النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
تفسير سورة العنكبوت
ـج) وَقَالُواْ
(٤٩
ءَايَتُ بِمِنَتُ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَتِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ
لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَ أَنْ نَذِيٌِّ مُّبِيُ (٥) أَوَلَمْ
يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُعْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ جَ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاً يَعْلَهُ مَا فِي السَّمَوْنِ وَالْأَرْضُِّ
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ
وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُسَمَّى لَآءَ هُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِلْعَذَابِ وَإِنَّ
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ (٥٦) يَوْمَ يَغْشَنْهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا
كُمْ تَعْمَلُونَ (٥) يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ (٥) كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ
فائدة قوله بيمينك؟ فالجواب أن ذلك تأكيد للكلام، وتصوير للمعنى المراد ﴿إِذَا لازْتَابَ
الْمُبْطِلُونَ﴾ أي لو كنت تقرأ أو تكتب لتطرّق الشك إلى الكفّار فكانوا يقولون لعله تعلّم هذا
الكتاب أو قرأه، وقيل وجه الاحتجاج أن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم أن النبي وَيه
أُميّ لا يقرأ ولا يكتب، فلما جعله الله كذلك قامت عليهم الحجة، ولو كان يقرأ أو يكتب
لكان مخالفًا للصفة التي وصفه الله بها عندهم، والمذهب الصحيح أن رسول الله وَ له لم
يقرأ قطّ ولا كتب وقال الباجي وغيره: أنه كتب لظاهر حديث الحديبية، وهذا القول
ضعيف ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ﴾ الضمير للقرآن، والإضراب ببل عن كلام محذوف تقديره ليس
الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ المعنى كيف
يطلبون آية والقرآن أعظم الآيات وأوضحها دلالة على صحة النبوّة فهلاّ اكتفوا به عن طلب
الآيات ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾ ذكر معناه في الرعد وفي الأنعام ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الضمير
للكفّار يعني قولهم ائتنا بما تعدنا، وقولهم فأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك
﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمَّى﴾ أي لولا أن الله قدّر لعذابهم أجلاً مسمَّى لجاءهم به حين طلبوه
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً﴾ يحتمل أن يريد القتل الذي أصابهم يوم بدر أو الجوع الذي أصابهم
بتوالي القحط، أو يريد عذاب الآخرة، وهذا أظهر لقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي يحيط بهم، والعامل في الظرف محذوف، أو محيطة.
﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ تحريض على الهجرة من مكة إذ كان المؤمنون يلقون فيها أذى
الكفّار، وترغيبًا في غيرها من أرض الله فحينئذ هاجروا إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة

١٦٢
تفسير سورة العنكبوت
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَمُبَّوْتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
(٥٧
ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَأْ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ (٨) الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَوَكَّلُونَ (ثَ، وَكَأَیْنِ مِّن
دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (١) اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ.
وَيَقْدِرُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١) وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمِ مَن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ
بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ () وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاْ إِلَّا
لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (٤) فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ
؛ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَّيْنَهُمْ
٦٥
دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا تَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
وَلِيَتَمَثَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾
◌ِ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ
أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَكْفُرُونَ!
﴿لَنْبَوْئَنَّهُم﴾ أي ننزلهم، وقرىء بالثاء المثلثة من الثوى وهو الإقامة في المنزل ﴿وَكَأَيّن مِّن
دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي كم من دابة ضعيفة لا تقدر على حمل رزقها، ولكن الله يرزقها
مع ضعفها والقصد بالآية تقوية لقلوب المؤمنين إذ خافوا الفقر والجوع في الهجرة إلى بلاد
الناس: أي كما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم ﴿وَلَئِن
سَأَلْتَهُم﴾ في الموضعين: إقامة حجة عليهم ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الحق
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حمدًا لله على ظهور الحجة، ويكون المعنى إلزامهم أن يحمدوا الله لما
اعترفوا أنه خلق السموات والأرض ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ إضراب عن کلام محذوف
تقديره يجب عليهم أن يعبدوا الله لما اعترفوا به ولكنهم لا يعقلون ﴿لَهِيْ الْحَيَوَانُ﴾ أي
الحياة الدائمة التي لا موت فيها، ولفظ الحيوان مصدر كالحياة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْقُلْكِ﴾
الآية: إقامة حجة عليهم بدعائهم حين الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ أمر على وجه التهديد أو على وجه الخذلان والتخلية كما تقول لمَن تنصحه فلا
يقبل نصحك اعمل ما شئت ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الضمير لكفار قريش،
والحرم الآمن: مكة، لأنها كانت لا تُغِير عليها العرب كما تُغِير على سائر البلاد ولا ينتهك
أحد حُرمتها ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ عبارة عمّا يصيب غير أهل مكة من القتال أو
أخذ الأموال ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ يعني جهاد النفس من الصبر على إذاية الكفّار واحتمال

١٦٣
تفسير سورة العنكبوت
لَمَّا جَآءَهٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِّلْكَفِرِينَ!
﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
(٦٨
٦٩
اٌلْمُحْسِنِينَ
الخروج عن الأوطان وغير ذلك، وقيل يعني القتال، وذلك ضعيف، لأن القتال لم يكن
مأمورًا به حين نزول الآية ﴿لَنَهْدِيَنْهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي لنوفّقَنّهم لسبيل الخير ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ المعنى أنه معهم بإعانته ونصره.

