النص المفهرس
صفحات 441-460
سورة إبراهيم مكتة إلاّ آيتي ٢٨ و٢٩ فمدنيتان وآياتها ٥٢ نزلت بعد سورة نوح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِـ الرَّ كِتَبِ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِينَ مِنْ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الخطاب للنبيِ وَّ، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بأمره وهو إرساله ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ بدل من إلى النور ﴿اللَّهِ﴾ قرىء بالرفع وهو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وبالخفض بدل ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ أي يؤثرون ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ قد ذكر ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي بلغتهم وكلامهم ﴿أنْ أَخْرِج﴾ أن مفسّرة أو مصدرية على تقدير بأن ﴿وَذَكُرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي عقوباته للأمم المتقدمة، وقيل إنعامه على بني إسرائيل، واللفظ يعمّ النّعَم والنقم، وعبّر عنها بالأيام لأنها كانت في أيام، وفي ذلك تعظيم لها كقولهم يوم كذا ويوم كذا ﴿ويُذَبِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ذكر هنا بالواو، ليدلّ على أن سوء العذاب غير الذبح أو أعمّ من ذلك ثم جرّ الذبح كقوله وملائكته وجبريل وميكال ذكر في البقرة بغير واو تفسير للعذاب ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ من كلام موسى، وتأذن بمعنى أذن أي أعلم كقولك توعّد وأوعد وإعلام الله مقترن بإنفاذ ما أعلم به ٤٤٢ تفسير سورة إبراهيم [ اُلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ٢ عَذَابٍ شَدِيدٍ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا أُوْلَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمِّ فَيُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّنِمِ اللَّهَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُ واْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنِجَنْكُمْ مِّنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ يَّسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُذَتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَآءُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ () وَإِذْ تََّذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيْنِ كَفَرُمْ إِنَّ عَذَّابِ لَشَدِيٌِّ ﴿ وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اَللّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوج وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّئَدْتِ فَرْقُوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوَاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِه وَإِنَّا لَفِى شَاقٍ مِّقَاتَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ . .٩ ﴾ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اُللَّهِ شَلِكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَلَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم﴾ هذا معمول تأذن لأنه يتضمن معنى قال، ويحتمل أن تكون الزيادة من خير الدنيا أو من الثواب في الآخرة أو منهما ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ يحتمل أن يريد كفر النّعَم أو الكفر بالإيمان والأول أرجح لمقابلته بالكشر ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ عبارة عن كثرتهم كقوله، وقرونا بين ذلك كثيرًا ﴿فَرَدُوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَقْوَاهِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى أنهم ردّوا أيديهم في أقواه أنفسهم غيظًا من الرُّسُل كقوله: ﴿عَضّوا عَلَيْكم الأنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أو استهزاءً وضحكًا: كمْنُ حملته الضحك فوضع يده على فمه، والثاني أن الضمائر لهم، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، والثالث أنهم ردّوا أيديهم في أفواه الأنبياء تَسكيتًا لهم، وردًّا لقولهم ﴿أَفِي اللَّهِ شَكَّ﴾ المعنى أفي وجود الله شك أو أفي إلهيّته شك، وقيل في وحدانيته، والهمزة للتقرير والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلّة، وَلَذلكَ وَضَفُه بعد بقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿مِّنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل إن من زائدة، ومنع سيبويه زيادتها في الواجب وهي عنده للتبعيض، ومعناه أن يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدّم مَنْ ذتبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة فوقعت المغفرة في البَعْض ولم يأتِة في 1 ٤٤٣ تفسير سورة إبراهيم وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مُسَمَّىَّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَنِ مُّبِينٍ (٤) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١) وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَ كَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَلنَا سُبُلَنَا وَصَبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَّا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَكِلُونَ (١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِحَنَّكُم مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَتُّهُمْ لَتُهْلِكَنَّ الَّالِمِينَ ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ (١) وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ القرآن غفران بعض الذنوب إلاّ للكافر كهذا الموضع، والذي في الأحقاف وسورة نوح وجاء للمؤمنين بغير من كالذي في الصف ﴿وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السُّنّة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم، ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مُثْلُنَا﴾ يحتمل أن يكون قولهم استبعادًا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوّة أو يكون إحالة لنبوّة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان في قولهم فأتونا بسلطان مبين ولقول الرّسل، ولكن الله يمنّ على مَن يشاء من عباده أي بالتفضيل بالنبوّة ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ والمعنى أيّ شيءٍ يمنعنا من التوكّل على الله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكُلُون﴾ إن قيل لِمَ كَرّر الأمر؟ فالجواب عندي أن قوله وعلى الله فليتوكل المؤمنون راجع إلى ما تقدّم من طلب الكفّار بسلطان مبين أي حجة ظاهرة، فتوكّل الرُّسُل في ورودها على الله، وأما قوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكُلُونَ﴾: فهو راجع إلى قولهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا﴾ أي نتوكل على الله في دفع أذاكم وقال الزمخشري إن هذا الثاني في معنى الثبوت، على التوكّل ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلْتِنَا﴾ أو هنا بمعنى إلا أن، أو على أصلها، لوقوع أحد الشيئين، والعود هنا بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام العرب ولا يقتضي أن الرسل، كانوا في مّة الكفّار قبل ذلك ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ فيه ثلاثة أوجه هنا وفي ولمن خاف مقام ربّه في الرحمن فالأول أن معناه مقام الحساب في القيامة والثاني: أن معناه قيام الله على عباده بأعمالهم والثالث أن معناه خافني وخاف ربّه، على إقحام المقام أو على التعبير به عن الذات ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ الضمير للرُّسل أي استنصروا بالله وأصله طلب الفتح وهو الحكم ﴿جَبَّارٍ﴾ أي قاهر أو متكبّر ﴿عَنِيدِ﴾ مخالف للانقياد ﴿مِن وَرَائِهِ﴾ في ٤٤٤ تفسير سورة إبراهيم مِّن وَرَآبِهِ، جَهَنَّمُ وَ يُسْقَى مِن ◌َّآءِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَحْكَادُ يُسِيغُهُ. (١٥ عَنِيدٍ وَيَأْتِهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيِّتٍ وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَدَتْ بِهِ الْرِّيُحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى ◌َ أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِيَّ إِن يَشَأَ شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ لد وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَؤُأ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ لَـ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمْ مّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ قَالُواْلَوْهَدَنِّنَا اَللَّهُ لَهَدَ يْنَكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ () وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ اُلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ الموضعين والوراء هنا بمعنى ما يستقبل من الزمان، وقيل معناه هنا أمامه وهو بعيد ﴿وَيُسْقَى﴾ معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السقي تجريدًا بعد ذكر جهنم، لأنه من أشدّ عذابها ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي يتكلّف جرعه وتصعب عليه إساغته ونفي كاد يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد، ومعنى يسيغه يبتلغه ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي يجد الماء مثل ألم الموت وكريته من جميع الجهات ﴿وَمَا هُوَ بَمَيِّتٍ﴾ أي لا يُراح بالموت ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مذهب سيبويه والفِرّاء فيه كقولهما في مثل الجنة التي في الرعد والقتال والخبر عند سيبويه محذوف تقديره فيما يتلى عليكم والخبر عند الفرّاء الجملة التي بعده، والمثل هنا بمعنى الشبيه ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ تشبيهًا بالرماد في ذهابها وتلاشيها ﴿فِي يَوْمِ عَاصِفٍ﴾ أي شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لا يرون له منفعة: ﴿وَيَرَزُوا. لِلَّهِ﴾ أي ظهروا ومعنى الظهور هنا خروجهم من القبور، وقيل معناه صاروا بالبراز، وهي الأرض المتّسعة ﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع أو مصدر وصف به مبالغة، أو على حذف مضاف ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ من الأولى للبيان، والثانية للتبعيض، ويجوز أن يكونا للتبعيض معًا قاله الزمخشري، والأظهر أن الأولى للبيان، والثانية زائدة والمعنى هل أنتم دافعون أو متحمّلون عنّا شيئًا من عذاب الله ﴿مَّحِيصٍ﴾ أي مهرب حيث وقع، ويحتمل أن يكون مصدرًا أو اسم مكان ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني إبليس الأقدم، رُوِيَ أنه يقوم خطيبًا بهذا. الكلام يوم القيامة أو في النار يقوله لأهلها ﴿لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ إن كان كلام إبليس في القيامة. بمعنى قضي الأمر تعين قوم للنار وقوم للجنة وإن كان في النار فمعنى قضي الأمر حصل ٤٤٥ تفسير سورة إبراهيم أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلاَ تَلُومُونِ وَلُومُوْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَأْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَّا أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌّ إِنِّ كَفَرْتُ بِمَّ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلٌ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٢ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمَّ تِيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمُ بَ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا تَابِتُ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ (١) تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَاْ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ () يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ الْآَخِرَةٌ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينْ وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ الَّ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٠) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٤) وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا أهل النار في النار وأهل الجنّة في الجنّة ﴿إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾ استثناء منقطع ﴿مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم فمغيثين لي ﴿بِمَا أَشْرَ كْتُمُونٍ﴾ ما مصدرية: أي بإشراككم لي مع الله في الطاعة ﴿مِن قَبْلُ﴾ يتعلق بأشركتمون ويحتمل أن يتعلق بكفرتم، والأول أظهر وأرجح ﴿إِنَّ الظَّالِمِين﴾ استئناف من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يتعلق بأدخل أو بخالدين، والأول أحسن ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ابن عباس وغيره هي لا إله إلاّ الله وقيل كل حسنة ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن عطية أنها شجرة غير معينة إلاّ أنها كل ما اتصف بتلك الصفات ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها ﴿تُؤْتِي أَكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ الحين في اللغة وقت غير محدود وقد تقترن به قرينة تحدّه، وقيل في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، وقيل غير ذلك ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل كل كلمة قبيحة ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية أنها غير معينة ﴿اجْتُفَتْ﴾ أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، وهذا في مقابلة قوله أصلها ثابت ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ هو لا إلهَ إلاّ الله، والإقرار بالنبوّة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي إذا فتنوا لم يزالوا ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَا﴾ نعمة الله هنا هو محمد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها، والتقدير بدّلوا شكر نعمة الله كفرًا ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ أي مَن أطاعهم واتّبعهم ﴿ِدَارَ الْبَوَارِ﴾ فسرها بقوله جهنم. ٤٤٦ تفسير سورة إبراهيم أَ قُل لِعِبَادِىَ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٣٠ ◌ِلِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَائِيَّةٌ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لََّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَيِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَّيْتِ رِزْقًّالَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِهُ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآَيِبَيْنّ وَسَخَّرَ لَكُمُ الََّّلَ وَالنَّهَارَ ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُذُ وانِعْسَتَّ ◌َلَهِلَا تُمْصُوهَاْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿ وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَءَامِنَّا أَرَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَنْ تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِىِ وَمَنْ وَأَجْتُبْنِى وَيَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ ® عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ تَّحِيمٌ جَازَّبَّنَآ إِنَّ أَسْكُنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى ذَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةٌ مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ ﴿يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا﴾ هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله: قل تقديره إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل جزم بإضطار لام الأمر تقديره ليقيموا ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾ من الخلّة وهي المودة ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ﴾ يريد الجنس ﴿الْبَلَّدَ آمِنَا﴾ ذكر في البقرة ﴿وَاجْتُبْنِي﴾ أي امنعني، والماضي منه جنب، يقال جنب وجنب بالتشديد، وأجنب بمعنى واحد ﴿وَبَنِيَّ﴾ يعني بني من صلبي وفيهم أجيبت دعوته وأما أعقاب-بثيه فعبدوا الأصنام ﴿وَمَنْ عَصَائِي﴾ يعني مَن عصاه بغير الكفر وبالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصحّ أن يُدعى له بالمغفرة ولكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان عليه السلام من الرحمة للتخلق وحُسْنَ الخلق ﴿أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني ابنه إسماعيل عليه السلام لما ولدته أُمّه هاجر غارت منها سارة زوجة إبراهيم فحمله مع أمه من الشام إلى مكة ﴿بِوَادٍ﴾ يعني مكة، والوادي ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّم﴾ يعني الكعبة فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات، وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبني هناك بيتًا ﴿لِيُقُيمُوا الصَّلاَةَ﴾ اللام يحتمل أن تكون لام الأمر بمعنَى الدعاء أو لام كي وتتعلق بأسكنت وجمع الضمير يدلّ على أنه قد كان علم أن ابنه يعقوب هناك نسلاً ﴿تَهْوِي إلَيْهِم﴾ أي تسير بجدٌّ وإسراع ولهذه الدعوة حبّب الله حجّ البيت إلى الناس على أنه قال من الناس بالتبغيض، قال بعضهم: لو قال أفئدة الناس لحجّته فارس والروم ﴿وازْزُقْهُم مِّنَ الثّمَرَاتِ﴾ أي ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ذي زرع وأجاب اله دعوته فجعل مكة ٤٤٧ تفسير سورة إبراهيم رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِى يَشْكُرُونَ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٦). ٣٨ السَّمَاءِ رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوْةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤) رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤) وَلَا تَحْسَبَ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ (٤) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِ رُءُ وسِهِمْ لَا يَزْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ (*) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَآَ إِلَ أَحَلِ قَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَتَتَّبِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَالَكُمْ مِن زَوَالٍ لَ وَسَكَنتُمْ يجبي إليها ثمرات كل شيء ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ﴾ الآية: يحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو حكاية عن إبراهيم ﴿وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وإسحق﴾ رُوِيَ أنه ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبع عشرة عامًا، ورُوِيَ أقلّ من هذا، وإسماعيل أسنّ من إسحق ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءٍ﴾ إن أراد بالدعاء الطلب والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة، وإن أراد بالدعاء العبادة، فالقبول على حقيقته ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَ الِدَيَّ﴾ قيل إنما دعا بالمغفرة لأبويه الكافرين بشرط إسلامهما، والصحيح أنه دعا لهما قبل أن يتبيّن له أن أباه عدوّ لله حسبما ورد في براءة ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاَ﴾ هذا وعيد للظالمين وهم الكفّار على الأظهر، فإن قيل لمَن هذا الخطاب هنا وفي قوله ولا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله، فالجواب أنه يحتمل أن يكون خطابًا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو لغيره، فإن كان لغيره فلا إشكال وإن كان له فهو مشكل لأن النبي و # لا يحسب أن الله غافلاً، وتأويل ذلك بوجهين: أحدهما أن المراد الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير مخلف وعده، والآخر آن المراد إعلامه بعقوبة الظالمين فمقصد الكلام الوعيد لهم ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ أي تحدّ النظر من الخوف ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قيل الإهطاع الإسراع، وقيل شدّة النظر من غير أن يطرف ﴿مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ قيل الإقناع هو رفع الرأس، وقيل خفضه من الذلّة ﴿لاَ يَرْتَدُ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي لا يطرفون بعيونهم من الحذر والجزع ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي منحرفة لا تَعِي شيئًا من شدّة الجزع فشبهها بالهواء في تعريفه من الأشياء، ويحتمل أن يريد مضطربة في صدورهم ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يعني يوم القيامة، وانتصاب يوم على أنه مفعول ثانٍ لأنذر، ولا يجوز أن يكون ظرفًا ﴿أَوَ لَمْ تَكُونُوا﴾ تقديره يقال لهم أوَ لم تكونوا الآية ﴿مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ هو المقسم عليه، ومعنى من زوال أي من الأرض بعد الموت أي حلفتم ٤٤٨ تفسير سورة إبراهيم فِي مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ اُلْأَمْثَالَ (٢٠) وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ (٨)، فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامِ (٥) يَوْمُ تُبَدَّلُ اْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوْتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَارِ (٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ مُّفَرَّنِينَ فِي اُلْأَصْفَادِ (٢٠) سَرَاسِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥) لِيَجْرِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسِ تَمَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥) هَذَا بَلٌَ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ ٥٢ أنكم لا تبعثون ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي جزاء مكرهم ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ إن هنا نافية، واللام لام الجحود، والجبال يراد بها الشرائع والنبوّات شُبّهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى تحقير مكرهم لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة، وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام ورفع تزول، وإن على هذه القراءة مخفّفة من الثقيلة، واللام للتأكيد، والمعنى تعظيم مكرهم أي أن مكرهم من شقته تزول منه الجبال، ولكن الله عصم ووقى منه ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يعني وعد النصر على الكفّار، فإن قيل هلاً قال مخلف رسله وعده، ولِمَ قَدّم المفعول الثاني على الأول؟ فالجواب أنه قدّم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً على الإطلاق، ثم قال رسله ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه فقدّم الوعد أولاً بقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ العامل في الظرف ذوا انتقام أو محذوف، وتبديل الأرض بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقرصة النقي هكذا ورد في الحديث الصحيح ﴿والسَّمَاوَاتِ﴾ تبديلها بانشقاقها وانتشار كواكبها، وخسوف شمسها وقمرها وقيل تبدل أرضًا من فضة، وسماء من ذهب وهذا ضعيف ﴿وتَرَى المُجْرِمِينَ﴾ يعني الكفّار ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أي مربوطين في الأغلال ﴿سَرَابِيلُهُم﴾ أي قمصهم والسربال القميص ﴿مِّن قَطِرَانٍ﴾ متعلق بمحذوف أي جعل الله فيه ذلك وهو الذي تهيأ به الإبل والنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يتعلق بمحذوف أي فعل الله ذلك ليجزي ﴿هَذَا بَلاَغْ﴾ إشارة إلى القرآن أو إلى ما تضمنته هذه السورة ﴿وَلِيُنذَرُوا﴾ معطوف على محذوف تقديره لينصحوا به ولينذروا ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ أي هذا الذكر الأولي العقول وهم أهل العلم رضي الله عنهم. سورة الحجر مكتبة إلاّ آية ٨٧ فمدنيّة وآياتها ٩٩ نزلت بعد سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ ارُّبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ ٢ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَنَّعُواْ وَيُذْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٢) وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَا بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يحتمل أن يريد بالكتاب الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها، والظاهر أنه القرآن وعطفه عطف الصفات ﴿رُبَمَا﴾ قرى بالتخفيف والتشديد وهما لغتان، وما حرف كافّة لربّ، ومعنى رب التقليل، وقد تكون للتكثير، وقيل إن هذه منه، وقيل إنما عبّر عن التكثير بأداة التقليل على وجه التهكّم كقوله: قد نرى تقلّب وجهك في السماء، وقد يعلم ما أنتم عليه، وقيل إن معنى التقليل في هذه أنهم لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه مرارًا كثيرة ولا تدخل إلاّ على الماضي ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قيل إن ذلك عند الموت، وقيل في القيامة، وقيل إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح لحديث رُوِيّ في ذلك ﴿ذَرْهُمْ﴾ وما بعده تهديد ﴿كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي وقت محدود ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزَّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ الضمير في قالوا لكفّار قريش، وقولهم نزل عليه الذكر يعنون على التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م٢٩ ٤٥٠ تفسير سورة الحجر كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ (٥)، وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٤) لَّوْ مَا تَأْتِنَا بِالْمَلَمِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ◌ِ) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَمِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنْظَرِينَ (٤) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّالَهُ لَفِظُونَ (٢٤) وَلَّقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِيِ نِشِيَعِ الْأَقَِّينَ (٢) وَمَا يَأْتِهِمْ مِن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ () كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبٍ اُلْمُجْرِمِينَ ﴿بَ لَا يُؤْمِنُونَ بِّ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (٣) وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ ) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِىِ السَّمَآءِ ١٤ فِيهِ يَعْرُجُونٌ وجه الاستخفاف، أي بزعمك ودعواك ﴿لَوْ مَا تَأْتِینَا بِالْمَلائِکَةِ﴾ لو ما عرض وتحضیض، والمعنى أنهم طلبوا من النبي ◌َّر أن يأتيهم بالملائكة معه ﴿مَا نُنَزَّلُ المَلائِكَةَ إلاَّ بِالْحَقْ﴾ ردّ عليهم فيما اقترحوا، والمعنى أن الملائكة لا تنزل إلاّ بالحق من الوحي والمصالح، التي يريدها الله، لااباقتراح مقترح واختيار كافر، وقيل الحق هنا العذاب ﴿وَمَا كَانُوا إِذَا مُنِظَرِينَ﴾ إذًا حرف جواب وجزاء، والمعنى لو أنزل الملائكة لم يؤخّر عذاب هؤلاء الكفّار، الذين اقترحوا نزولهم، لأن من عادة الله أن مَن اقترح آية فرآها ولم يؤمن أنه يعجل له العذاب، وقد علم الله، أن هؤلاء القوم يؤمن كثير منهم، ويؤمن أعقابهم فلم يفعل بهم ذلك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الذكر هنا هو القرآن وفي قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ردًّا لإنكارهم واستخفافهم في قولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر ولذلك أكّده بنحن واحتج عليه بحفظه، ومعنى حفظه حراسته عن التبديل والتغيير كما جرى في غيره من الكتب، فتولّى الله حفظ القرآن فلم يقدر أحد على الزيادة فيفولا النقصان منه ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله: ﴿بِمَا اسْتَحْفَظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ الشيع جمع شيعة وهي الطائفة التي تتشيع لمذهب أو رجل ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ معنى نسلكه ندخله، والضمير في نسلكه یحتمل أن یکون للاستهزاء الذي دلّ عليه قوله به يستهزؤون أو يكون للقرآن أي نسلكه في قلوبهم فيستهزؤوا به، ويكون قوله كذلك تشبيهًا للاستهزاء المتقدّم، ولا يؤمنون به تفسيراً لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في به للقرآن ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ أي تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء حتى هلكوا بذلك، ففي الكلام تهديد لقريش ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُوا فِيهِ تَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكْرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ الضمائر لكفّار قريش المعاندين المختوم عليهم بالكفر وقيل الضمير، في ظلّوا وقي : ٤٥١ تفسير سورة الحجر بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴿ وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَحِيمٍ (١) إِلَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ. (١٩ )] وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ ١٨ شِهَابٌ مُِّينٌ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ (١٥) وَإِنِ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّ عِندَنَا خَزَّابِتُهُ وَمَا نُغَزِّلُهُ: إِلَّا وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ◌ِخَزِنِينَ ﴿ وَإِنَا لَنَحْنُ نُّحِىِ، وَنُمِيتُ وَغَحْنُ الْوَرِثُونَ (*) وَلَقَدْ عَلِّمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمِنَا ◌َ، وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِّيُمْ عَلِيمٌ (٤٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِنْ صَلْصَلٍ مِّنْ حَلى ٢٤ مُسْتَشْخِرِينَ يعرجون للملائكة وفي قالوا للكفّار، ومعنى يعرجون يصعدون، والمعنى أن هؤلاء الكفّار لو رأوا أعظم آية لقالوا إنها تخييل أو سحر، وقرىء سكرت بالتشديد والتخفيف، ويحتمل أن يكون مشتقًّا من السكر، فيكون معناه أجبرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته أو من السكر وهو السد فيكون معناه منعت أبصارنا من النظر ﴿بُرُوجًا﴾ يعني المنازل الاثني عشر ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ استثناء من حفظ السموات فهو في موضع نصب ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّؤْزُونٍ﴾ أي مقدّر بقدر، فالوزن على هذا استعارة وقيل المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والأطعمة، والأول أعمّ وأحسن ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يعني البهائم والحيوانات ومن معطوف على معايش وقيل على الضمير في لكم، وهذا ضعيف في النحو لأنه عطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض وهو قوي في المعنى أي جعلنا في الأرض معايش لكم وللحيوانات ﴿وَإِنْ مِّن شَيْءٍ إلاَّ عِندَنَا خَزَائِتُهُ﴾ قيل يعني المطر، واللفظ أعمّ من ذلك، والخزائن المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت، وقيل ذلك تمثيل، والمعنى وإن من شيء إلاّ نحن قادرون على إيجاده وتكوينه ﴿بِقَدَرٍ مَّغْلُوم﴾ أي بمقدار محدود ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ يقال لقحت الناقة والشجرة إذا حملت فهي لاقحة وألقحت الريح الشجر فهي ملقحة ولواقح جمع لاقحة، لأنها تحمل الماء أو جمع ملحقة على حذف الميم الزائدة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآية: يعني الأوّلين والآخرين من الناس، وذكر ذلك على وجه الاستدلال على الحشر الذي ذكر بعد ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَخْشُرُهُمْ﴾ لأنه إذا أحاط بهم علمًا لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم، وقيل يعني مَن استقدم ولادةً وموتًا ومَن تأخّر، وقيل مَن تقدّم إلى الإسلام ومَن تأخر عنه. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ﴾ الإنسان هنا هو آدم عليه السلام، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار ﴿مُنْ حَمٍَ مَّسْئُونٍ﴾ ٤٥٢ تفسير سورة الحجر وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِّ خَلِقٌ بَشَرَاتِنَ ٢٧ وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ! ٢٦ مَسْنُونِ ثَ فَسَجَدَ. فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَتَجِدِينَ ٢٨ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ ! إِلَّ إِبْلِيسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ أَثَ قَالَ يَتَابِلِيسُ مَا لَكَ أَّ ٣٠ اٌلْمَلََكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ أَ قَالَ. ٣٣ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَسْنُونٍ ٣٢ تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ! قَالَ رَبٍ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمِ ٣٥ ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلَّلَعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ◌َ قَالَ رَبِّ ◌َِآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنُنَّ ٣٨ جَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ : يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ جَ قَالَ هَذَا صِرَاطُ عَلَىَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ ◌َ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ مُسْتَقِيمٌ ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ أَتََّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (١١) وَإِنَّ جَهَنَّمَ الحمأ الطين الأسود، والمسنون المتغيّر المنتن، وقيل إنه من أسنّ الماء إذا تغيّر، والتصريف يردّ هذا القول، وموضع من حما صفة لصلصال: أي صلصال كائن من حماً ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْتَاهُ﴾ يراد به جنس الشياطين، وقيل إبليس الأول، وهذا أرلجح لقوله من قبل وتناسلت الجنّ من إبليس وهو للجنّ كآدم للناس ﴿السَّمُومِ﴾ شدّة الحرّ ﴿خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ يعني الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك أي من الروح الذي هو لي وخلق من خلقي، وتقدّم الكلام على سجود الملائكة في البقرة ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي من الجنّة أو من السماء ﴿قَالَ رَبِّ﴾ يقتضي إقراره بالربوبية وأن كفره كان بوجه غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَغْلُومِ﴾ اليوم الذي طلب إبليس أن ينظر إليه هو يوم القيامة، وقيل الوقت المعلوم الذي أنظر إليه هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى حين يموت مَن في السموات ومَن في الأرض وكان سؤال إبليس الانتظار إلى يوم القيامة جهلاً منه ومغالطة إذ سأل ما لا سبيل إليه لأنه لو أُعطِيَ ما سأل لم يمت أبدًا لأنه لا يموت أحد بعد البعث فلما سأل ما لا سبيل إليه: أعرض الله عنه، وأعطاه الانتظار إلى النفخة الأولى ﴿قَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسببية أي لأغوينهم بسبب إغوائك لي، وقيل للقسم كأنه قال بقدرتك على إغوائي لأغوينّهم، والضمير لذرّيّة آدم ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ القائل لهذا هو الله تعالى، والإشارة بهذا إلى نجاة المخلصين من إبليس وأنه لا يقدر عليهم أو إلى تقسيم الناس إلى غوى ومخلص ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ﴾ يحتمل أن يريد بالعباد جميع الناشْ، فَيَكُونُ قوله إلاّ من اتّبعك استثناء متصل أو يريد بالعباد المخلصين فيكون الاستثناء منقطعًا ﴿وَإنَّ ٤٥٣ تفسير سورة الحجر لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومُ (٤٤) إِنَ الْمُنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَاِنِينَ (١) وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم ◌ِنْ عِلِ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ (٤٥ وعُيُونٍ مُنَّقَِلِينَ (٢) لَا يَمَتُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَاهُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) ﴾ نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤) وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٢٠) وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥) إِذْ دَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَحِلُونَ (ثم) قَالُوْلَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُلَكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ (٥٢) قَالَ أَبَشَّْتُمُونِيِ عَلَى أَنْ مَسَنِىَ الْكِبَرُ فَِمَ تُبَشِّرُونَ (٢٤) قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِنَ الْقَيِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةٍ رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُّونَ جَ قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٢٦) قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ (٨) إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينٌ (٥) إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ جَهَتَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ الضمير للغاوين ﴿لَهَا سَبْعَةُ أبْوَابِ﴾ رُوِيَ أنها سبعة أطباق في كل طبقة باب، فأعلاها للمذنبين من المسلمين والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين ﴿اذْخُلُوهَا﴾ تقديره يقال لهم ادخلوها والسلام يحتمل أن يكون التحية أو السلامة ﴿إِخْوَانًا﴾ يعني أخوّة المودّة والإيمان ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي يقابل بعضهم بعضًا على الأسرة ﴿نَصَبٌ﴾ أي تعب ﴿نَبِّىءْ عِبَادِيَ﴾ الآية: أعلمهم والآية آية ترجية وتخويف ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ضيف هنا واقع على جماعة وهم الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم بالبشرى ﴿وَجِلُونَ﴾ أي خائفون، والوجل الخوف ﴿لاَ تَوْجَلْ﴾ أي لا تخف ﴿إِنَّا نُبَشْرُكَ بِغُلاَمَ عَلِيم﴾ هو إسحق ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ المعنى أبشرتموني بالولد مع أنني قَد كبر سنّي، وكان حينئذ ابن مائة سنة، وقيل أكثر ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قال ذلك على وجه التعجّب من ولادته في كبره أو على وجه الاستبعاد، ولذلك قرىء تبشّرون، بتشديد النون وكسرها على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وبالكسر والتخفيف على حذف إحدى النونين وبالفتح وهي نون الجمع ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تشك فيه ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُونَ﴾ دليل على تحريم القنوط، وقرىء يقنط بفتح النون وكسرها وهما لغتان ﴿قَالَ فَمَا خَطْكُمْ﴾ أي ما شأنكم، وبأيّ شيء جئتم. ﴿إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ يحتمل أن يكون استثناء من قوم لوط فيكون منقطعًا لوصف القوم بالإجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين ويحتمل أن يكون ٤٥٤ تفسير سورة الحجر قَالُواْ بَلْ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ ٦١ فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونٌ ٦٠٠ الْغَرِينَ ◌َْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ جِئْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ () وَأَتَيْتَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ الَِّ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ ٦٥ قَالَ إِنَّ هَكَؤُلاءِ ضَْفِى فَلَا ٦٧ أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ (١) وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( (ج) قَالَ هَتَؤُلَاءِ بَنَاتِ إِنَ نَفْضَحُونِ (١٨) وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (١) قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ ،فَجَعَلْنَا عَلِيهَا ـَ لَعَمُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَائِهِمْ يَعْمَهُونَ (٤﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ VI كُمْ فَعِلِينَ استثناء من الضمير في المجرمين، فيكون متصلاً كأنه قال إلى قوم قد أجرموا كلهم إلاّ آل لوط فلم يجرموا ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء وقال الزمخشري إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قوله لمنجوهم، وذلك هو الذي يقتضيه المعني ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الغابر يقال بمعنى الباقي، وبمعنى الذاهب وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم، وهو لله وحده لما لهم من القرب والاختصاص بالله، لا سيما في هذه القضية، كما تقول خاصّة الملك للملك دبرنا كذا ويحتمل أن يكون حكاية عن الله ﴿قَوْمٌ مُّنْكَرُون﴾ أي لا نعرفهم ﴿قَالُوا بَلْ جِئْتَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي جئناك بالعذاب لقومك ومعنى يمترون يشكّون فيه ﴿واَّبعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي كن خلفهم أي في ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد وليكونوا قدّامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا وراءه لخوفه عليهم ﴿وَلاً يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ تقدّم في هود ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤمَرُونَ﴾ قیل هي مصر وقيل حيث هنا للزمان إذا لم يذكر مكان ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ هو من القضاء والقدر، وإنما تعدّى بإلي لأنه ضمن معنى أوحينا وقيل معناه أعلمناه بذلك الأمر ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤلاءِ مَقْطُوعْ﴾ هذا تَفْسِير لذلك الأمر، ودابر القوم أصلهم، والإشارة إلى قوم لوط ﴿مُضْبِحِينَ﴾ في الموضعين أي إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح ﴿وَجَاءَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ المدينة هي سدوم واستبشار أهلها بالأضياف طمعًا أن ينالوا منهم الفاحشة ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ كانوا قد نهوه أن يضيف أحدًا ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِ﴾ دعاهم إلى تزويج بناته ليَقِي بذلك أضيافه ﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسم والعمر الحياة، ففي ذلك كرامة للنبي ◌َّز، لأن الله أقسم بحياته، أو قيل هو من قول الملائكة للوط وارتفاعه بالابتداء وخبره محذوف تقديره لعمرك قسمي واللام للتوطئة ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الضمير لقوم لوط، وسكرتهم ضلالهم. وجهلهم، ويعمهون أي يتحيرون ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي صيحة جبريل وهي أخذه لهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ ٤٥٥ تفسير سورة الحجر ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّلْمُتَوَسِمِينَ ٧٤ سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ ٧٥ تُقِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِينَ (٨) فَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا ٨٠ وَلَقَدْ كَذَبَ أَصْحَبُ اَلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ لِإِمَامٍ مُبِينٍ ٧٩ وَكَانُواْ يَنْحِنُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُنَّاَءَامِنِينَ جَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ الْهَ فَمَا أَغْنَى مُعْرِضِينَ لـ ٨١ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ هَا وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيَتَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقُّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَّةٌ فَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ الْعَلِيمُ (٨) وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ أي داخلين في الشروق وهو وقت بزوغ الشمس، وقد تقدّم تفسير ما بعد هذا من قصتهم في هود ﴿لْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي للمتفرسين، ومنه فراسة المؤمن، وقيل للمعتبرين، وحقيقة التوسّم النظر إلى السيمة ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلِ مُّقِيمٍ﴾ أي بطريق ثابت يراه الناس والضمير للمدينة المهلكة ﴿وإن كَانَ أَصْحَابُ الأَنْكَةِ لَظَالِمِينٌ﴾ أصحاب الأيكة قوم شعيب والأيكة الغيضة من الشجر لما كفروا أضرمها الله عليهم نارًا ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ الضمير في إنهما قيل إنه لمدينة قوم لوط وقوم شعيب، فالإمام على هذا الطريق: أي إنهما بطريق واضح يراه الناس، وقيل الضمير للوط وشعيب أي إنهما على طريق من الشرع واضح والأول أظهر ﴿أَضْحَابُ الْحِجْرِ﴾ هم ثمود قوم صالح، والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام ﴿المُرْسَلِينَ﴾ ذكره بالجمع وإنما كذبوا واحدًا منهم وفي ذلك تأويلان أحدهما أن مَن كذب واحدًا من الأنبياء لزمه تكذيب الجميع لأنهم جاؤوا بأمر متّفق من التوحيد، والثاني أنه أراد الجنس كقولك فلانًا يركب الخيل، وإن لم يركب إلاّ فرسًا واحدًا ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني الناقة، وما كان فيها من العجائب ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ النحت النقر بالمعاويل وشبهها في الحجر والعود وشبّه ذلك وكانوا ينقرون بيوتهم في الجبال ﴿آمِنِينَ﴾ يعني آمنين من تهدم بيوتهم لوثاقتها، وقيل آمنين من عذاب الله ﴿إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ يعني أنها لم تخلق عبئًا ﴿فَاضْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قيل إن الصفح الجميل هو الذي ليس معه، عقاب ولا عتاب، وفي الآية مهادنة للكفّار منسوخة بالسيف ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ يعني أُم القرآن لأنها سبع آيات، وقيل يعني السور السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة، والأول أرجح لوروده في الحديث، والمثاني مشتق من التثنية وهي التكرير، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة، ولأن غيرها من السور تكرّر فيها القصص وغيرها، وقيل هي مشتقة من الثناء، لأن فيها ثناء على الله، ٠ ٤٥٦ تفسير سورة الحجر لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ ٨٧ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ للَّهَ وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيْرُ الْمُبِينُ هَ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الُّْقْتَسِمِينَ (٤٦) الَّذِينَ ٢) عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤) فَأَصْلَعْ بِمَا ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١) إِنََّ كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ لْهَا الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٥٠) فَسَبِّجْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَ كُن مِنَ ومَن يحتمل أن تكون للتبعيض أو لبيان الجنس، وعطف القرآن على السبع المثاني لأنه يعني ما سواها من القرآن فهو عموم بعد الخصوص ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي لا تنظر إلى ما متّعناهم به في الدنيا كأنه يقول قد آتيناك السبع، المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها ﴿أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ يعني أصنافًا من الكفّلوا: ﴿وَلاَ تَخْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تتأسف لكفرهم ﴿وَاخْفِضْ جَتَاحَكَ﴾ أي تواضع ولن ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والجناح هنا استعارة ﴿كَمَا أَنْزَّلْنَا عَلَى الْمُفْتَسِمِينَ﴾ الكاف من كما متعلقة بقوله أنا النذير أي أنذر قريشًا عذابًا مثل العذاب الذي أنزل على المقفسمين، وقيل متعلّق بقوله ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك كتابًا كما أنزلنا على المقتسمين، واختلف في المقتسمين فقيل هم أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموا إلى قسمين، وقيل هم قويش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول أحدهم هو شاعر، ويقول الآخر هو: ساحر، وغير ذلك ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي أجزاء، وقالوا فيه أقوالاً مختلفة وواحد عضين عضة وقيل هو من العضه وهو السحر، والعاضه الساحر، والمعنى على هذا أنه سحر، والكلمة محذوفة اللام ولامها على القول الأول واو وعلى الثاني هاء ﴿فَوَرَبُّكَ لَتَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ إن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه فاقس ولا جانٌ؟ فالجواب أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال السنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها ﴿فَاضْدَغ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي صرّح به وأنفذه ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ يعني قومًا سن أهل مكة أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي في9، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة والعاضي من وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وعديّ بن قيس، وقصة هلاكهم مذكورة في السير، وقيل الذين قتلوا ببدر كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأميّة بن خلف وعقبة بن معيط أبي وغيرهم، والأول أرجح، لأن الله كفاهم اتاهم بمكة قبل الهجرة ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ تسلية للنبي ڭ ھتأنیس ٤٥٧ تفسير سورة الحجر السَّجِدِينَ (٢٨) وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْبَقِينُ ٩٩١ ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي الموت. سورة النحل مكيّة إلّ الآيات الثلاث الأخيرة فمدنيّة وآياتها ١٢٨ نزلت بعد الكهف بِسْمِ اللَّهِ الرَّيِ (٤) يُنَزِّلُ الْمَلَئِكَّةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى أَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُونُ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ أَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ ٢ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادَِّ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ( بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿أَتَّى أَمْرُ اللَّهِ﴾ قيل يعني القيامة، وقيل النصر على الكفّار، وقيل عذاب الكفّار في الدنيا، ووضع الماضي مواضع المستقبل لتحقّق وقوع الأمر ولقربه، ورُوِيّ أنها لمّا نزلت وثب رسول الله ◌َ﴿ قائمًا فلما قال فلا تستعجلوه سكن ﴿يُنَزْلَ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي بالنبوّة وقيل بالوحي ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ أي من نطفة المني، والمراد جنس الإنسان ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فيه وجهان أحدهما أن معناه متكلم يخاصم عن نفسه والثاني يخاصم في ربّه ودينه، وهذا في الكفّار والأول أعمّ ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي ما يتدفأ به، يعني ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، ويحتمل أن يكون قوله لكم متعلقًا بما قبله أو بما بعده ويختلف الوقوف باختلاف ذلك ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني شرب ألبانها والحرث بها وغير ذلك ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يحتمل أن يريد بالمنافع ما عدا الأكل فيكون الأكل أمرًا زائدًا عليها أو يريد بالمنافع الأكل وغيره ثم جرّد ذكر الأكل لأنه أعظم المنافع ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَّالْ حِينَ ٤٥٩ تفسير سورة النحل يَ خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُبِينٌ﴾ وَالْأَنْعَمَ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَالخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُون٠٠َ. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ وَلَوْشَآءَ لَهَدَدَكُمْ أَجْمَعِينَ (٤) هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (٤) يُنْبِتُ لَكُ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالتَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَلَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ بِأَمْرِهِهِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ: إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ الجمال حُسْن المنظر وحين تريحون يعني حين تردّونها بالعشيّ إلى المنازل، وحين تسرحون حين تردّونها بالغداة إلى الرعي، وإنما قدّم تريحون على تسرحون لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر لأنها ترجع وبطونها ملأى وضروعها حافلة ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ يعني الأمتعة وغيرها وقيل أجساد بني آدم ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ أي إلى أيّ بلد توجّهتم، وقيل يعني مكة ﴿بِشِقٌّ الأَنْفُسِ﴾ أي بمشقّة ﴿لِتَزْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ استدلّ بعض الناس به على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير، لكونه عّل خلقتها بالركوب والزينة دون الأكل ونصب زينة على أنه مفعول من أجله، وهو معطوف على موضع لتركبوها ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ عبارة على العموم أي أن مخلوقات الله لا يحيط البشر بعلمها، وكل ما ذكر في هذه الآية شيئًا مخصوصًا فهو على وجه المثال ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَضْدُ السَّبِيلِ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلّة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا الجنس، ومعنى القصد القاصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿مَاءَ لَّكُمْ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿وَمِنْهُ شَجَرْ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي ترعون أنعامكم ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يعني الحيوان والأشجار والثمار وغير ذلك ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي أصنافه وأشكاله ﴿لَخْمًا طَرِيًّا﴾ يعني ٤٦٠ تفسير سورة النحل وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْسَهُ ١٣ يَذَّكَّرُونَ؟ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْنِ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١) وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًاً وَسُبُلَاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَلُونَ () وَعَلَمَتٍّ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَتَدُونَ ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ هَا وَإِن تَعُّدُّواْ ٠٠ ٠ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا نُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ" الحوتِ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني الجواهر والمرجان ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ جمع ماخرة يقال مخرت السفينة، والمخر شقّ الماء، وقيل صوت جرى الفُلْك بالرياح ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يعني في التجارة وهو معطوف على لتأكلوا ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الرواسِي الجبال، واللفظ مشتق من رسا إذا ثبت، وأن تميد في موضع مفعول من أجله، والمعنى أنه ألقى الجبال في الأرض لئلا تميد الأرض ورُوِيَ أنه لما خلق الله الأرض جعلت تميد فقالت الملائكة لا يستقر على ظهر هذه أحد فأصبحت وقد أرست بالجيال ﴿وَأَنْهَارًا﴾ قال ابن عطية أنهارًا منصوب بفعل مضمر تقديره وجعل أو خلق أنهارًا قال وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على أن ألقى أخصّ من جعل وخلق: ولو كانت ألقى بمعنى خلق: لم يحتج إلى هذا الإضمار ﴿وَسُبُلا﴾ يعني الطرق ﴿وَعَلَاَمَاتٍ﴾ يعني ما يستدلّ به على الطرق من الجبال والمناهل وغير ذلك، وهو معطوف على أنهاراً وسُبُلاً قال ابن عطية هو نصب على المصدر أي لعلكم تعتبرون، وعلامات أي عبرة وأعلامًا ﴿وبِالنَّخِم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني الاهتداء بالليل في الطرق، والنجم هنا جنس، وقيل المراد الثريا والفرقدان، فإن قيل: قوله وبالنجم هم يهتدون مخرج عن سنن الخطاب وقدّم فيه النجم كأنه يقول وبالنجم خصوصًا هؤلاء خصوصًا يهتدون فَمَن المراد بهم؟ فالجواب أنه أراد قريشًا لأنهمٍ كانٍ لهم في الاهتداء بالنجم في سيرهم علم لم يكن لغيرهم، وكان الاعتبار ألزم لهم فِخصّصِوا، قال ذلك الزمخشري ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَ يَخْلُقُ﴾ تقرير يقتضي الردّ على مَن عبد غير الله، وإنما عبّر عنهم بمن لأن فيهم مَن يعقل ومَن لا يعقل، أو مشاكلة لقوله أفمن يخلق ﴿وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُخْصُوهَا﴾ ذكر من أول السورة إلى هنا أنواعًا من مخلوقاته تعالى، على وجه الاستدلال بها على وحدانيته، ولذلك أعقبها بقوله: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾، وفيها أيضًا تعداد لنعمه على خلقه ولذلك أعقبها بقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهُ لاَ تُخْصُوهَا﴾ ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿إن الله لغفور رحيم﴾: أي يغفر لكم التقصير في شكر نعمه