن أثبتها في الحالين، فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيّ ١٨٤ تفسير سورة الأحزاب وَإِذْ قَالَت ◌َائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَتَّأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ. ١٢ وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا لـ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوَتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا () وَلَوْ بُخِظَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَلَتَثُواْ بِهَا إِلَّ يَسِبْرًا ﴿ وَلَقَدْ كَانُوْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (٤٥) قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرَّتُمْ مِنِينَ اَلْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٦) قُلْ مَن ◌َذَا الَّذِى يَعْضِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمُ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَمُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا لأ وَالْقَيِلِنَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيَّنَّاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِلًا (٨) أَشِخَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْنَوْفُ رَأَيْتَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي اختبروا أو أصابهم بلاء، والعامل في الظرف ابتلى وقيل ما قبله ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أصل الزلزلة شدّة التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ رُوِيَ أنه معتب بن قشير ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَّائِفَةٌ﴾ قال السهيلي الطائفة تقع على الواحد فما فوقه والمراد هنا أوس بن قبطي ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ يثرب اسم المدينة وقيل اسم البقعة التي المدينة في طرف منها، ومقام اسم موضع من القيام أي لا قرار لكم هنا يعنون موضع القتال وقرىء بالضم وهو اسم موضع من الإقامة وقولهم فارجعوا أي إلى منازلكم بالمدينة ودعوا القتال ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيِّ﴾ أي يستأذنوه في الانصراف والمستأذن أوس بن قبطي وعشيرته وقيل بنو حارثة ﴿إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي منكشفة للعدوّ وقيل خالية للسراق فكذّبهم الله في ذلك ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عليهم مِن أَقْطَارِهَا﴾ أي لو دخلت عليهم المدينة من جهاتها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يريد بالفتنة الكفر أو قتال المسلمين ﴿لاَتَوْهَا﴾ قرىء بالقصر بمعنى جاؤوا إليها وبالمدّ بمعنى أعطوها من أنفسهم ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ الضمير للمدينة ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ دخلت قد على الفعل المضارع بمعنى التهديد وقيل للتعليل على وجه التهكّم ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي الذين يعوقون الناس عن الجهاد ويمنعونهم منه بأقوالهم وأفعالهم ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا﴾ هم المنافقون الذين قعدوا بالمدينة عن الجهاد وكانوا يقولون لقرابتهم أو للمنافقون مثلهم هلمّ إلى الجلوس معنا بالمدينة وترك القتال، وقد ذكر هلمّ في الأنعام ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلاّ قَلِيلاً﴾ البأس القتال، وقليلاً صفة المصدر محذوف تقديره إلاّ إتيانًا قليلاً، أو مستثنى من فاعل يأتون: أي إلاّ قليلاً منهم ﴿أَشِحَّةَ عَلَيْكُمْ﴾ أشحة جمع شحيح بوزن فعيل معناه يشخّون بأنفسهم فلا يقاتلون، وقيل يشخّون بأموالهم، وقيل معناه أشخّة عليكم وقت الحرب أي يشفقون أن يقتلوا ونصب أشحة على : ١٨٥ تفسير سورة الأحزاب يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُُّهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ (١٠) يَحْسَبُونَ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا اُلْأَخْزَبَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُوْ فِكُمُ مَّا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا (٢) لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوْ اَللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٨) وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ، وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا (٥) مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ الحال من القائلين، أو على المعوقين، أو من الضمير في يأتون، أو نصب على الذمّ ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي إذا اشتدّ الخوف من الأعداء نظر إليك هؤلاء في تلك الحالة ولاذوا بك من شدة خوفهم ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ عبارة عن شدّة خوفهم ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ﴾ السلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام مستكره، ومعنى حداد فصحاء قادرين على الكلام وإذا نصركم الله فزال الخوف رجع المنافقون إلى إذايتكم بالسبّ وتنقيص الشريعة، وقيل إذا غنمتم طلبوا من الغنائم ﴿أَشِحَّةَ عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي يشخّون بفعل الخير وقيل يشخّون بالمغانم، وانتصابه هنا على الحال من الفاعل في سلقوكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَخْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُم﴾ ليس المعنى أنها حبطت بعد ثبوتها، وإنما المعنى أنها لم تقبل لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، وقيل إنهم نافقوا بعد أن آمنوا، فالإحباط على هذا حقيقة ﴿يَحْسَبُونَ الأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الأحزاب هنا هم كفّار قريش ومَن معهم، فالمعنى أن المنافقين من شدّة جزعهم يظنون أن الأحزاب لم ينصرفوا عن المدينة وهم قد انصرفوا ﴿وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ معنى يودّوا يتمنّوا، وبادون