النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ تفسير سورة الأنبياء أَ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ /٧ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴿ وَعَلََّّنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ اُلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَاَلَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ والمتخاصمين، وقيل لداود وسليمان خاصة، على أن يكون أقلّ الجمع اثنان ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ تخاصم إلى داود رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فقضى داود بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، ووجه هذا الحكم أن قيمة الزرع كانت مثل قيمة الغنم فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال يا نبيّ الله لو حكمت بغير هذا كان أرفق للجميع، قال وما هو : قال يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع رُدّت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربّها، فقال له داود: وُفْقت يا بنيّ، وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الزرع، وواجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحًا لا حكمًا، واختلف الناس هل كان حكمهما بوحي أو اجتهاد فمَن قال كان باجتهاد أجاز الاجتهاد للأنبياء، ورُوِيّ أن داود رجع عن حكمه لما تبيّن له أن الصواب خلافه، وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حقّ الأنبياء، وعلى القول بالجواز اختلف، هل وقع أم لا؟ وظاهر قوله ففهمناها سليمان: أنه كان باجتهاد فخصّ الله به سليمان ففهم القضية، ومَن قال كان بوحي جعل حكم سليمان ناسخًا لحكم داود، وأما حكم إفساد المواشي الزرع في شرعنا، فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، وعلى هذا يدلّ حكم داود وسليمان، لأن النفش لا يكون إلاّ بالليل، وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار، لقوله وَلّ: ((العجماء جرحها جبّار)) ﴿وَكُلاَّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قيل يعني في هذه النازلة، وأن داود لم يخطىء فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدلّ على هذا القول أن كل مجتهد مصيب، وقيل بل يعني حكمًا وعلمًا في غير هذه النازلة، وعلى هذا القول فإنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِخْنَ وَالطَّيْرَ﴾ كان هذا التسبيح قول سبحان الله، وقيل الصلاة معه إذا صلّى، وقدّم الجبال على الطير، لأن تسبيحها أغرب إذ هي جماد ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا، وقال ابن عطية: معناه كان ذلك في حقه لأجل أن داود استوجب ذلك مناصفة ﴿صَنْعَةً ◌َبُوسٍ﴾ يعني دروع الحديد، وأول مَن صنعها داود عليه السلام، وقال ابن عطية اللبوس في اللغة السلاح وقال الزمخشري اللبوس اللباس ﴿لِتُخْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ﴾ أي لتقيكم في القتال ٤٢ تفسير سورة الأنبياء جَ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى بِأَمْرِةٍ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكَنَا فِيهَاً بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴿ وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ٨١ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴿ وَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ ٨٢ ذَلِكٌ وَكُنَا لَهُمْ حَفِظِينَ / فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرِّ وَءَاتَيْتَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً ٨٣ الزَّحِمِينَ ٨٥ ] وَإِسْمَئِعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّبِينُ ٨٤ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ لَ وقرىء بالياء والتاء والنون، فالنون الله تعالى، والتاء للصنعة، والياء لداود أو لليوس ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ لفظ استفهام، ومعناه استدعاء إلى الشكر ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ عطفب الريح على الجبال، والعاصفة هي الشديدة فإن قيل: كيف يقال عاصفة وقال في ص رخاء أي ليّنة؟ فالجواب: أنها كانت في نفسها ليّنة طيّبة، وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين، وقيل كانت رخاء في ذهابه، وعاصفة في رجوعه إلى وطنه، لأن عبادة المسافرين الإسراع في الرجوع؛ وقيل كانت تشتدّ إذا رفعت البساط وتلين إذا حملته ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني أرض الشام وكانت مسكنه وموضع ملکه فخصّ في الآية الرجوع إليها لأنه يدلّ على الانتقال منها ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي يدخلون في الماء ليستخرجوا له الجواهر من البحار ﴿عَمَلاَ دُونَ ذَلِكَ﴾ أقلّ من الغوص كالبنيان والخدمة ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره، أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه، وقيل معناه عالمين بعددهم ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ كان أيوب عليه السلام نبيًّا من الروم، وقيل من بني إسرائيل، وكان له أولاد ومال كثير فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلّط البلاء(١) على جسمه فصبر إلى أن مرّ به قومه فشمتوا به، فحينئذ دعا الله تعالى، على أن قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ليس تصريحًا بالدعاء، ولكنه ذكر نفسه بما يوحب الرحمة ووصف ربّه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان في ذلك من حُسْن التلطّف ما ليس في التصريح بالطلب ﴿فَكَشَفْتَا مَا بِهِ مِن ضُرّ﴾ لما استجاب الله له أنبع له عينًا من ماء فشرب منه واغتسل فبرىء من المرض والبلاء ﴿وَآتَيْنَاه أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ رُوِيَ أن الله أحيا أولاده الموتى ورزقهم مثلهم معهم في الدنيا وقيل في الآخرة، وقيل ولدت امرأته مثل عدد أولاده الموتى ومثلهم معهم، وأخلف الله عليه أكثر مما ذهب من ماله ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنّا﴾ أي رحمة لأيوب، وذكرى لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، ويحتمل أن تكون الرحمة والذكرى معًا للعابدين ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قیل هو إلياس وقيل زكريا، وقيل نبيّ بعث إلى رجل (١) المراد بالبلاء المرض الذي أصابه وهو مرض باطني لا تنفر منه الطباع البشرية لعصمة الأنبياء من ذلك . ٤٣ تفسير سورة الأنبياء وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَِّحِينَ (٨) وَذَا اُلُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَتَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ اللَّه وَذَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَُّ رَبٍ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِثِنَ ◌َا فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ (١) وَالَّتِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا واحد، وقيل رجل صالح غير نبي، وسُمّي ذَا الكفل: أي ذا الحظ من الله وقيل لأنه تكفّل لليسع بالقيام بالأمر من بعده ﴿وَذَا النُّونِ﴾ هو يونس عليه السلام، والنون هو الحوت نسب إليه لأنه التقمه ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي مغاضبًا لقومه إذ كان يدعوهم إلى الله فيكفرون حتى أدركه ضجر منهم فخرج عنهم، ولذلك قال الله: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾، ولا يصحّ قول مَن قال مغاضبًا لربّه ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْه﴾ أي ظن أن نضيق عليه، فهو من معنى قوله قدر عليه رزقه، وقيل هو من القدر والقضاء: أي ظن أن لن نضيق عليه بعقوبة، ولا يصحّ قول مَن قال إنه من القدرة ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قيل هذا الكلام محذوف لبيانه في غير هذه الآية، وهو أنه لما خرج ركب السفينة فرُمِيَ في البحر فالتقمه الحوت فنادى في الظلمات، وهي ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ويحتمل أنه عبّر بالظلمة عن بطن الحوت لشدّة ظلمته كقوله: ﴿وتركهم في ظلمات﴾ ﴿أنَّ لاَ إلهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أن مفسّرة أو مصدرية على تقدير نادى بأن، والظلم الذي اعترف به كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني من بطن الحوت وإخراجه إلى البرّ ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يحتمل أن يكون مطلقًا أو لمَن دعا بدعاء يونس، ولذلك قال رسول الله وقال: ((دعوة أخي يونس ذي النون ما دعا بها مكروب إلاّ استجيب له)) ﴿لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي بلا ولد ولا وارث ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ إن لم ترزقني وارثًا فأنت خير الوارثين، فهو استسلام الله ﴿وَأَضْلَخْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يعني ولدت بعد أن كانت عقيمًا، واسم زوجته أشياع، قاله السهيلي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ والضمير للأنبياء المذكورين ﴿رغبًا وَرَهَبًا﴾ الرغب الرجاء، والرهب الخوف، وقيل الرغب أن ترفع إلى السماء بطون الأيدي، والرهب أن ترفع ظهورها ﴿وَالَّتِي أَخْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ هي مريم بنت عمران ومعنى أحصنت من العفّة أي أعفته عن الحرام والحلال، كقولها لم يمسسني بشر ﴿فَتَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا﴾ ٤٤ تفسير سورة الأنبياء ٩١ وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ أُمَةٌ وَحِدَةً وَأَنَأْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ () وَتَقَطّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ ( ٩٣ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ أَ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ ٩٤ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ ◌َ حَتََّ إِذَا فِحَتْ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوعُ وَهُم مِّن ◌ُلِّ حَدَبٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ ٩٥ يَنْسِلُونَ () وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوَّيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أي أجرينا فيها روح عيسى لما نفخ جبريل في جيب درعها، ونسب الله النفخ إلى نفسه لأنه كان بأمره والروح هنا هو الذي في الجسد، وأضاف الله الروح إلى نفسه للتشريف أو للملك ﴿آيَةً﴾ أي دلالة، ولذلك لم يثنِ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتْكُمْ﴾ أي ملتكم ملّة واحدة، وهو خطاب للناس كافّة، أو المعاصرين لسيّدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: أي إنما بعث الأنبياء المذكورون بما أمرتم به من الدين، لأن جميع الأنبياء متّفقون في أصول العقائد ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ أي اختلفوا فيه، وهو استعارة من جعل الشيء قطعًا، والضمير للمخاطبين، قيل فالأصل تقطعتم ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْنِهِ﴾ أي لإبطال ثواب عمله ﴿وَإِنَّا لَهُ كَائِبُونَ﴾ أي نكتب عمله في صحيفته ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ قرىء حرام بكسر الحاء وهو بمعنى حرام، واختلف في معنى الآية، فقيل حرام بمعنى ممتنع على قرية أراد الله إهلاكها أن يرجعوا إلى الله بالتوبة، أو ممتنع على قرية أهلكها الله أن يرجعوا إلى الدنيا، ولا زائدة في الوجهين، وقيل حرام بمعنى حتم واقع لا محالة، ويتصوّر فيه الوجهان، وتكون لا نافية فيهما أي حتم عدم رجوعهم إلى الله بالتوبة أو حتم عدم رجوعهم إلى الدنيا وقيل المعنى ممتنع على قرية أهلكها الله أنهم لا يرجعون إليه في الآخرة؛ ولا على هذا نافية أيضًا، ففيه ردّ على مَن أنكر البعث ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ حتى هنا حرف ابتداء أو غاية متعلقة بيرجعون، وجواب إذا: فإذا هي شاخصة، وقيل الجواب يا ويلنا لأن تقديره يقولون يا ويلنا، وفتحت يأجوج ومأجوج أي فتح سدّها فحذف المضاف ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ الحدب المرتفع من الأرض، وينسلون: أي يسرعون، والضمير ليأجوج ومأجوج: أي يخرجون من كل طريق لكثرتهم، وقيل لجميع الناس ﴿الوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني القيامة ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ إذا هنا للمفاجأة، والضمير عند سيبويه ضمير القصة، وعند الفرّاء، للأبصار، وشاخصة من الشخوص وهو إحداد النظر من ٤٥ تفسير سورة الأنبياء حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴾َ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَاً وَكُلُّ فِيهَا إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا خَلِدُونَ (ْج لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ الثّ اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (٨٤) لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِ مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْـ خَالِدُونَ ﴿َ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَلَقَّتُهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١) يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِّ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ () وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الخوف ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ هذا خطاب للمشركين، والحصب: ما توقد به النار: كالحطب وقرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ((حطب جهنم)) والمراد بما تعبدون الأصنام وغيرها تحرق في النار توبيخًا لمَن عبدها ﴿وَارِدُونَ﴾ الورود هنا الدخول ﴿زَفِيرٌ﴾ ذكر في هود ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ قیل یجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون شيئًا، وقيل يصمّهم الله كما يعميهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ سبقت أي قضيت في الأزل، والحسنى السعادة، ونزلت الآية لما اعترض ابن الزبعرى على قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، فقال إن عيسى وعزير والملائكة قد عبدوا، فالمعنى إخراج هؤلاء من ذلك الوعيد. واللفظ مع ذلك على عمومه في كل مَن سبقت له السعادة ﴿حَسِيسَهَا﴾ أي صوتها ﴿الفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ أهوال القيامة على الجملة، وقيل ذبح الموت وقيل النفخة الأولى في الصور لقوله: ﴿فَفَزِعَ مَن في السمواتِ ومَن فِي الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، ﴿كَطَيّ السّجِلْ لِلْكُتُبٍ﴾ السجل الصحيفة والكتاب مصدر: أي كما يطوى السجل ليُكتَب فيه، أو ليُصان الكتاب الذي فيه، وقيل السجل رجل كاتب وهذا ضعيف، وقيل هو مَلَك في السماء الثانية تُرفَع إليه الأعمال، وهذا أيضًا ضعيف ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ﴾ أي كما قدرنا على البداءة نقدر على الإعادة، فهو كقوله: ﴿قُلْ يُخْبِيھا الَّذي أَنشَأَهَا أَوّل مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، وقيل المعنى نعيدهم على الصورة التي بدأناهم كما جاء في الحديث: ((يحشر الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُزلاً))، ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده، والكاف متعلقة بقوله نعيده ﴿فَاعِلِينَ﴾ تأكيدًا لوقوع البعث. