النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تفسير سورة النور
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ (٤) أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى
الشَمَوَنِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ
(٦٤
عليه السلام باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا باسمه بل قولوا يا رسول الله أو يا نبيّ الله
تعظيمًا ودعاءً بأشرف أسمائه، وقيل المعنى لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم
على بعض: أي دعاؤه عليكم يجاب فاحذروه، ولفظ الآية بعيد عن هذا المعنى على أن
المعنى صحيح ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ الذين ينصرفون عن حفر
الخندق، واللواذ الروغان والمخالفة، وقيل الانصراف في خفية ﴿فَلْيَخْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ﴾ الضمير لله ولرسوله وَّر، واختلف في عن هنا، فقيل إنها زائدة وهذا ضعيف،
وقال ابن عطية: معناه يقع خلافهم بعد أمره كما تقول: كان المطر عن ريح، قال
الزمخشري يقال خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه وخالفه عن الأمر إذا صدر الناس عنه،
فمعنى يخالفون عن أمره يصدّون الناس عنه، فحذف المفعول لأن الغرض ذكر المخالف
﴿فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الفتنة في الدنيا بالرزايا أو بالفضيحة أو القتل أو العذاب في
الآخرة ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ دخلت قد للتأكيد، وفي الكلام معنى الوعيد، وقيل معناها
التقليل على وجه التهكم والخطاب لجميع الخلق، أو للمنافقين خاصّة ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ
إِلَيْهِ﴾ يعني المنافقين، والعامل في الظرف بينهم.

سورة الفرقان
مكنة إلاّ الآيات ٦٨ و٦٩ و٧٠
فمدنيّة وآياتها ٧٧ نزلت بعد يس
◌ِاللهِ الرَّحْمِ الرَّحَـ
تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا (٥) الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيْرًا (٤) وَأْتَّخَذُواْ مِن دُونِ:
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿تَبَارَكَ﴾ من البركة وهو فعل مختص بالله تعالى لم ينطق له بالمضارع ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾
يعني محمدًا صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم وذلك على وجه التشريف له والاختصاص
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الضمير لمحمد بَّه أو للقرآن، والأول أظهر وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾
عموم يشمل الجن والإنس ممّن كان في عصره، وممّن يأتي بعده إلى يوم القيامة، وتضمن
صدر هذه السورة إثبات النبوّة والتوحيد، والردّ على مَن خالف في ذلك ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾
الخلق عبارة عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير عبارة عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل
مخلوق بمقداره، وصفته، وزمانه ومكانه، ومصلحته، وأجله، وغير ذلك ﴿وَاتَّخَذُوا﴾
الضمير لقريش وغيرهم ممّن أشرك بالله تعالى ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعنون قومًا من
اليهود منهم عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وزَورَا﴾ أي ظلموا
النبي وَ ﴿ فيما نسبوا إليه وكذبوا في ذلك عليه ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي ما سطّره

١٠٣
تفسير سورة الفرقان
ءَالِهَةٌ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا
وَلاَ حَيَوَةً وَلَ نُشُورًا (٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونَ
فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا (٥) وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا (٤) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٤) وَقَالُواْ
مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ.
نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَفُّْ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن
تَتَِّعُونَ إِلَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤) أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلًا (٤) تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل
الأوّلون في كتبهم، وكان الذي يقول هذه المقالة النضر بن الحارث ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أي كتبها له
كاتب. ثم صارت تُملَى عليه ليحفظها، وهذا حكاية كلام الكفّار، وقال الحسن إنها من
قول الله على وجه الردّ عليهم، ولو كان ذلك لقال أكتتبها بفتح الهمزة لمعنى الإنكار، وقد
يجوز حذف الهمزة في مثل هذا وينبغي على قول الحسن أن يوقف على أساطير الأولين
﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ردّ على الكفّار في قولهم ويعني بالسرّ: ما أسرّه الكفّار من
أقوالهم، أو يكون ذلك على وجه التنصّل والبراءة مما نسبه الكفّار إليه من الافتراء أي أن
الله يعلم سرّي فهو العالم بأني ما افتريت عليه، بل هو أنزله عليّ، فإن قيل ما مناسبة قوله:
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لما قبله؟ فالجواب أنه لما ذكر أقوال الكفّار: أعقبها بذلك، لبيان
أنه غفور رحيم في كونه لم يعجل عليهم بالعقوبة بل أمهلهم، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر
لهم ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذِا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية: قالت هذا الكلام قريش طعنًا على
النبي ◌َِّ وقد ردّ الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبَلَكَ مِنَ المُرْسَلِين إلّ إنّهم لِيَأْكُلُون الطَّعَامَ
ويَمْشُون في الأَسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقولهم: ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾ على وجه التهكّم كقول
فرعون إن رسولكم الذي أُرسِلَ إليكم، أو يعنون الرسول بزعمه، ثم ذكر ما اقترحوا من
الأمور في قولهم: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وما بعده، ثم وصفهم بالظلم، وقد ذكرنا معنى
مسحورًا في سبحان.
﴿ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ أي قالوا فيك تلك الأقوال ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ أي لا
يقدرون على الوصول إلى الحق لبُعدهم عنه وإفراط جهلهم ﴿خَيْرًا مُنْ ذَلِكَ﴾ الإشارة إلى

١٠٤
تفسير سورة الفرقان
ـَ بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (٥) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ
١٠
◌َّكَ قُصُورًا
بَعِيدٍ سَمِعُواْلَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (١٦) وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّبِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ تُبُورًا ◌َ لَّا
نَدْعُوْ اَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرً (٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌّ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ
اُلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءُ وَمَصِيرًا (٤٥) لَّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِنَّ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا
مَّسْئُولًا (٨) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاءِ
أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ﴿لَ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَآ أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن
ما ذكره الكفّار من الكنز والجنة في الدنيا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنَّهَارُ﴾ يعني جنّات
الآخرة وقصورها وقيل يعني جنّات، وقصورًا في الدنيا، ولذلك قال إن شاء ﴿إِذَا رَأَتْهُم﴾
أي إذا رأتهم جهنم وهذه الرؤية يحتمل أن تكون حقيقة أو مجازًا بمعنى صارت منهم بقدر
ما يرى على البعد ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُظًا وَزَفِيرًا﴾ التغيّظ لا يسمع وإنما المسموع
أصوات دالّة عليه ففي لفظه تجوّز، والزفير أول صوت الحمار ﴿مَكَانًا ضَبْقًا﴾ تضيق
عليهم زيادة في عذابهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي مربوط بعضهم إلى بعض، ورُوِيَ أن ذلك بسلاسل
من النار ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ الثبور الويل وقيل الهلاك، ومعنى دعائهم ثبورًا: أنهم
يقولون يا ثبوراه كقول القائل واحسرتاه واأسفاه ﴿لاَّ تَذْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ تقدیرہ یڤال
لهم ذلك أو يكون حالهم يقتضي ذلك وإن لم يكن ثم قول وإنما ادعوا ثبورًا كثيرًا لأن
عذابهم دائم، فالثبور يتجدّد عليهم في كل حين ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ إنما جاز
هنا التفضيل بين الجنة والنار، لأن الكلام توقيف وتوبيخ، وإنما يمنع التفضيل بين شيئين
ليس بينهما اشتراك في المعنى إذا كان الكلام خبرًا ﴿وَعْدًا مَّسْتُولاً﴾ أي سأله المؤمنين أو
الملائكة في قولهم وأدخلهم جنات عدن، وقيل معناه وعدًا: واجب الوقوع لأنه حتمه
﴿فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ﴾ القائل لذلك هو الله عز وجل، والمخاطب هم
المعبودون مع الله على العموم، وقيل الأصنام خاصّة، والأول أرجح لقوله: ﴿ثُمّ يَقُولُ
لِلمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاءِ إيّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون﴾ [سبأ: ٤٠] وقوله: ﴿أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
وأُمِّي إِلّهُيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿أَمْ هُمْ ضَلُوا السَبِيلَ﴾ أم هنا معادلة لما قبلها،
والمعنى أن الله يقول يوم القيامة للمعبودين أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلّوا من تلقاء
أنفسهم باختيارهم ولم تضلّوهم أنتم، ولأجل ذلك بيّن هذا المعنى بقوله: ﴿هُمْ﴾ ليتحقّق
إسناد الضلال إليهم، فإنما سألهم الله هذا السؤال مع علمه بالأمور ليوبّخ الكفّار الذين