خارجون في البادية والأعراب هم أهل البوادي من العرب فمعنى الآية أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرة أخرى تمنى هؤلاء المنافقون من شدّة جزعهم أن يكونوا في البادية مع الأعراب وأن لا يكونوا في المدينة بل غائبين عنها يسألون مَن ورد عليهم عن أنبائكم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الأَءِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي قدوة تقتدون به وَّر في اليقين والصبر وسائر الفضائل، وقرىء أسوة بضمّ الهمزة والمعنى واحد ﴿هَذَا مَا وَعَدَنا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قيل إن هذا الوعد ما أعلمهم رسول الله وَّر حين أمر بحفر الخندق من أن الكفّار ينزلون، وأنهم ينصرفون خائبين، وقيل إنه قول الله تعالى: ﴿أَم حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنّةَ ولَمّا يَأْتِكِم مَثَل الّذِينَ خَلوا من قَبْلِكم مَسّتْهم البَأْسَاءُ والضَرّاءُ﴾ ١٨٦ تفسير سورة الأحزاب صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى ◌َّحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ◌َ لْيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٦) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمَّ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ وَنَزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ قَوِيًّاً عَزِيزًا أَّ وَأَوْرَنَّكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ ٢٦ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا تَطَّئُوهَاً وَكَابَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا (٥) يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْخَيَوَةَ [البقرة: ٢١٤] الآية، فعلموا أنهم يبتلون ثم ينصرون ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحِبَهُ﴾ يعني قتل شهيدًا قال أنس بن مالك يعني عمّي أنس بن النضر، وقيل يعني حمزة بن عبد المطّلب، وقضاء النحب عبارة عن الموت عند ابن عباس وغيره، وقيل قضى نحبه: وفى العهد الذي عاهد الله عليه، ويدلّ على هذا ما ورد أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((طلحة ممّن قضى نحبه)) وهو لم يقتل حينئذ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾ المفعول محذوف: أي ينتظر أن يقضي نحبه، أو ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس، أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخرِ ﴿وَأَنْزَّلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّن أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ الصياصي هي الحصون، ونزلت الآية في يهود بني قريظة، وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله وَ* فنقضوا عهده وصاروا مع قريش فلما انصرفت قريش عن المدينة حصر رسول الله بني قريظة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بأن يقتل رجالهم ويسبي نساؤهم وذرّيّتهم ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني الرجال وقتل منهم يرمئذ كل مَن أنبت وكانوا بين ثمانمائة أو تسعمائة ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني النساء والذرّيّة ﴿أَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ يعني أرض بني قريظة قسمها رسول الله وَّه بين المهاجرين ﴿وَأَرْضَّا لَّمْ تَطَؤُهَا﴾ هذا وعد بفتح أرض لم يكن المسلمون قد وطؤوها حينئذ وهي مكة واليمن والشام والعراق ومصر، فأورث الله المسلمين جميع ذلك وما وراءها إلى أقصى المشرق والمغرب، ويحتمل عندي أن يريد أرض بني قريظةٍ، لأنه قال أورثكم بالفعل الماضي وهي التي كانوا أخذوها حينئذ، وأما غيرها من الأرضين، فإنما أخذها بعد ذلك فلو أرادها لقال يورثكم إنما كرّرها بالعطف ليصفها بقوله لم تطؤها: أي لم تدخلوها قبل ذلك. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدِنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَّهَا﴾ الآية: سببها أن أزواج رسول الله وَ الر تغايرن حتى غمّه ذلك وقيل طلبن منه الملابس ونفقات كثيرة، وكان ١٨٧ تفسير سورة الأحزاب ، وَلِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ٨٠ ٢٨ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَتِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ( يَلْفِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ ٢٩ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا: ۶ ﴾ وَمَن بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَبْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ٣ يَنِسَآءَ النَّ لَسْقُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيَقُنُّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌّ أزواجه يومئذ تسع نسوة خمس من قريش وهنّ عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسودة بنت زمعة، وأُم حبيبة بنت أبي سفيان، وأُمّ سلمة بنت أبي أُميّة، وأربع من غير قريش وهم ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفيّة بنت حييّ من بني إسرائيل وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّخْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ أصل تعالَ أن يقوله مَن كان في موضع مرتفع لمن في موضع منخفض ثم استعملت بمعنى أقبل في جميع الأمكنة؛ وأُمتّعكنّ من المتعة وهي الإحسان إلى المرأة إذا طلّقت والسّراح الطلاق، فمعنى الآية أن الله أمر رسوله و # أن يخيّر نساءه بين الطلاق والمتعة إن أرادوا زينة الدنيا، وبين البقاء في عصمته إن أرادوا الآخرة، فبدأ ◌َّر بعائشة: فاختارت البقاء في عصمته، ثم تبعها سائرهنّ في ذلك، فلم يقع طلاق، وقالت عائشة: خيّرنا رسول الله وَ * فاخترناه ولم يُعدّ ذلك طلاقًا، وإذا اختارت المخيّرة الطلاق: فمذهب مالك أنه ثلاث وقيل طلقة بائنة، وقيل طلقة رجعية ووصف السّراح بالجميل: يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو يريد أنه ثلاث، وجماله حُسْن الرّعي والثناء وحفظ العهد ﴿لِلْمُخْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ من للبيان لا للتبعيض، لأن جميعهنّ محسنات ﴿بِفَاحَشَةٍ مُّبَيْنَة﴾ قيل يعني الزنا، وقيل يعني عصيان زوجهنّ عليه الصلاة والسلام، أو تكليفه ما يشقّ عليه، وقيل عموم في المعاصي ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي يكون عذابها في الآخرة مثل عذاب غيرها مرتين، وإنما ذلك لعلوّ رتبتهنّ، لأن كل أحد يطالب على مقدار حاله، وقرىء يضاعف بالياء ورفع العذاب على البناء للمفعول وبالنون ونصب العذاب على البناء للفاعل ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرىء بالياء حملاً على لفظ من وبالتاء حملاً على المعنى، وكذلك تعمل، والقنوت هنا بمعنى الطاعة ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي يضاعف لها ثواب الحسنات ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يعني الجنة، وقيل في الدنيا، والأوّل هو الصحيح ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فضّلهنّ الله على النساء بشرط التقوى، وقد حصل لهنّ التقوى فحصل التفضيل على جميع النساء، إلاّ ؟ ١٨٨ تفسير سورة الأحزاب وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّجَ الْجَمِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَظْهِيْرًا لِهَا وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالِحِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًّا ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَلِينَ يُخرِج من هذا العموم فاطمة بنت رسول الله وَ ل﴿ ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون لشهادة رسول الله وَل﴿ لِكل واحدة منهنّ بأنها سيدة نساء عالمها ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ نهى عن الكلام اللين الذي يعجب الرجال ويميلهنّ إلى النساء ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي فجور وميل للنساء، وقيل هو النفاق، وهذا بعيد في هذا الموضع ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ هو الصواب من الكلام أو الذي ليس فيه شيءٍ مما نهى عنه ﴿وَقَزْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرىء بكسر القاف، ويحتمل وجهين: أن يكون من الوقار أو من القرار في الموضع، ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام في ظلت، وأما القراءة بالفتح فمن القرار في الموضع على لغة مَن يقولِ قررت بالكسر أقرّ بالفتح، والمشهور في اللغة عكس ذلك، وقيل هي من قار يقار إذا اجتمع ومعنى القرار أرجح، لأن سودة رضي الله عنها قيل لها لِمَ لا تخرجين فقالت أمرنا الله بأن نقرّ في بيوتنا، وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية تبكي على خروجها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عمر: إن الله أمرك أن تقرّي في بيتك ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ﴾ التبرّج الزينةِ ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ أي مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن من الانكشاف والتعرّض للنظر، وجعلها أولى بالنظر إلى حال الإسلام، وقيل الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، وقيل ما بين موسى وعيسى ﴿الرِّجْسَ﴾ أصله النجس، والمراد به هنا النقائص والعيوب ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ منادى أو منصوب على التخصيص، وأهل بيت النبي وَله: هم أزواجه وذرّيّته وأقاربه كالعباس وعليّ. وكل مَن حرمت عليه الصدقة، وقيل المراد هنا أزواجه خاصّة، والبيت على هذا المسكن، وهذا ضعيف لأن الخطاب بالتذكير، ولو أراد ذلك لقال عنكنّ ورُوِيَ أن النبي وَلّ قال. نزلت هذه الآية في خمسة: ((في ولد عليّ وفاطمة والحسن والحسين)) ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ خطاب لأزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خصّهنّ بعد دخولهنّ مع أهل البيت، وهذا الذكر يحتمل أن يكون التلاوة أو التذكّر بالقلب، وآيات الله هي القرآن والحكمة هي السُّنّة ﴿إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ﴾ الآية: سببها أن بعض النساء قلن ذكر الله الرّجال، ولم يذكرنا، فنزل فيها ذكر النساء ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِئَاتِ﴾ الإسلام هو الانقياد، والإيمان هو التصديق، ثم إنهما يطلقان بثلاثة أوجه باختلاف المعنى كقوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١٨٩ تفسير سورة الأحزاب وَالْقَلِشَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّرِينَ وَالصَّبِرَاتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُنَصَدِّقَتِ وَالصَّنَّمِمِينَ وَالصََّّبِمَتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاَلْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٥) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلًا مُبِينًا (٢) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اَللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا ١] وبالاتفاق لاجتماعهما كقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَان فِيهَا مِن الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] الآية، وبالعموم فيكون الإسلام أعمّ، لأنه بالقلب والجوارح، والإيمان أخصّ لأنه بالقلب خاصّة، وهذا هو الأظهر في هذا الموضع ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى العبادة أر الطاعة ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ يحتمل أن يكون من صدق القول أو من صدق العزم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية: معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله والضمير في قوله من أمرهم: راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله لمؤمن ولا مؤمنة لأن معناه العموم في جميع المؤمنين والمؤمنات، وهذه الآية توطئة للقصة المذكورة بعدها، وقيل سببها أن رسول الله وَلَّ خطب امرأة ليزوّجها لمولاه زيد بن حارية، فكرهت هي وأهلها ذلك فلما نزلت الآية قالوا رضينا يا رسول الله، واختلف