سورة الروم
مكتّة إلاّ آية ١٧ فمدنيّة وآياتها ٦٠ نزلت بعد الانشقاق
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى آلـ
(جَ فيِ أَدْنَ اْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٤) فيِ يِضْعِ
الَّمَ أَ غُلِبَتِ الرُّومُّ
سِنِينَُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ" (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿غُلِيَتِ الرُّومُ﴾ أي هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم، وسُمّيت الروم باسم
جدّهم وهو روم بن عيصو بن إسحق بن إبراهيم ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ قيل هي الجزيرة،
وهي بين الشام والعراق وهي أدنى أرض الروم إلى فارس، وقيل في أدنى أرض العرب
منهم وهي أطراف الشام ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إخبار بأن الروم سيغلبون الفرس
﴿فِي بِضْعٍ سِنِينَ﴾ البضع ما بين الثلاث إلى التسع ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رُوِيَ أن غلب
الروم فارس وقع يوم بدر، وقيل يوم الحديبية، ففرح المؤمنون بنصر الله لهم على كفّار
قريش وقيل فرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس، لأن الروم أهل كتاب فهم أقرب إلى
الإسلام، كذلك فرح الكفّار من قريش بنصر الفرس على الروم لأن الفرس ليسوا بأهل
كتاب فهم أقرب إلى كفّار قريش، ورُوِيَ أنه لمّا فرح الكفّار بذلك خرج إليهم أبو بكر
الصدّيق رضي الله عنه، فقال إن نبيّنا وَّرَ قد أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون وراهنهم

١٦٥
تفسير سورة الروم
مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٢) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ (*) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِىّ
٦
يعلمون
أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
◌ِقَآَيٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ (٨َ أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥) ثُمَ كَانَ عَدِقِبَةَ الَّذِينَ
أَسَنُواْ السُّوَ أَنْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُ ونَ (٤) اللَّهُ يَبْدَوُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ
على عشرة قلاص إلى ثلاث سنين وذلك قبل أن يحرّم القمار، فقال له رسول الله وَله :
((زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل))، فجعل القلاص مائة، والأجل تسعة أعوام وجعل
معه أُبيّ بن خلف مثل ذلك، فلما وقع الأمر على ما أخبر به أخذ أبو بكر القلاص من ذرّيّة
أُبيّ بن خلف، إذ كان قد مات وجاء بها إلى النبي ◌َّ فقال له تصدّق بها ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾
مصدر مؤكد كقوله له علي ألف درهم عرفًا، لأن معناه اعترفت له بها اعترافاً ﴿يَعْلَمُونَ
ظَاهِرًا﴾ قيل معناه يعلمون ما يدرك بالحواس دون ما يدرك بالعقول فهم في ذلك مثل
البهائم، وقيل الظاهر ما يعلم بأوائل العقول، والباطن ما يعلم بالنظر والدليل، وقيل هو من
الظهور بمعنى العلو في الدنيا، وقيل ظاهر بمعنى زائل ذاهب، والأظهر أنه أراد بالظاهر
المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن الآخرة، وذلك يقتضي
عدم معرفتهم بها، وانظر كيف نفى العلم عنهم أولاً، ثم أثبت لهم العلم بالدنيا خاصّة،
وقال بعض أهل البيان: إن هذا من المطابقة لاجتماع النفي والإثبات، وجعل بعضهم العلم
المثبت كالعدم لقّة منفعته فهو على هذا بيان للنفي ﴿أَوَ لَم يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِم﴾ يحتمل
معنيين: أحدهما أن تكون النفس ظرفًا للفكرة في خلق السموات والأرض كأنه قال أَوَ لَم
يتفكّروا بعقولهم فيعلموا أن الله ما خلق السموات والأرض إلاّ بالحق، والثاني أن يكون
المعنى أوَ لم يتفكّروا في ذواتهم وخلقتهم ليستدلّوا بذلك على الخالق، ويكون قوله ما
خلق الآية: استئناف كلام، والمعنى الأول أظهر ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ﴾ أي حرثوها ﴿ثُمَّ كَانَ
عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآَى﴾ معنى السوآى: هلاك الكفّار، ولفظ السوآَى تأنيث الأسوأ:
كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، وقرىء عاقبة بالرفع على أنه اسم كان، والسوآَى خبرها،
وقرىء بنصب عاقبة على أنها خبر كان، والسوآى اسمها، و﴿أَن كَذَّبُوا﴾ مفعول من أجله،

١٦٦
تفسير سورة الروم
إِلَيْهِ تُجَعُونَ (١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ (١) وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَّكَآَ بِهِمْ شُفَعَكَوُاْ
وَكَانُواْ بِشُرَّكَبِهِمْ كَفِرِينَ ﴿ وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَنَفَرَّقُونَ (١)، فَأَمَّا الَّذِينَ
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا
١٥
ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِىِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١)
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ
(١٨
تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ لـ
الْمَيِّتِ وَيُخِيُ اَلْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ وَيُّحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ () وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ
خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ !
٢١
وَمِنْ ءَايَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَنِكُنَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ
لِلْعَلِمِينَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، مَنَامُكُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْنِغَا ؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ () وَ مِنْ ءَايَنِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَيُخْيء
بِهِ آلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١) وَ مِنْ ءَايَلِهِ: أَن تَقُومَ السَّمَآءُ
ويحتمل أن تكون السوآى مصدر أساءوا ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الإبلاس الكون في شرّ مع
اليأس من الخير ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ معناه في المنازل والجزاء ﴿يُخْبَرُونَ﴾ ينعمون من الحبور وهو
السرور والنعيم، وقيل يكرمون ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ هذا تعليم للعباد أي قولوا سبحان الله حين
تمسون وحين تصبحون ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي حين تدخلون في وقت الظهيرة وهي
وسط النهار، وقوله: ﴿وله الحمد في السموات والأرض﴾: اعتراض بين المعطوفات،
وقيل أراد بذلك الصلوات الخمس، فحين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون:
الصبح، وعشيًا: العصر، وحين تظهرون: الظهر، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾ ذكر في آل عمران
﴿وَيُحْيِي الأَرْضَ﴾ أي ينبت فيها النبات ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي كما يُخرِج الله النبات من
الأرض كذلك يُخرجكم من الأرض للبعث يوم القيامة ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ أي تنصرفون في الدنيا
﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي صنفكم وجنسكم، قيل أراد خلقة حوّاء من ضلع آدم، وخاطب
الناس بذلك لأنهم ذرّيّة آدم ﴿مَّوَدَّةَ وَرَحْمَةً﴾ قيل المودّة الجماع، والرحمة الولد، والعموم
أحسن وأبلغ ﴿وَاخْتِلاَفِ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي لغاتكم ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ يعني البياض والسواد، وقيل
يعني أصنافكم، والأول أظهر ﴿خَوْفَا وَطَمَعَا﴾ ذكر في الرعد ﴿أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾

١٦٧
تفسير سورة الروم
وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ رَعْوَةً مِّنَ اْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٤٥) وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
كُّ لَّهُ قَنِئُونَ (*) وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ
ج
أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَكُمْ فَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
ـَ بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الأَ
يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَالَهُم مِّن نَّصِرِينَ (٤) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
معناه تثبت أو يقوم تدبيرها ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ إذا الأولى
شرطية، والثانية فجائية وهي جواب الأولى، والدعوة في هذه الآية قوله للموتى قوموا
بالنفخة الثانية في الصور، ومن الأرض يتعلق بقوله مخرجون أو بقوله دعاكم، على أن
تكون الغاية بالنظر إلى المدعوّ كقولك دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل
﴿قَانِتُونَ﴾ ذكر في البقرة ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي الإعادة يوم القيامة أهون عليه من الخلقة
الأولى، وهذا تقريب لفهم السامع وتحقيق للبعث، فإن مَن صنع صنعة أول مرة كانت
أسهل عليه ثاني مرة، ولكن الأمور كلها متساوية عند الله، فإن كل شيء على الله يسير ﴿وَلَهُ
الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أي الوصف الأعلى الذي يصفه به أهل السماوات والأرض ﴿هَلْ لَّكُم مِّن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ﴾ هذا هو المثل المضروب معناه أنكم أيّها الناس لا يشارككم
عبيدكم في أموالكم ولا يستوون معكم في أحوالكم، فكذلك الله تعالى لا يشارك عبيده في
ملكه، ولا يماثله أحد في ربوبيته، فذكر حرف الاستفهام ومعناه التقرير على النفي ودخل
في النفي قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي لستم في أموالكم سواء
مع عبيدكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، لأن العبيد عندكم أقلّ وأذلّ من
ذلك ﴿بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾ الإضراب ببل عمّا تضمنه معنى الآية المتقدمة كأنه
يقول ليس لهم حجة في إشراكهم بالله بل اتّبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ﴾ هو دين الإسلام، وإقامة الوجه في الموضعين من السورة عبارة عن الإقبال عليه
والإخلاص فيه في قوله أقم، والقيم ضرب من ضروب التجنيس ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ منصوب
على المصدر: كقوله صبغة الله أو مفعولاً بفعل مضمر تقديره الزموا فطرة الله، أو عليكم
فطرة الله، ومعناه خلقة الله، والمراد به دين الإسلام، لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو
الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر مَن كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته، كما قال

١٦٨
تفسير سورة الروم
النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَبِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
مُنِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اتِّ مِنَ
٣٠
يعلمون
الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (١) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرْدَعَوْاْ
رَهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
الِبَكْفُرُواْ بِمَّاً.
٣٣
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِ.
٣٤
ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أ
◌ُشْرِكُونَ ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه
﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يعني يخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن
الله لا يبدلها أي لا يخلق الناس على غيرها ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة
الأولى، أو يكون المعنى أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدلوها، فالنفي على هذا حكم
لا خبر وقيل إنه على الخصوص في المؤمنين أي لا تبديل لفطرة الله في حق مَن قضى الله
أنه يثبت على إيمانه، وقيل إنه نهي عن تبديل الخلقة كخصاء الفحول من الحيوان وقطع
آذانها وشبه ذلك ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ منصوب على الحال من قوله أقِم وجهك لأن الخطاب
للنبي وَّ، والمراد هو وأمته، ولذلك جمعهم في قوله: منيبين، وقيل هو الحال من ضمير
الفاعل المستتر في الزموا فطرة الله، وقيل هو حال من قوله فطر الناس، وهذا بعيد ﴿وَاتَّقُونَ﴾
وما بعده معطوف على أقم وجهك أو على العامل في فطرة الله وهو الزموا المضمر ﴿مِنّ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ المجرور بدل من المجرور قبله، ومعنى فرّقوا دينهم: جعلوه فرقًا أي
اختلفوا فيه، وقرىء: فارقوا من المفارقة أي تركوه، والمراد بالمشركين هنا أصناف الكفّار،
وقيل هم المسلمون الذين تفرّقوا فرقًا مختلفة، وفي لفظ المشركين هنا تجوّز بعيد، ولعلّ
قائل هذا القول إنما قاله في قول الله فتي الأنغام [١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم﴾ فإنه
ليس هناك ذكر المشركين ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرِّ﴾ الآية: إنحاء على المشركين، لأنهم
يدعون الله في الشدائد ويشركون به في الرخاء ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ ذكر في النحلَ ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ
سُلْطَانًا﴾ أم هنا منقطعة بمعنى بل، والسلطان الحجّة، وكلامه مجاز كما تقول نطق بكذا،
والمعنى ليس لهم حجة تشهد بصحة شركهم ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ إنحاء على مَنْ يفرح
ويبطر إذا أصابه الخير، ويقنط إذا أصابه الشرّ، وانظر كيف قال هنا إذا، وقال في الشرّ إن
تصبهم سيئة، لأن إذا للقطع بوقوع الشرط، بخلاف إن فإنها للشك في وقوعه، ففي ذلك