١٠٥
تفسير سورة الفرقان
مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا (٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا
تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِمِ مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١) وَمَا أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِّ وَجَعَلْنَا
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ ذَا
بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونُ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٥).
لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَكَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدٍ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا (٩) يَوْمَ يَرَوْنَ
عبدوهم ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أَوْلِيَاءَ﴾ القائلون لهذا هم
المعبودون: قالوه على وجه التبرّي ممّن عبدهم كقولهم أنت وليّنا من دونهم، والمراد
بذلك توبيخ الكفّار يومئذ، وإقامة الحجة عليهم ﴿وَلَكِنَّ مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ معناه أن إمتاعهم
بالنّعم في الدنيا كان سبب نسيانهم لذكر الله وعبادته ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أي هالكين، وهو من
البوار وهو الهلاك، واختلف هل هو جمع بائر أو مصدر وصف به ولذلك يقع على الواحد
والجماعة ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ هذا خطاب خاطب الله به المشركين يوم القيامة أي
قد كذّبكم آلهتكم التي عبدتم من دون الله، وتبرؤوا منكم وقيل هو خطاب للمعبودين: أي
كذّبوكم في هذه المقالة لما عبدوكم في الدنيا، وقيل هو خطاب للمسلمين: أي قد كذّبكم
الكفّار فيما تقولونه من التوحيد والشريعة، وقرىء بما يقولون بالياء من أسفل، والباء في
قوله بما تقولون على القراءة بالتاء بدل من الضمير في كذّبوكم، وعلى القراءة بالياء كقولك
كتبت بالقلم، أو كذبوكم بقولهم: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا﴾ قرىء فما تستطيعون
بالتاء فوق، ويحتمل على هذا أن يكون الخطاب للمشركين أو للمعبودين؛ والصرف على
هذين الوجهين صرف العذاب عنهم، أو يكون الخطاب للمسلمين والصرف على هذا رد
التكذيب، وقرىء بالياء وهو مسند إلى المعبودين أو إلى المشركين والصرف صرف العذاب
﴿وَمَنْ يَظْلِم مُنْكُمْ﴾ خطاب للكفّار وقيل للمؤمنين وقيل على العموم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾ تقديره وما أرسلنا رُسُلاً أو رجالاً قبلك، وعلى هذا المفعول المحذوف يعود
الضمير في قوله: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، وهذه الآية ردّ على الكفّار في استبعادهم
بعث رسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هذا خطاب
لجميع الناس لاختلاف أحوالهم، فالغني فتنة للفقير، والصحيح فتنة للمريض، والرسول
فتنة لغيره ممّن يحسده ويكفر به ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ تقديره لننظر هل تصبرون ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾
قيل معناه لا يخافون، والصحيح أنه على بابه لأن لقاء الله يُرجى ويُخاف ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا
الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ اقترح الكفّار نزول الملائكة أو رؤية الله، وحينئذ يؤمنون فرد الله

١٠٦
تفسير سورة الفرقان
◌َ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
٢٢
الْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَخْجُورًا
فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْشُورًا شَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٨) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
◌َ الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ اُلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِينَ
السَّمَآءُ بِالْغَمَِ وَزْلَ الْلَئِكَةُ تَنزِيلًا
٢٥
عَسِيرًا ) وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَّبِيلًا (٣٦) يَوَيْلَيْتَِى
لَمْ أَتَّخِذْ قُلَانَا خَلِيلًا (٦) لَّقَدْ أَضَلَّفِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَفِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ
عليهم بقوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ الآية: أي طلبوا ما لا ينبغي لهم أن يطلبوه، وقوله في
أنفسهم كما تقول فلان عظيم في نفسه أي عدد نفسه أو بمعنى أنهم أضمروا الكفر في
أنفسهم ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ للْمُجْرِمِينَ﴾ لما طلبوا رؤية الملائكة أخبر الله
أنهم لا بشرى لهم يوم يرونهم، فالعامل في يوم معنى لا بشرى، ويومئذ بدل ﴿وَيَقُولُونَ
حِجْرًا مَّخجُورًا﴾ الضمير في يقولون إن كان للملائكة، فالمعنى أنهم يقولون للمجرمين
حجرًا محجورًا أي حرام عليكم الجنة أو البشرى، وإن كان الضمير للمجرمين، فالمعنى
أنهم يقولون حجرًا بمعنى عوذًا لأن العرب كانت تتعوّذ بهذه الكلمة مما تكره، وانتصابه
بفعل متروك إظهاره نحو معاذ الله ﴿وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا﴾ أي قصدنا إلى أفعالهم فلفظ
القدوم مجاز، وقيل هو قدوم الملائكة أسنده الله إلى نفسه لأنه عن أمره ﴿فَجَعَلْتَاهُ هَبَاءٌ
مَّتْثُورًا﴾ عبارة عن عدم قبول ما عملوا من الحسنات كإطعام المساكين وصلة الأرحام وغير
ذلك، وأنها لا تنفعهم لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، والهباء هي الأجرام الدقيقة من
الغبار التي لا تظهر إلاّ حين تدخل الشمس على موضع ضيق كالكوّة، والمنثور المتفرّق
﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ جاء هنا التفضيل بين الجنة والنار، لأن هذا مستقرّ وهذا مستقرّ ﴿وَأَخْسَنٌ
مَقِيلاً﴾ هو مفعل من النوم في القائلة وإن كانت الجنة لا نوم فيها، ولكن جاء على ما
تتعارفه العرب من الاستراحة وقت القائلة في الأمكنة الباردة، وقيل إن حساب الخلق يكمل
في وقت ارتفاع النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ
السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ هو يوم القيامة وانشقاق السماء: انفطارها، ومعنى بالغمام أي يخرج منها
الغمام، وهو السحاب الرقيق الأبيض وحينئذ تنزل الملائكة إلى الأرض ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى بَدَيْهِ﴾ عضّ اليدين كناية عن الندم والحسرة، والظالم هنا عقبة بن أبي معيط، وقيل
كل ظالم والظلم هنا الكفر ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ هو محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، أو
اسم جنس على العموم ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً﴾ رُوِيَ أن عقبة جنح إلى الإسلام فتهاه
أَبيّ بن خلف وأميّة بن خلف فهو فلان، وقيل إن عقبة نهى أبيّ بن خلف عن الإسلام،