هل هذه المخطوبة زينب بنت جحش أو غيرها، وقد قيل إنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمِ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ هو زيد بن حارثة الكلبي، وإنعام الله عليه بالإسلام وغيره وإنعام النبي وَّر بالعتق وكانت عند زيد زينب بنت جحش وهي بنت أميمة عمّة النبي وَّر، فشكا زيد إلى رسول الله وَله سوء معاشرتها وتعاظمها عليه، وأراد أن يطلّقها فقال له رسول الله وَالقول: ((أمسك عليك زوجك واتّقِ الله))، يعني فيما وصفها به من سوء المعاشرة واتّق الله ولا تطلّقها فيكون نهيًا عن الطلاق على وجه التنزيه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أبغض المُباح إلى الله الطلاق)) ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُّبْدِيهِ﴾ الذي أخفاه رسول الله وَّل أمر جائز مباح لا إثم فيه ولا عتب ولكنه خاف أن يسلّط الله عليه ألسنتهم وينالوا منه، فأخفاه حياء وحشمة وصيانة لعرضه، وذلك أنه رُوِيَ أن النبي ◌َ ﴿ كان حريصًا على أن يطلّق زيد زينب ليتزوّجها هو الَّه لقرابتها منه ولحسبها، فقال أمسك عليك زوجك وهو يخفي الحرص عليها خوفًا ١٩٠ تفسير سورة الأحزاب وَطَرًّا زَوَّجْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِى أَزْوَجِ أَدْعِيَّ بِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَ أَمُرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا (جـ)، مَا كَانَ عَلَى النَّبِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُّ سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُ ورًا (٨َ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَجَدًا إِلَّ اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٢٠) مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيْشِنُّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ من كلام الناس لئلا يقولوا تزوّج امرأة ابنه إذ كان قد تبنّاه، فالذي أخفاه وال* هو إرادة تزوّجها فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوّجها، فقالت عائشة: لو كان رسول الله وَله كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية لشدّتها عليه، وقيل إن الله كان أوحى إلى رسول الله وَلو أن يتزوج زينب بعد طلاق زيد، فالذي أخفاه رسول الله وَ له: ما أعلمه الله به من ذلك ﴿فَلَمًّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ لم يذكر أحد من الصحابة في القرآن پاسمه غیر زيد بن حارثة، والوطر الحاجة، قال ابن عطية: ويراد به هنا الجماع، والأحسن أن يكون أعمّ من ذلك: أي لمّا لم يبقَ لزيد فيها حاجة زوّجها اللَّه من نبيّه صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم، وأسند الله تزويجها إليه تشريفًا لها، ولذلك كانت زينب تفتخرٍ على نساء النبي الآن وتقول إن الله زوجني نبيّه من فوق سبع سمواتٍ، واستدلّ بعضهم بقوله زوجناكها على أن الأولى أن يقال في كتاب الصداق أنكحه إياها بتقديم ضمير الزوج على ضمير الزوجة كما في الآية ﴿لِكَيْلاَ يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِين حَرِجُ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ المعنى أن الله زوّجِ زينب امرأة زيد من رسول الله 98 ليعلم المؤمنين أن تزوّج نساء أدعيائهم حلال لهم فإن الأدعياء ليسوا لهم بأبناء حقيقة ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجِ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ المعنى أن تزوّج النبي ◌َّ لزينب بعد زيد حلال لا حرج فيه ولا إثم ولا عتاب، وفي ذلك ردّ على مَن تكلّم في ذلك من المنافقين. وفرض هنا بمعنى قسم ﴿له سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنِ قَبْلُ﴾ أي عادة الله في الأنبياء المتقدّمين أن ينالوا ما أحلّ الله لهم، وقيل الإشارة بذلك إلى داود في تزوّجه للمرأة التي جرى له فيها ما جرى، والعموم أحسن، ونصب سنة على المصدر، أو على إضمار فعل أو على الإغراء ﴿الَّذِينَ يُبَلْغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ﴾ صفة للذين خلوا من قبل، وهم الأنبياء أو رفع على إضمار مبتدأ، أو نصب بإضمار فعل ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رّجَالِكُمْ﴾ هذا ردّ على مَن قال في زيد بن حارثة زيد بن محمد، فاعترض على النبي وَ ل* تزوّج امرأة زيد، وعموم النفي في الآية لا يعارضه وجود الحسن والحسين، لأنه وَلّ ليس أَبًا لهما في الحقيقة لأنهما ليسا من صلبه، وإنما كانا ابني بنته، وأما ذكور أولاده فماتوا صغارًا فليسوا من الرجال ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أي آخرهم فلا نبيّ ١٩١ تفسير سورة الأحزاب شَىْءٍ عَلِيمًا (٤) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (١) وَسَبِّحُوهُ بُكَّةً وَأَصِيلًا (١) هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ٤٣ يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا ٤٤ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ( وَنَذِيرًا بـ ) وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرً (٤) وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا ٤٥ كَبِيرًا (®) وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٨) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَسَرِّجُوهُنَّ سَرَاحًا جميلًا (٦) يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ بعده ◌َالر وقرىء بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم فهو خاتم، وبالفتح بأنهم ختموا به فهو كالخاتم والطابع لهم، فإن قيل إن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكون بعده عليه الصلاة والسلام، فالجواب أن النبوّة أُوتيت عيسى قبله عليه الصلاة والسلام، وأيضًا فإن عيسى يكون إذا نزل على شريعته عليه الصلاة والسلام، فكأنه واحد من أمته ﴿أَذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ اشترط الله الكثرة في الذكر حيثما أمر به بخلاف سائر الأعمال، والذكر يكون بالقلب وباللسان وهو على أنواع كثيرة من