النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ تفسير سورة هود وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ 77 يَوْمِيِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ وَلَقَدْ جَآءَتْ ٦٨ كَأَن لَّ يَغْنَوْاْ فِيَهَاْ أَلَّ إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْرَتَهُمُّ أَلَا بُعْدًا لِشَمُودَ (٦٧ جَائِمِينَ فَلَمَّا رَءَآ ٦٩ رُسُلُنَّ إِنَزَهِيَمَ بِالْبُشْرَى قَالُوْ سَلَمًّا قَالَ سَلَمْ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ٧٠ وَأَمْرَ أَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَتَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (٦) قَالَتْ يَوَيِلَى ءَ أَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ معطوف على نجّينا أي نجيناهم من خزي يومئذ ﴿جَائِمِينَ﴾ ذكر في الأعراف ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة شعيب ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ الرَّسل هنا الملائكة ﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ بشّروه بالولد ﴿قَالُوا سَلاَمًا﴾ نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر تقديره سلّمنا عليكم سلامًا ﴿قَالَ سَلامٌ﴾ تقدیرہ علیکم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية، وإنما رفع جوابه ليدلّ على إثبات السلام، فيكون قد حيّاهم بأحسن مما حيّوه، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونصب الأول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني لأنه في معنى الخبر ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ﴾ أي ما لبث مجيئه بل عجّل وما نافية وأن جاء فاعل لبث ﴿بِعِجْلِ حَنِيذٍ﴾ أي مشويّ، وفعيل هنا بمعنى مفعول ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي أنكرهم ولم يعرفهم، يقال نكر وأنكر بمعنى واحد ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ قيل إنه لم يعرفهم فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه، وقيل عرف أنهم ملائكة ولكن خاف أن يكونوا أرسلوا بما يخاف فأمنوه بقولهم لا تخف ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ قيل قائمة خلف الستر، وقيل قائمة في الصلاة، وقيل قائمة تخدم القوم، واسمها سارة ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قيل معناه حاضت وهو ضعيف، وقال الجمهور هو الضحك المعروف واختلفوا من أيّ شيء ضحكت، فقيل سرورًا بالولد الذي بُشْرَت به ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير وقيل سرورًا بالأمن بعد الخوف، وقيل سرورًا بهلاك قوم لوط ﴿فَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى، لأنها كانت بأمره ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ﴾ أي من بعده وهو ولده، وقيل الوراء ولد الولد ويعقوب بالرفع مبتدأ، وبالفتح معطوف على إسحاق ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَنَا﴾ الألف فيه مبدلة من ياء المتكلم، وكذلك في يا لهفي ويا أسفي ويا عجبًا، ومعناه التعجّب من الولادة، ورُوِيّ أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل الدعاء والخبر ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي أهل بيت إبراهيم، التسھیل لعلوم التنزیل/ ج ١/ م٢٦ ٤٠٢ تفسير سورة مسودة وَبَّكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ فَجِدٌ رَّمَ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِنَّهِيَمَ الزَّوْعُ وَجَاءَتْهُ اَلْبُشْرَىِ يُجَدِلَنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴿ إِنَّ إِنَزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِبُ ثَ بَإِنَهِيمُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ سَآءَ أَمْرُ رَيٌِّ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ ﴿٣) وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوَطَّاسِىَّ بِهِمْ وَضَاقٌ بِهِمْ ذَوْعًا وَقَالَ هُنْذَا يَوْمُ عَصِيبٌ ﴿ وَجَّهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّتِعَائِ قَالَ يَقَوْمِ هَلُوُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ وَشِيدٌ لَ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿يَا قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُؤَةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى ذَكِّ شَدِيدٍ ﴾ قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَتْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص أو منادى ﴿حَمِيدٌ﴾ أي محمود ﴿مّچية﴾ من المجد وهو العلو والشرف ﴿أَيُجَادِلْنَا﴾ هو جواب لما على أن يكون المضارع في موضع الماضي أو علی تقدیر ظلّ أو أخذ یجادلنا ویکون یجادلنا مستأنفًا والجواب محذوف، ومعنى جداله كلامه مع الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط، وقد ذكر في اللغات ﴿لَحَلِيمٌ﴾ وفي براءة ﴿أَوَّاةٌ﴾ ﴿يَا إِبْرَاهِيمَ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي قلنا يا إبراهيم أعرض عن هذا يعني عن المجادلة فيهم فقد نفذ القضاء بعذابهم ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلْنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وضجر لما ظن أنه من بني آدم وخاف عليهم من قومه ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي شديد ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث ﴿مِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَائِي﴾ المعنى فتزوّجوهنّ، وإنما قال ذلك لبقي أضيافه ببناته، وقيل اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٌ﴾ أي ما لنا فيهم أرب ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ يعنون نكاح الذكور ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمنّي: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ معنى آوِي ألجأ، والمراد بالزكن الشديد ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه وكان رسول الله صلی الله عليه وآله وسلّم یقول يرحم الله أخي لوطًا لقد کان یاوي إلی رکن شدید؛ يعني إلى الله والملائكة ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ أي اخرج مهم ٤٠٣ تفسير سورة هود ج مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ٨١ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ مَّنضُودٍ (*) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٥) ﴾ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ صيا اللَّهَ مَا لَككُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَلَا تَنْقُصُوْ اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنَّ أَرَئِكُم بِخَيْرٍ وَإِنَّ أَخَافُ عَلَيَكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨) وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، وقرىء فاسْرٍ بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى ﴿بِقِطْع مِّنَ اللَّيْلِ﴾ أي قطعة منه ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ نهوا عن الالتفات لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل يلتفت معناه يلتوي ﴿إلاَّ امرأتك) قرىء بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله فأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يُخرِجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، ورُوِيَ على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فقتلها ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي وقت عذابهم الصبح ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ذكر أنهم لما قالوا إن موعدهم الصبح قال لهم لوط هلاً عُذِّبوا الآن، فقالوا له أليس الصبح بقريب ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ الضمير للمدائن رُوِيّ أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة ﴿وَأَمْطَزْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةَ﴾ أي على المدائن، والمراد أهلها رُوِيَ أنه مَن كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما مَن كان في المدائن فهلك لمّا قُلِبَت ﴿مِّن سِجِيلٍ﴾ قيل معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل من سجله إذا أرسله، وقيل هو لفظ أعجمي ﴿مَّنْضُودٍ﴾ أي مضموم بعضه فوق بعض ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ معناه معلّمة بعلامة، رُوِيَ أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفّار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقیل الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: ﴿ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء﴾ [الفرقان: ٤٠] وقيل إن الظالمين على العموم ﴿إنّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ يعني رخّص الأسعار وكثرة الأرزاق ﴿عَذَابَ يَوْم مُحِيطٍ﴾ يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته. ٤٠٤ تفسير سورة هود كُتُم ◌ُؤْمِنِينٌّ وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ الْ قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُ لَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَكُاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ الْهَا قَالَ يَقَّوْمِ أَرَهَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتٌّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ ( وَقَوْمِ لَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَّ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِيحٍ وَمَا قَوْمُ ، وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ رَحِيمٌ وَدُورٌ ﴿﴿ قَالُواْ ٨٩ أُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ! يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَيِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌّ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴾قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيَكُم مِّنَ اللَّهِ وَأَمَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِيًّا إِثَ رَبِ بِمَا ﴿أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله: ﴿إنّ الصّلاةَ تَنْهَى عَن الفَخْشاء والمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفّار هذا على وجه الاستهزاء ﴿أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل عطف على أن نترك ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قيل إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل معناه الحليم الرشيد عند نفسك ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي سالمًا من الفساد الذي أدخلتم أنتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدلّ عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته ﴿وَمَا أُرِيدُ أَن أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مولٍ عنه، وخالفني عنه إذا ولّى عنه وأنت قاصده ﴿وَيَا قَوْم لاَ يَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُمُ مُثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ أي لا يكسبنكم عداوتي أن يصيبكم مثل عذاب الأمم المتقدمة، وشقاقي فاعل، وأنَ يصيبكم مفعول ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مُنْكُم بِبَعِيدٍ﴾ يعني في الزمان لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم، ويحتمل أن يراد ببعيد في البلاد ﴿مَا نَفْقَهُ﴾ أي ما نفهم ﴿وَإِنَّا لَتَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل نحيل البدن، وقيل أعمى ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْتَاكَ﴾ الرهط القرابة والرجم بالحجارة أو بالسب ﴿أَرَخطِي أَعَزَّ عَلَيْكُمْ مُنَ اللَّهِ﴾ هذا توبيخ لهم فإن قيل إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزّة دونه فکیف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب أن تهاونهم به وهو رسول الله تهاون بالله فلذلك قال أَرهطي أعزّ عليكم من الله ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءُكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ الضمير في اتخذتموه لله تعالى أو لدينه وأمره، والظهري ما يطرح وراء الظهر ولا : : : : سعد تفسير سورة هود ٤٠٥ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِّ عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ ٩٢ تَعْمَلُونَ مُحِیظ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ (١) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَّئْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَارِهِمْ ◌َ كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَاْ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَِنَا ٩٤ جَثِمِينَ يقدم ٩٧ (٢َ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِ يْهِ، فَبَّعُواْ أَمَ فِرْعَوْنٌّ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ! وَسُلْطَانٍ مُبِينٌ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (١) وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفِّدُ الْمَرْفُودُ (٦َ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَابِهٌ وَحَصِيدٌ الْمَ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمَّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا ) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اٌلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ جَآءَ أَمْرُ رَبِكٌ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ لـ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ (َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴿َا وَمَا نُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ إِ) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ يعبأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديد ومعنى مكانتكم تمكّنكم في الدنيا وعزّتكم فيها ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ عَذَاب الدنيا والآخرة ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ تهديد ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي بالمعجزات ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي برهان بيّن ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أي يتقدّم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ الورود هنا بمعنى الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا ﴿وَبِئْسَ الْرَّقْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي العطية المعطاة ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ باقٍ ودائر ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشريك ﴿تَثْبِيبٍ﴾ أي تخسير ﴿يَوْمٌ مَّجْمُوعْ لَّهُ النَّاسُ﴾ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبّر باسم المفعول دون الفعل ليدلّ على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع ﴿يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ أي يحضره الأوّلون والآخرون ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر؛ وفاعل يأتِ ضمير يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: ﴿أُوْ يَأْتِي رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ويعضده عَوْد الضمير عليه في قوله بإذنه ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٍّ وَسَعِيدٌ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذين دلّ عليهم قوله لا تكلّم نفس ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفير إخراج النفس، والشهيق ردّه وقيل الزفير ٤٠٦ تفسير سورة هود خَكِلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ ﴿٤) فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ ﴿ وَمَّا الَّذِينَ سُعِدُ واْ فَفِى الْحَنَّةِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءُ غَيْرَ مَجْذُوفٍ (٠٢) فَلَّتَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم ◌ِن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِبُهُمْ غَيِّرَ مَنْقُوصٍ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْحِكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مُرِيبٍ () وَإِنَّ كُلَّا لَّمَا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَبَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ () وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا نُنصَرُونَ (3) وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ طَرَفِي صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ﴾ فيه وجهان أحدهما أن يُراد به سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة أبدًا، والآخر أن يكون عبارة عن التأبيد كقول العرب ما لاح كوكب وما ناح الحمام وشبّه ذلك مما يقصد به الدوام ﴿إلاّ مَا شَاءَ رَبَّكَ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثةِ. أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك إن شاء الله، وإن كان الأمر واجبّاء وقيل، المراد به زمان خروج المذنبين من النار، ويكون الذين شقوا علق هذا يعمّ الكفّار والمذنبين، وقيل استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث دون الثاني ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غير مقطوع ﴿فَلاَ تَكُ اِفِيَ مِزْيَةٍ مُمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ المِرية الشك والإشارة إلى عَبَدَة الأصنام أي لا تشك في فساد دين) هؤلاء ﴿مَا يَعْبُدُونَ إلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم﴾ أي هم متّبعون لآبائهم تقليدًا مع غير برهان ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني من العذاب ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني القدر وذلك أن الله قضى أن يفصل بينهم يوم القيامة فلا يفصل في الدنيا ﴿وَإِنَّ كُلاً﴾ قرىء بتشديد إن وبتخفيفها، وإعمالها عمل الثقيلة، والتنوين في كل عوضًا من المضاف إليه يعني كلهم، واللام في لمنا موطئة للقسم، وما زائدة، وليوفينهم خير إن، وقرىء لما بالتشديد على أن تكون إن نافية، ولما بمعنى إلاّ: ﴿لَيُوَفِيَّتَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني الكفّار، وقيل إنهم الظلمة من الولاة وغيرهم ﴿ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ﴾ مستأنف غير معطوف، وإنما قال ثم لبعد النصرة ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ الآية: يراد بها الصلوات المفروضة .. ٤٠٧ تفسير سورة هود اَلنَّهَارِ وَزُلَفَّا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّحَاتِ ذَلِكَ ذِّكْرَى لِلَّكِرِينَ (٨٦)، وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الَ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إِلَّا فَلِلًا مِمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمُّ وَأَنَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ () وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ الذَ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ لْهَا إِلَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَثَمَّتْ كَلِمَةٌ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ () وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ، ◌ْجَ وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى فُؤَادَكَ وَجَاءَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَكَانَتِّكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ (١٦) وَأَنْتَظِرُواْ إِنَّا مُنَظِرُونَ (٨)، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، والزلف من الليل المغرب والعشاء ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لفظه عامّ، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، رُوِيَ أن رجلاً قبل امرأة ثم ندم فذكر ذلك للنبي وَ﴿ وصلّى معه الصلاة؛ فنزلت الآية فقال النبي وَطار: ((أين السائل))، فقال ها أنذا؛ فقال: ((قد غفر لك))، فقال الرجل إليّ خاصّة أو للمسلمين عامّة، فقال بل للمسلمين عامّة، والآية على هذا مدنية، وقيل إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي وَلّ للرجل مستدلاً بها، فالآية على هذا مكيّة كسائر السورة، وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد ﴿فَلَوْلا﴾ تحضيض بمعنى هلاّ ﴿أُوْلُوا بَقِيَّةٍ﴾ أي أُولو خير ودين بقي لهم دون غيرهم ﴿إِلاَ قَليلاً مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطع معناه ولكن قليلاً ممّن أنجينا من القرون ينهون عن الفساد في الأرض، وقيل هو متّصل فإن الكلام الذي قبله في حكم النفي كأنه قال: ما كان فيهم مَن ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلاً، على أن الوجه في مثل هذا البدل ويجوز فيه النصب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني الذين لم ينهوا عن الفساد ﴿بِظُلْم﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى ظالمًا لهم، تعالى الله عن ذلك ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعني في الأديان والمِلَل والمذاهب ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قيل الإشارة إلى الاختلاف، وقيل إلى الرحمة وقيل إليهما ﴿وَكُلاَّ نَّقُصُّ﴾ انتصب كُلاَّ بنقصّ وما بدل من ٤٠٨ تفسير سورة هوم كلاَّ ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ الإشارة إلى السورة ﴿اعْمَلُوا﴾ ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ تهديد لهم وإقامة حجّة عليهم. سورة يوسف مكتة إلا الآيات ١ و٢ و٣ و٧ فمدنيّة وآياتها ١١١ نزلت بعد سورة هود بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَى الرَّحِيـ الَّرِتِلْكَ ءَايَنتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ (٥) إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ (٢) إِذْ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينٍ﴾ يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البين، فيكون غير متعدٍّ، أو يكون متعدّيًا بمعنى أنه أبان الحق أي أظهره ﴿لَّعَلَّكُمْ﴾ يتعلق بأنزلناه أو بعربيًّا ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يعني قصة يوسف، أو قصص الأنبياء على الإطلاق، والقصص يكون مصدرًا أو اسم مفعول بمعنى المقصوص، فإن أُريد به هنا المصدر فمفعول نقص محذوف، لأن ذكر القرآن يدلّ عليه ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ الضمير في قبله للقصص أي من الغافلين عن معرفته، وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله لكونه جاء به من غير تعليم ﴿إِذْ قَالَ﴾ العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص ﴿يَا أَبَتِ﴾ أي يا أبي والتاء للمبالغة، وقيل للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض من ياء المتكلّم ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ كرّر الفعل لطول الكلام وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في ٤١٠ تفسير سورة يوسف قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيُّهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكُ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ جَ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُتُِّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَّ ◌َّ ◌َالِ يَعْقُوبَ كَمَّا أَتَّمَّهَا عَلَ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيَمَ وَإِخَقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٤) ﴿ لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ: ءَايَتُ لِلسَّآِلِينَ ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلٍ ◌ُّبِينٍ (٤) أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضَا يَعْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ ٩ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿ قَالُواْ يَكَأَبَنَا مَا ◌َكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّالَهُ لَنَصِحُونَ (ْ﴾ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرَّتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (١) قَالَ إِّ لَيَحْزُنُنِىّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ ﴿لَ قَالُواْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّتْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴿ فَلَمَّا المنام إخوته، والشمس والقمر أبواه؛ وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت کنفه وهو ملك ﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته فخاف عليه من الحسد ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يختاركِ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ﴾ قيل هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿آلٍ يَعْقُوبَ﴾ يعني ذرّيّته ﴿آيَاتٌ لْلسَّائِلِينَ﴾ أي لمَن سأل عنها، رُوِيّ أن اليهود سألوا رسول الله عن قصّة يوسف أو أمروا قريشًا أن يسألوه عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ هو بنيامين، ولهوّ أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب ﴿وَنَحْنُ عُضْبَةٌ﴾ أي جماعة نقدر على النفع والضرّ بخلاف الصغيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين.﴿إنّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي خطأ وخروج عن الصواب بإفراط حبّه ليوسفه وأخيه ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي لا يشارككم غيره في محبّته لكم وإقباله عليكم ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ أي بالتوبة والاستقامة وقيل هو صلاح حالهم مع أبيهم ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾ هو يهوذا، وقيل روبيل ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ غوره وما غاب منه ﴿السَّيَّارَةِ﴾ جمع سيارة وهم، القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها ﴿إِن كُنتُم فَاعِلِينَ﴾ أي هذا هو الرأي إن فعلتموه ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَثَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي لِمَ تخاف عليه منّا، وقرأ السبع تأمنًا، بالإدغام والإشتَمَامِ﴾ لأن أصله بضم النون الأولى ﴿يَزْتَعْ﴾ مَن قرأه بكسر العين فهو من الرعي أي من وعمي ٤١١ تفسير سورة يوسف ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُنَّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ (١٥) وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ (١٦) قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْقَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ (٢) وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَّ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ الثَّ وَجَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَةٌ قَالَ يَنْبُشْرَى هَذَا غُلَمْ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا الإبل، أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته، ومَن قرأَه بالإسكان، فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل يفعل، ووزنه على الأول نفتعل، ومَن قرأ يرتع ويلعب بالياء فالضمير ليوسف، ومَن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين وهم إخوته، وإنما قالوا نلعب، لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، وكان اللعب من المُباح للتعلّم كالمسابقة بالخيل ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ أي عزموا، وجواب لما محذوف، وقيل إنه أجمعوا، أو وأوحينا على زيادة الواو ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ يحتمل أن يكون هذا الوحي بواسطة ملك، أو بإلهام، والضمير في إليه ليوسف وقيل ليعقوب والأول هو الصحيح، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ في موضع الحال من لتنبئتّهم أي لا يشعرون حين تنبئهم فيكون خطابًا