١٠٧
تفسير سورة الفرقان
(ج) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ
خَذُولًا ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا!
عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّّ ◌ِثْنَكَ
٣٢
بْلَةُ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِتُنَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَفٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْتِيلًا (!
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَبِكَ شَرٌ مَكَانًا
٣٣
بِآلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٤) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا ﴿ فَقُلْنَا
فالظالم على هذا أَبيّ وفلان عقبة، وإن كان الظالم على العموم ففلانًا على العموم أي خليل
كل كافر ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ يحتمل أن يكون هذا من قول الظالم أو ابتداء
إخبار من قول الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالشيطان إبليس أو الخليل المذكور ﴿وَقَالَ
الرَّسُولُ﴾ قيل إن هذا حكاية قوله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم في الدنيا، وقيل في
الآخرة ﴿مَهْجُورًا﴾ من الهجر بمعنى البعد والترك وقيل من الهجر بضم الهاء أي قالوا فيه
الهجر حين قالوا إنه شعر وسحر والأول أظهر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ العدو هنا
جمع، والمراد تسلية النبي وَّر بالتأسّي بغيره من الأنبياء ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وعد
لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالهدى والنصرة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزَّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هذا من اعتراضات قريش لأنهم قالوا لو كان القرآن من عند الله لنزل جملة
واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل ﴿كَذَلِكَ لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هذا جواب لهم تقديره أنزلناه
كذلك مفرّقًا لنثبت به فؤاد محمد وَّهِ لحفظه: ولو نزل جملة واحدة لتعذّر عليه حفظه لأنه
أُمّي لا يقرأ، فحفظ المفرّق عليه أسهل، وأيضًا فإنه نزل بأسباب مختلفة تقتضي أن ينزل
كل جزء منه عند حدوث سببه، وأيضًا منه ناسخ ومنسوخ ولا يتأتى ذلك فيما نزل جملة
واحدة ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَزْتِيلاً﴾ أي فرّقناه تفريقًا فإنه نزل بطول عشرين سنة وهذا الفعل معطوف
على الفعل المقدّر الذي يتعلق به كذلك وبه يتعلق لنثبت ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلِ﴾ الآية معناه لا
يوردون عليك سؤالاً أو اعتراضًا إلاّ أتيناك في جوابه بالحق، والتفسير الحسن الذي يُذهِب
اعتراضهم ويُبطل شبهتهم ﴿الَّذِينَ يُخْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ يعني الكفار، وحشرهم على
وجوههم حقيقة لأنه جاء في الحديث قيل يا رسول الله: كيف يُحشَر الكافر على وجهه:
((قال أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادرًا على أن يُمشيه في الآخرة على وجهه))
﴿شَرِّ مَّكَانًا﴾ يحتمل أن يريد بالمكان المنزلة والشرف أو الدار والمسكن في الآخرة
﴿وَزِيرًا﴾ معينًا ﴿إِلَى القَوْم﴾ يعني فرعون وقومه، وفي الكلام حذف تقديره: فذهبا إليهم

١٠٨
تفسير سورة الفرقان
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ
٣٦
أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا
أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ وَأَعْتَدْنَا لِلَّلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٦َ وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ
الرَّسِ وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (١٨) وَكُلَّاً ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّ تَبَّرْنَا تَخْبِيرًا (ثَ وَلَقَدْ أَنْوَّأْ
عَلَى الْقَرْبَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوْلَا يَرْجُونَ نُشُورًا
٤٠
وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا (٤) إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ
ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبْنَا عَلَيْهَأْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
٤٢
أَرَبَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَلَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْتَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَّ
فكذّبوهما فدمّرناهم ﴿كَذَّبُوا الرَّسُلَ﴾ تأويله كما ذكر في قوله في هود فعصوا رسله
﴿وَأَعْتَذْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يريد بالظالمين مَن تقدّم ووضع هذا الاسم الظاهر موضع
المضمر لقصد وصفهم بالظلم، أو يريد الظالمين على العموم ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِ﴾ معنى
الرس في اللغة البئر، واختلف في أصحاب الرس: فقيل هم من بقية ثمود وقيل من أهل
اليمامة، وقيل من أهل أنطاكية، وهم أصحاب يس، واختلف في قصتهم فقيل بعث الله
إليهم نبيًّا فرموه في بئر فأهلكهم الله، وقيل كانوا حول بئر لهم فانهارت بهم فهلكوا
﴿وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ يقتضي التكثير والإبهام، والإشارة بذلك إلى المذكور قبل من
الأمم ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ﴾ أي بيّنًا له ﴿تَبَّرْنَا﴾ أي أهلكنا ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ الضمير
في أتوا لقريش وغيرهم من الكفّار، والقرية قرية قوم لوط، ومطر السوء الحجارة ثم وقفهم
على رؤيتهم لها لأنها في طريقهم إلى الشام، ثم أخبر أن سبب عدم اعتبارهم بها كفرهم
بالنشور ويرجون كقوله: ﴿يَرجونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، وقد ذكر ﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ حكاية
قولهم على وجه الاستهزاء، فالجملة في موضع مفعول لقول محذوف يدلّ عليه هذا،
وقوله: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢]، استئناف جملة أخرى وتمّ كلامهم، واستأنف
كلام الله تعالى في قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الآية على وجه التهديد لهم ﴿اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاءُ﴾
أي أطاع هواه حتى صار كأنه له إله ﴿بَلْ هُم أَضَلُ﴾ لأن الأنعام ليس لها عقول وهؤلاء لهم
عقول ضيّعوها، ولأن الأنعام تطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرّها، وهؤلاء يتركون أنفع
الأشياء وهو الثواب، ولا يخافون أضرّ الأشياء وهو العقاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي إلى
صنع ربك وقدرته ﴿مَدَّ الظَّلَّ﴾ قيل مدّه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لأن الظل حينئذ