التهليل والتسبيح والحمد والتكبير وذكر أسماء الله تعالى ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصَيلاً﴾ قيل إن ذلك إشارة إلى صلاة الصبح والعصر، والأظهر أنه أمر بالتسبيح في أول النهار وآخره، وقال ابن عطية أراد في كل الأوقات فحدّ النهار بطرفيه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لُيُخْرِ جَكُم﴾ هذا خطاب للمؤمنين، وصلاة الله عليهم رحمة لهم، وصلاة الملائكة عليهم دعاؤهم لهم، فاستعمل لفظ يصلّي في المعنيين على اختلافهما وقيل إنه على حذف مضاف تقديره وملائكته يصلّون ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ قيل يعني يوم القيامة، وقيل في الجنة وهو الأرجح لقوله وتحيّتهم فيها سلام، ويحتمل أن يريد تسليم بعضهم على بعض أو قول الملائكة لهم سلام عليكم طبتم ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي يشهد على أمته ﴿وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي بأمر الله وإرساله ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ استعارة للنور الذي يتضمنه الدين ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ يحتمل وجهين أحدهما لا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخصّ الكافرين بآية السيف، والآخر احتمل إذايتهم لك وأعرض عن أقوالهم، فالمصدر على هذا مضاف للفاعل ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية: معناه: سقوط العدّة عن المطلّقة قبل الدخول فالنكاح في الآية هو العقد والمسّ هو الجماع، وتعتدونها من العدد ﴿فَمَتْعُوهُنَّ﴾ ١٩٢ تفسير سورة الأحزاب أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَتَيْتَ أُجُورَهُرٍ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمْكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لََّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىّ هذا يقتضي متعة المطلّقة قبل الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض لها صداق وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِن طَلْقْتُمُوهُنّ مِن قَبْل أن تَمَسّوهنّ وقَدْ فَرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم﴾ [البقرة: ٢٣٧] يقتضي أن المطلّقة قبل الدخول وقد فرض لها يجب لها نصف الصداق ولا متعة لها وقد اختلف هل هذه الآية ناسخة لآية البقرة أو منسوخة بها ويمكن الجمع بينهما بأن تكون آية البقرة مبيّنة لهذه مخصّصة لعمومها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ في معناها قولان أحدهما أن المراد أزواجه اللاتي في عصمته حينئذ كعائشة وغيرها، وكان قد أعطاهُنّ مهورهنّ، والآخر أن المراد جميع النساء، فأباح الله له أن يتزوج كل امرأة يعطي مهرها وهذا أوسع من الأول ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أباح الله له مع الأزواج السراري بملك اليمين ويعني بقوله أفاء الله عليك: الغنائم ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتٍ خَالِكَ وُبَّنَاتٍ خَالاَتِكَ﴾ يعني قرابته من جهة أبيه ومن جهةً أُمه، وكان له عليه الصلاة والسلام أعمام وعمّات إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه عليه الصلاة والسلام أخ ولا أُخت، وإنما يعني بخاله وخالاته عشيرة أُمه وهم بنو زهرة، ولذلك كانوا يقولون نحن أخوال رسول الله ﴿ ﴿ فَمَن قال إن المراد بقوله أحللنا لك أزواجك: مَن كانت في عصمته: فهو عطف عليهنّ، وإباحة لأن يتزوج قرابته زيادة على مَن كان في عصمته، ومَن قال إن المراد جميع النساء فهو تجريد منهنّ على وجه التشريف بعد دخول هؤلاء في العموم ﴿اللأَّتِي هَاجَزْنَ مَعَكَ﴾ تخصيص تحرّز به ممّن لم يهاجر كالطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَّةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أباح الله له وَِّ مَن وهبت له نفسها من النساء، واختلف هل وقع ذلك أم لا؟ فقال ابن عباس: لم تكن عند النبي وَ امرأة إلاّ بنكاح أو ملك يمين، لا بُهُبة نفسها، ويؤيّد هذا قراءة الجمهور إن وهبت بكسر الهمزة أي إن وقع، وقيل قد وقع ذلك، وهو على هذا القول قرىء أن وهبت بفتح الهمزة، واختلف على هذا القول فيمن هي التي وهبت نفسها فقيل ميمونة بنت الحارث، وقيل زينب بنت خزيمة أُمّ المساكين، وقيل أُم شريك الأنصارية، وقيل أُم شريك العامرية ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِنْ دُوَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي هبة المرأة نفسها مِزية خاصّة بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دون غيره، وانظر كيف رجع من الغيبة ١٩٣ تفسير سورة الأحزاب أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُغْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ رَّحِيمًا عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُ بُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَانَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥َ لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ إلى الخطاب ليخصّ المخاطب وحده، وقيل إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم من النساء المباحات له ﴿ لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة، وأَبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك، ومذهب مالك أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد بخلاف أبي حنيفة، وإعراب خالصة مصدر أو حال أو صفة لامرأة ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ يعني أحكام النكاح من الصداق والوليّ والاقتصار على أربع وغير ذلك ﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ يتعلق بالآية التي قبله أي بيّنا أحكام النكاح لئلا يكون عليك حرج أو لئلا يظن بك أنك فعلت ما لا يجوز، وقال الزمخشري يتعلق بقوله خالصة لك ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ معنى ترجي تؤخّر وتُبعد، ومعنى تُؤوي تضمّ وتقرب. واختلف في المراد بهذا الإرجاء والإيواء، فقيل إن ذلك في القسمة بينهنّ: أي تكثر لمَن شئت، وتقلّل