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ في الزبور هنا قولان: أحدهما أنه كتاب داود، والذكر هنا على هذا التوراة التي أنزل الله على موسى، وما في الزبور من ذكر الله تعالى، والقول الثاني أن الزبور جنس الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء، والذكر ٤٦ تفسير سورة الأنبياء وَمَآ. إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَغَّا لِقَوْمٍ عَبِدِينَ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصََّلِحُونَ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ (َ قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَهَلْ صبا فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ ءَاذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِىتَ أَقَرِيبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا أَنْتُم مُّسْلِمُونَ تُوعَدُونَ [٣٠) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ () وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ على هذا هو اللوح المحفوظ: أي كتب الله هذا في الكتاب الذي أفرد له بعد ما كتبه في اللوح المحفوظ حين قضى الأمور كلها، والأول أرجح، لأن إطلاق الزبور على كتاب داود أظهر وأكثر استعمالاً، ولأن الزبور مفرد فدلالته على الواحد أرجح من دلالته على الجمع ولأن النص قد ورد في زبور داود بأن الأرض يرثها الصالحون ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأرض هنا على الإطلاق في مشارق الأرض ومغاربها، وقيل الأرض المقدسة، وقيل أرض الجنة، والأول أظهر، والعباد الصالحون: أمّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ففي الآية ثناء عليهم، وإخبار بظهور غير مصداقه في الوجود إذ فتح الله لهذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ هذا خطاب لسيّدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وفيه تشريف عظيم، وانتصب رحمة على أنه حال من ضميرٍ المخاطب المفعول، والمعنى على هذا أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الرحمة، ويحتمل أن يكون مصدرًا في موضع الحال من ضمير الفاعل تقديره: أرسلناك راحمين للعالمين، أو يكون مفعولاً من أجله، والمعنى على كل وجه: أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلّمهم بعد الجهالة وهداهم بعد الضلالة، فإن قيل: رحمة للعالمين عموم والكفّار لم يرحموا به فالجواب من وجهين: أحدهما أنهم كانوا معرضين للرحمة لو آمنوا فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم، وبالآخر أنهم رحموا به لكونهم لم يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفّار المتقدمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك ﴿أَذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي أعلمتكم بالحق على استواء في الإعلام وتبليغ إلى جميعكم لم يختصّ به واحد دون آخر ﴿وَإنْ أَذْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَّعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إن هنا وفي الموضع الآخر نافية، وأدري فعل علق من معموله لأنه من أفعال القلوب وما بعده في موضع المعمول من طريق المعنى فيجب وصله معه، والهمزة في قوله أقريب للتسوية لا لمجرد الاستفهام، وقيل يوقف على إن أدري في الموضعين، ويبتدأ بما ٤٧ تفسير سورة الأنبياء (١١٢ ◌َ قَلَ رَبِّ أَحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ١١١ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ بعده، وهذا خطأ لأنه يطلب ما بعده ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ الضمير لإمهالهم وتأخير عقوبتهم ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي الموت أو القيامة ﴿المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي أستعين به على الصبر على ما تصفون من الكفر والتكذيب. ٠۵ سورة الحج مدنێة إلاّ الآيات ٥٢ ٥٣ و٥٤ ,٥٥ فبين مكة والمدينة وآياتها ٧٨ نزلت بعد النور ٧ بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ﴿لَ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمّلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿اَتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ تكلمنا على التقوى في أول البقرة ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ أي شدّتها وهولها كقوله: ﴿وزلزلوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، أو تحريك الأرض حينئذ كقوله: ﴿إذا زلزلت الأرضُ زِلزَالها﴾ [الزلزلة: ١]، والجملة تعليل للأمر بالتقوى، واختلف هل الزلزلة والشدائد المذكورة بعد ذلك في الدنيا بين يدي القيامة، أو بعد أن تقوم القيامة، والأرجح أن ذلك قبل القيامة، لأن في ذلك الوقت يكون ذهول المرضعة ووضع الحامل لا بعد القيامة ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ العامل في الظرف تذهل، والضمير للزلزلة، وقيل الساعة، وذلك ضعيف لما ذكرنا إلاّ أن يريد ابتداء أمرها ﴿تَذْهَلُ﴾ الذهول هو الذهاب عن الشيء مع دهشة ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ إنما لم يقل مرضع، لأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع مُلقِمة ثديها للصبي، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقال مرضعة ليكون ذلك أعظم في الذهول إذ تنزع ثديها من فم الصبي حينئذ ﴿وَتَرَى النَّاسَ ٤٩ تفسير سورة الحج هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ قَرِيدٍ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّمُ وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ٤ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةِ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخْلَقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَقَةٍ لِّنُبَيِنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَ أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَن يُنَوَى وَمِنكُمْ مَن يُرَدُّ إِلَّ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلِمْ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ سُكَارَى﴾ تشبيه بالسكارى من شدّة الغمّ ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ نفي لحقيقة السكر، وقرىء سكرى والمعنى متّفق ﴿وَمِنِ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وقيل في أبي جهل، وهي تتناول كلّ مَن اتّصف بذلك ﴿شَيْطَانٍ مُرِيدٍ﴾ أي شديد الإغواء، ويحتمل أن يريد شيطان الجنّ أو الإنس ﴿كُتِبَ﴾ تمثيل لثبوت الأمر كأنه مكتوب، ويحتمل أن يكون