١٠٩
تفسير سورة الفرقان
٤٦
◌َثُمَّ قَبَضْتَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
٤٥
الظِّلَ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (
وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (﴾ وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ اُلْرِيَحَ
بُشْرَا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا (٨) لِنُحْعِىَ بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْتًا وَنُسْفِيَهُ مِمَّا
خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا (١) وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكُرُواْ فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا
كُفُورًا جَ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا (٥) فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ،
جِهَادًا كَبِيرً (٥) ﴾ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا
على الأرض كلها، واعترضه ابن عطية لأن ذلك الوقت من الليل، ولا يقال ظلّ بالليل،
واختار أن مدّ الظلّ من الإسفار إلى طلوع الشمس وبعد مغيبها بيسير، وقيل معنى مدّ الظلّ:
أي جعله يمتدّ وينبسط ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي ثابتًا غير زائل لكنه جعله يزول
بالشمس، وقيل معنى ساكن غير منبسط على الأرض، بل يلتصق بأصل الحائط والشجرة
ونحوها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ قيل معناه أن الناس يستدلّون بالشمس وبأحوالها في
سيرها على الظل متى يتّسع ومتى ينقبض ومتى يزول عن مكان إلى آخر فيبنون على ذلك
انتفاعهم به وجلوسهم فيه، وقيل معناه لولا الشمس لم يعرف أن الظلّ شيء لأن الأشياء لم
تعرف إلاّ بأضدادها ﴿ثُمَّ قَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قبضه نسخه وإزالته بالشمس؛ ومعنى
يسيرًا شيئًا بعد شيء لا دفعة واحدة، فإن قيل: ما معنى ثم في هذه المواضع الثلاثة؟
فالجواب أنه يحتمل أن تكون للترتيب في الزمان أي جعل الله هذه الأحوال حالاً بعد حال،
أو تكون لبيان التفاضل بين هذه الأحوال الثلاثة وأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم
من الثاني ﴿اللَّيْلَ لِيَاسًا﴾ شبّه ظلام الليل باللباس، لأنه يستر كل شيء كاللباس ﴿وَالنَّوْمَ
سُبَاتًا﴾ قيل راحة وقيل موتًا لقوله: ﴿يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوتها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ويدلّ عليه مقابلته بالنشور ﴿الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ ذكر في الأعراف ﴿مَاءَ طَهُورًا﴾
مبالغة في طاهر وقيل معناه مطهّر للناس في الوضوء وغيره. وبهذا المعنى يقول الفقهاء:
ماءً طهورًا، أي مطهّر، وكل مطهر طاهر، وليس كل طاهر مطهر ﴿أَنَاسِيَّ﴾ قيل جمع
إنسي، وقيل جمع إنسان، والأول أصحّ.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن، وقيل للمطر وهو بعيد ﴿وَلَوْ شِئْتَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ
نَّذِيرًا﴾ أي لو شئنا لخففنا عنك أثقال الرسالة ببعث جماعة من الرُّسُل ولكنّا خصصناك بها
كرامةً لك فاصبر ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ الضمير للقرآن أو لما دلّ عليه الكلام المتقدّم ﴿مَرَجَ

١١٠
تفسير سورة الفرقان
٥٤
وَحِجْرً تَّحْجُورًا (﴿ وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًاً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا:
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا (٥) وَمَآ أَزْسَلْيَكَ
إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٢) قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّ مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَيْهِ، سَبِيلًا
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَمِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا (٥) الَّذِى خَلَقَ
الْبَحْرَيْنِ﴾ اضطرب الناس في هذه الآية لأنه لا يعلم في الدنيا بحر ملح وبحر عذب وإنما
البحار المعروفة ماءها ملح، قال ابن عباس أراد بالبحر الملح الأجاج أبحر الأرض، والبحر
العذب الفرات بحر السحاب، وقيل البحر الملح البحر المعروف، والبحر العذب مياه
الأرض، وقيل البحر الملح جميع الماء الملح من الآبار وغيرها، والبحر العذب هو مياه
الأرض من الأنهار والعيون، ومعنى العذب البالغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة،
والأجاج نقيضه، واختلف في معنى مرجهما، فقيل جعلهما متجاورين متلاصقين، وقيل
أسال أحدهما في الآخر ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَّا بَرْزًَّا وَحِجْرًا مُخجُورًا﴾ أي فاصلاً يفصل بينهما
وهو ما بينهما من الأرض بحيث لا يختلطان، وقيل البرزخ يعلمه الله ولا يرأه البشر ﴿خَلَقَ
مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ إن أراد بالبشر آدم فالمراد بالماء الماء الذي خلق به مع التراب فصار طينًا،
وإن أراد بالبشر بني آدم، فالمراد بالماء المنيّ الذي يخلقون منه ﴿فَجَعَلَةُ نَسَبًا وَضِهْرًا﴾
النسب والصهر يعمّان كل قربى: أي كل قرابة، والنسب أن يجتمع إنسان مع آخر في أب
أو أُمّ قرب ذلك أو بعد، والصهر هو الاختلاط بالنكاح، وقيل أراد بالنسب الذكور أي ذوي
نسب ينتسب إليهم، وأراد بالصهر الإناث: أي ذوات صهر يصاهز بهنّ، وهو كقوله:
﴿فَجْعَلَ مِنْهُ الزّوْجَينِ الذَّكَرِ والأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩] ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الكافر
هنا الجنس، وقيل المراد أبو جهل، والظهير المعين أي يعين الشيطان على ربه بالعداوة
والشرك، ولفظه يقع للواحد والجماعة كقوله: ﴿وَالمَلائِكَة بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي لا أسألكم على الإيمان أُجرة ولا منفعة ﴿إِلاَّ مَن شَاءَ أَن
يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ معناه إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلاً بالتقرّب إليه وعبادته،
فالاستثناء منقطع، وقيل المعنى أن تتخذوا إلى ربكم سبيلاً بالصدقة، فالاستثناء على هذا
متصل، والأول أظهر، وفي الكلام محذوف تقديره إلاّ سؤال مَن شاء وشبه ذلك ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ قرأ هذه الآية بعض السّلف فقال لا ينبغي لذي عقل أن يثق
بعدها بمخلوق فإنه يموت ﴿وَسَبِّخْ بِحَمْدِهِ﴾ أي قل سبحان الله وبحمده، والتسبيح التنزيه
على كل ما لا يليق به، ومعنى بحمده أي بحمد أقول ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى
-٠ -.