لمَن شئت، وقيل إنه في الطلاق أي تمسك مَن شئت وتطلّق مَن شئت؛ وقيل معناه تتزوّج مَن شئت، وتترك مَن شئت، والمعنى على كل قول توسعة على النبي وَّر، وإباحة له أن يفعل ما يشاء، وقد اتفق الناقلون على أنه وَ لو كان يعدل في القسمة بين نسائه: أخذًا منه بأفضل الأخلاق مع إباحة الله له، والضمير في قوله منهنّ: يعود على أزواجه صلّى الله عليه وآله وسلّم خاصّة أو على كل ما أحلّ الله له على حسب الخلاف المتقدّم ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في معناه قولان: أحدهما مَن كنت عزلته من نسائك فلا ◌ُناح عليك في ردّه بعد عزله، والآخر مَن ابتغيت ومَن عزلت سواء في إباحة ذلك فمَن للتبعيض على القول الأول وأما على القول الثاني فنحو قولك مَن لقيك ومَن لم يلقك سواء ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي إذا علمن أن هذا حكم الله قرّت به أعينهنّ ورضين به، وزال ما كان بهنّ من الغيرة، فإن سبب نزول هذه الآية ما وقع لأزواج النبي وَّر من غيرة بعضهنّ على بعض ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ﴾ فيه قولان: أحدهما لا يحلّ لك النساء غير اللاّتي في عصمتك الآن ولا تزيد عليهنّ، قال ابن عباس لما خيّرهنّ رسول الله وَلَيه فاخترن الله ورسوله جازاهنّ الله على ذلك، بأن حرّم غيرهنّ من النساء كرامة لهنّ، والقول الثاني لا يحلّ لك النساء غير الأصناف التي سمّيت، والخلاف هنا يجري على الخلاف في ١٩٤٠ تفسير سورة الأحزاب ) يَُّهَا الَّذِيِّ وَلَوْ أَمْجَبَكَ حُسْئُهُنَّ إِلَّ مَا مَلَكَتْ يَسِنُكٌ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا ءَمَنُواْ لَ نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِقَنَّهُ وَلَكِنْ إِذَاهُ عِيتُمْ فَادْ خُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَنَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَعِىء المراد بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾: أي لا يحلّ لك غير مَن ذكر حسبما تقدم، وقيل معنى ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾: لا يحلّ لك اليهوديات والنصرانيات من بعد المسلمات المذكورات وهذا بعيد، واختلف في حكم هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَلْنَا لَكَّ أَزْوَاجَكَ﴾ على القول بأن المراد جميع النساء، وقيل إن هذه الآية ناسخة لتلك على القول بأن المراد من كان في عصمته، وهذا هو الأظهر لما ذكرنا عن ابن عباس، ولأن التسع في حقه عليه الصلاة والسلام كالأربع في حق أُمته ﴿وَلاَ أَنْ تَبَّدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ معناه لا يحلّ لك أن تطلّق واحدة منهنّ وتتزوّج غيرها بدلاً منها، وقيل معناه ما كانّت العرب تفعله من المبادلة في النساء بأن ينزل الرجل عن زوجته لرجل وينزل الآخر عن زوجته له، وهذا ضعيف ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ﴾ في هذا دليل على الجواز النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَثْ يَمِينُكَ﴾ المعنى أن الله أباح له الإماء، والاستثناء في موضع رفع على البدل من النساء أو في موضع نصب على الاستثناء من الضمير في حُسنهُنّ ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّ أَن يُؤْذَنَّ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ﴾ سبب هذه الآية ما رواه أنس أن رسول الله وَ ﴿ لمّا تزوج زينب بنت جحش أولَمَ عليها فدعا الناس، فلما ظعموا قعد نفر في طائفة من البيت فثقل ذلك على النبي وَل# فخرج ليخرجوا بخروجه ومرّ على حجر نشائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم، فانصرف فخرجوا عن ذلك، وقال ابن عباس نزلت في قوم كانوا يتحيّنون طعام النبي ◌َ ل# فيدخلون عليه قبل الطعام فيقعدون إلى أن يطبخ ثم يأكلون ولا يخرجون، فأُمروا أن لا يدخلوا حتى يؤذن لهم، وأن ينصرفوا إذا أكلوا، قلت: والقول الأول أشهر، وقول ابن عباس أليق بما في الآية من النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، فعلى قول ابن عباس في النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم والقول الأول في النهي عن القعود بعد الأكل، فإن الآية تضمنت الحكمين ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إناه﴾ أي غير منتظرين لوقت الطعام، والإنا الوقت، وقيل إنا الطعام نضجه وإدراكه، يقال أنى يأني إنّى ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ أمر بالدخول بعد الدعوة، وفي ذلك تأكيد للنهي عن الدخول قبلها ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أي انصرفوا، قال بعضهم هذا أدب أدّب الله به الثقلاء، وقالت عائشة رضي الله عنها: حسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم ﴿وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ معطوف على غير ١٩٥ تفسير سورة الأحزاب مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسَثَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْرَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوْأَزْوَجَهُم مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا (٢) إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (٥) لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيّ ءَابَآِنَّ وَلَّ أَبْنَائِهِنَّ وَلَآَ إِخْوَبِنَّ وَلَآ أَبْنَاءِ إِخْوَتِنَّ وَلَآَ أَبْنَآءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا نِسَابِهِنَّ وَلَا مَا مَكَتْ أَيْمَنُهُنُّ وَأَتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ ناظرين، أو تقديره ولا تدخلوا مستأنسين، ومعناه النهي عن أن يطلبوا الجلوس للأنس بحديث بعضهم مع بعض، أو يستأنسوا لحديث أهل البيت، واستئناسهم: تسمّعهم وتجسّسهم ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ يعني جلوسهم للحديث أو دخولهم بغير إذن ﴿فَيَسْتَحِي مِنْكُم﴾ تقديره يستحي من إخراجكم، بدليل قوله: والله لا يستحي من الحق: أي أن إخراجكم حق لا يتركه الله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ المتاع