النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تفسير سورة النور
العبد والأمة والمحصن والمحصنة، فأما العبد والأمّة: فحدّهما خمسون جلدة سواء كانا
٤
محصنين أو غير محصنين، وأما المحصنان الحُرّان فحدّهما الرجم هذا على مذهب مالك،
وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب، فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهره العموم في
المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء، وفي المحصن وغير المحصن، ثم إن
العلماء خصّصوا من هذا العموم أشياء، منها باتفاق، ومنها باختلاف، فأما الكفّار فرأى أبو
حنيفة وأهل الظاهر أن حدّهم جلد مائة أحصنوا أو لم يحصنوا: أخذًا بعموم الآية، ورأى
الشافعي أن حدّهم كحدّ المسلمين الجلد إن لم يحصنوا، والرجم إن أحصنوا أخذًا بالآية،
ويرجم النبي ◌َّ لليهودي واليهودية إذْ زنيا، ورأى مالك أن يردّوا إلى أهل دينهم لقوله تعالى
في سورة النساء: ﴿واللاتِي يَأْتِين الفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكم﴾ [النساء: ١٥] فخصّ نساء
المسلمين على أنها قد نسختها هذه، ولكن بقيت في محلها، وأما العبد والأمة: فرأى أهل
الظاهر أن حدّ الأمة خمسون جلدة لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنّ نِصف مَا عَلَى المُحصنات مِنَ
العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وأن حدّ العبد الجلد مائة لعموم الآية، وقال غيرهم يجلد العبد
خمسين بالقياس على الأمة، إذ لا فرق بينهما، وأما المحصن فقال الجمهور حدّه الرجم
فهو مخصوص في هذه الآية، وبعضهم يسمّي هذا التخصيص نسخًا، ثم اختلفوا في
المخصّص أو الناسخ، فقيل الآية التي ارتفع لفظها وبقي حكمها وهي قوله: ((الشيخ
والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)) وقيل الناسخ لها السُّنّة
الثابتة في الرجم، وقال أهل الظاهر وعليّ بن أبي طالب: بجلد المحصن بالآية، ثم يرجم
بالسُّنّة فجمعوا عليه الحدّين، ولم يجعلوا الآية منسوخة، ولا مخصّصة، وقال الخوارج لا
رجم أصلاً فإن الرجم ليس في كتاب الله، ولا يعتد بقولهم، وظاهر الآية الجلد دون.
تغريب، وبذلك قال أبو حنيفة، وقال مالك الجلد والتغريب سُنّة للحديث، وهو قوله وَلقوله:
((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))، ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك،
وصفة الجلد عند مالك في الظهر والمجلود جالس وقال الشافعي يفرّق على جميع الأعضاء
والمجلود قائم، وتستر المرأة بثوب لا يقيها الضرب، ويجرّد الرجل عند مالك وقال قوم
يجلد على قميص ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قِيل يعني في إسقاط الحدّ: أي أقيموه ولا بدّ،
وقيل في خفيف الضرب، وقيل في الوجهين. فعلى القول الأول يكون الضرب في الزنا
كالضرب في القذف غير مبرح، وهو مذهب مالك والشافعي، وعلى القول الثاني والثالث
يكون الضرب في الزنا أشدّ، واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط يضرب بها مرة واحدة
فمنعه مالك وأجازه أبو حنيفة لِمَا ورد في قصة أيوب عليه السلام، وأجازه الشافعي

٨٢
تفسير سورة النور
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٤َ الزَِّ لَ يَنكِحُ إِلََّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَآَ إِلََّ زٍَ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ
وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثَُ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِيْنَ جَلْدَةٌ وَلَا نَقْبَلُوْ لَّمَ
٣
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
للمريض لورود ذلك في الحديث ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد بذلك
توبيخ الزناة والغلظة عليهم، واختلف في أقلّ ما يجزىء من الطائفة فقيل أربعة اعتبارًا
بشهادة الزنا وهو قول ابن أبي زيد، وقيل عشرة، وقيل اثنين وهو مشهور مذهب مالك،
وقيل واحد ﴿الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلَّ زَانِيَّةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية: معناها ذمّ الزناة وتشنيع الزنا، وأنه
لا يقع فيه إلاّ زانٍ أو مشرك ولا يوافقه عليه من النساء إلاّ زانية أو مشركة، وينكح على هذا
بمعنى يجامع، وقيل معناها لا يحلّ لزانٍ أن يتزوّج إلاّ زانية أو مشركة، ولا يحلّ لزانية أن
تتزوج إلاّ زانيًا أو مشركًا، ثم نسخ هذا الحكم وأبيح لهما التزوّج ممّن شاؤوا، والأول هو
الصحيح ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة بذلك إلى الزنا أي حرّم الزنا على المؤمنين
وقيل الإشارة إلى تزوّج المؤمن غير الزاني بزانية، فإن قومًا منعوا أن يتزوجها، وهذا على
القول الثاني في الآية قبلها وهو بعيد، وأجاز تزويجها مالك وغيره، ورُوِيّ عنه كراهته
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُخْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةٌ﴾ هذا حَدّ
القذف وهو الفرية التي عبّر الله عنها بالرمي والمحصنات يراد بهنّ هنا العفائف من النساء،
وخصّهنّ بالذكر لأن قذفهنّ أكثر وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى
إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد، وقيل إن المعنى
يرمون الأنفس المحصنات فيعمّ اللفظ على هذا النساء والرجال، ويحتاج هنا إلى الكلام في
القذف والقاذف والمقذوف والشهادة في ذلك، فأما القذف فهو الرمي بالزنا اتفاقًا. أو بفعل
قوم لوط عند مالك والشافعي لعموم لفظ الرمي في الآية، خلافًا لأبي حنيفة، أو النفي من
النسب، ومذهب مالك أن التعريض بذلك كله كالتصريح خلافًا للشافعي وأبي حنيفة، وأما
القاذف فيحدّ: سواء كان مسلمًا أو كافرًا لعموم الآية، وسواء كان حرًّا أو عبدًا إلاّ أن العبد
والأمة إنما يحدّان أربعين عند الجمهور فنصفوا حدّهما قياسًا على تنصيفه في الزنا خلافًا
للظاهرية، ولا يحدّ الصبي ولا المجنون لكونهما غير مكلّفين، وأما المقذوف فمذهب
مالك أنه يشترط فيه الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عمّا رُبِيَ به، والتمكّن من
الوطء تحرّزًا من المجبوب وشبهه، فلا يحدّ عنده من قذف صبيًّا أو كافرًا أو مجبوبًا أو عبدًا
ومَن لا يمكنه الوطء وقد قيل يحدّ مَن قذف واحدًا منهم لعموم الآية واتفقوا على اشتراط
البراءة مما رُمِي به وأما الشهادة التي تسقط حدّ القذف، فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن

٨٣
تفسير سورة النور
٥
شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (
وَالَّذِيْنَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
الصَّدِقِين ◌َ وَاَلْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ
المقذوف عبدًا أو كافرًا ويشهد أربعة شهود ذكور عدول على المعاينة لما قذف به كالمرود
في المكحلة، ويؤدّون الشهادة مجتمعين ﴿إلاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ تقدم قبل هذا الاستثناء ثلاثة
أحكام، وهي الحدّ وردّ شهادة القاذف وتفسيقه، فاتفق على أن الاستثناء راجع إلى التفسيق
وأن ذلك يزول عنه بالتوبة، واتفق على أنه لا يرجع إلى الحدّ وأنه لا يسقط عنه بالتوبة،
واختلف هل يرجع إلى ردّ الشهادة أم لا؟ فقال مالك إذا تاب قُبِلَت شهادته، خلافًا لأبي
حنيفة، وتوبته هو صلاح حاله في دينه وقيل إكذاب نفسه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ
يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ هذه الآية في قذف الرجل لامرأته فيجب اللعان بذلك،
وسببها أن رجلاً قال يا رسول الله الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع،
فسكت عنه نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال رسول الله وَلّة
قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فأتني بها فأتى بها فتلاعنا وفرّق رسول الله وَل بينهما
وموجب اللعان عند مالك شيئان: أحدهما أن يدّعي الزوج أنه رأى امرأته تزني، والآخر أن
ينفي حملها ويدّعي الاستبراء قبله، فإذا تلاعن الزوج تعلّقت به ثلاثة أحكام نفي حدّ القذف
عنه، وانتفاء سبب الولد منه ووجوب حدّ الزنا عليها إن لم تلاعن، فإذا تلاعنت سقط الحدّ
عنها، ولفظ الآية عامّ في الزوجات الحرائر والمماليك، والمسلمات والكافرات والعدول
وغيرهم، وبذلك أخذ مالك واشترط في الزوج الإسلام واشترط أبو حنيفة أن يكونا
مسلمين حُرّين عدلين ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي يقول
الزوج أربع مرّات أشهد بالله لقد رأيت هذه المرأة تزني أو أشهد بالله ما هذا الحمل منّي
ولقد زنت وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين، وزاد أشهب أن يقول أشهد بالله الذي لا إله إلاّ هو، وانتصب أربع شهادات بالله
على المصدرية، والعامل فيه شهادة أحدهم وقرىء بالرفع وهو خبر شهادة أحدهم، وقوله
بالله وإنه لمن الصادقين من صلة أربع شهادات أو من صلة شهادة أحدهم ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ
لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ قرىء بنصب الخامسة هنا وفي الموضع الثاني،
وانتصب بفعل مضمر تقديره ويشهد الخامسة، أو بالعطف على أربع شهادات على قراءة
النصب، وقرىء بالرفع على الابتداء أو عطف على أربع شهادات بقراءة الرفع، وقرىء أن

٨٤
تفسير سورة النور
٩
أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ (٨) وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ حَكِيمٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْلَا
لعنة، وأن غضب: بتشديد أن، ونصب اسمها وتخفيفها ورفع اللعنة والغضب على الابتداء
﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ العذاب هنا حدّ الزنا
أي يدفعه التعان المرأة، وهي أن تقول أربع مرات أشهد بالله ما زنيت، وإنه في ذلك لمن
الكاذبين، ثم تقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ويتعلق بالتعانها
ثلاثة أحكام: دفع الحدّ عنها، والتفريق بينها وبين زوجها، وتأبيد الحرمة ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ
اللَّهِ﴾ جواب لو محذوف هنا وفي الموضع الآخر تقديره لولا فضل الله عليكم لآخذكم، أو
نحو هذا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُضْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الإفك: أشدّ الكذب، ونزلت هذه الآية وما
بعدها إلى تمام ستة عشر آية في شأن سيدتنا عائشة رضي الله عنها وفي براءتها مما رماها به
أهل الإفك وذلك أن الله برّأ أربعة بأربعة برّأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها وبرّأ موسى من
قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه وبرّأ مريم بكلام ولدها في حجرها وبرّأ عائشة من
الإفك بإنزال القرآن في شأنها ولقد تضمنت هذه الآيات الغاية القصوى في الاعتناء بها
والكرامة لها والتشديد على مَن قذفها وقد خرّج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما،
واختصاره أن عائشة خرجت مع رسول اللّه ◌َل18 في غزوة بني المصطلق فضاع لها عقد
فتأخرت على التماسه حتى رحل الناس، فجاء رجل يقال له صفوان بن المعطل، فرآها
فنزل عن ناقته وتنخّى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش، فقال أهل
الإفك في ذلك ما قالوا فبلغ ذلك النبي بَلّ، فقال ما بال رجال رموا أهلي والله ما علمت
على أهلي إلاّ خيرًا ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيرًا، وسأل جارية عائشة،
فقالت: والله ما علمت عليها إلاّ ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، والعصبة الجماعة
من العشرة إلى الأربعين، ولم يذكر في الحديث من أهل الإفك إلّ أربعة، وهم عبد الله بن
أُبيّ ابن سلّول رأس المنافقين، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت،
وقيل إن حسّانًا لم يكن منهم وارتفاع عصبة لأنه خبر إن، واختار ابن عطية أن يكون عصبة
بدلاً من الضمير في جاءوا، ويكون الخبر لا تحسبوه شرًّا لكم على تقدير إن حديث الذين
جاءوا بالإفك، والأول أظهر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ خطاب للمسلمين، والخير في ذلك من
خمسة أوجه: تبرئة أم المؤمنين، وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها، والأخر الجزيل

٨٥
تفسير سورة النور
تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آَمْرِيٍ مِّنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ (!) لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِنٌْ مُّبِينٌ.
لَّوْلَا جَاءُ و عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ () وَلَوْلَا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، فِ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٦) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ
بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (٥) وَلَوْلَآ إِذْ
سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنِىُّ عَظِيمٌ (١) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ
لها في الفرية عليها، وموعظة المؤمنين، والانتقام من المفترين ﴿وَالَّذِي تَوَلَّ كِبْرَهُ﴾ هو
عبد الله بن أُبيّ ابن سلّول المنافق، وقيل الذي بدأ بهذه الفرية غير معين والعذاب العظيم
هنا يحتمل أن يراد به الحدّ أو عذاب الآخرة ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ لولا هنا عرض والمعنى أنه كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك
الأمر على أنفسهم فإن كان ذلك يبعد في حقهم فهو في حق عائشة أبعد لفضلها، ورُوِيَ أن
هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري، فقال لزوجته: أكنت أنت تفعلين ذلك؟ قالت: لا
والله، قال: فعائشة أفضل منك؟ قالت: نعم. فإن قيل: لِمَ قال سمعتموه بلفظ الخطاب،
ثم عدل إلى لفظ الغيبة في قوله ظنّ المؤمنون، ولم يقل ظننتم؟ فالجواب أن ذلك التفات
قصد به المبالغة والتصريح بالإيمان الذي يوجب أن لا يصدق المؤمن على المؤمن شرًّا
﴿لَّوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ لولا هنا عرض، والضمير في جاءوا لأهل الإفك، ثم
حكم الله بكذبهم إذا لم يأتوا بالشهداء ﴿أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ يقال أفاض في الحديث وخاض فيه إذا
أكثر الكلام فيه ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ العامل في إذ قوله مسّكم أو أفضتم، ومعنى تلقونه:
يأخذه بعضكم من بعض، وفي هذا الكلام وفي الذي قبله وبعده عتاب لهم على خوضهم
في حديث الإفك، وإن كانوا لم يصدقوه، فإن الواجب كان الإغضاء عن ذكره والترك له
بالكليّة، فعاتبهم على ثلاثة أشياء، وهي: تلقّيه بالألسنة: أي السؤال عنه وأخذه من
المسؤول والثاني قولهم ذلك، والثالث أنهم حسبوه هيّنًا وهو عند الله عظيم، وفائدة قوله
بألسنتكم وبأفواهكم الإشارة إلى أن ذلك الحديث كان باللسان دون القلب إذا كانوا لم
يعلموا حقيقته بقلوبهم ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي كان
الواجب أن يبادروا إلى إنكار هذا الحديث أول سماعهم له، ولولا أيضًا في هذه الآية
عرض، وكان حقها أن يليها الفعل من غير فاصل بينهما، ولكنه فصل بينهما بقوله إذ