١١١
تفسير سورة الفرقان
٩
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامِ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَ هُمْ نُفُورًا ﴾ (٥) نَبَارَكَ الَّذِى
جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٤) وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ
لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا () وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا
سبّحه متلبّسًا بحمده، فهو أمر بأن يجمع بين التسبيح والحمد ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ
خَبِيرًا﴾ يحتمل أن يكون المراد بهذا بيان حلمه وعفوه عن عباده مع علمه بذنوبهم أو بكون
المراد تهديد العباد لعلم الله بذنوبهم ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ذكر في الأعراف ﴿الرَّحْمَنُ﴾
خبر ابتداء مضمر، أو بدل من الضمير في استوى ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيه معنيان: أحدهما
وهو الأظهر: أن المراد اسأل عنه مَن هو خبير عارف به، وانتصب خبيرًا على المفعولية،
وهذا الخبير المسؤول هو جبريل عليه السلام والعلماء وأهل الكتاب والباء في قوله به :
يحتمل أن تتعلق بخبيرًا، أو تتعلق بالسؤال، ويكون معناها على هذا معنى عن، والمعنى
الثاني، أن المراد اسأل بسؤاله خبيرًا أي إن سألته تعالى تجده خبيرًا بكل شيء، فانتصب
خبيرًا على الحال، وهو كقولك لو رأيت فلانًا رأيت به أسدًا: أي رأيت برؤيته أسدًا ﴿قَالُوا
وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرته قريش، وقالوا لا نعرف الرحمن، وكان
مسيلمة الكذاب قد تسمّى بالرحمن، فقالوا على وجه المغالطة إنما الرحمن الرجل الذي
باليمامة ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرْنَا﴾ تقديره لما تأمرنا أن نسجد له ﴿وَزَادَهُم نُفُورًا﴾ الضمير
المفعول في زادهم يعود على المقول وهو اسجدوا للرحمن ﴿بُرُوجًا﴾ يعني المنازل الاثني
عشر، وقيل الكواكب العظام ﴿سِرَاجًا﴾ يعني الشمس، وقرىء بضم السين والراء على
الجمع: يعني جميع الأنوار ثم خصّ القمر بالذكر تشريفًا ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خَلْفَةَ﴾ أي
يخلف هذا هذا، وقيل هو من الاختلاف، لأن هذا أبيض وهذا أسود، والخلفة اسم الهيئة:
كالركبة والجلسة، والأصل جعلهما ذوي خلفة ﴿لَمَنْ أَرَادَ أَن يَذَكَّرَ﴾ قيل معناه يعتبر في
المصنوعات، وقيل معناه يتذكر لما فاته من الصلوات وغيرها في الليل فيستدركه في النهار
أو فاته بالنهار فيستذكره بالليل، وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي عباده المرضيون عنده، فالعبودية هنا للتشريف والكرامة، وعباد مبتدأ
وخبره الذين يمشون، أو قوله في آخر السورة أولئك يجزون الغرفة ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي رفقًا ولينًا بحلم ووقار، ويحتمل أن يكون ذلك وصف مشيهم على
الأرض أو وصف أخلاقهم في جميع أحوالهم، وعبّر بالمشي على الأرض عن جميع

١١٢
تفسير سورة الفرقان
وَالَّذِينَ يَسِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمَا نَ وَالَّذِينَ
(٦٣
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٤٥) إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا
وَمُقَامًا () وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا () وَأَلَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ
لا
١) يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَكَانًا (٦َ إِلَّ مَن تَابَ
(٦٨
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتُّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا ثَ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَثُبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابَالْأَ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
تصرّفهم مدة حياتهم ﴿قَالُوا سَلاَمًا﴾ أي قالوا قولاً سديدا ليدفع الجاهل برفق، وقيل معناه
قالوا للجاهل سلامًا أي هذا اللفظ بعينه بمعنى سلمنا منكم قال بعضهم هذه الآية منسوخة
بالسيف، وإنما يصحّ النسخ في حقّ الكفّار، وأما الإغضاء عن السفهاء والحلم عنهم
فمستحسن غير منسوخ ﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ وما بعده يحتمل أن يكون من كلامهم أو من كلام الله
عزّ وجل ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي هلاكًا وخسرانًا، وقيل ملازمًا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَم يُسْرِفُوا وَلَم
يَقْتُرُوا﴾ الإقتار هو التضييق في النفقة والشحّ وضدّه الإسراف فنهى عن الطرفين وأمر
بالتوسّط بينهما وهو القوام، وذلك في الإنفاق في المُباحات وفي الطاعات، وأما الإنفاق
في المعاصي فهو إسراف، وإن قلّ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي عقابًا، وقيل الأثام
الإثم فمعناه يلق جزاء أثام؛ وقيل الأثام: وادٍ في جهنم، والإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكر
من الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا ﴿وَيَخْلُذْ فِيهِ مُهَانًا﴾ قيل نزلت في الكفّار لأنهم
المخلدون في النار بإجماع، فكأنه قال الذين يجمعون بين الشرك والقتل والزنا، وقيل نزلت
في المؤمنين الذي يقتلون النفس ويزنون، فأما على مذهب المعتزلة فالخلود على بابه، وأما
على مذهب أهل السُّنّة فالخلود عبارة عن طول المدّة ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ إن قلنا الآية في الكفّار
فلا إشكال فيها، لأن الكافر إذا أسلم صحّت توبته من الكفر والقتل والزنا، وإن قلنا إنها في
المؤمنين فلا خلاف أن التوبة من الزنا تصحّ، واختلف هل تصحّ توبة المسلم من القتل أم
لا ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قيل يوفقهم الله لفعل الحسنات بدلاً عمّا عملوا من
السيئات، وقيل إن هذا التبديل في الآخرة: أي يبدل عقاب السيئات بثواب الحسنات
﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهُ مَتَابًا﴾ أي متابًا مقبولاً مرضيًّا عند الله كما تقول لقد قلت يا فلان قولاً أي
قولاً حسنًا ﴿لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي لا يشهدون بالزور وهو الكذب فهو من الشهادة، وقيل

١١٣
تفسير سورة الفرقان
وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا (٨) وَالَّذِيِنَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا
وَعُمْيَانًا شَ
أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةٌ
لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا لـ
وَسَلَمَا شَ خَلِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦) قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ
٧٧
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا
معناه لا يحضرون مجالس الزور واللهو فهو على هذا من المشاهدة والحضور والأول أظهر
﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ اللغو هو الكلام القبيح على اختلاف أنواعه، ومعنى مرّوا
كرامًا أي أعرضوا عنه واستحيوا ولم يدخلوا مع أهله تنزيها لأنفسهم عن ذلك ﴿لَمْ يَخِرُّوا
عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ أي لم يعرضوا عن آيات الله بل أقبلوا عليها بأسماعهم وقلوبهم،
فالنفي للصّمم والعمى لا للخرور عليها ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قيل معناه اجعل أزواجنا وذرّيّتنا
مطيعين لك، وقيل أدخلهم معنا الجنة، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُثَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي
قدوة يقتدي بها المتّقون فإمام مفرد يراد به الجنس، وقيل هو جمع آمّ أي متّبع ﴿الغُرْفَةَ﴾
يعني غرفة الجنة فهي اسم جنس ﴿قُلَ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ﴾ يحتمل أن تكون ما
نافية أو استفهامية، وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال: الأول: أن المعنى إن الله لا يبالي
بكم لولا عبادتكم له فالدعاء بمعنى العبادة وهذا قريب من معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦] الثاني: أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال،
والمعنى لا يبالي الله بكم، ولكن يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه ويكون على هذين
القولين خطابًا لجميع الناس من المؤمنين والكافرين لأن فيهم مَن يعبد الله ويدعوه أو خطابًا
للمؤمنين خاصّة لأنهم هم الذين يدعون الله ويعبدونه، ولكن يضعف هذا بقوله: ﴿فَقَدْ
كَذَّبْتُمْ﴾ الثالث: أنه خطاب للكفّار خاصة والمعنى على هذا: ما يعبأ بكم ربي لولا أن
يدعوكم إلى دينه، والدعاء على هذا بمعنى الأمر بالدخول في الدين، وهو مصدر مضاف
إلى المفعول، وأما على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾
هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفّار دون المؤمنين ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي سوف ! كون
العذاب لزامًا ثابتًا وأضمر العذاب وهو اسم كان لأنه جزاء التكذيب المتقدّم، واختلف هل
يراد بالعذاب هنا القتل يوم بدر، أو عذاب الآخرة.