الحاجة من الأثاث وغيره، وهذه الآية نزلت في احتجاب أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وسببها ما رواه أنس من قعود القوم يوم الوليمة في بيت زينب، وقيل سببها أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يحجب نساءه فنزلت الآية موافقة لقول عمر، قال بعضهم لمّا نزلت في أُمّهات المؤمنين ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كنّ لا يجوز للناس كلامهنّ إلاّ من وراء حجاب، ولا يجوز أن يراهنّ متنقبات ولا غير متنقبات، فخصّصن بذلك دون سائر النساء ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يريد أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء والنساء في أمر الرجال ﴿وَلا أَنْ تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ﴾ سببها أن بعض الناس قالوا لو مات رسول الله بشّه لتزوّجت عائشة فحرّم الله على الناس تزوّج نسائه بعده كرامة له ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية: لما أوجب الله الحجاب أباح لهنّ الظهور لذوي محارمهنّ من القرابة وهم: الآباء، والأبناء، والإخوة، وأولادهم، وأولاد الأخوات ﴿وَلاَ نِسَائِهِنَّ﴾ قيل يريد بالنساء القرابة والمصرّفات لهنّ، وقيل يريد نساء جميع المؤمنات، ويقوّي الأول تخصيص النساء بالإضافة لهنّ، ويقوّي الثاني أنهنّ كنّ لا يحتجبن من النساء على الإطلاق ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ واختلف فيمَن أُبيح لهنّ الظهور له من ملك اليمين، فقيل الإماء دون العبيد، وقيل الإماء والعبيد، وهو أولى بلفظ الآية، ثم اختلف مَن ذهب إلى هذا فقال قوم من ملكنه من العبيد دون مَن ملكه غيرهنّ، وهذا هو الظاهر من لفظ الآية، وقال قوم جميع ١٩٦ .. تفسير سورة الأحزاب إِنَّ اللَّهَ وَمَتِ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ بَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِمُواْ شَهِيدًا ! تَسْلِيمًا (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَّ ◌َمْ عَذَابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنْمَّا ـُبِينًا ﴿َأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْفِينَ عَيْهِنَّ مِن جَبِهِنُّ ذَلِكَ أَدْفَ العبيد كنّ في ملكهنّ أو في ملك غيرهنّ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذه الآية تشريف للنبي بَلو، وقد ذكرنا معنى صلاة الله وصلاة الملائكة في قوله يصلّي عليكم وملائكته ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فرض إسلاميّ فالأمر به محمول على الوجوب، وأقلّه مرة في العمر، وأما حكمها في الصلاة: فمذهب الشافعي أنها فرض تبطل الصلاة بتركه، ومذهب مالك أنها سُنّةٍ وصفتها ما ورد في الحديث الصحيح اللّهمَّ صَلٌّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وقد اختلفت الروايات في ذلك اختلافًا كثيرًا أما السلام على النبي ◌َّ فيحتمل أن يريد السلام عليه في التشهّد في الصلاة أو السلام عليه حين لقائه، وأما السلام عليه بعد موته فقد قال وَلؤل من سلّم عليّ قريبًا سمعته، ومَن سلّم عليّ بعيدًا أبلغته، فإن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إذاية الله هي بالإشراك به ونسبة الصاحبة والولد له، وليس معنى إذايته أنه يضرّه الأذى لأنه تعالى لا يضرّه شيء ولا ينفعه شيء، وقيل إنها على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث يقول الله تعالى: ((يَشْتُمِنِي ابْنُ آدَم ولَيْسَ لَهُ أَنْ يَشتمني، ويُكَذّبِنِي وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَذّبني))، أما شتمه إياي فقوله إن لي صاحبةً وولدًا، وأما تكذيبه إياي فقوله: ((لاَ يُعِيدُني كَمَا بَدَأَنِي)) وأما إذاية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فهي التعرّض له بما يكره من الأقوال أو الأفعال، وقال ابن عباس، نزلت في الذين طعنوا عليه حين أخذ صفيّة بنت حُييّ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ الآية: في البهتان وهو ذكر الإنسان بما ليس فيه، وهو أشدّ من الغيبة، مع أن الغيبة محرّمة، وهي ذكره ما فيه مما يكره ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُذْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيِهِنَّ﴾ كان نساء العرب يكشفن وجوههنّ كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجال لهنّ فأمرهنّ الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههنّ ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء، والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه ١٩٧ تفسير سورة الأحزاب حسـ لَِّنِ لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا قَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ٦٠ مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا (٨) سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٦٢ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا خَالِينَ فِيهَآ أَبَدًّاً لَّا يَجِدُونَ ٦٤ وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا على وجهها حتى لا يظهر منها إلاّ عين واحدة تبصر بها وقيل أن تلويه حتى لا يظهر إلاّ عيناها، وقيل أن تغطّ نصف وجهها ﴿ذَلِكَ أَذْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء فإذا عرف أن المرأة حرّة لم تُعارَض بما تُعارَض به الأمة، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم مَن هي إنما المراد أن يفرّق بينها وبين الأمة لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء وربما تعرّض لهنّ السفهاء ﴿لَّئِنْ لَّمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُون﴾ الآية: تضمنت وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا، وقيل إنهم لم ينتهوا: ولم ينفذ الوعيد عليهم ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة، وقيل إن انتهوا وستروا أمرهم، فكفّ عنهم إنفاذ الوعيد، والمنافقون هم الذين يُظهِرون الإيمان ويخفون الكفر، والذين في قلوبهم مرض: قوم كان فيهم ضعف إيمان، وقلّة ثبات