٨٦
تفسير سورة الشور
لِمِثْلِهِ: أَبَدًا إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ الثَّ وَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ (١) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ
أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَّ وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
تَعْلَمُونَ (٤٦) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٢)
لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَن ◌َّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُّنْكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيٌ لَ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ
اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيَعْفُواْ
سمعتموه لأن الظروف يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، والقصد بتقديم هذا الظرف
الاعتناء به، وبيان أنه كان الواجب المبادرة إلى إنكار الكلام في أول وقت سمعتموه،
ومعنى ما يكون لنا ما ينبغي لنا ولا يحلّ لنا أن نتكلم بهذا ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيه الله عن أن
تكون زوجة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على ما قال أهل الإفك، وقال
الزمخشري: هو بمعنى التعجّب من عظيم الأمر، والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يسبّح
الله عند رؤية العجائب ﴿بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن
يقال ما فيه ﴿أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ تقديره يعظكم كراهة أن تعودوا لمثله، ثم عظم الأمر وأكده
بقوله إن كنتم مؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الإشارة بذلك إلى المنافقين
الذين أحبّوا أن يشيع حديث الإفك، ثم هو عامّ في غيرهم ممّن اتّصف بصفتهم، والعذاب
في الدنيا الحدّ، وأما عذاب الآخرة، فقد ورد في الحديث أن مَن عوقب في الدنيا على
ذنب لم يعاقب عليه في الآخرة فأشكل اجتماع الحدّ مع عذاب الآخرة في هذا الموضع،
فيحتمل أن يكون القاذف يعذّب في الآخرة ولا يسقط الحدّ عنه عذاب الآخرة بخلاف سائر
الحدود، أو يكون هذا مختصًّا بمَن قذف عائشة، فإنه رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: مَن
أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلاّ مَن خاض في أمر عائشة أو يكون لمن مات مصرًا غير
تائب، أو يكون للمنافقين ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ذكر في البقرة ﴿بالفَخْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِ﴾ ذكر في
النحل ﴿زَكَى﴾ أي تطهر من الذنوب، وصلح دينه ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن
يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ معنى يأتل يحلف، فهو من قولك آليت إذا حلفت، وقيل معناه يقصر
فهو من قولك ألوت أي قصرت ومنه لا يألونكم خبالاً، والفضل هنا يحتمل أن يريد به
الفضل في الدين أو الفضل في المال وهو أن يفضل له عن مقدار ما يكفيه، والسّعة هني
اتّساع المال، نزلت الآية بسبب أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على

٨٧
تفسير سورة النور
وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ (٤) إِنَّالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ
اَلْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِ الذُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (لَا يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَبْدِيِهِمْ
وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (١) يَوْمَيِدٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّاللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ:
٢٥
الْخَبِيئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِّ وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَِّّبَتِّ أُوْلَئِكَ
مُبَّدُونَ مِمَا يَقُولُونَّ لَهُمْ تَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (*) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُونًا غَيْرَ
مسطح لما تكلم في حديث الإفك وكان ينفق عليه لمسكنته؛ ولأنه قريبه، وكان ابن بنت
خالته، فلما نزلت الآية رجع إلى مسطح النفقة والإحسان، وكفّر عن يمينه، قال بعضهم
هذه أرجى آية في القرآن لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف، ثم إن لفظ الآية على عمومه
في أن لا يحلف أحد على ترك عمل صالح ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي كما تحبّون
أن يغفر الله لكم كذلك اغفروا أنتم لمَن أساء إليكم، ولما نزلت قال أبو بكر رضي الله عنه
إني لأحبّ أن يغفر الله لي، ثم ردّ النفقة إلى مسطح ﴿المحصنات الغافلات﴾ معنى
المحصنات هنا العفائف ذوات الصون، ومعنى الغافلات السليمات الصدور، فهو من الغفلة
عن الشر ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ هذا الوعيد للقاذفين لعائشة ولذلك لم يذكر فيه توبة،
قال ابن عباس كل مذنب تقبل توبته إذا تاب إلاّ مَن خاض في حديث عائشة وقيل الوعيد
لكل قاذف، والعذاب العظيم يحتمل أن يريد به الحدّ أو عذاب الآخرة ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ العامل
فيه يوفيهم، وكرّر يومئذ توكيدًا وقيل العامل فيه عذاب أو فعل مضمر ﴿دينهم الحقّ﴾ أي
جزاؤهم الواجب لهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هذه الآية تدلّ على أن ما قبلها
في المنافقين، لأن المؤمن قد علم في الدنيا أن الله هو الحق المبين، ومعنى المبين الظاهر
الذي لا شك فيه ﴿الخَبِيئَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية: معناها أن الخبيثات من النساء للخبيثين من
الرجال، وأن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ففي ذلك ردّ على أهل الإفك، لأن
النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو أطيب الطيبين فزوجته أطيب الطيبات، وقيل المعنى أن
الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس ففيه
أيضًا ردّ على أهل الإفك، وقيل معناه أن الخبيثات من الأقوال للخبيثين من الناس،
والإشارة بذلك إلى أهل الإفك: أي أن أقوالهم الخبيثة لا يقولها إلاّ خبيث مثلهم ﴿أُولَئِكَ
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الإشارة بأولئك إلى الطيبين والطيبات والضمير في يقولون للخبيئات
والخبيثين والمراد تبرئة عائشة رضي الله عنها مما رميت به ﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ

٨٨
تفسير سورة النور
فَإن ◌َّرْ
بُيُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاْ ذَلِكُمْ خَّرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْ خُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿هَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيَهَا مَتَنْعُ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (١) قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ
أَزَّكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (®) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ هذه الآية أمر بالاستئذان في غير بيت الداخل، فيعمّ
بذلك بيوت الأقارب وغيرهم، وقد جاء في الحديث الأمر بالاستئذان على الأم خيفة أن
يراها عريانة، ومعنى تستأنسوا: تستأذنوا وهو مأخوذ من قولك آنست الشيء إذا علمته،
فالاستئناس: أن يستعلم هل يريد أهل الدار الدخول أم لا؟ وقيل هو مأخوذ من الأنس ضدّ
الوحشة؛ وقرأ ابن عباس حتى تستأذنوا، والاستئذان واجب، وأما السلام فلا ينتهي إلى
الوجوب، واختلف أيّهما يقدّم، فقيل يقدّم السلام ثم يستأذن فيقول السلام عليكم، ثم
يقول أأدخل، وقيل يقدّم الاستئذان لتقديمه في الآية، وليس في الآية عدد الاستئذان، وجاء
في الحديث أن يستأذن ثلاث مرات، وهو تفسير للآية ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا
غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ سبب هذه الآية أنه لمّا نزلت آية الاستئذان تعمق قوم فكانوا
يأتون المواضع غير المسكونة فيسلمون ويستأذنون، فأباحت هذه الآية دخولها بغير
استئذان، واختلف في البيوت غير المسكونة في هذه الآية، فقيل هي الفنادق التي في
الطرق ولا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل، والمتاع على هذا التمتّع
بالنزول فيها والمبيت وغير ذلك، وقيل هي الخرب التي تدخل للبول والغائط، والمتاع
على هذا حاجة الإنسان، وقيل هي حوانيت القيسارية والمتاع على هذا الثياب والبسط
وشبهها، وهذا القول خطأ لأن الاستئذان في الحوانيت واجب بإجماع ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَخْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إعرابها كإعراب يقيموا الصلاة في إبراهيم، وقد
ذكر ومن أبصارهم للتبعيض، والمراد غضّ البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل،
وقيل معنى التبعيض فيه أن النظرة الأولى لا حرج فيها، ويمنع ما بعدها، وأجاز الأخفش
أن تكون من زائدة، وقيل هي لابتداء الغاية لأن البصر مفتاح القلب والغضّ المأمور به هو
عن النظر إلى العورة، أو إلى ما لا يحلّ من النساء أو إلى كتب الغير وشبه ذلك مما يستر
وحفظ الفروج المأمور به: هو عن الزنا، وقيل أراد ستر العورة، والأظهر أن الجميع مراد
﴿وَقُلْ لْلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِ هِنَّ﴾ تؤمّر المرأة بغضّ بصرها عن عورة الرجل وعن

٨٩
تفسير سورة النور
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِيُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَابِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِرَ أَوْ
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِىّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ
غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِيْنَ
عورة المرأة إجماعًا، واختلف هل يجب عليها غضّ بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي
أم لا، وعن سائر جسد المرأة أم لا، فعلى القول بذلك تشتمل الآية عليه، والكلام في
حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَّهُنَّ إلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نهى عن
إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لا بدّ من النظر إليه عند حركتها أو
إصلاح شأنها وشبه ذلك، فقيل إلاّ ما ظهر منها يعني الثياب فعلى هذا يجب ستر جميع
جسدها، وقيل الثياب والوجه والكفّان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفّيها
في الصلاة وزاد أبو حنيفة القدمين ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الجيوب هي التي
يقول لها العامّة أطواق، وسببها أن النساء كنّ في ذلك الزمان يلبسن ثيابًا واسعات الجيوب
يظهر منها صدورهنّ، وكنّ إذا غطّين رؤوسهنّ بالأخمرة سدلها من وراء الظهر، فيبقى
الصدر والعنق والأُذُنان لا ستر عليها، فأمرهنّ الله بليّ الأخمرة على الجيوب ليستر جميع
ذلك ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِيُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية: المراد بالزينة هنا الباطنة، فلما ذكر
في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير ذوي المحرم من الزينة الظاهرة، وذكر في هذه ما أباح أن
يراه الزوج وذوي المحارم من الزينة الباطنة، وبدأ بالبعولة وهم الأزواج لأن اطّلاعهم يقع
على أعظم من هذا، ثم ثنى بذوي المحارم وسوّى بينهم في إبداء الزينة، ولكن مراتبهم
تختلف بحسب القرب، والمراد بالآباء كل مَن له ولادة من والد وجدّ، وبالأبناء كل مَن
عليه ولادة من ولد وولد ولد، ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العمّ والخال
ومذهب جمهور العلماء جواز رؤيتهما للمرأة، لأنهما من ذوي المحارم، وكره ذلك قوم،
وقال الشافعيّ إنما لم يذكر العمّ والخال لئلا يصفا زينة المرأة لأولادهما ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾
يعني جميع المؤمنات، فكأنه قال أو صنفهنّ ويخرج عن ذلك نساء الكفّار ﴿أَوْ مَا مَلَكَثْ
أَيْمَانُهُنَّ﴾ يدخل في ذلك الإماء المسلمات والكتابيات، وأما العبيد: ففيهم ثلاثة أقوال:
منع رؤيتهم لسيدتهم وهو قول الشافعي، والجواز وهو قول ابن عباس وعائشة، والجواز
بشرط أن يكون العبد وغدًا وهو مذهب مالك، وإنما أخذ جوازه من قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ
غَيْرِ أُولِي الإزْبَةِ﴾ واختلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبيّ أم لا؟ على

تفسير سورة النور
بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهُ الْمُؤْمِنُونَ لَعْلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأََّى سِكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُ وَإِمَابِكُمْ إِ يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله
قولين: ﴿أَوِ الثَّابِعِينَّ غَيْرٍ أُولِي الإزْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ شرط في رؤية غير ذوي المحارم
شرطين: أحدهما أن يكونا تابعين، ومعناه أن يتبع لشيء يعطاه كالوكيل والمتصرّف،
ولذلك قال بعضهم هو الذي يتبعك وهمّته بطنه، والآخر أن لا يكون لهم إربة في النساء
كالخصي والمخنث والشيخ الهرم والأحمق، فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلاّ باجتماع
الشرطين، وقيل بأحدهما، ومعنى الإربة الحاجة إلى الوطء ﴿أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظُهَرُوا
عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أراد بالطفل الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال طفل ما لم يراهق
الحلم ويظهروا معناه يطّلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه الذيْنُ لم يطؤوا النساء،
وقيل الذين لا يدرون ما عورات النساء، وهذا أحسن ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمْ مَا
يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ رُوِيَ أن امرأة كان لها خلخالان، فكانت تضرب بهما ليسمعهما
الرجال، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، قال الزجاج إسماع صوت الزينة أشدّ تحريكًا للشهوة
من إبدائها ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة واجبة على كلَّ مؤمن مكلّف بدليل
الكتاب والسُّنّة وإجماع الأمة، وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عصى به ذو
الجلال، لا من حيث أضرّ ببدن أو مال، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من
غير تأخير ولا توانٍ، والعزم أن لا يعود إليها أبدًا ومهما قضي عليه بالعود أحدث عزمًا
مجدّدًا، وآدابها ثلاثة: الاعتراف بالذنب مقرونًا بالانكسار، والإكثار من التصرّع
والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدّم من السيئات، ومراتبها سبع: فتوبة الكفّار
من الكفر، وتوبة المخلصين من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين
من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات،
وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات. والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء
الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب القريب، وتعظيم بالمقام،
وشكر الإنعام.
﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأيامى جمع أيم ومعناه الذين لا أزواج لهم رجالاً كانوا
أو نساءً أبكارًا أو ثيّبات، والخطاب هنا للأولياء والحكّام أمرهم الله بتزويج الأيامى،
فاقتضى ذلك النهي عن عضلهنّ من التزويج، وفي الآية دليل على عدم استقلال النساء
بالإنكاح؛ واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة

٩١
تفسير سورة النور
) وَلْيَسْتَعْفِفِ الّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،
(٣٢
مِن فَضْلِ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ لـ
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ
الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا لِبَّنَغُواْ عَرَضَ اْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يعني الذين يصلحون للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم،
وقال الزمخشري: الصالحين بمعنى الصلاح في الدين، قال وإنما خصّهم الله بالذكر ليحفظ
عليهم صلاحهم والمخاطبون هنا ساداتهم؛ ومذهب الشافعي أن السيد يجبر على تزويج
عبيده على هذه الآية خلافًا لمالك، ومذهب مالك أن السيد يجبر عبده وأمته على النكاح
خلافًا للشافعي ﴿إِنَّ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وعد الله بالغنى للفقراء الذين
يتزوجون لطلب رضا الله، ولذلك قال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح ﴿وَلْيَسْتَغْفِفِ
الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمر بالاستعفاف وهو الاجتهاد في طلب
العفّة من الحرام لمَن لا يقدر على التزوّج، فقوله لا يجدون نكاحًا معناه لا يجدون استطاعة
على التزوّج بأي وجه تعذر التزوّج، وقيل معناه لا يجدون صداقًا للنكاح، والمعنى الأول
أعمّ، والثاني أليق بقوله حتى يغنيهم الله من فضله ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَثْ
أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِيُوهُمْ﴾ الكتاب هنا مصدر بمعنى الكتابة، وهي مقاطعة العبد على مال منجم
فإذا أدّاه خرج حرًّا، وإن عجز بقي رقيقًا، وقيل إن الآية نزلت بسبب حويطب بن
عبد العزّى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، وحكمها مع ذلك عامّ فأمر الله سادات العبيد
أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة، وهذا الأمر على الندب عند مالك والجمهور، وقال الظاهرية
وغيرهم هو على الوجوب وذلك ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنس بن مالك
حين سأله مملوكه سيرين الكتابة فتلكأ أنس فقال له عمر لتكاتبته أو لأُوجعنّك بالدرّة، وإنما
حمله مالك على الندب لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها،
واختلف هل يجبر السيد عبده على الكتابة أم لا؟ على قولين في المذهب ﴿إن عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
خَيْرًا﴾ الخير هنا القوة على أداء الكتابة بأيّ وجه كان، وقيل هو المال الذي يؤدّي منه كتابته
من غير أن يسأل أموال الناس، وقيل هو الصلاح في الدين ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي
آتَاكُمْ﴾ هذا أمر بإعانة المكاتب على كتابته واختلف فيمن المخاطب بذلك فقيل هو خطاب
للناس أجمعين، وقيل للولاة، والأمر على هذين القولين للندب، وقيل هو خطاب السادات
المكاتبين، وهو على هذا القول ندب عند مالك، ووجوب عند الشافعي فإن كان الأمر
للناس، فالمعنى أن يعطوهم صدقات من أموالهم، وإن كان للولاة فيعطوهم من الزكاة،

٩٢
تفسير سورة النور
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَيَتٍ مُّبَيْنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ
اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ()
وإن كان للسادات فيحطّوا عنهم من كتابتهم، وقيل يعطوهم من أموالهم من غير الكتابة،
وعلى القول بالحطّ من الكتابة اختلف في مقدار ما يحط، فقيل الربع، ورُوِيَ ذلك عن
رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم وقيل الثلث، وقال مالك والشافعي: لا حدّ في
ذلك، بل أقلّ ما ينطلق عليه اسم شيء إلاّ أن الشافعي يجبره على ذلك، ولا يجبره مالك،
وزمان الحطّ عنه في آخر الكتابة عند مالك، وقيل في أول نجم ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى
الْبِغَاءِ﴾ معنى البغاء الزنا، نهى الله المسلمين أن يجبروا مملوكاتهم على ذلك وسبب الآية
أن عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق كان له جاريتان، فکان یأمرهما بالزنا للكسب منه
"وَللولادة، ويضربهما على ذلك، فشكتا ذلك إلى النبي وَلّ فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل
فعله ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾ هذا الشرط راجع إلى إكراه الفتيات على الزنا إذ لا يتصور إكراههن
إلاّ إذا أردن التحصّن وهو التعفّف، وقيل هو راجع إلى قوله وأنكحوا الأيامى وذلك بعيد
﴿لْتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني ما تكسبه الأمَة بفرجها، وما تلده من الزنا؛ ويتعلق.
لتبتغوا بقوله لا تكرهوا ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ المعنی غفور
لهنّ رحيم بهنّ لا يؤاخذهنّ بالزنا، لأنهم أُكرهن عليه، ويحتمل أن يكون المعنى غفور
رحيم للسيد الذي يكرههنّ إذا تاب من ذلك ﴿آيَاتٍ مُّبَيِّئَاتٍ﴾ بفتح الياء: أي بيّنها الله؛
وبالكسر مبينات للأحكام والحلال والحرام ﴿وَمَثَلاَ﴾ يعني ضرب لكم الأمثال بمَن كان
قبلكم في تحريم الزنا، لأنه كان حرامًا في كل ملّة أو في براءة عائشة كما برّأ يوسف ومريم
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَواتِ والأَرْضِ﴾ النور يطلق حقيقة على الضوء الذي يدرك بالأبصار، ومجازًا
على المعاني التي تدرك بالقلوب، والله ليس كمثله شيء، فتأويل الآية الله ذو نور السموات
والأرض؛ ووصف نفسه بأنه نور كما تقول زيد كرم إذا أردت المبالغة في أنه كريم، فإن
أراد بالنور المدرك بالأبصار، فمعنى نور السموات والأرض أنه خلق النور الذي فيهما من
الشمس والقمر والنجوم، أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود، فإنما ظهرت به
كما تظهر الأشياء بالضوء، ومن هذا المعنى قرأ عليّ بن أبي طالب ((الله نوّر السموات
والأرض)) بفتح النون والواو والراء وتشديد الواو: أي جعل فيهما النور، وإن أراد بالنور
المدرك بالقلوب، فمعنى نور السموات والأرض جاعل النور في قلوب أهل السماوات
والأرض ولهذا قال ابن عباس: معناه هادي أهل السماوات والأرض ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ:
فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المشكاة هي الكوّة غير النافذة تكون في الحائط ويكون المصباح فيها شدید

٩٣
تفسير سورة النور
الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَكَبٌ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ
يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ
الإضاءة، وقيل المشكاة العمود الذي يكون المصباح على رأسه، والأوّل أصحّ وأشهر،
والمعنى صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح على أعظم ما يتصوّره البشر من
الإضاءة والإنارة، وإنما شبّه بالمشكاة وإن كان نور الله أعظم، لأن ذلك غاية ما يدركه
الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه وقيل الضمير في نوره عائد
على سيدنا محمد وَ له، وقيل على القرآن، وقيل على المؤمن، وهذه الأقوال ضعيفة لأنه
لم يتقدّم ما يعود عليه الضمير، فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول الله نور السموات والأرض
فأخبر أنه هو النور، ثم أضاف النور إليه في قوله مثل نوره، والمضاف عين المضاف إليه؟
فالجواب أن ذلك يصحّ مع التأويل الذي قدّمناه أي الله ذو نور السماوات والأرض، أو كما
تقول زيد كرم، ثم تقول ينعش الناس بكرمه ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة﴾ المصباح هو الفتيل
بناره، والمعنى أنه في قنديل من زجاج لأن الضوء فيه أزهر، لأنه جسم شفّاف ﴿الزُّجَاجَةُ
كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرٌِّّ﴾ شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب دريّ، وذلك يحتمل معنيين إما أن
يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها، وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء لصفائها
ورقة جوهرها، وهذا أبلغ لاجتماع نورها مع نور المصباح، والمراد بالكوكب الدرّيّ أحد
الدراري المضيئة: كالمشتري، والزهرة، وسهيل، ونحوها، وقيل أراد الزهرة، ولا دليل
على هذا التخصيص، وقرأ نافع دري بضمّ الدال وتشديد الياء بغير همزة ولهذه القراءة
وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدرّ لبياضه وصفائه، أو يكون مسهّلا من الهمز،
وقرىء بالهمز وكسر الدال وبالهمز وضم الدال، وهو مشتق من الدرء بمعنى الدفع ﴿يُوقَدُ
مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ مَن قرأ يوقد بالياء أو توقد بالفعل الماضي فالفعل مسند إلى
المصباح، ومَن قرأ توقد بالتاء والفعل المضارع فهو مسند إلى الزجاجة، والمعنى: توقد من
زيت شجرة مباركة، ووصفها بالبركة لكثرة منافعها، أو لأنها تنبت في الأرض المباركة وهي
الشام ﴿لَاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ قيل يعني أنها بالشام فليست من شرق الأرض ولا من غربها،
وأجود الزيتون زيتون الشام، وقيل هي منكشقة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصة
للشرق فتسمّى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية بل هي غربية شرقية، لأن الشمس تستدير
عليها من الشرق والغرب، وقيل إنها في وسط دوحة لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في
جهة الغرب، وقيل إنها من شجرة الجنة ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية ﴿يَكَادُ

٩٤
تفسير: سورة النور
اُلْأَثَلَ لِلنَّاسِنَّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿َافِ بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُّسَيِّحُ لَهُمـ
فِهَا بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِّ جَ رِجَالٌ لَا نُذْهِمِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةَ
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن
٣٧
يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ
فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ الْجَ وَلَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ
زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ مبالغة في وصف صفائه وحُسْنه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني
اجتماع نور المصباح وحُسْن الزجاجة وطيب الزيت، والمراد بذلك كمال النور الممثّل به
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أي يوفّق الله مَن يشاء لإصابةِ الحق ﴿فِي بُيُوتِ﴾ يعني
المساجد، وقيل بيوت أهل الإيمان من مساجد أو مساكن، والأول أصحّ، والجار يتعلق بما
قبله: أي كمشكاة في بيوت، أو توقد في بيوت، وقيل بما بعده وهو يسبح، وكرّر الجارّ
بعد ذلك تأكيدًا، وقيل بمحذوف: أي سبّجوا في بيوت أذِنَ الله أن تُرفَع، والمراد بالإذن
الأمر، ورفعها بناؤها، وقيل تعظيمها ﴿بالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ﴾ أي غدوة وعشية وقيل أراد الصبح
والعصر وقيل صلاة الضحى والعصر ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل يسبح على القراءة بكسر الباء، وأما
على القراءة بالفتح فهو مرفوع بفعل مضمر يدلّ عليه الأول ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن
ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي لا تشغلهم، ونزلت الآية في أهل الأسواق الذين إذا يسمعوا النداء بالصلاة
تركوا كل شغل وبادروا إليها، والبيع من التجارة، ولكنه خصّه بالذكر تجريدًا كقوله: فاكهة
ونخل ورمان، أو أراد بالتجارة الشراء ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ أي تضطرب من شدّة
الهول والخوف، وقيل تفقه القلوب وتبصر الأبصار بعد العمى، لأن الحقائق تنكشف
حينئذٍ، والأول أصحّ كقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وبَلَغَتَ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾
[الأحزاب: ١٠]، وفي قوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ تجنيس ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلق بما
قبله، أو بفعل من معنى ما قبله ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ تقديره جزاء أحسن ما عملوا ﴿وَيَزِيدَهُم
مّن فَضْلِهِ﴾ يعني زيادة على ثواب أعمالهم ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ذكر في البقرة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةِ﴾ لما ذكر الله حال المؤمنین أعقب ذلك بمثالین لأعمال الکافرین:
الأول يقتضي حال أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل
السراب، والثاني يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال كالظلمات
التي بعضها فوق بعض، والسراب هو ما يُرَى في الفلوات من ضوء الشمس في الهجيرة
حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض والقيعة جمع قاع وهو المنبسط من الأرض،
وقيل بمعنى القاع وليس بجمع ﴿يَحسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءَ﴾ الظمآن العطشان: أي يظن العطشان

٩٥
تفسير سورة النور
اُلَّمْئَانُ مَآءَ حَتَّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَقَّتُهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ
اَلْحِسَابٍ ﴿ أَوْ كَظُلُمَتٍ فِى بَحْرٍ لُّجٍِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ مُطْلُمَنُ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَدُ بَرَهَا وَمَن لَّْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ (٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ
أن السراب ماء، فيأتيه ليشربه، فإذا جاء خاب ما أمل، وبطل ما ظنّ، وكذلك الكافر يظن
أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم تنفعه فهي كالسراب ﴿حَتَّى إذَا جَاءَهُ﴾ ضمير
الفاعل للظمآن، وضمير المفعول للسراب أو ضمير الفاعل للكافر وضمير المفعول لعمله
﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي شيئًا ينتفع به أو شيئًا موجودًا على العموم لأنه معدوم، ويحتمل أن
يكون ضمير الفاعل للظمآن وضمير المفعول للسراب. أو ضمير الفاعل للكافر وضمير
المفعول لعمله ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ ضمير الفاعل في وجد الكافر، والضمير في عنده
لعمله، والمعنى وجد الله عنده بالجزاء، أو وجد زبانية الله ﴿أَو كَظُلُمَاتٍ﴾ هذا هو المثال
الثاني، وهو عطف على قوله كسراب، والمشبّه بالظلمات أعمال الكافر: أي هم من
الضلال والحيرة في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب
﴿فِي بَخْرٍ لْجِّيَ﴾ منسوب إلى اللج، وهو معظم الماء، وذهب بعضهم إلى أن أجزاء هذا
المثال قوبلت به أجزاء الممثل به: فالظلمات أعمال الكافر، والبحر اللجي صدره، والموج
جهله، والسحاب الغطاء الذي على قلبه، وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير
مقابلة وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغة كما أن وصف النور المذكور قبلها
مبالغة ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَذْ يَرَاهَا﴾ المعنى مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في أخرج
وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة واختلف في تأويل الكلام: فقيل المعنى
إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ومقاربتها، وقيل بل رآها بعد عسر وشدّة، لأن
كاد إذا نفيت تقتضي الإيجاب، وإذا أوجبت تقتضي النفي، وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا
دخل حرف النفي على الفعل الذي بعدها فأما إذا دخل حرف النفي على كاد كقوله لم
يكد، فإنه يحتمل النفي والإيجاب ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أي مَن لم يهده الله لم
يهتد، فالنور كناية عن الهدى، والإيمان في الدنيا، وقيل أراد في الآخرة أي مَن لم يرحمه
الله فلا رحمة له، والأول أليق بما قبله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَواتِ
والأَرْضِ﴾ الرؤية هنا بمعنى العلم والتسبيح التنزيه والتعظيم وهو من العقلاء بالنطق، وأما
تسبيح الطير وغيرها مما لا يعقل، فقال الجمهور إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله
التسبيح، كما يلهمها الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء، وقيل تسبيحه ظهور