بمعنى قضى كقولك كتب الله أنه في موضع المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله وفي أنه عطف عليه وقيل تأكيد ﴿مَن تَوَلاَّهُ﴾ أي تبعه أو اتخذه وليًّا، والضمير في عليه وفي أنه في الموضعين وفي تولاه للشيطان، وفي يضلّه، ويهديه للمتولّي له، ويحتمل أن تكون تلك الضمائر أولاً لمّن يجادل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ الآية: معناها إن شككتم في البعث الأخروي فزوال ذلك الشك أن تنظروا في ابتداء خلقتكم فتعلموا أن الذي قدر على أن خلقكم أول مرة، قادر على أن يعيدكم ثاني مرة، وأن الذي قدر على إخراج النبات من الأرض بعد موتها: قادر على أن يخرجكم من قبوركم ﴿خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ﴾ إشارة إلى خلق آدم، وأسند ذلك إلى الناس لأنهم من ذرّيّته وهو أصلهم ﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلقة قطعة من دم جامدة ﴿مِن مُضْغَةٍ﴾ أي قطعة من لحم ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ المخلقة التامّة الخلقة، وغير المخلقة الغير التامّة: كالسقط، وقيل المخلّقة المسوّاة السالمة من النقصان ﴿لُّبَيْنَ لَكُمْ﴾ اللام تتعلق بمحذوف تقديره ذكرنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على البعث ﴿وَنُقِرُّ﴾ فعل مستأنف ﴿إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى﴾ يعني وقت وضع الحمل وهو مختلف وأقلّه ستّ أشهر إلى ما فوق ذلك ﴿نُخْرِ جُكُمْ طِفْلاً﴾ أفرده لأنه أراد الجنس، أو أراد نخرج كل واحد منكم طفلاً ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ هو كمال القوّة والعقل والتمييز، وقد اختلف فيه من ثماني عشرة سنة إلى خمس وأربعين ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرٍ﴾ ذكر في النحل ﴿هَامِدَة﴾ يعني لا نبات فيها ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحرّكت بالنبات وتخلخلت أجزاؤها لما دخلها الماء ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت ﴿زَوْج ٥٠ تفسير سورة الحج أَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِي الْمَوْقَ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعَ بَهِيج! قَدِيرٌ أَ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لََّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبَّعَثُ مَن ◌ِ الْقُبُورِ () وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَّى وَلَ كِنَبٍ مُّنِيرٍ ﴿َثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَدِ اللَّهِلَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَتُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ اْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٥) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ. بَهِيجٍ﴾ أي صنف عجيب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك المذكور من أمر الإنسان والنبات حاصل، بأن الله هو الحق، هكذا قدّره الزمخشري، والباء على هذا سببية، وبهذا المعنى أيضًا فسّرَه ابن عطيّة، ويلزم على هذا أن لا يكون قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ : معطوفًا على ذلك، لأنه ليس بسبب لما ذكر، فقال ابن عطية قوله أن الساعة ليس بسبب لما ذكر، ولكن المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض، أو على تقدير والأمر أن الساعة وهذان الجوابان اللذان ذكر ابن عطية ضعيفان: أما قوله إن الأمر مرتبط بعضه ببعض فالارتباط هنا إنما يكون بالعطف، والعطف لا يصح، وأما قوله على تقدير الأمر أن الساعة، فذلك استئناف وقطع للكلام الأول، ولا شك أن المقصود من الكلام الأول: هو إثبات الساعة فكيف يجعل ذكرها مقطوعًا مما قبله، والذي يظهر لي أن الباء ليست بسببية، وإنما يقدّر لها فعل تتعلق به ويقتضيه المعنى؛ وذلك أن يكون التقدير ذلك الذي تقدّم من خلقة الإنسان والنبات شاهد بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية فيصح عطف وأن الساعة على ما قبله بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة بعد قوله ذلك مما استدلّ عليها بخلقة الإنسان والنبات ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم﴾ نزلت فیمَن نزلت فيه الأولى وقيل في الأخنس بن شريق ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ كناية عن المتكبّر المعرض: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ إن كانت في النضر بن الحارث: فالخزي أسره ثم قتله، وكذلك قتل أبي جهل ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي يقال له ذلك بما فعلت وبعدل الله) لأنه لا يظلم العباد ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ نزلت في قوم من الأعراب كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له ما. يعجبه في ماله وولده قال هذا دين حسن، وإن اتفق له خلاف ذلك تشاءم به وارتد عن الإسلام، فالحرف هنا كناية عن المقصد، وأصله من الانحراف عن الشيء، أو من الحرف بمعنى الطرف أي أنه في طرف من الدين لا في وسطه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ خسارة الدنيا بما جرى عليه فيها، وخسارة الآخرة بارتداده وسوء اعتقاده ﴿مَا لاَ يَضُرُّهُ﴾ يعني الأصنام. ٥١ تفسير سورة الحج يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ، أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ١٢ اُلْعَشِيرُ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُّ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١) مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ويدعو بمعنى يعبد في الموضعين ﴿يَدْعُوا لِمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ فيها إشكالان: الأول في المعنى وهو كونه وصف الأصنام بأنها لا تضرّ ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضرّها أقرب من نفعها فنفى الضرّ ثم أثبته، فالجواب أن الضرّ المنفي أولاً يراد به ما يكون من فعلها وهي لا تفعل شيئًا، والضرّ الثاني يراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره، والإشكال الثاني دخول اللام على من وهي في الظاهر مفعول واللام لا تدخل على المفعول، وأجاب الناس على ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن اللام مقدّمة على موضعها، كأن الأصل أن يقال يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، فموضعها الدخول على المبتدأ، والثاني أن يدعو هنا كرر تأكيدًا ليدعو الأول وتمّ الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله لمَن ضرّه، فمن مبتدأ وخبره لبئس المولى، وثالثها أن معنى يدعو يقول يوم القيامة هذا الكلام إذا رأى مضرّة الأصنام فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام ﴿المولى﴾ هنا بمعنى الوليّ ﴿العشير﴾ الصاحب فهو من العشيرة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية: لما ذكر أن الأصنام لا تنفع من عبدها، قابل ذلك بأن الله ينفع من عبده بأعظم النفع، وهو دخول الجنة ﴿فَلْيَمْدُذْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ السبب هنا الحبل، والسماء هنا سقف البيت وشبهه من الأشياء التي تعلق منها الحبال، والقطع هنا يراد به الاختناق بالحبل، يقال قطع الرجل إذا اختنق، ويحتمل أن يراد به قطع الرجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف، والمراد