١٦٩
تفسير سورة الروم
يَقْنَطُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فَقَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًّا لِّيَرَّبُواْ فِىَ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَّكَوْمٍ
(جَ اللّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
يُحْبِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِن شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٥ ظَهَرُ
الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤) قُلْ
◌َْ فَأَقِمْ وَجْهَكَ
سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ
لِلِّّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَعُونَ ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَمَنْ
إشارة إلى أن الخير الذي يصيب به عباده أكثر من الشرّ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المعنى أن ما
يصيب الناس من المصائب، فإنه بسبب ذنوبهم ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ يعني صلة رحم
القرابة بالإحسان والمودّة، ولو بالكلام الطيب ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِّن رّبّا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾
الآية: معناها كقوله: ﴿يَمحق اللَّهُ الرِّبا ويُربي الصّدَقَات﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي ما أعطيتم من
أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله، وما آتيتم من الصدقات: فهو الذي يزكو عند الله
وينفعكم به، وقيل المراد أن يهب الرجل الرجل أو يهدي له ليعوّض له أكثر من ذلك فهذا
وإن كان جائزًا فإنه لا ثواب به وقرىء ﴿وَمَا آتَيْتَمْ﴾ بالمدّ بمعنى أعطيتم، وبالقصر يعني
جئتم أي فعلتموه، وقرىء لتربوا بالتاء المضمومة وليربوا بالياء مفتوحة ونصب الواو
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ المضعف ذو الإضعاف من الحسنات، وفي هذه الجملة التفات
لخروجه من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون،
وفيه أيضًا حذف، لأنه لا بدّ من ضمير يرجع إلى ما، وتقديره المضعفون به أو فمؤتوه هم
المضعفون ﴿ظَهَر الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَخْرِ﴾ قيل البرّ البلاد البعيدة من البحر، والبحر هو
البلاد التي على ساحل البحر، وقيل البرّ اللسان والبحر القلب وهذا ضعيف، والصحيح أن
البر والبحر المعروفان، فظهور الفساد في البر بالقحط والفتن وشبه ذلك، وظهور الفساد في
البحر بالغرق وقلّة الصيد وكساد التجارات وشبه ذلك، وكل ذلك بسبب ما يفعله الناس من
الكفر والعصيان ﴿لَّ مَرَدَّ لَهُ﴾ أي لا رجوع له ولا بدّ من وقوعه ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق بقوله
يأتي أو بقوله لا مردّ له أي لا يردّه الله ﴿يَؤْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ من الصدع وهو الفرقة أي
يتفرقون: فريق في الجنة، وفريق في السعير ﴿فَلَأَنْفُسِهِم يَمْهَدُونَ﴾ أي يوطنون وهو استعارة

١٧٠
تفسير سورة الروم
لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهَِّ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
أ ◌َمِنْ ءَايَئِنْ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَحَ مُبَشْرَةٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِهِ.
الْكَفِرِينَ أَّ
وَلِيَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَّوْمِهِمِ نَاءُ وهُم بِالْبَّنَتِ
ـَ اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ فَنُثِيُ سَحَابًا
فَأَنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (
فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَرَى الْوَدَقَ يَخْرُجُ مِنْ خِذَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَنْ
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ
٤٩
فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُّحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوَهُ مُصْفَرًّا أَّظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ ﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَ
وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْيِ عَنْ ضَئِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلََّ مَنْ
٥٢
وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوَأْ مُدْبِينَ (
* اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ
٥٣
يُؤْمِنُ بِشَايَتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ
من تمهيد الفراش ونحوه، والمعنى أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يتعلق
بيمهدون أو يصدعون، أو بمحذوف ﴿مُبَشْرَاتٍ﴾ أي تبشر بالمطر ﴿وَلِيُذِيقُكُم﴾ عطفُ على
مبشرات كأنه قال ليبشركم وليذيقكم ويحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره ليذيقكم ﴿مِّن
رَحْمَتِهِ﴾ أرسلها ﴿وَكَانَ حَقًّا﴾ انتصب حقًا لأنه خبر كان واسمها نصر المؤمنين، وقيل
اسمها مضمر يعود على مصدر انتقمنا: أي وكان الانتقام حقًّا، فعلى هذا يوقف على حقًّا
ويكون نصر المؤمنين مبتدأ وهذا ضعيف.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ أي تحرّكها وتنشرها ﴿كِسَفًا﴾ أي قطعًا، وقرىء بإسكان السين وهما
بناءان للجمع، وقيل معنى الإسكان أن السحاب قطعة واحدة ﴿الْوَدْقَ﴾ هو المطر ﴿مِنْ
خِلاَلِهِ﴾ الخلال الشقاق الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلّل الأجزاء والضمير يعود على
السحاب ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ كرّر للتأكيد وليفيد سرعة تقلّب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار
﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي قانطين كقوله ﴿ينزل الغيث من بعد ما قنطوا﴾ [الروم: ٥١] ﴿فَرَأَوْهُ
مُصْفَرًّا﴾ الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر، والمعنى لئن أرسل الله ريحًا فاصفرّ به النبات
لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على الله، وقيل الضمير للريح، وقيل للسحاب والأول
أحسن في المعنى ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية: استعارة في عدم سماع الكفّار للمواعظ.
والبراهين، فشبّه الكفّار بالموتى في عدم إحساسهم ﴿خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ الضعف الأول