٩٦
تفسير سورة النور
اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَّقَّتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ (٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤) أَوْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ يُرْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلّفُ
بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرَدِ فَيُصِبُ بِهِ،
يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِى
٤٣
مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُمُ عَن مَن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرَّقِهِ، يَذْهَبُ بِآلْأَنْصَرِ
وَللَّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبَّةٍ مِّن مَّأْءٍ فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ !
عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ بَ لَّقَدْ أَنْزَلْنَآَ
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ
(٤٦
ءَايَتٍ مُّبَبِنَتٍّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ !
وَإِذَا دُعُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ،
٤٧
وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكٌ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
◌ِيَحْكُمْ بَهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤) وَإِنِ يَكُن لَُّ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُّذْ ◌ِينَ (٤) أَِ قُلُوبِهِمِ قَرَضُ أَيِ
الحكمة فيه ﴿صَافَّاتٍ﴾ يصففن أجنحتهنّ في الهواء ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ﴾ الضمير في علم الله، أو
لكل، والضمير في صلاته وتسبيحه لكل ﴿يُزْجِي﴾ معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في
سوق كل ثقيل كالسحاب ﴿رُكَامًا﴾ متكاثف بعضه فوق بعض ﴿الْوَذْقَ﴾ المطر ﴿مِنْ
خِلاَلِهِ﴾ أي من بينه، وهو جمع خلل كجبل وجبال ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن
بَرَدٍ﴾ قيل إن الجبال هنا حقيقة وأن الله جعل في السماء جبالاً من برد، وقيل إنه مجاز
كقولك عند فلان جبال من مال أو علم: أي هي في الكثرة كالجبال، ومن في قوله: ﴿مِنَ
السَّمَاءِ﴾ لابتداء الغاية، وفي قوله: ﴿مِن جِبَالٍ﴾ كذلك، وهي بدل من الأولى، وتكون
للتبعيض، فتكون مفعول ينزل، ومن في قوله: ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لبيان الجنس أو للتبعيض فتكون
مفعول ينزل، وقال الأخفش هي زائدة، وذلك ضعيف، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ صفة للجبال،
والضمير يعود على السماء ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ السنا بالقصر الضوء، وبالمدّ المجد والشرف.
﴿يُقَلْبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي يأتي بهذا بعد هذا ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يعني بني آدم
والبهائم والطير لأن ذلك كله يدبّ ﴿مِّن مَّاءٍ﴾ يعني المنيّ، وقيل الماء الذي في الطين
الذي خلق منه آدم وغيره ﴿عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيّات والحوت ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَا﴾ الآية: نزلت في
المنافقين، وسببها أن رجلاً من المنافقين کانت بينه وبين يهودي خصومة، فدعاه اليهودي
إلى رسول الله ◌َ* فأعرض عنه، ودعاه إلى كعب بن الأشرف ﴿مُذْعِنِينَ﴾ أي منقادين
طائعين لقصد الوصول إلى حقوقهم ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ توقيف يراد به التوبيخ، وكذلك

٩٧
تفسير سورة النور
آرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ
إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَّنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمَن يُطِيع
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ ﴿ ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ
لَيَخْرُجُنُّ قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥) قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرّسُولٌّ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حِلَ وَعَلَيْهِكُمْ مَّ ◌ُمِّلْتٍُّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
! وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
٥٤
الْبَغُ الْمُبِينُ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُم مِّنَّ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمَّنَّا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئَأْ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَّكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
(٥٥ )
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُمُونَ ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ما بعده ﴿أَن يَحِيفَ﴾ معناه أن يجور، والحيف الميل، وأسنده إلى الله، لأن الرسول إنما
يحكم بأمر الله وشرعه ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. معناها إنما الواجب أن يقول
المؤمنون: سمعنا وأطعنا إذا دعوا إلى الله ورسوله، وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى
شرعه ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية: قال ابن عباس: معناها من يطع الله في فرائضه
ورسوله في سنته ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل، وسأل بعض
الملوك عن آية كافية جامعة فذكرت له هذه الآية، وسمعها بعض بطارقة الروم فأسلم، وقال
إنها جمعت كل ما في التوراة والإنجيل ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أي حلفوا، والضمير للمنافقين ﴿جَهْدَ
أَيْمَانِهِمْ﴾ أي بالغوا في اليمين وأكدوها ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ يعني إلى الغزو ﴿قُل لاَّ تُقْسِمُوا﴾ نهى
عن اليمين الكاذبة لأنه قد عرف أنهم يحلفون على الباطل ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ مبتدأ وخبره
محذوف أي طاعة معروفة أمثل وأولى بكم، أو خبر مبتدأ محذوف أي المطلوب منكم
طاعة معروفة لا يشك فيها ﴿عَلَيْهِ مَا حُمُّلَ﴾ يعني تبليغ الرسالة ﴿وَعَلَيْكُم مَّا حُمُلْتُمْ﴾ يعني
السمع والطاعة واتّباع الشريعة ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ وعد ظهر صدقه بفتح مشارق
الأرض ومغاربها لهذه الأمة، وقيل إن المراد بالآية: خلافة أبي بكر وعثمان وعليّ رضي
الله عنهم لقول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم: ((الخلافة بعدي ثلاثون
سنة))، وانتهت الثلاثون إلى آخر خلافة عليّ، فإن قيل، أين القسم الذي جاء قوله:
﴿لَيَسْتَخْلِفَتَّهُمْ﴾ جوابًا له؟ فالجواب أنه محذوف تقديره: وعده الله وأقسم، أو جعل