بالاختناق هنا ما يفعله مَن اشتدّ غيظه وحسرته أو طمعًا فيما لا يصل إليه، كقوله للحسود: مت كمدًا، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك، وفي معنى الآية قولان الأول أن الضمير في ينصره لسيّدنا محمد بَّ، والمعنى على هذا مَن كان من الكفّار يظنّ أن لن ينصر الله محمدًا فليختنق بحبل، فإن الله ناصره ولا بدّ على غيظ الكفّار، فموجب الاختناق هو الغيظ من نصرة سيّدنا محمد وَلَّ، والقول الثاني أن الضمير في ينصره عائد على من، والمعنى على هذا من ظنّ بسبب ضيق صدره وكثرة غمّه أن لن ينصره الله : فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق على هذا القنوط والسخط من القضاء وسوء الظنّ بالله حتى ييأس من نصره، ولذلك فسّر بعضهم أن لن ينصره الله بمعنى أن لن يرزقه، وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما أن هذا تفسير سورة الحج وَكَذَلِكَ أَنَْهُ مَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَأَنَّ اللَّهُ ١۵ ثُمَّ لَيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيُطُ ! يَدِى مَن يُرِيدُ (٤) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ كُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ إَِّ أَلَمْتَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ القول مناسب لمَن يعبد الله على حرف، لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط حتى ظنّ أن الله لن ينصره، فيكون هذا الكلام متصلاً بما قبله: ويدلّ على ذلك قوله قبل هذه الآية: إن الله يفعل ما يريد: أي الأمور بيد الله فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني، أن الضمير في ينصره على هذا القول يعود على ما تقدّمه وأما على القول الأول فلا يعود على مذكور قبله لأن النبي وَلّه لم يذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير عليه ولا يدلّ سياق الكلام عليه دلالة ظاهرة ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الكيد هنا يراد به اختناقه، وسُمّي كيدًا لأنه وضعه موضع الكيد، إذ هو غاية حيلته، والمعنى إذا خنق نفسه فلينظر هل يذهب ذلك ما يغيظه من الأمر، أي ليس يذهبه ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن أي مثل هذا أنزلنا القرآن كله ﴿آيَاتٍ بَيِّئَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾. قال ابن عطية أن في موضع خبر الابتداء والتقدير الأمر أن الله، وهذا ضعيف، لأن فيه تكلّف إضمار وقطع للكلام عن المعنى الذي قبله، وقال الزمخشري التقدير لأن الله يهدي مَن يريد أنزلناه كذلك آيات بينات، فجعل أن تعليلاً للإنزال، وهذا ضعيف للفصل بينهما بالواو والصحيح عندي أن قوله وأن الله معطوف على آيات بَيِّنات، لأنه مقدّر بالمصدر، فالتقدير أنزلناه آيات بيّنات وهدّى لمَن أراد الله أن يهديه ﴿والصَّابِئِينَ﴾ ذكر في البقرة وكذلك الذين هادوا ﴿وَالمَجُوسَ﴾ هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور والشرّ من الظلمة ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم الذين يعبدون الأصنام من العرب وغيرهم ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْئَهُمْ﴾ هذه الجملة هي خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية، وكرّرت مع الخبر للتأكيد، وفصل الله بينهم بأن يبيّن لهم أن الإيمان هو الحق، وسائر الأديان باطلة، وبأن يدخل الذين آمنوا الجنة ويدخل غيرهم النار ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَنَواتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ دخل في هذا من في السموات من الملائكة ومَن في الأرض من الملائكة والجنّ ولم يدخل الناس في ذلك لأنه ذكرهم في آخر الآية، إلاّ أن يكون ذكرهم في آخرها على وجه التجريد، وليس المراد بالسجود هنا السجود المعروف لأنه لا يصحّ في حق الشمس والقمر وما ذكر بعدهما، وإنما المراد به الانقياد ثم إن الانقياد يكون على وجهين أحدهما ٥٣ تفسير سورة الحج وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِِ وَكَثِيرُ حَقَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِىِ رَبِهِمَّ قَالَّذِنَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِبَابٌ مِّنِ ثَارٍ a d يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (٤) يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْعُلُودُ (جـ) وَلَمُ مَّقَمِعُ مِنْ كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيَهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (١) إِنَّ ٢١ حَدِيدٍ الانقياد لطاعة الله طوعًا، والآخر الانقياد لما يجري الله على المخلوقات في أفعاله وتدبيره شاؤوا أو أبوا ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ إن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لطاعة الله، فیکون كثير من الناس معطوفًا على ما قبله من الأشياء التي تسجد ويكون قوله: ﴿وكثيرٌ حقَّ عليه العذاب﴾ مستأنفًا يُراد به لا ينقاد للطاعة ويوقف على قوله وكثير من الناس، وهذا القول هو الصحيح: وإن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاء الله وتدبيره فلا يصحّ تفضيل الناس على ذلك إلى مَن يسجد ومَن لا يسجد لأن جميعهم يسجد بذلك المعنى، وقيل إن قوله وكثير من الناس معطوف على ما قبله ثم عطف عليه كثيرٌ حقّ عليه العذاب فالجميع على هذا يسجد وهذا ضعيف لأن قوله حقّ عليه العذاب يقتضي ظاهره أنه إنما حقّ عليه العذاب بتركه للسجود، وتأوّله الزمخشري على هذا المعنى، بأن إعراب كثير من الناس فاعل بفعل مضمر تقديره يسجد سجود طاعة أو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف تقديره مُثاب وهذا تكلّف بعید. ﴿هَذَانِ خَضْمَانٍ﴾ الإشارة إلى المؤمنين والكفّار على العموم ويدلّ على ذلك ما ذكر قبلها من اختلاف الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس، وقيل نزلت في عليّ بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين برزوا يوم بدر لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فالآية على هذا مدنية إلى تمام ست آيات، والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد به هنا الجماعة؛ والإشارة بهذان إلى الفريقين ﴿اَخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أي في دينه وفي صفاته والضمير في اختصموا لجماعة الفريقين ﴿قَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية: حكم بين الفريقين بأن جعل للكفّار النار وللمؤمنين الجنة المذكورة بعد هذا ﴿قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ أي فُصِّلت على قدر أجسادهم، وهو مستعار من تفصيل الثياب ﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء الحارّ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي يُذاب، وذلك أن الحميم إذا صُبّ على رؤوسهم وصل حرّه إلى بطونهم فأذاب ما فيها، وقيل معنى يصهر ينضج ﴿مَّقَامِعُ﴾ جمع مقمعة أي مقرعة ﴿مِنْ حَدِيدٍ﴾ يضربون بها، وقيل هي السِّياط ﴿مِنْ ٥٤ تفسير سورة الحج اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ مُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلٌّاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ () وَهُدُوَاْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَّطِ الْحَمِيدِ (٨) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ غَمّ﴾ بدل من المجرور قبله ﴿وَذُوقُوا﴾ التقدير يقال لهم ذوقوا ﴿مِنْ أَسَّاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ من لبيان الجنس أو للتبعيض وفسّرنا الأساور في الكهف ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالنصب مفعول بفعل مضمر أي يعطون لؤلؤًا، أو معطوف على موضع من أساور إذ هو مفعول، وبالخفض معطوف على أساور أو على ذهب ﴿الطَّيْبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قيل هو لا إله إلاّ الله، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي صراط الله، فالحميد اسم الله، ويحتمل أن يريد الصراط الحميد، وأضاف الصفة إلى الموصوف كقولك مسجد الجامع ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبره محذوف يدلّ عليه قوله نذقه من عذاب أليم، وقيل الخبر يصدّون على زيادة الواو، وهذا ضعيف، وإنما يقال يصدّون بلفظ المضارع ليدلّ على الاستمرار على الفعل ﴿سَوَاءٌ﴾ بالرفع مبتدأ وخبره مقدّر والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا، وقرىء بالنصب على أنه المفعول الثاني والعاكف فاعل به ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ العاكف المقيم في البلد والبادي القادم عليه من غيره والمعنى أن الناس سواء في المسجد الحرام لا يختصّ به أحد دون أحد وذلك إجماع، وقال أبو حنيفة حكم سائر مكة في ذلك كالمسجد الحرام، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك، والمراد عنده بالمسجد الحرام جميع مكة، وقال مالك وغيره ليست الدور في ذلك كالمسجد، بل هي متملّكة ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْم﴾ الإلحاد الميل عن الصواب، والظلم هنا عامّ في المعاصي من الكفر إلى الصغائر، لأنّ الذنوب في مكة أشدّ منها في غيرها، وقيل هو استحلال الحرام ومفعول يرد محذوف تقديره مّن يرد أحدًا أو مَن يرد شيئًا، وبإلحاد بظلم: حالان مترادفان، وقيل المفعول قوله بإلحاد على زيادة الباء ﴿وَإِذْ بَوْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ العامل في إذ مضمر تقديره اذكر وبوّأنا أصله من باء بمعنى رجع، ثم ضوعف ليتعدّى، واستعمل بمعنى أنزلنا في الموضع كقوله تبوّىء المؤمنين، إلاّ أن هذا المعنى يُشكِل هنا لقوله لإبراهيم لتعدّي الفعل باللام، وهو يتعدّى بنفسه حتى قيل اللام زائدة، وقيل معناه هيّأنا، وقيل جعلنا، والبيت هنا الكعبة، ورُوِيَ أنه كان آدم يعبد الله ٥٥ تفسير سورة الحج وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى ٢٦ لِلَآئِفِينَ وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ا لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ فِىّ ٢٧ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ( (٢٨ فيه، ثم درس بالطوفان، فدلّ الله إبراهيم عليه السلام على مكانه، وأمره ببنيانه ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ﴾ أن مفسّرة، والخطاب لإبراهيم عليه السلام، وإنما فسّرت تبوئة البيت بالنهي عن الإشراك، والأمر بالتطهير، لأنه التبوئة إنما قصدت لأجل العبادة التي تقتضي ذلك ﴿ظَهْرْ بَيْتِيَ﴾ عامّ في التطهير من الكفر والمعاصي والأنجاس وغير ذلك ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ يعني المصلّين ﴿وَأَذْنِ فِي النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ خطاب لإبراهيم، وقيل لسيدنا محمد بََّ، والأول هو الصحيح، رُوِيّ أنه لمّا أمر بالأذان بالحج: صعد على جبل أبي قبيس، ونادى: أيّها الناس إن الله قد أمركم بحجّ هذا البيت فحجّوا، فسمعه كلّ مَن يحجّ إلى يوم القيامة وهم في أصلاب آبائهم وأجابه في ذلك الوقت كل شيء من جماد وغيره. لبّيك اللّهمَّ لبّيك، فجرت التلبية على ذلك ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ جمع راجل أي ماشيًا على رجليه ﴿وَعَلَى كُلُّ ضَامِرٍ﴾ الضامر يراد به كل ما يُركّب من فرس وناقة وغير ذلك وإنما وصفه بالضمور لأنه لا يصل إلى البيت إلاّ بعد ضموره، وقوله وعلى كل ضامر حال معطوف على حال كأنه قال رجالاً وركبانًا، واستدلّ بعضهم بتقديم الرجال في الآية على أن المشي إلى الحج أفضل من الركوب، واستدل بعضهم بسقوط ذكر البحر بهذه الآية، على أنه يسقط فرض الحج على مَن يحتاج إلى ركوب البحر ﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لكل ضامر، لأنه في معنى الجمع ﴿مِن كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ﴾ أي طريق بعيد ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي بالتجارة، وقيل أعمال الحج وثوابه، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يعني التسمية عند ذبح البهائم ونحرها وفي الهدايا والضحايا، وقيل يعني الذكر على الإطلاق، وإنما قال اسم الله، لأن الذكر باللسان إنما يذكر لفظ الأسماء ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ هي عند مالك يوم النحر وثانيه وثالثه خاصة لأن هذه هي أيام الضحايا عنده، ولم يجز ذبحها بالليل لقوله في أيام وقيل الأيام المعلومات عشر ذي الحجة ويوم النحر والثلاثة بعده، وقيل عشر ذي الحجة خاصّة، وأما الأيام المعدودات فهي الثلاثة بعد يوم النحر، فيوم النحر من المعلومات لا من المعدودات واليومان بعده من المعلومات والمعدودات ورابع النحر من المعدودات لا من المعلومات ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ندب أو إباحة ويستحبّ أن يأكل الأقل من الضحايا ويتصدّق بالأكثر ﴿الْبَائِسَ﴾ الذي أصابه البؤس وقيل هو المتكفّف وقيل الذي يظهر عليه أثر الجوع ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَّهُمْ﴾ التفث في اللغة الوسخ ٥٦ تفسير سورة الحج ◌َ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ (٢٩ ثُمَّ لْيَقْضُوْتَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِإ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُمْ عِندَ رَبٍّ، وَأُحِلَتْ لَكِكُمُ الْأَنْعَمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَيْكُمْ حُنَفَاءِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ. ٣٠ فَأَجْتَنِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ! وَمَن يُثْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيِّحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ ٣١ ﴿ لَكُ فِيهَا مَنَّفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى ثُمَّ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ فالمعنى ليقضوا إزالة تفثهم بقصّ الأظفار والاستحداد وسائر خصال الفطرة والتنظيف بعد أن يحلّوا من الحج، وقيل التفث أعمال الحج، وقرىء بكسر اللام وإسكانها، وهي لام الأمر وكذلك وليوفوا وليطوّفوا ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ المراد هنا طواف الإفاضة عند جميع المفسّرين وهو الطواف الواجب ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي القديم، لأنه أول بيت وضع للناس وقيل العتيق الكريم، كقولهم: فرس عتيق، وقيل أعتق من الجبابرة أي منع منهم، وقيل العتيق هو الذي لم يملكه أحد قطّ ﴿ذَلِكَ﴾ هنا وفي الموضع الثاني مرفوع على تقدير الأمر ذلك كما يقدّم الكاتب جملة من كتابه، ثم يقول هذا وقد كان كذا، وأجاز بعضهم الوقف على قوله ذلك في ثلاثة مواضع من هذه السورة وهي هذا و﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظُمْ شَعَائِرُ اللَّهَ﴾ وذلك ﴿وَمّن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ لأنها جملة مستقلة أو هو خبر ابتداء مضمر، والأحسن وصلها بما بعدها عند شيخنا أبي جعفر بن الزبير، لأن ما بعدها ليس كلامًا أجنبيًا، ومثلها ﴿ذَلِكَ وَمَن عَاقَبَ﴾ و﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوَهِ﴾ في الأنفال [١٤]، و﴿هَذَا وإنّ لِلطَّاغِيْن﴾ في ص [٥٥]، . ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ جمع حرمة، وهو ما لا يحلّ هتكه من جميع الشّريعة، فيحتمل أن يكون هنا على العموم، أو يكون خاصًّا بما يتعلق بالحج لأن الآية فيه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ أي التعظيم للحرمات خير ﴿إِلاَّ مَا يُثْلَى عَلَيْكُم﴾ يعني ما حرّمه في غير هذا الموضع كالميتة ﴿الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ من لبيان الجنس كأنه قال الرجس الذي هو الأوثان، والمراد النهي عن عبادتها أو عن الذبح تقرّبًا إليها كما كانت العرب تفعل ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي الكذب، وقيّل شهادة الزور ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، تمثيل للمشرك بمن أهلك نفسه أشدّ الهلاك ﴿َسَحِيقٍ﴾ أي بعيد ﴿شَعَائِرَ اللهِ﴾ قيل هي الهدايا في الحج وتعظيمُها بأن تختار سِمانًا عظامًا غالية الأثمان، وقيل مواضع الحج كعرفات ومنى والمزدلفة، وتعظيمها إجلالها وتوقيرها والقصد إليها، وقيل الشعائر أمور الدين على الإطلاق وتعظيمها القيام بها وإجلالها ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الضمير عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام وهي مصدر يعظم، وقال الزمخشري: التقدير: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت : ٥٧ تفسير سورة الحج وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَّقَهُمْ مِنْ ٣٣ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَحِلَتْ ٣٤ بَهِيمَةِ آلْأَنْعَمِ فَإِلَ هُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( جَ وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا قُلُوبُهُمْ وَالصَِّرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلَوْ وَمَا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ لَكُ مِّن شَعَبِ اَللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَذَكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا هذه المضافات ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ مَن قال إن شعائر الله هي الهدايا، فالمنافع بها شرب لبنها وركوبها لمَن اضطر إليها، والأجل المسمّى نحرها. ومَن قال إن شعائر الله مواضع الحج، فالمنافع التجارة فيها أو الأخر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة ﴿ثُمَّ مَحِلْهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ مَن قال إن شعائر الله الهدايا فمحلها موضع نحرها وهي منى ومكة، وخصّ البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي، وثم على هذا القول ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل، ومَن قال إن الشعائر موضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم: أي أخّر ذلك كله الطواف بالبيت يعني طواف الإفاضة إذ به يحلّ المحرم من إحرامه ومَن قال إن الشعائر أمور الدين على الإطلاق فذلك لا يستقيم مع قوله محلها إلى البيت ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةِ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ أي لكل أمة مؤمنة، والمنسك اسم مكان أي موضعها لعبادتهم، ويحتمل أن يكون اسم مصدر بمعنى عبادة، والمراد بذلك الذبائح لقوله: ﴿لْيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ بخلاف ما يفعله الكفّار من الذبح تقرّبًا إلى الأصنام ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ في وجه اتصاله بما قبله وجهان: أحدهما أنه لما ذكر الأمم المتقدّمة خاطبها بقوله فإلهكم إله واحد أي هو الذي شرع المناسك لكم ولمَن تقدّم قبلكم، والثاني أنه إشارة إلى الذبائح أي إلهكم إله واحد فلا تذبحوا تقرّبًا لغيره ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ الخاشعين وقيل المتواضعين، وقيل نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وكذلك قوله بعد ذلك ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْسِنِينَ﴾ واللفظ فيهما أعمّ من ذلك ﴿وَجِلَتْ﴾ خافت ﴿وَالْبُذْنَ﴾ جمع بدنة، وهو ما أشعر من الإبل، واختلف هل يقال للبقرة بدنة، وانتصابه بفعل مضمر ﴿مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ واحدها شعيرة، ومن للتبعيض، واستدلّ بذلك مَن قال إن شعائر الله المذكورة أو على العموم في أمور الدين ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قيل الخير هنا المنافع المذكورة قبل، وقيل الثواب، والصواب العموم في خير الدنيا والآخرة ﴿صَوَافَّ﴾ معناه قائمات قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ، وهي منصوبة على الحال من الضمير المجرور، ووزنه فواعل، وواحده صافة ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي سقطت إلى الأرض عند موتها، يقال وجب الحائط وغيره إذا سقط ﴿القَانِعَ﴾ معناه السائل، وهو من قولك قنع ٥٨ تفسير سورة الحج ﴿َ لَن ◌َالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا وَأَنْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَّ كَذَلِكَ سَخَّرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ : ج دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِرُواْ اللّهُ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ وَبَهِرٍ ٤ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ اللَّهَ لَ يُحِبُّ كُلَّ ◌َخَوَّانِ كَفُورٍ ﴿يَ أُذِنَ ٣٧ الْمُحْسِنِينَ لِلَّذِينَ يُقَدْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّاللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٢) الَّذِينَ أُخْرِكُوْ مِن دِيَرِهِمْ بِغَيْرِ الرجل بفتح النون: إذا سأل، وقيل معناه المتعفّف عن السؤال، فهو على هذا من قولك قنع بالكسر إذا رضي بالقليل ﴿والْمُغْتَرَّ﴾ المعترض بغير سؤال، ووزنه مفتعل، يُقال اعتررت بالقوم إذا تعرّضت لهم، فالمعنى أطعموا مَن سأل ومَن لم يسأل ممّن تعرّض بلسان حاله، وأطعموا مَن تعفّف عن السؤال بالكليّة، ومَن تَعرّض للعطاء ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أي كما أمرناكم بهذا كله سخّرناها لكم، وقال الزمخشري التقدير مثل التخيير الذي علمتم سخّرناها لكم ﴿لَنْ يَتَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا﴾ المعنى لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى أي بالإخلاص لله، وقصد وجه الله بما تذبحون وثنحرونَ من الهدايا، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ ينال مبالغةً وتأكيدًا، لأنه قال لن تصل لحومها، ولا دماؤها إلى الله، وإنما تصل بالتقوى منكم، فإن ذلك هو الذي طلب متكم، وعليه يحصل لكم الثواب، وقيل كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بالدماء فأراد المسلمون فعل ذلك فنهوا عنه ونزلت الآية ﴿كَذَلِكَ سَخِّرَهَا لَكُمْ﴾ كرّر للتأكيد ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّة﴾ قیل