١٧١
تفسير سورة الروم
ـَا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
(٥٤
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوْ يُؤْفَكُونَ (٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ
لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦).
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ () وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَاذَا
اَلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَيِن جِئْتَهُم بِئَايَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ:
٠٠٠
٧٥
، فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا
٥٩
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
يَسْتَخِقَّنَّكَ الَّذِينَ لَ يُوقِنُونَ
كون الإنسان من ماء مهين، وكونه ضعيف في حال الطفولية، والضعف الثاني الأخير
الهرم، وقرىء بفتح الضاد وضمّها وهما لغتان ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ هذا جواب القسم،
ومعناه أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلاّ ساعة أي ما لبثوا في الدنيا إلاّ
ساعة، وذلك لاستقصار تلك المدّة ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي مثل هذا الصرف كانوا
يصرفون في الدنيا عن الصدق والتحقيق حتى يروا الأشياء على ما هي عليه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ﴾ هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ردّوا مقالة الكفّار التي حلفوا عليها
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني اللوح المحفوظ أو علم الله، والمجرور على هذا يتعلق بقوله لبثتم،
وقيل يعني القرآن، فعلى هذا يتعلق هذا المجرور بقوله أوتوا العلم، وفي الكلام تقديم
وتأخير، وتقديره على هذا قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله أي العلماء بكتاب الله وقولهم
لقد لبثتم: خطاب للكفّار، وقولهم فهذا يوم البعث: تقرير لهم، وهو في المعنى جواب
الشرط مقدّر تقديره إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ من العتبي
بمعنى الرضا: أي ولا يرضون وليست استفعل هنا للطلب ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني ما
وعد من النصر على الكفّار ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ من الخفّة: أي لا تضطرب لكلامهم.

سورة لقمان
مکتة إلا الآيات ٢٧ و٢٨ و٢٩
فمدنيّة وآياتها ٣٤ نزلت بعد الصّافّات
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ
٢
"آلْمَّ أَ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ
جَ أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم ◌ِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ؟
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿الْكِتَابِ الْحَكِيم﴾ ذكر في يونس ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هو الغناء،
وفي الحديث أن رسول الله وَ﴿ قال: ((شراء المغنيات وبيعهنّ حرام))، وقرأ هذه الآية،
وقيل نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول الله 3 18، فالشراء على هذا
حقيقة، وقيل نزلت في النضر بن الحارث وكان قد تعلّم أخبار فارس، فذلك هو لهو
الحديث، وشراء لهو الحديث استحبابه وسماعه، فالشراء على هذا مجاز، وقيل لهو
الحديث: الطبل، وقيل الشرك، ومعنى اللفظ يعمّ ذلك كله، وظاهر الآية أنه لهو مضاف
إلى الكفر بالدين واستخفاف، لقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وأن المراد
شخص معين لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف ﴿بِغَيْرِ عَمْدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ذكر في الرعد ﴿أَن تَمِيدَ
بِكُمْ﴾ أي لئلا تميد بكم ﴿لُقْمَانَ﴾ رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبيّ أم لا؟ وفي
الحديث لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا حسن اليقين أحبّ الله فأحبّه، فمن عليه

١٧٣
تفسير سورة لقمان
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيَّ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ
خَلِينَ فِيهَا وَعْدَ الَّهِ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَّعِيمِ (
٨
حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (أبَاخَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ وَبَثَّ فِهَا مِنْ كُلّ دَآبَةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمِ (٤) هَذَا خَلْقُ
اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ (*) وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ
الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ(١٦) وَإِذْ
قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٢) وَوَصَّيْنَا
اُلْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَىَّ
اَلْمَصِيرُ () وَإِن جَهَدَ الَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَّمٌ فَلَا تُطِعُهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِ
الدُّنْيَا مَعْرُوفَاً وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنْبِّئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٢٥)
يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا
بالحكمة، رُوِيّ أنه كان ابن أُخت أيوب أو ابن خالته، ورُوِيَ أنه كان قاضي بني إسرائيل،
واختلف في صناعته، فقيل كان نجّارًا، وقيل خيّاطًا، وقيل راعي غنم، وكان ابنه كافرًا
فما زال يوصيه حتى أسلم، ورُوِيَ أن اسم ابنه ثاران ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾ هذه الآية والتي
بعدها اعتراض في أثناء وصيّة لقمان لابنه على وجه التأكيد لما في وصية لقمان من النهي
عن الشرك بالله، ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمه حسبما ذكرنا في العنكبوت
﴿حَمَلْتْهُ أُمُّهُ وَهْتَا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي ضعفًا على ضعف، لأن الحمل كلما عظم ازدادت الحامل
به ضعفًا، وانتصاب وهنّا بفعل مضمر تقديره تهن وهنا ﴿وَفِصَالُهُ﴾ أي فطامه، وأشار بذلك
إلى غاية مدة الرضاع ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ تفسير للوصية واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله:
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَين﴾ ليبيّن ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم حقها، ولذلك كان حقها
أعظم من حق الأب ﴿يَا بُنَيَّ﴾ الآية: رجع إلى كلام لقمان، والتقدير: وقال لقمان يا بنيَّ
﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ أي وزنها، والمراد بذلك أن الله يأتي بالقليل والكثير من أعمال
العباد فعبّر بحبة الخردل ليدلّ على ما هو أكثر ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ قيل المراد الصخرة التي عليها
الأرض، وهذا ضعيف، وإنما معنى الكلام أن مثقال خردلة من الأعمال أو من الأشياء ولو
ع