٩٨
تفسير سورة النور
مُعْجِزِينَ فِ اْأَرْضِّ وَمَأْوَدَهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِ نِكُمُ الَّذِينَ
مَكَكَتْ أَيْمَئِكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اَلُْلُمُ مِنْكُرْ ثَثَ مَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوْةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ
اُلَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَآءِ ثَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاتٌ بَعْدَ هُنّ
طَوَّقُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥) وَإِذَا
بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَقْذِنُواْ كَمَا أُسْتَنْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴿يَا وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَلِحًا فَلَيْسَ
الوعد بمنزلة القسم لتحقّقه ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قيلِ المراد بالذين ملكت
أيمانكم: الرجال خاصّة، وقيل النساء خاصّة، لأن الرجال يستأذنون في كل وقت وقيل
الرجال والنساء ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ يعني الأطفال غير البالغين ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ نصب
على الظرفية لأنهم أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، فمعنى الآية أن الله أمر المماليك
والأطفال بالاستئذان في ثلاثة أوقات، وهي قبل الصبح وحين القائلة وسط النهار، وبعد
صلاة العشاء الأخيرة، لأن هذه الأوقات يكون الناس فيها متجردين للنوم في غالب أمرهم،
وهذه الآية محكمة؛ وقال ابن عباس: ترك الناس العمل بها، وحملها بعضهم على الندب
﴿تَضَعُونَ ثِيَابَكُم﴾ يعني تتجرّدون ﴿الظَّهِيرَةِ﴾ وسط النهار ﴿ثَلاَثُ عَزْرَاتٍ﴾ جمع عورة من
الانكشاف كقوله بيوتنا عورة، ومَن رفع ثلاث فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الأوقات
ثلاث عورات لكم: أي تنكشفون فيها، ومَن نصبه فهو بدل من ثلاث مرات ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ هذا الضمير المؤنث يعود على الأوقات المتقدّمة أي ليس عليكم
ولا على المماليك والأطفال جُناح في ترك الاستئذان في غير المواطن الثلاثة ﴿طَوَّافُونَ
عَلَيْكُم﴾ تقديره المماليك والأطفال طوّافون عليكم، فلذلك يؤمر بالاستئذان في كل وقت
﴿بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بدل من طوّافون: أي بعضكم يطوف على بعض وقال الزمخشري
هو مبتدأ أي بعضكم يطوف على بعض أو فاعل بفعل مضمر ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ
فَلْيَسْتَئْذِنُوا﴾ لما أمر الأطفال في الآية المتقدمة بالاستئذان في ثلاثة أوقات، وأباح لهم
الدخول بغير إذن في غيرها: أمرهم هنا بالاستئذان في جميع الأوقات إذا بلغوا ولحقوا
بالرجال ﴿وَالقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ جمع قاعد وهي العجوز، فقيل هي التي قعدت عن الولد،
وقيل التي قعدت عن التصرّف، وقيل التي إذا رأيتها استقذرتها ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن
يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما لم يبح لغيرهنّ من وضع الثياب، قال

٩٩
تفسير سورة النور
عَلَيْهِرَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ
ـَجَ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
أَخْوَ لِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ: أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ
ابن مسعود إنما أُبيح لهنّ وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم: إنما
ذلك في منزلها الذي يراها فيها ذوو محارمها ﴿غَيْرَ مُتَبَرْجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ إنما أباح الله لهنّ وضع
الثياب بشرط ألاّ يقصدن إظهار زينة، والتبرّج هو الظهور ﴿وَأَن يَسْتَغْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ المعنى
أن الاستعفاف عن وضع الثياب المذكورة خير لهنّ من وضعها والأولى لهنّ أن يلتزمن ما
يلتزم شباب النساء من الستر ﴿لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجْ﴾ الآية اختلف في المعنى الذي رفع
الله فيه الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية، فقيل هو في الغزو أي لا
حرج عليهم في تأخيرهم عنه، وقوله: ﴿وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ مقطوع من الذي قبله على هذا
القول كأنه قال: ليس على هؤلاء الثلاثة حرج في ترك الغزو، ولا عليكم حرج في الأكل،
وقيل الآية كلها في معنى الأكل، واختلف الذاهبون إلى ذلك، فقيل إن أهل هذه الأعذار
كانوا يجتنبون الأكل مع الناس لئلا يتقذرهم الناس، فنزلت الآية مُبيحة لهم الأكل مع
الناس، وقيل إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو خلفوا أهل هذه الأعذار في بيوتهم،
وكانو يتجنبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية في ذلك، وقيل إن الناس كانوا يتجنبون الأكل
معهم تقذّرًا، فنزلت الآية، وهذا ضعيف، لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم،
وقيل إن رفع الحرج عن هؤلاء الثلاثة في كل ما تمنعهم عنه أعذارهم من الجهاد وغيره
﴿وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أباح الله تعالى للإنسان الأكل في هذه البيوت
المذكورة في الآية، فبدأ ببيت الرجل نفسه، ثم ذكر القرابة على ترتيبهم ولم يذكر فيهم
الابن، لأنه دخل في قوله من بيوتكم، لأن بيت ابن الرجل بيته، لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((أنت ومالك لأبيك))، واختلف العلماء فيما ذكر في هذه الآية من الأكل من بيوت
القرابة فذهب قوم إلى أنه منسوخ، وأنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلاّ بإذنه والناسخ قوله
تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَينكم بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا يحلّ مال امرىء مسلم إلاّ عن طيب نفس منه))، وقيل الآية محكمة، ومعناها
إباحة الأكل من بيوت القرابة إذا أذنوا في ذلك، وقيل بإذن وبغير إذن ﴿أَو مَا مَلَكْتُم

١٠٠
تفسير سورة النور
عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا فَسَلِّمُواْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً
مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ لَّيِّبَةُ كَذَلِكَ يُبَيِّبُّ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ (٨١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ
حَّ يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعْدِ نُونَكَ أُوْلَمِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَإِذَا اسْتَنْذَ نُوَكَ لِبَعْضِ
شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿يَ لَا تَجْعَلُواْ
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذَّاً
مَّفَاتِحَهُ﴾ يعني الوكلاء والأجراء والعبيد الذين يمسكون مفاتح مخازن أموال ساداتهم، فأباح
لهم الأكل منها، وقيل المراد ما ملك الإنسان من مفاتح نفسه وهذا ضعيف ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾
الصديق يقع على الواحد والجماعة، كالعدوّ، والمراد به هنا جمع ليناسب ما ذكر قبله من
الجموع في قوله وآبائكم وأُمّهاتكم وغير ذلك، وقرن الله الصديق بالقرابة، لقرب مودّته، وقال
ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشْتَاتا﴾ إباحة
للأكل في حال الاجتماع والانفراد، لأن بعض العرب كان لا يأكل وحده أبدًا خيفة من
البخل، فأباح لهم الله ذلك ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُم﴾ أي إذا دخلتم بيوتًا
مسكونة، فسلّموا على مَن فيها من الناس، وإنما قال على أنفسكم بمعنى صنفكم كقوله:
﴿وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقيل المعنى إذا دخلتم بيوتًا خاليةً فسلّموا على
أنفسكم بأن يقول الرجل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقيل يعني بالبيوت
المساجد، والأمر بالسلام على مَن فيها، فإن لم يكن فيها أحد فيسلّم على النبي صلّى الله
عليه وآله وسلّم وعلى الملائكة وعلى عباد الله الصالحين ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَامِعٍ﴾
الآية: الأمر الجامع هو ما يجمع الناس للمشورة فيه، أو للتعاون عليه. ونزلت هذه الآية
في وقت حفر الخندق بالمدينة، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة،
وكان المنافقون يذهبون بغير استئذان ﴿لِبَعْضِ شَأْتِهِمْ﴾ أي لبعض حوائجهم ﴿لاَّ تَجْعَلُوا
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ في معناها ثلاثة أقوال الأول أن الدعاء هنا يراد
به دعاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إياهم ليجتمعوا إليه في أمر جامع أو في قتال وشبه
ذلك، فالمعنى أن إجابتكم له إذا دعاكم واجبة عليكم بخلاف إذا دعا بعضكم بعضًا، فهو
كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ويقوّي هذا القول
مناسبته لما قبله من الاستئذان والأمر الجامع، والقول الثاني أن المعنى لا تدعوا الرسول