سورة الشعراء
مكتبة إلاّ آية ١٩٧ ومن آية ٢٢٤
إلى آخر السورة فمدنيّة وآياتها ٢٢٧ نزلت بعد الواقعة
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ آَ
◌َ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ الْـهَإِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم
٢
طسّمَ (١ْ تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِنَبِ الْمُبِينِ!
جَ وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ
٤
مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَّةً فَظَلَتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿طسم﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة، ويخصّ هذا أنه قيل الطاء
من ذي الطول، والسين من السميع أو السلام، والميم من الرحيم أو المنعم ﴿بَاخِعْ﴾ ذكر
في الكهف ﴿فَظَلَّتْ أَعْتَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ الأعناق جمع عنق وهي الجارحة المعروفة،
وإنما جمع خاضعين جمع العقلاء لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء، ولأنه وصفها بفعل لا
يكون إلاّ من العقلاء، وقيل الأعناق الرؤساء من الناس شبهوا بالأعناق كما يقال لهم
رؤوس وصدور، وقیل هم الجماعات من الناس، فلا یحتاج جمع خاضعین إلى تأويل
﴿مُحْدَثٍ﴾ يعني به محدث الإتيان ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ الآية: تهديد ﴿مِن كُلِّ زَوْج﴾ أي من كل
صنف من النبات فيعمّ ذلك الأقوات والفواكه والأدوية والمرعى، ووصفه بالكرم لما فيه من
الحُسْنِ ومن المنافع ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من الثبات وإنما ذكره بلفظ
الإفراد لأنه أراد أن في كل واحد آية أو إشارة إلى مصدر قوله: ﴿أَنْبَتْنَا﴾، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾

١١٥
تفسير سورة الشعراء
مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوَّأْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَنْبَثْنَا فِهَا
مِنْ كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (*) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
٩
◌ْ قَالَ رَبٍّ إِنِّ أَخَافُ أَنْ
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ:
١٠
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
◌َ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ
) وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ فَأَرْسِلٌ إِلَى هَرُونَ إِ
يُكَذِّبُونِ أَ
{ قَالَ كَلَّ فَاذْهَبَا بِثَايَِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأَتِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
يَقْتُلُونِ!
١٤
١٨
اَلْعَلَمِينَ (١) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِّ إِسْرَِّيَ (®) قَالَ أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ فِنَا مِنْ عُمرِكَ سِنِينَ
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِ فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ (١) قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الضََّآلِّينَ (٤٠) فَفَرَرْتُ
بالرفع عطف على أخاف، أو استئناف، وقرىء بالنصب عطفًا على يكذبون ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى
هَارُونَ﴾ أي اجعله معي رسولاً أستعين به ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾ يعني قتله للقبطيّ ﴿قَالَ كَلاَّ﴾
أي لا تخف أن يقتلوك ﴿إِنَّا مَعَكُم﴾ خطاب لموسى وأخيه ومَن كان معهما. أو على جعل
الاثنين جماعة ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ لفظه جمع، وورد مورد تعظيم الله تعالى، ويحتمل أن تكون
الملائكة هي التي تسمع بأمر الله، لأن الله لا يوصف بالاستماع، وإنما يوصف بالسمع
والأول أحسن، وتأويله: أن في الاستماع اعتناءً واهتمامًا بالأمر ليست في صفة سامعون
والخطاب في قوله معكم لموسى وهارون وفرعون وقومه، وقيل لموسى وهارون خاصّة
على معاملة الاثنين معاملة الجماعة وذلك على قول مَن يرى أن أقل الجمع اثنان ﴿إِنَّا
رَسُولُ رَبِّ﴾ إن قيل لِمَ أفرده وهما اثنان؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنّ التقدير كل
واحد منّا رسول. الثاني أنهما جعلا كشخص واحد لاتفاقهما في الشريعة، ولأنهما أخوان
فكأنهما واحد. الثالث أنّ رسول هنا مصدر وصف به، فلذلك أطلق على الواحد والاثنين
والجماعة، فإنه يقال رسول بمعنى رسالة، بخلاف قوله إنا رسولا، فإنه بمعنى الرسل ﴿أن
أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي أطلقهم ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ قصد فرعون بهذا الكلام
المنّ على موسى والاحتقار له ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قصد
فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام ويعني بالفعلة: القتلة للقبطي، والواو في قوله
وأنت إن كانت للحال فقوله من الكافرين معناه كافرًا بهذا لدين الذي جئت به لأن موسى
إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمناً، ولم يعلم بذلك فرعون،
وقيل معناه من الكافرين بنعمتي، وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد من الكافرين
بديني، ومن الكافرين بنعمتي ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ القائل هنا هو موسى عليه

١١٦
تفسير سورة الشعراء
) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُّهَا عَلَّ أَنْ عَبَّدَتَ بَنِىّ
٢١
مِنْكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ !
قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ
٢٣
(جـ) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
إِسْرَهِيَ
مُوقِنِينَ (٨٠) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَعُونَ (٥
أَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ
٢٦
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ
(٤) قَالَ لَیِنِ
الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيِنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
أَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ () قَالَ أَوَّلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ ﴿ قَالَ فَأْتِ بِدِهِ إِن
السلام، والضمير في قوله فعلتها لقتله القبطي، واختلف في معنى قوله من الضالين، فقيل
معناه من الجاهلين بأن وكزتي تقتله، وقيل معناه من الناسين، فهو كقوله: ﴿أَن تَضِلّ
إِحْدَاهما﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿إِذَا﴾ صلة في الكلام، وكأنها بمعنى حينئذ، قال ذلك
ابن عطية ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أي من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن
أفرده في قوله: ﴿تَمُتُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدَتَّ﴾ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
معنى عبدت ذللت واتخذتهم عبيدًا، فمعنى هذا الكلام أنك عدّدت نعمة عليّ تعبيد بني
إسرائيل وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة لأنك كنت تذبح أبناءهم ولذلك وصلت
أنا إليك فربّيتني، فالإشارة بقوله تلك إلى التربية وأن عبدت في موضع رفع عطف بيان على
تلك أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، وقيل معنى الكلام تربيتك نعمة عليّ
لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها
﴿قَالَ لَيْنِ اتَّخَذْتَ إِلهَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال:
﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أجابه موسى بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَواتِ وَالأرْضِ﴾، فقال: ﴿أَلاَ
تَسْتَمِعُونِ﴾: تعجبًا من جوابه فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ
الأَوَّلِينَ﴾ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء وأعظم البراهين فإن أنفسهم
أقرب الأشياء إليهم فيستدلّون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون
عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيّد الازدراء والتهكّم في قوله: ﴿رَسُولَكُمُ
الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ربّ المشرق والمغرب﴾، لأن
طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدًا جحدها ولا أن يدّعيها لغير الله، ولذلك
أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمروذ، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء
والتغلّب فهدّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطّف طمعًا في
إيمانه، فقال: ﴿أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام

١١٧
تفسير سورة الشعراء
كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
﴿ وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
٣٠
لِلنَّظِرِينَ شَ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ، إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِيمٌ (٦) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا
تَأْمُرُونَ ﴿ قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَبْعَثْ فِ الْمَدَابِنِ حَشِرِينٌ (ج) يَأْتُوَكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ
لَعَلََّ نَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن
٣٩
أَوَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمُ تُجْتَمِعُونَ (
٣٨
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ
كَانُواْ هُمُ الْغَالِينَ (٥٦) فَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ (٤) قَالَ نَعَمْ
فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ
٤٣
وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُفَرَِّينَ (٤) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنْتُمْ مُلْقُونَ
مَا فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٥) فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ
٤٤
بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ
سَِجِدِينَ (٤) قَالُواْ ءَامَنَا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٤) رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (٤) قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ
لَكِيْرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَزْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ
﴿ قَالُواْ لَا ضَيْرٌّ لِّآَ إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿ إِنَّا نَطَمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّ أَوَّلَ
أَجْمَعِينَ فيها
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِىِ الْمَدَايِنِ
وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُ مُتَّبَعُونَ (!
اَلْمُؤْمِنِينَ
خَشِرِينَ (®) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْ زِمَةٌ قَلِلُونَ (٩) وَإِنَهُمْ لَا لَغَا بِظُونَ (٢٥) وَإِنَّا لَجَمِيعُ حَذِرُونَ (٥) فَأَخْرَجْنَهُم مِّن
وَ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ شَ فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ
(٥٨
جنّتٍ وعيونٍ
(جَ وَكُنُزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (
ے وم
٦٠
وتقديره أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين، وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد،
وماذا تأمرون، وأرجه، وحاشرين فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿إِنْ كُنْتُم مُوقِنِينَ﴾، ثم قال
آخرًا: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟ فالجواب أنه لاين أولاً طمعًا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد
والمغالطة: وبّخهم بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون إن
رسولكم لمجنون ﴿لِمِيقَاتِ يَوْم﴾ هو يوم الزينة ﴿نَتَّبعُ السَّخَرَةِ﴾ أي نتبعهم في نصرة ديننا
لا في عمل السحر، لأن عمل السحر كان حرامًا ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ قسم أقسموا به، وقد تقدّم
في الأعراف تفسير ما يأفكون، وما بعد ذلك ﴿لاَ ضَيْرَ﴾ أي لا يضرّنا ذلك لأننا ننقلب إلى
الله .
﴿أَسْرٍ بِعِبَادِي﴾ يعني بني إسرائيل ﴿إِنَّكُم مُتْبَعُونَ﴾ إخبار باتّباع فرعون ﴿لَشِرْذِمَةٌ
قَلِيلُونَ﴾ الشرذمة الطائفة من الناس، وفي هذا احتقار لهم على أنه رُوِيّ أنهم كانوا ستمائة
ألف، ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني التي

١١٨
تفسير سورة الشعراء
أَ قَالَ كَلََّّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينٍ () فَأَوْحَيْنَآَ
٦١
فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
وَأَزْلَفْنَا ثَّ
٦٣
إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَأَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْرِ الْعَظِيمِ
اَلْآَخَرِينَ () وَأَغَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ ﴿) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٥َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
٦٧
إِذْقَالَ لِأَبِهِ
◌َ وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إَِهِيمَ اأ
٦٨
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
حَ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَتَظَلُّ لَهَا عَكِفِينَ (٨) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ («آأَوْ
وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ
◌َ قَالَ أَفَرَهَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
٧٤
قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
٧٣
يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ
CA
بمصر، والعيون الخلجان الخارجة من النيل، وكانت ثم عيون في ذلك الزمان، وقيل يعني
الذهب والفضة وهو بعيد ﴿وَمَقَامِ كَرِيم﴾ مجالس الأمراء والحكّام، وقيل المنابر، وقيل
المساكن الحسان ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع خفض صفة لمقام أو في موضع نصب على تقدير
أخرجناهم مثل ذلك الإخراج، أو في موضع رفع على أنه خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي أورثهم الله مواضيع فرعون بمصر على أن التواريخ لم يذكر
فيها ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام فتأويله على هذا أورثهم
مثل ذلك بالشام ﴿فَأَتْبَعُوهُم﴾ أي لحقوهم، وضمير الفاعل لفرعون وقومه، وضمير
المفعول لبني إسرائيل ﴿مُشْرِقِينَ﴾ معناه داخلين في وقت الشروق وهو طلوع الشمس،
وقيل معناه نحو المشرق وانتصابه على الحال ﴿تَرَاءَا الجَمْعَان﴾ وزن تراءى تفاعل، وهو
منصوب من الرؤية، والجمعان جمع موسى وجمع فرعون أي رأى بعضهم بعضًا ﴿فَانِفَلَقَ﴾
تقدير الكلام فضرب موسى البحر فانفلق ﴿كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي كل جزء منه والطود الجبل،
ورُوِيّ أنه صار في البحر اثني عشر طريقًا لكل سبط من بني إسرائيل طريق ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الآخَرِينَ﴾ يعني بالآخرين فرعون وقومه، ومعنى أزلفنا قربناهم من البحر ليغرقوا، وثم هنا
ظرف يراد به حيث انفلق البحر وهو بحر القلزم ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ إنما سألهم مع علمه بأنهم
يعبدون الأصنام ليبيّن لهم أن ما يعبدونه ليس بشيء، ويقيم عليهم الحجة ﴿قَالُوا نَعْبُدُ
أَصْنَامًا﴾ إن قيل لِمَ صرّحوا بقولهم نعبد، مع أن السؤال وهو قوله ما تعبدون يغني عن
التصريح بذلك، وقياس مثل هذا الاستغناء بدلالة السؤال كقوله: ما أنزل ربكم؟ قالوا:
خيرًا، فالجواب أنهم صرّحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج بعبادة الأصنام، ثم زادوا
قولهم فنظل لها عاكفين مبالغة في ذلك ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنا﴾ اعتراف بالتقليد المخض
رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء منقطع وقيل متصل لأن في آبائهم من عبد الله تعالى ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ

١١٩
تفسير سورة الشعراء
أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٤) فَإَِهُمْ عَدُوٌّلِ إِلَّا رَبَ الْعَلَمِينَ:
٧٨
◌َ اَلَّذِى خَلَقَتِ فَهُوَ يَهَدِينِ
٧٧
وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينِ (٢٦) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (*) وَالَّذِى يُسِتُنِ ثُمَّ ◌ُحْبِينٍ
٨١
﴿ رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى
(٨٢ )
وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيََتِ يَوْمَ الدِّينِ
بِالصَّالِحِينَ (٨٢) وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِرِينَ (٨٤) وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَأَغْفِرْ
لِأَبِّ إِنَّهُرُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ (جـ) وَلَ تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨) إِلَّ مَنْ أَفَى اللَّهَ
وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ (٤) وَبُرَِّتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
٨٩
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
لا
( فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاُونَ (١٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ
(٩٣
(١٦) مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَّكُ أَوْ يَنَصِرُونَ
تعبدون
) قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٤) قَالَِّ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلِ مُبِينٍ (٩) إِذْ نُسَوِيِكُمْ بِرَبِّ
(٩٥
أجْمَعُونَ
اَلْعَلَمِينَ (٤٨) وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ (٢٩) فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (٢٠) وَلَ صَدِيقٍ حَمِ لْهَا فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
فَهُوَ يَشْفِينٍ﴾ أسند المرض إلى نفسه وأسند الشفاء إلى الله تأدّبًا مع الله ﴿أَن يَغْفِرَ لِي
خَطِيئَتِي﴾ قيل أراد كذباته الثلاثة الواردة في الحديث وهي قوله في سارة زوجته هِيَ
أُخْتِي، وقوله: ﴿إِنّي سَقِيم﴾ [الصّافَات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم﴾
[الأنبياء: ٦٣]، وقيل أراد الجنس على الإطلاق، لأن هذه الثلاثة من المعاريض
فلا إثم فيها ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناءً جميلاً ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ﴾ وما بعده منقطع عن كلام إبراهيم،
وهو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون أيضًا من كلام إبراهيم ﴿إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيم﴾، قيل سليم من الشرك والمعاصي، وقيل الذي يلقى ربّه وليس في قلبه شيئًا غيره
وقيل بقلب لديغ من خشية الله، والسليم هو اللديغ لغة، وقال الزمخشري هذا من بدع
التفاسير، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلاً فيكون من أتى الله مفعولاً بقوله لا ينفع،
والمعنى على هذا أن المال لا ينفع إلاّ مَن أنفقه في طاعة الله، وأن البنين لا ينفعون إلاّ مّن
علّمهم الدين وأوصاهم بالحق، ويحتمل أيضًا أن يكون متصلاً، ويكون قوله مَن أتى الله
بدلاً من قوله مال ولا بنون على حذف مضاف تقديره إلاّ مال من أتى الله وبنوه ويحتمل أن
يكون منقطعًا بمعنى لكن ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي قربت ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ يعني المشركين بدلالة ما
بعده ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ كبكبوا مضاعف من كب كررت حروفه دلالة على تكرير معناه: أي
كبّهم الله في النار مرة بعد مرة، والضمير للأصنام، والغاوون هم المشركون، وقيل الضمير
للمشركين، والغاوون هم الشياطين ﴿نُسَوْيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي نجعلكم سواء معه ﴿وَمَا
أَضَلَّنَا إلَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ يعني كبراءهم، وأهل الجرم والجراءة منهم ﴿حَمِيم﴾ أي خالص

١٢٠
تفسير سورة الشعراء
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيِزُ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الرَّحِيمُ (٢٦) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوعُ أَلَا نَنَّقُونَ (٣٠) إِنِّيْ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌّ
وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٠) فَتَّقُواْ اللَّهَ
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِعُونِ
وَأَطِيعُونِ !
إِنْ
١٢
﴿ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (٨) قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (!
١١٠
حِسَابُهُمْإِلَّ عَلَى رَبٍ لَوْ تَشْعُرُونَ (١) وَمَآ أَنْ يِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) إِنْ أَنَا إِلََّّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٨٢) قَالُواْ لَيِن لَّمْ
فَ قَالَ رَبٍّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (٢٠) فَأَفْتَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَحِى
تَنْتَهِ يَلْنُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ◌ِ
وَمَنْ مَعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٨) فَأَنَّنَهُ وَمَن مَعَهُ فِىِ الْفُلْكِ اُلْمَشْحُونِ (١٤)، ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ اَلْبَاقِينَ (*) إِنَّ
كَذَّبَتْ عَادُ
١٢٢
فِي ذَلِكَ لَيَهُ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
الْمُرْسَلِينَ ﴿٤﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوٌَّ أَلَا نَتَّقُونَ (٢) إِّ لَكُ رَسُولُّ أَمِينٌ (١٠) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦) وَمَآ
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌َايَةً تَعْبَثُونَ
(١٢٨)
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (٤) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَّارِينَ (٢) فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
الودّ، قال الزمخشري جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلّة الأصدقاء .
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أسند الفعل إلى القوم، وفيه علامة التأنيث، لأن القوم في
معنى الجماعة والأمة، فإن قيل: كيف قال المرسلين بالجمع وإنما كذبوا نوحًا وحده؟
فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقولك فلان يركب الخيل وإنما لم يركب
إلاّ فرسًا واحدًا، والآخر أن مَن كذب نبيًّا واحدًا فقد كذب جميع الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، لأن قولهم واحد ودعوتهم سواء، وكذلك الجواب في كذبت عاد المرسلين
وغيره ﴿وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ جمع أرذل، وقد تقدّم الكلام عليه في قوله: ﴿أَرَاذِلنَا﴾
[هود: ٢٧] في هود ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الذين سمّوهم أرذلين، فإن الكفّار
أرادوا من نوح أن يطردهم كما أرادت قريش من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن
يطرد عمّار بن ياسر وصهيبًا وبلالاً وأشباههم من الضعفاء ﴿المَرْجُومِينَ﴾ يحتمل أن يريدوا
الرجم بالحجارة، أو بالقول وهو الشتم ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ أي احكم بيننا ﴿فِي الْقُلْكِ
الْمَشْحُونِ﴾ أي المملوء ﴿بِكُلُ رِيع﴾ الريع المكان المرتفع وقيل الطريق ﴿آيَةٌ﴾ يعني
المباني الطوال وقيل أبراج الحمام ﴿مَصَانِعَ﴾ جمع مصنع وهو ما أتقن صنعه من المباني،
وقيل مأخذ الماء ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَام﴾ الآية تفسير لقوله أمدّكم بما تعلمون فأبهم أولاً ثم فسّبره