١٧٤
تفسير سورة لقمان
يَبُنِىَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَّآ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهُ لَطِيفُ خَبِيرٌ الأهـ
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١) وَلَ تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ
وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ◌َ
اْحَمِيرِ (١٨) أَلَمْ تَرَوْ أَنَّاللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَنُ ظَهِرَةً وَبَاطِئَةً
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَدِلُ فِى اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدًى وَلَ كِتَبٍ مُنِيرٍ (٢) وَإِذَا قِلَ لَهُ أَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ وَهُوَ يُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىِّ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ
اُلْأُمُورِ ثَ وَمَن كَفَرَ فَلَ يَحْزَئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُ هُمْ فَنُفِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ ثَانُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٤) وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ () وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ
كانت في أخفى موضع كجوف صخرة، فإن الله يأتي بها يوم القيامة وكذلك لو كانت في
السموات أو في الأرض ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ أمر بالصبر على المصائب عمومًا، وقيل
المعنى ما يصيب مَن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ﴿مِنْ عَزْم الأُمُورِ﴾ يحتمل أن يريد
مما أمر الله به على وجه العزم والإيجاب أو من مكارم الأخلاق التي يعزم عليها أهل الحزم
والجدّ ولفظ العزم مصدر يراد به المفعول أي من معزومات الأمور ﴿وَلاَ تُصَعِّزْ خَدَّكَ
لِلنَّاسِ﴾ الصعر في اللغة الميل أي لا توَلْ الناس خدّك وتعرض عنهم تكبّرًا عليهم ﴿مَرَحًا﴾
ذكر في الإسراء ﴿مُخْتَالٍ﴾ من الخيلاء ﴿وَأَقْصِدْ فِي مَشْبِكَ﴾ أي اعتدل فيه ولا تتسرّع
إسراعًا يدلّ على البطش والخفّة، ولا تبطىء إبطاءً يدلّ على الفخر والكبر ﴿نِعَمَهُ ظَاهِرَةً
وَبَاطِئَةً﴾ الظاهرة الصحة والمال وغير ذلك، والباطنة النّعَم التي لا يطّلع عليها الناس ومنها
ستر القبيح من الأعمال، وقيل الظاهرة نِعَم الدنيا، والباطنة نِعَم العقبى، واللفظ أعم من
ذلك كله ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ﴾ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله ﴿أَوَ لَؤْ كَانَ
الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير﴾ معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار
﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يسلم أي يخلص أو يستسلم أو ينقاد، والوجه هنا عبارة عن
القصد ﴿بِالْعُزْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ذكر في البقرة ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وما بعده ذكر في العنكبوت ﴿وَلَوْ

١٧٥
تفسير سورة لقمان
مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ
أَنْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ◌َ
وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ الْبَ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِيعُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٤) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ (جـ) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِىِ
الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُ مِّنْ ءَايَتِهِ، إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٢) وَإِذَا غَشِيَهُم
قَوْحٌ كَلُلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ فَلَمَّا نَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ وَمَا يَحْحَدُ
أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ الآية إخبار بكثرة كلمات الله والمراد اتّساع علمه ومعنى
الآية أن شجر الأرض لو كانت أقلامًا، والبحر لو كان مِدادًا يصبّ فيه سبعة أبحر صبًّا دائمًا
وكتبت بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله، لأن الأشجار
والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية، فإن قيل: لِمَّ لم يقل والبحر مدادًا كما قال في
الكهف قل لو كان البحر مِداداً؟ فالجواب: أنه أغنى عن ذلك قوله يمدّه لأنه من قولك مدّ
الدّواة وأمدّها، فإن قيل لِمَ قال من شجرة ولم يقل من شجر باسم الجنس الذي يقتضي
العموم؟ فالجواب أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة، فإن
قيل: لِمَ قال كلمات الله ولم يقل كَلِمَ الله بجمع الكثرة؟ فالجواب أن هذا أبلغ لأنه إذا لم
تنفد الكلمات مع أنه جمع قلّة، فكيف ينفد الجمع الكثير ورُوِيَ أن سبب الآية أن اليهود
قالوا قد أُوتينا التوراة وفيها العلم كله فنزلت الآية لتدلّ أن ما عندهم قليل من كثير، والآية
على هذا مدنية، وقيل إن سببها أن قريشًا قالوا إن القرآن سينفد ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْتُكُمْ إلاَّ
كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ بيان لقدرة الله على بعث الناس وردّ على مَن استبعد ذلك ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي
النَّهَارِ﴾ أي يُدخِل كُلاَّ منهما في الآخر بما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر أو بإدخال
ظلمة الليل على ضوء النهار وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ يعني
يوم القيامة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ يحتمل أن تكون الباء سببية، أو يكون المعنى ذلك بأن الله
شاهد هو الحق ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد بذلك ما تحمله السفن من الطعام والتجارات
والباء للإلصاق أو للمصاحبة، أو يريد الريح فتكون الباء سببية ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ مبالغة في
صابر وشاكر ﴿كَالظُّلَلِ﴾ جمع ظلة وهو ما يعلو» من فوق شبه الموج بذلك إذا ارتفع
وعظم حتى علا فوق الإنسان ﴿فَمِنْهُم مُقْتَصِدْ﴾ المقتصد المتوسط في الأمر، فيحتمل أن
يريد كافرًا متوسطًا في كفره لم يسرف فيه أو مؤمنًا متوسطًا في إيمانه، لأن الإخلاص الذي