عليه، وقيل هم الزناة: كقوله فيطمع الذي في قلبه مرض، والمرجفون في المدينة: قوم كانوا يشيعون أخبار السوء ويخوّفون المسلمين، فيحتمل أن تكون هذه الأصناف متفرّقة، أو تكون داخلة في جملة المنافقين، ثم جرّدها بالذكر ﴿لَتُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي نسلطك عليهم وهذا هو الوعيد ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ ذلك لأنه ينفيهم أو يقتلهم، والضمير المجرور للمدينة ﴿إلاَّ قَلِيلاً﴾ يحتمل أن يريد إلاّ جوازًا قليلاً أو وقتًا أو عدداً قليلاً منهم، والإعراب يختلف بحسب هذه الاحتمالات، فقليلاً على الاحتمال الأول مصدر، وعلى الثاني ظرف، وعلى الثالث منصوب على الاستثناء ﴿مَّلِعُونِينَ﴾ نصب على الذم، أو بدل من قليلاً على الوجه الثالث: أو حال من ضمير الفاعل في يجاورونك تقديره سينفون ملعونين ﴿أَنْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ أي حيث ما ظفر بهم أسروا، والأخذ الأسر ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي عادته ونصب على المصدر ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ أي عادته في المنافقين من الأمم المتقدمة وقيل يعني الكفّار من بدر، لأنهم أسروا وقتلوا ﴿تَكُونُ قَرِيبًا﴾ إنما قال قريبًا بالتذكير والساعات مؤنثة على تقدير شيئًا ١٩٨: تفسير سورة الأحزاب وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦) رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْهَذَابِ وَأَلْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًا (٤٨) يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللّه ◌َوَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًاً وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٤) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَىَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنَّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا قريبًا أو زمانًا قريبًا، أو لأن تأنيثها غير حقيقي ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ العامل في يوم قوله يقولون أو لا يجدون أو محذوف، وتقليب وجوههم: تصريفها في جهة النار كما تدور البضعة في القدر إذا غَلَت من جهة إلى جهةٍ، أو تغيّرها عن أحوالها . ﴿لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ هم قوم من بني إسرائيل، وإذايتهم له: ما ورد في الحديث أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة وكان موسى يستتر منهم إذا اغتسل فقالوا إنه لادر، فاغتسل موسى يومًا وحده وجعل ثيابه على حجر ففرّ الحجر بثيابه، واتّبعُه موسى وهو يقول ثوبي حجر ثوبي حجر، قمرّ في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل فرأوه سليمًا مما قالوا، فذلك قوله فبرأه الله مما قالوا، وقيل إذايتهم له أنهم رموه بأنّه قتل أخاه هارون، فبعث الله ملائكة فحملته حتى رآه بنو إسرائيل ليس فيه أثر فبرّأ الله موسى، ورُوِيّ أن الله أحياه فأخبرهم ببراءة موسى، والقول الأول هو الصحيح لوروده في الحديث الصحيح ﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ قيل يعني لا إله إلاّ الله، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿إنّا عَرَّضُنَا الأمَانَةً عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات وترك المعاصي، وقيل هي الأمانة في الأموال، وقيل غسل الجنابة، والصحيح العموم في التكاليف، وعرضها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكًا فعرضت عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها وامتنعت من حملها، والثاني أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة، وأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضرب من المجاز كقولك عرضت الحمل العظيم على الدابّة فأبت أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله ﴿وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ﴾ أي التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدّة ذلك وصعوبته على الأجرام التي هيّ أعظم منه، ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول، والإنسان هنا جنس، وقيل يعني آدم، وقیل ١٩٩ تفسير سورة الأحزاب لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى جھولا ٧٢ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٣ قابيل الذي قتل أخاه ﴿لْيُعَذْبَ﴾ اللام للصيرورة، فإن حمل الأمانة: كان سبب تعذيب المنافقين والمشركين، ورحمة للمؤمنين. سورة سبأ مكتبة إلا آية ٦ فمدنيّة وآياتها ٥٤ نزلت بعد لقمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمـ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ الْآَخِرَةَّ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْغِيرُ ١ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَلَهُ الْحَمُدُ فِي الآخِرَةِ﴾ يحتمل أن يكون الحمد الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، وعلى هذا حمله الزمخشري ويحتمل عندي أن يكون الحمد الأول للعموم والاستغراق، فجمع الحمد في الدنيا والآخرة، ثم جرّد منه الحمد في الآخرة كقوله فاكهة ونخل ورمان، ثم إن الحمد في الآخرة یحتمل أن یرید به الجنس أو يريد به قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين أو الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴿مَا بَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ أي يدخل فيها من المطر والأموات وغير ذلك ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات وغيره ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من المطر والملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي يصعد ويرتفع من الأعمال وغيرها ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ رُوِيَ أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب ﴿لاَ يَعْزُبُ﴾ أي لا يغيب ولا يخفى ﴿وَلاَ أَصْغَرُ﴾ معطوف على مثقال؛ وقال الزمخشري هو مبتدأ، لأن حرف الاستثناء من حروف العطف، ولا