یعني قول الذابح بسم الله والله أكبر، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان الكفّار يؤذون المؤمنين بمكة، فوعدهم الله أن يدفع عنهم شرّهم وأذاهم، وحذف مفعول يدافع ليكون أعظم وأعمّ، وقرىء يدافع بالألف، ويدفع بسكون الدال من غير الألف، وهما بمعنى واحد أُجريت فاعل مجرى فعل من قولك عاقبة الأمر، وقال الزمخشري: يدافع: معناه يبالغ في الدفع عنهم، لأنه للمبالغة، وفعل المغالبة أقوى ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَانٍ كَفُورٍ﴾ الخوان مبالغة في خائن، والكفور مبالغة في كافر، قال الزمخشري هذه الآية علّة لما قبلها ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ هذه أول آية نزلت في الإذن في القتال، ونسخت الموادعة مع الكفّار، وكان نزولها عند الهجرة، وقرىء أُذن بضم الهمزة على البناء لما لم يُسَمّ فاعله، وبالفتح على البناء للفاعل وهو الله تعالى، والمعنى أُذِنَ لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه، وقرىء يقاتلون بفتح التاء وكسرها ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي بسبب أنهم ظلموا ﴿الَّذِينَ أَعْرِجُوا مِن دِيَارِهِم﴾ يعني الصحابة فإن الكفّار آذوهم وأضرّوا بهم حتى اضطروهم إلى الخروج من مكة، فمنهم من هاجر إلى أرض الحبشة، ومنهم مَن ٥٩ تفسير سورة الحج حَقِّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّهِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ عَزِزُ فّ ◌ْجَ وَإِن يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌ وَكُذِّبَ مُوسَىٌّ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ ٤٣ وَثَمُودُ (ج) وَقَوْمُ إِنَهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ! أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ (١) فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِثْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (٥) أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ هاجر إلى المدينة ونسب الإخراج إلى الكفّار لأن الكلام في معرض إلزامهم الذنب ووصفهم بالظلم ﴿إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ قال ابن عطية هو استثناء منقطع لا يجوز فيه البدل عند سيبويه، وقال الزمخشري أن يقولوا: في محل الجر على الإبدال من حق ﴿وَلَوْلاً دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ الآية تقوية للإذن في القتال وإظهار للمصلحة التي فيه كأنه يقول لولا القتال والجهاد لاستولى الكفّار على المسلمين وذهب الدين، وقيل المعنى: لولا دفع ظلم الظّلَمَة بعدل الولاة، والأول أليق بسياق الآية، وقرىء دفاع بالألف مصدر دافع، وبغير ألف مصدر دفع ﴿لَّهُدْمَتْ﴾ قرىء بالتخفيف والتشديد للمبالغة (صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة بفتح الميم وهي موضع العبادة وكانت للصابئين ولرهبان النصارى، ثم سمّي بها في الإسلام موضع الأذان، والبيع جمع بيعة بكسر الباء وهي كنائس النصارى والصلوات كنائس اليهود، وقيل هي مشتركة لكل أمة، والمراد بها مواضع الصلوات، والمساجد للمسلمين، فالمعنى لولا دفع الله لاستولى الكفّار على أهل المِلَل المتقدمة في أزمانهم، ولاستولى المشركون على هذه الأمة فهدموا مواضع عباداتهم ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ﴾ الضمير لجميع ما تقدّم من المتعبدات، وقيل للمساجد خاصّة ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي مَن ينصر دينه وأولياءه، وهو وعد تضمن الحضّ على القتال. ﴿الَّذِينَ إن مَّكْنَاهُمْ﴾ الآية: قيل يعني أمة سيدنا محمد بَّ، وقيل الصحابة، وقيل الخلفاء الأربعة لأنهم الذين مكّنوا في الأرض بالخلافة ففعلوا ما وصفهم الله به ﴿وَإن يُكَذْبُوكَ﴾ الآية ضمير الفاعل لقريش، والخطاب للنبي ◌ّلر على وجه التسلية له والوعيد لهم ﴿تَكِيرٍ﴾ مصدر بمعنى الإنكار ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ العروش السقف فإن تعلق الجار ٦٠ تفسير سورة الحج ٤٦ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّْ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّ فِ الصُّدُورِ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابٍ وَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنََّ: يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفِ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٢) وَكَأَيِّنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَمَا وَهِىَ ظَالِمَةُ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (﴿ قُلْ حَ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ ٤٩ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيّ مَايَدِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ بخاوية: فالمعنى أن العروش سقطت ثم سقطت الحيطان عليها فهي فوقها، وإن كان الجار والمجرور في موضع الحال: فالمعنى أنها خاوية مع بقاء عروشها ﴿بِثْرِ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي لا يستقى الماء منها لهلاك أهلها، ورُويَ أن هذه البئر هي الرس، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود، والأظهر أنه لم يرد التعيين، لقوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ وهذا اللفظ يراد به التكثير ﴿وَقَضْرٍ مَّشِيدٍ﴾ أي مبني بالشيد وهو الجص، وقيل المشيّد المرفوع البنيان ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ﴾ دليل على أن العقل في القلب خلافًا للفلاسفة في قولهم العقل في الدماغ ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ أي لا تعمى الأبصار عمَى ايعتدّ به، وإنما العمى الذي يعتدّ به عمى القلوب، وإن هؤلاء القوم ما عميت أبصارهم ولكن عميت قلوبهم، فالمعنى الأول لقصد المبالغة، والثاني خاص بهؤلاء القوم ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ مبالغة كقوله يقولون بأفواههم ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الضمير لكفّار قريش ﴿وَلَن يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ إخبار يتضمن الوعيد بالعذاب، وسمّاه وعدًا؛ لأن المراد به مفهوم ﴿وإنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مُمَّا تَعُدُّونَ﴾ المعنى أن يومًا من أيام الآخرة مقداره ألف سنة من أعوام الدنيا، ولذلك قال صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلّم: ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة)) وقيل المعنى إن يومًا واحدًا من أيام العذاب كألف سنة لطول العذاب فإن أيام البؤس طويلة، وإن كانت في الحقيقة قصيرة، وفي كل واحد من الوجهين تهديد للذين استعجلوا العذاب، إلاّ أن الأول أرجح، لأن الألف سنة فيه حقيقة، وقيل إن اليوم المذكور في الآية هو يوم من الأيام الستّة التي خلق الله فيها السموات والأرض ﴿وَكَأَيْنٌ مِّنْ قَرْيَةٍ﴾ ذكر أولاً القرى التي أهلكها بغير إملاء، وذكر هنا التي أهلكها بعد الإملاء، والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة فيما بعد، وعطف هذه الجملة بالواو على الجمل المعطوفة قبلها بالواو، وقال في الأولى فكأيّن لأنه بدل من قوله فكيف كان نكير ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي سعوا فيها بالطعن عليها، وهو من قولك سعى في الأمر إذا جدّ فيه لقصد إصلاحه أو إفساده