١٧٦
تفسير سورة لقمان
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاَخْتَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالثُّعَنْ
◌ِكَايَلِنَآ إِلَّ كُلُّ خَثَارِ كَفُورٍ
٣٢
وَلَدِهِ، وَلَ مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَِّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا
يَغُرَنَّكُمْ بِلَّهِ الْغَرُورُ ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا
تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكَسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُونٌ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيٌُّ
١٣٤
عليه في البحر كان يزول عنه وقيل معنى مقتصد مؤمن ثبت في البرّ على ما عاهد الله عليه
في البحر ﴿خَتَّارٍ﴾ أي غدّار شديد الغدر، وذلك أنه جحد نعمة الله غدرًا ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدْ
عَن وَلَدِهِ﴾ أي لا يقضي عنه شيئًا، والمعنى أنه لا ينفعه ولا يدفع عنه مضرّة ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ﴾
أي ولد فكما لا يقدر الوالد لولده على شيء كذلك لا يقدر الولد لوالده على شيء
﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان وقيل الأمل والتسويف ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي متى تكون، فإن ذلك مما
انفرد الله بعلمه، ولذلك جاء في الحديث: مفاتح الغيب خمس وتلا هذه الآية ﴿مَاذَا تَكْسِبُ
غَدًا﴾ يعني من خير أو شرّ أو مال أو ولد أو غير ذلك.
۔۔
٠٠
إ.
٤٫٠

سورة السجدة
مكتّة إلا من آية ١٦ إلى غاية ٢٠
فمدنيّة وآياتها ٣٠ نزلت بعد المؤمن
ـه <
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمـ
الّمّ )َ تَزِلُ الْكِتَبِ لَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (٥) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ
مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّ أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٢) اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك أنه من عند الله عزّ وجل،
ونفي الريب على اعتقاد أهل الحق وعلى ما هو الأمر في نفسه لا على اعتقاد أهل الباطل
﴿مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتعلق بتنزيل ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ الضمير لقريش وأم بمعنى بل والهمزة
﴿لِتُنْذِرَ﴾ يتعلق بما قبله أو بمحذوف ﴿مَا أَتَاهُم مِّن نَّذِير﴾ يعني من الفترة من زمن عيسى
وقد جاء الرُّسُل قبل ذلك إبراهيم وغيره، ولما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله رسولاً
ينذرهم ليقيم الحجة عليهم ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد ذكر في الأعراف ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِ
مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ﴾ نفي الشفاعة على وجهين أحدهما الشفاعة للكفّار وهي معدومة على
الإطلاق، والآخر: أن الشفاعة للمؤمنين لا تكون إلاّ بإذن الله كقوله: ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إلاّ مِن
بَعْدِ إذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ أي واحد الأمور، وقيل المأمور به من الطاعات،
والأول أصح ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ أي ينزل ما دبّره وقضاه من السماء إلى الأرض

١٧٨
تفسير سورة السجدة
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ.
٤
شَفِعْ أَفَلَا نَتَذَكَّرُونَ (
أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿ ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ !
◌َ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ
خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَتٍ مِّن مَّآءٍ قَهِينٍ (
جَ ثُمَّ سَوَّلهُ
وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِّةٌ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ بَ وَقَالُواْ
أَذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيثٍ بَلْ هُمْ يِلِقَآءِ رَبِهِمْ كَفِرُونَ
قُلْ يَنَوَفَّنكُمْ مَّلَكُ
اَلْمَوْتِ الَّذِى ؤكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ تَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ
عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (٨) وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلّ
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي ◌َوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال ابن عباس المعنى ينفذ الله ما
قضاه من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره لو سير
فيه السير المعروف من البشر ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عالم فالألف
ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء، وقيل إن الله يُلقِي إلى الملائكة أمور
ألف سنة من أعوام البشر وهو يوم من أيام الله، فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن
الأمور تنفذ عنده لهذه المدّة، ثم تصير إليه آخرًا لأن عاقبة الأمور إليه، فالعروج على هذا
عبارة عن مصير الأمور إليه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ﴾ الغيب ما غاب عن المخلوقين،
والشهادة ما شاهدوه ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي أتقن جميع المخلوقات، وقرىء بإسكان
اللام على البدل ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿نَسْلَهُ﴾ يعني ذرّيّته
﴿مِن سُلاَلَةٍ مِن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ يعني المنيّ، والسلالة مشتقة من سلّ يسلّ، فكأن الماء يسلّ من
الإنسان، والمهين الضعيف ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي قوّمه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ عبارة عن إيجاد
الحياة فيه، وأُضيقت الروح إلى الله إضافة ملك إلى ملك، وقد يراد بها الاختصاص، لأنّ
الروح لا يعلم كنهه إلاّ الله ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ أي تلفنا وصرنا ترابًا، ومعنى هذا
الكلام المحكيّ عن الكفّار استبعاد البعث، والعامل في إذا معنى قولهم: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ
جَدِيدٍ﴾ تقديره نبعث ﴿يَتَوَنَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ اسمه عزرائيل وتحت يده ملائكة ﴿وَلَوْ
تَرَى﴾ يحتمل أن تكون لو للتمنّي وتأويله في حق الله كتأويل الترجي، وقد ذكر، أو تكون
للامتناع وجوابها محذوف تقديره ولو ترى حال المجرمين في الآخرة لرأيت أمرًا مهولاً
﴿فَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ﴾ عبارة عن الذلّ والغمّ والندم ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ تقدیرہ یقولون ربّنا

١٧٩
تفسير سورة السجدة
أَ فَذُوقُواْ
١٣
نَفْسِ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
بِمَا نَسِبِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِشَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ ٨) نَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ
يُنْفِقُونَ ﴿ فَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ («لَا أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا
﴿ أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى نُزْلَا
١٨
كَمَن كَانَ فَاسِقَأَ لَّا يَسْتَوُنَ
وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوْأَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا وَقِيلَ
١٩
بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ
قد علمنا الحقائق ﴿لَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يعني أنه لو أراد أن يهدي جميع الخلائق
لفعل، فإنه قادر على ذلك بأن يجعل الإيمان في قلوبهم ويدفع عنهم الشيطان والشهوات،
ولكن يضلّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ أي يقال لهم ذوقوا، والنسيان
هنا بمعنى الترك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عن المضاجع﴾ أي ترتفع والمعنى يتركون مضاجعهم
بالليل من كثرة صلاتهم النوافل، ومَن صلّى العشاء والصبح في جماعة فقد أخذ بحظه من
هذا ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ يعني أنه لا يعلم أحد مقدار ما يعطيهم الله
من النَّعيم وقرىء أخفى بإسكان الياء على أن يكون فعل المتكلم وهو الله تعالى ﴿أَفَمَن كَانَ
مُؤْمِنًا﴾ الآية: يعني المؤمنين والفاسقين على العموم، وقيل يعني عليّ بن أبي طالب
وعقبة بن أبي معيط ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ الذي نعت بالعذاب،
ولذلك أعاد عليه الضمير المذكور في قوله به، فإن قيل: لِمَ وصف هنا العذاب وأعاد عليه
الضمير، ووصف في سبأ النار وأعاد عليها الضمير، وقال عذاب النار التي كنتم بها
تكذبون؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه خصّ العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به
لما تكرر ذكره في قوله ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، والثاني أنه قدّم
في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ الضمير، لكنه جعل الظاهر
مكان المضمر فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه وهو النار، ووصف العذاب
ولم يصف النار، الثالث وهو الأقوى أنه امتنع في السجدة وصف النار فوصف العذاب،
وإنما امتنع وصفها لتقدّم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئًا ثم كرّرت ذكره لم يجز وصفه،
كقولك رأيت رجلاً فأكرمت الرجل، فلا يجوز وصفه لئلا يُفهَم أنه غيره ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ

١٨٠
تفسير سورة السجدة
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ
٢١
اَلْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِنْيَةٍ مِنْ لِّقَابِةٍ وَحَعَلْنَهُ
اٌلْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
هُدِّى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِنَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَلِنَا
٢٣
يُوقِنُونَ (٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍّ أَفَلاَ
! أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ
يَسْمَعُونَ
٢٦
أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴿ وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ الْجَّقُلْ
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانَظِرْ إِنَّهُم
يَوْمَ اُلْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ
مُنْتَظِرُونَ
الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ يعني الجوع ومصائب الدنيا وقيل القتل يوم بدر، وقيل عذاب القبر وهذا
بعيد لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ هذا وعيد لمَن ذكر بآيات ربه
فأعرض عنها، وكان الأصل أن يقول إنّا منه منتقمون، ولكنه وضع المجرمين موضع
المضمر ليصفهم بالإجرام، وقدّم المجرور على منتقمون للمبالغة ﴿فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِّن
لْثَائِهِ﴾ المرية الشك، والضمير لموسى: أي لا تمترِ في لقائك موسى ليلة الإسراء وقيل
المعنى لا تشك في لقاء موسى والكتاب الذي أُنزل عليه، والكتاب على هذا التوراة، وقيل
الكتاب هنا جنس، والمعنى: لقد آتينا موسى الكتاب فلا تشك أنت في لقائك الكتاب الذي
أُنزل عليك، وعبّر باللقاء عن إنزال الكتاب كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلِقِي القُرْآنِ﴾ [النمل: ٦].
﴿يَفْصِلُ بَيْتَهُمْ﴾ الضمير لجميع الخلق، وقيل لبني إسرائيل خاصة ﴿أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾
ذكر في طه ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ الضمير في يمشون لأهل مكة: أي يمشون في مساكن
القوم المهلكين: كقوله: ﴿وَقَدْ تَبَيْن لَكُم مِن مسَاكِنِهِم﴾ [طه: ١٢٨] وقيل الضمير
للمهلكين: أي أهلكناهم وهم يمشون في مساكنهم، والأول أحسن، لأن فيه حجة على
أهل مكة ﴿الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يعني التي لا نبات فيها من شدّة العطش ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي
الحكم بين المسلمين والكفّار في الآخرة، وقيل يعني فتح مكة، وهذا بعيد لقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ
الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ وذلك في الآخرة، وقيل يعني فتح مكة، لأن مَن آمن
يوم فتح مكة نفعه إيمانه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُم مُّنْتَظِرُونَ﴾ أي
انتظر هلاکهم إنهم ينتظرون هلاکك، وفي هذا تهدید لهم.
۔