ليوسف عليه السلام، أو من أوحينا أي لا يشعرون حين أوحينا إليه فيكون خطابًا للنبي وٍَّ ﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي نجري على أقدامنا لننظر أيّنا يسبق ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لْنَا﴾ أي بمصدّق لمقالتنا ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي لا تصدّقنا ولو كنّا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل معناه لا تصدّقنا وإن كنّا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، والأول أظهر ﴿وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة، ورُوِيَ أنهم لطّخوا قميصه بدم جدي، وقالوا ليعقوب هذا دمه في قميصه فقال لهم: مال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدلّ بذلك على كذبهم ﴿سَوَّلَتْ﴾ أي زيّنت ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدأ تقديره شأني صبر جميل ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ رُوِيَ أن هؤلاء السيّارة من مدين، وقيل هم أعراب ﴿وَارِدَهُمْ﴾ الوارد هو الذي يستقّي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد مالك بن دعر من العرب العاربة، ولم يكن له ولد فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له فرزقه الله اثني عشر ولدًا، أعقب كل واحد منهم قبيلة ﴿قَالَ يَا بُشْرَايَ﴾ أي نادى البشرى كقولك يا حسرة، وأضافها إلى نفسه، وقرىء يا بشرى بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك وقيل على هذه القراءة نادى رجلاً منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد، ولما أدلى الوارد الحبل ٤١٢ تفسير سورة يوسف يَعْمَلُونَ وَقَالَ أَوَشَرَوْهُ بِثَمَنْ نَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ ١٩ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَنِهِ: أَكْرِمِى مَثْوَنَهُ عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَّا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأْ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ(ءَاتَّيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ فَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (*) وَرَوَدَتْهُ. النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لأنّ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىٌّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّالِمُونَ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَنْ رَّءَا بُرْهَنَ رَبِّهِ. في الجبّ تعلق به يوسف فحينئذ قال يا بشراي هذا غلام ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةٌ﴾ الضمير الفاعل للسيارة والضمير المفعول ليوسف أي أخفوه من الرفقة، أو قالوا لهم دفعه لنا قوم لنبيعه لهم بمصر ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوه، والضمير أيضًا للذين أخذوه، وقيل الضمير لإخوة يوسف وأنهم رجعوا إليه فقالوا للسيّارة هذا عبدنا ﴿بِثَمَنِ بَخْسٍ﴾ أي ناقص عن قيمته، وقيل البخس هنا الظلم ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ عبارة عن قلّتها ﴿وَكَانُوا﴾ الضمير للذين أخذوه أو لإخوته ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ يعني العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، وقال السهيلي اسمه قطفیر ﴿مِن مّضر﴾ هو البلد المعروف، ولذلك لم ینصرف، وکان یوسف قد سبق إلى مصر فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه ووزنه ذهبًا، وقيل فضة فاشتراه العزيز ﴿تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ﴾ قد تقدّم ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ في عَوْد الضمير وجهان: أحدهما أن يعود على الله فالمعنى أنه يفعل ما يشاء لا راد لأمره، والثاني أنه يعود علی یوسف أي پدبّر الله أمره بالحفظ له والكرامة. ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قيل الأشدّ البلوغ، وقيل ثمانٍ عشرة سنة؛ وقيل ثلاث وثلاثون، وقيل أربعون ﴿حُكْمًا﴾ هي الحكمة والنبوّة ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ أي طلبت منه ما يكون من الرجال إلى المرأة وهي زليخا امرأة العزيز ﴿وَغَلَّقَتِ الأنْوَابِ﴾ رُوِيَ أنها كانت سبعة أبواب ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ اسم فعل معناه تعال وأقبل، وقرىء بفتح الهاء وكسرها وبفتح التاء وضمّها، والمعنى في ذلك كله واحد، وحركة التاء للبناء، وأما مَن قرأ بالهمز فهو فَعَلُ من تهيأت كقولك جئت ﴿مَعَاذَ اللهِ﴾ منصوب على المصدرية، والمعنى أعوذ بالله ﴿إنّهُ رَبِّي﴾ يحتمل أن يكون الضمير الله تعالی، أو للذي اشتراه، لأن السید یقال له ربّ، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأوّل أي الضمير ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أكثر الناس الكلام في هذه الآية حتى : ٤١٣ تفسير سورة يوسف كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٦) وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبْرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ ألّفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومفرّط، وذلك أن منهم مَن جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته وذكروا في ذلك روايات من جلوسه بين رجليها وحلّه التكّة وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به لضعف نقله ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم مَن جعل أنها همّت به لتضربه على امتناعه وهمّ بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها وهو بعيد يردّه قوله لولا أن رأى برهان ربّه، ومنهم مَن جعل همّها به من حيث مرادها وهمّه بها ليدفعها، وهذا أيضًا بعيد لاختلاف سياق الكلام، والصواب إن شاء الله: أنها همّت به من حيث مرادها وهمّ بها كذلك لكنه لم يعزم على ذلك ولم يبلغ إلى ما ذكر من حلّ التكّة وغيرها بل كان همّه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربّه، ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن الهمّ بالذنب ليس بذنب ولا نقص عليه في ذلك، فإنه مَن همّ بذنب ثم تركه كُتِبَت له حسنة ﴿لَوْلاَ أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جوابه محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربّه لخالطها، وإنما حذف لأن قوله همّ بها يدلّ عليه، وقد قيل إن ﴿هَمَّ بِهَا﴾ هو الجواب، وهذا ضعيف لأن جواب لولا لا يتقدّم عليها، واختلف في البرهان الذي رآه، فقيل ناداه جبريل يا يوسف أتكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، وقيل رأى يعقوب ينهاه، وقيل تفكّر فاستبصر، وقيل رأى زليخا غطّت وجه صنم لها حياء منه، فقال أنا أولى أن أستحي من الله ﴿كَذَلِكَ لِتَصْرِفَ﴾ الكاف في موضع نصب متعلقة بفعل مضمر، التقدير ثبتناه مثل ذلك التثبيت، أو في موضع رفع تقديره الأمر مثل ذلك ﴿السُّوءَ وَالْفَحْشَاء﴾ خيانة سيده والوقوع في الزنا ﴿المُخْلَصِينَ﴾ قرىء بفتح اللام حيث وقع أي الذين أخلصهم الله لطاعته وبالكسر أي الذين أخلصوا دينهم لله ﴿واسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ معناه سبق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردّه، فإن قيل كيف قال هنا الباب بالإفراد وقد قال بالجمع وغلقت الأبواب؟ فالجواب أن المراد هنا الباب البرّاني الذي هو المخرج من الدار ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ أي قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت قميصه من خلفه لتردّه فتمزّق القميص، والقدّ القطع بالطول، والقطع بالعرض ﴿وَأَلْفَيَا سَيَّدَهَا﴾ أي وجدا زوجها عند الباب ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلاَّ أَن يُسْجَنَ﴾ لما رأت الفضيحة عكست القضية، وادعت أن يوسف راودها عن نفسها فذكرت جزاء كل مَن فعل ٤١٤ تفسير سورة يوسف يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿يَا قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ (٢) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ فُلَّهَ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٣٦) فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ٢٨١ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِينُ (٢٦) ﴾ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى اُلْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَثَنَهَا عَن نَّفْسِةِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا إِنَّا لَهَا فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ (٢) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكِْهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكَهَا وَءَاتَّتْ كُلّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكْنًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ذلك على العموم، ولم تصرّح بذكر يوسف لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت عليه بدعواها وما جزاء يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية ﴿قَالَ هِيَّ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِيَّ﴾ برّأْ نفسه من دعواها ﴿وَشَهَدَ شَاهِدْ﴾ قيل هو ابن عمّها وقيل كان طفلاً في المهد فتكلم، وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، وكونه لم يتكلّم قطّ، ثم تكلم بذلك كرامة ليوسف عليه السلام، والتقدير شهد شاهد فقال، أو ضمنت الشهادة معنى القول ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلِ فَصَدَقَتْ﴾ لأنها كانت تدافعه فتمدّ قميصه من قُبُل ل﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُيُرِ فَكَذَبَتْ﴾ لأنها جذبته إلى نفسها حين فرّ منها فقدت قميصه من دُبُر ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ فاعل رأى زوجها أو الشاهد ﴿إِنَّهُ مِنْ كَبْدِكُنَّ﴾ الضمير للأمر أو لقولها ما جزاء ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي اكتمه ولا تُحدّث به، ويوسف منادى حذف منه حرف النداء لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة إلى تقريبه وملاطفته ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ خطاب لها، وذلك من كلام زوجها أو من كلام الشاهد ﴿مِنَّ الْخَاطِئِينَ﴾ جاء بلفظ التفكير، ولم يقل من الخاطئات تغليبًا للذكور ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ قِي الْمَدِينَةِ﴾ أي في مصر، رُوِيَ أنّهنّ خمس نسوة: امرأة الساقي، وإمرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب ﴿فَتَاهَا﴾ أي خادمها)، والفتى يقال بمعنى الشاب، وبمعنى الخادم ﴿شَغَفَهَا﴾ بلغ شفاف قلبها وهو غلافه، وقيل السويداء منه، وقيل الشغاف داء يصل إلى القلب ﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي بقولهنّ وسمّاه مَكرّا لأنه كان في خفية، وقيل كانت قد استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأَ﴾ أي أعتدت لهنّ ما يتكأ عليه من الفراش ونحوها، وقيل المتكأ طعام، وقرىء في الشاذ ((مُتَّكّى)) بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطاؤها السكاكين لهن يدلّ على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل كان لحمًا ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: أمر ليوسف، وإنما ٤١٥ تفسير سورة يوسف فَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَآ إِلَّ مَلَكُ كَرِيمُ (٢) قَالَتْ فَذَالِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدِتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْضَمّ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّغِرِينَ (٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ وَكُ مِّنَ الْجَهِنَ ﴿َا فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (٢٦) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٢٠) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُّ إِّ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ اُلْطَيْرُ أطاعها لأنه كان مملوك زوجها ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أي عظمن شأنه وجماله، وقيل معنى أكبرن حضن، والهاء للسكت، وهذا بعيد جدًّا ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهنّ وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام ﴿حَاشَ لِلّهِ﴾ معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجّب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرّد النصب بها على أن تكون فعلاً، وأما هنا فقال أبو علي الفارسي إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك لم يَكُ ولا أدري، والفاعل بحاشَ ضمير يعود على يوسف تقديره بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله، وقال الزمخشري إن حاشَ وضع موضع المصدر كأنه قال تنزيهًا، ثم قال الله ليبيّن مَن ينزّه قال وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أخرجنه من البشر وجعله من الملائكة مبالغة في وصف الحُسْن ﴿إِنْ هَذَا إلَّ مَلَكْ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ توبيخ لهنّ على اللوم ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه ﴿أَصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أي أميل وكلامه هذا تضرّع إلى الله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها أو مَنْ تشاور معه في ذلك ﴿رَأَوُا الآيَاتِ﴾ أي الأدلّة على براءته ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ﴾ أي شابّان، وقيل هنا محذوف لا بدّ منه وهو فسجنوه، وكان يوسف قد قال لأهل السجن إني أعبر الرؤيا، وكذلك سأله الفتيان عن منامهما، وقيل إنهما استعملاها ليجرّباه، وقيل رأيا ذلك حقًّا ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قيل فيه سمّي العنب خمرًا بما يؤول إليه وقيل هي لغة ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قيل معناه في تأويل الرؤيا، وقيل إحسانه إلى أهل السجن ﴿قَالَ لاَ ٤١٦ تفسير سورة يوسف قَالَ لَا يَأْتِيَكُمَا طَعَامٌ أَثُرْزَقَائِهِ* إِلَّا نَبَأْتَكُمَا ٣٠ مِنْهُ نَبِثْنَا بِتَأْوِيلِ* إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ! بِتَأْوِيلِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِيَّ إِنِى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِأَلَخِرَةِ ] وَأَتَبَّعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىّ إِنْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن ٣٧ هُمْ كَفِرُونَ! شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ الْمَ يَصَدِحِتَى السّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٍّ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ: إِلَّ أَسْمَلَهُ سَمَّيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم ◌َّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّ تَعْبُدُوَأَ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ اَلِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥) يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا ج فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًاً وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهٍ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ ، وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنَسَنَهُ الشَّيْطَانُ تَسْتَفْتِيَانِ لأـ : يَأْتِيَكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية: تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم ليجعل ذلك وصلة إلى دعائهما لتوحيد الله، وفيه وجهان: أحدهما أنه قال يخبرهما بكل ما يأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة الأنبياء، والآخر أنه قال لا يأتيكما طعام في المنام إلاّ أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ رُوِيَ أنهما قالا له من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم، فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلاً لما قبله من قوله علّمني ربّي أو يكون استئنافًا ﴿يَا صَاحِبَي السِّجْنِ﴾ نسبهما إلى السجن إما لأنهما سكناه أو لأنهما صاحباه فيه، كأنه قال يا صاحبي في السجن ﴿أَرْبَابٌ مُتَفَرَّقُونَ﴾ الآية: دعاهما إلى توحيد الله، وأقامَ عليهما الحجّة رغبة في إيمانهما ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءَ﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسمّيات والمعنى سمّيتم ما لا يستحق الألوهية آلهة ثم عبدتموها ﴿مِن سُلْطَانٍ﴾ أي حجّة وبرهان ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَهْرًا﴾ يعني الملك ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجَ مِّنْهُمَا﴾ الظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، لأن قوله قضي الأمر يقتضي ذلك، أو يكون على بابه، لأن عبارة الرؤينا ظن ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني الملك ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قيل الضمير ليوسفِ أي نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن، وقيل الضمير للذي نجا منهما وهو الساقي أي نسي ذكر يوسف عند ربّه، فأضاف الذكر إلى ربّه إذ هو عنده، والربّ على هذا التأويل الملك ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع من الثلاثة إلى العشرة، وقيل : : : ٤١٧ تفسير سورة يوسف وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَانٍ ٤٢١ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ بَابِسَتٍ يَتُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءْيَىَ إِن كُنتُمْ لِلْزُِّ يَا تَعْبُرُونَ (٤) قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْظَمِ بِعَلِينَ (٨) وَقَالَ الَّذِى نََّا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَيِّعِ سُنَّبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَّعَلَّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُؤُهُ فِى سُنَّبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّا إلى التسعة، ورُوِيّ أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين أولاً ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادمًا له واسمه ريّان بن الوليد، وقيل مصعب بن الريّان، وكان من الفراعنة، وقيل إنه فرعون موسى عمّر أربعمائة سنة حتى أدركه موسى وهذا بعيد ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ يعني في المنام ﴿عِجَافٌ﴾ أي ضعاف في غاية الهزال ﴿يَا أَيُّهَا المَلأ﴾ خطاب لجلسائه وأهل دولته ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أي تعرفون تأويلها، يقال عبرت الرؤيا بتخفيف الباء وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب، وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدّم على الفعل ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَخْلاَم﴾ أي تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس ووسوسة شيطان بحيث لا يعبر، وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، واحدة ضغث، فإن قيل: لِمَ قال أضغاث أحلام بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدة؟ فالجواب أن هذا كقولك فلان يركب الخيل وإن ركب فرسًا واحدًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَخْلاَم بِعَالِمِينَ﴾ إما أن يريدوا تأويل الأحلام الباطلة أو تأويل الأحلام على الإطلاق وهو الأظهر ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ هو ساقي الملك ﴿وَاذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ﴾ يقدّر قبله محذوف لا بدّ منه وهو فأرسلوه فقال يا يوسف، وسمّاه صديقًا لأنه كان قد جرّب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعٍ بَقَرَاتٍ﴾ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سِمان أكلتهنّ سبع عجاف فعجب كيف علّتهنّ وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفّت بها سبع يابسات حتى غطّت خضرتها ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة ﴿دَأَبًا﴾ بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ التسھیل لعلوم التنزیل/ ج ١/ م ٢٧ ٤١٨ تفسير سورة يوسف ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلّنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ الْيَ ثُمَ يَأْتِ مِنْ فَأْكُلُونَ: ٤٧ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿ وَقَالَ الْلِكُ اثْنُنىِ بِهِ. فَلَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ج أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ إِنَّ رَبٍِ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥) قَالَ مَا خَطِبْكُنَّ إِذْرَوَدِتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ، قُلْنَ حَبِشَ لِلَّهِ مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ آَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ اَلْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ ثِ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْنِ فِي سُنبُلِهِ﴾ هذا رأي أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلّمهم حيلة يبقى بها من السنين المجدبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مُّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي لا تدرسوا منه إلاّ ما يحتاج إلى الأكل خاصّة ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ يعني سبع سنين ذات شدّة وَجْوَع ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازًا ﴿مُمَّا تُخْصِئُونَ﴾ أي تخزنون وتُخبئون ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يحتمل أن يكون من الغيث أي يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج الله عنهم ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي يعصرون الزیتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعضر .. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْتُونِي پِهِ﴾ قیل هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقصّ عليه مقالة يوسف فرأى علمه وعقله، فقال ائتوني به ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ لما أمرٍ الملك بإخراج يوسف من السجن وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرىء نفسيه مما نسب إليه من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلمًا فذكر طرفًا من قصته لينظر الملك فيها فيتبيّن له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبرًا وحلمًا، إذ لم يُجِب إلى الخروج من السجن ساعة دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعيًا لذمام زوجها وسترًا لها، بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهنَ ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهنّ، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهنّ، لأنه لم يكن عنده علم بأن امرأة العزيز هي التي راودته وحدها ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلْهِ﴾ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهنّ من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهنّ: ما علمنا عليه من سوء ﴿الآنَ حَصحَصَ الْحَقْ﴾ أي تبيّن وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق ﴿ذَلِكَ لِيَعْلّمَ أَنِّي لَمْ أَخْتُهُ بِالْغَيْبِ﴾ قيل إنه من كلام امرأة العزيز متّصلاً بما قبله، والضمير في يعلم ٤١٩ تفسير سورة يوسف ﴿ وَمَآ أَبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوْءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ ٥٢ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (ث)، وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِ بِهِ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىِّ فَمَا كَلَّمَُّ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ ﴿) قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِ إِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ (٥٠) وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ اُلْأَرْضِ وأخنه على هذا ليوسف عليه السلام أي ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بذلك إلى توبتها وإقرارها، وقيل إنه من كلام يوسف عليه السلام، فالضمير للعزيز أي لم أخنه في زوجته في غيبته، بل تعفّفت عنها والإشارة بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته ﴿وَمَا أَبَرِّىءُ نَفْسِي﴾ اختلف أيضًا هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همّ به على وجه خطوره على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في عموم الأحوال على وجه التواضع ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمّارة بالسوء، ولوّامة وهي التي تلوم صاحبها ومطمئنة ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ استثناء من النفس إذ هي بمعنى النفوس أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلاّ حين رحمة الله ﴿أسْتَخْلُصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله خاصّتي وخلاصتي قال أولاً ائتوني به فلما تبيّن له حاله قال أستخلصه لنفسي ﴿فَلَمًّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي فلما رأى حُسْن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافرًا، ويستدلّ بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ صفتان تعمّان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعمّ من ذلك، ويستدلّ بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرّف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جهل أمره وإذا كان في ذلك فائدة ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ الإشارة بذلك إلى ما تقدّم من جميل صنع الله به، ورُوِيَ أن الملك ولآه في موضع العزيز وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلّب على أمره وأن امرأة العزيز شاخت وافتقرت فتزوّجها يوسف ودعا الله فرد عليها جمالها وشبابها وأنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة ٠٠ ٤٢٠ تفسير سورة يوسف يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتَنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ أَلْمُحْسِنِينَ (٠) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ الثَّ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَّهُمْ وَهُمْ لَهُر مُنْكِرُونَ الثَّ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ أَتْنُونِ بِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَا تَرَوَتَ أَنَّ أُوْ فِ الْكَيْلَ وَأَنَاْ فَإِ لَّمْ تَأْتُونِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ (١٠) قَالُواْ سَنُزَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ (١) وَقَالَ لِفِنْيَنِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ فِ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَىَ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١) فَلَمَّا رَجَعُواْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَكَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (َُّ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّكَمَآ أَمِنِتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبَلُ الأولى حتى لم يبقَ لهم شيء منها، ثم بالحليّ، ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار، ثم برِقابهم حتى تملّكهم جميعًا ثم أعتقهم وردّ عليهم أملاكهم ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءٌ﴾ الرحمة هنا يراد بها الدنيا وكذلك الأخر في قوله ولا نضيع أجر المحسنين بدليل قوله بعد ذلك ولأجر الآخرة خير، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها مَن يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وغاضٍ، وأن المُحسِن لا بدّله من أجْره في الدنيا، فالأول في المشيئة، والثاني واقع لا محالة، ثم أخبر أن أجْر الآخرة خير من ذلك كله: للذين آمنوا، وكانوا يتّقون، وفي الآية إشارة إلى أن يوسف عليه السلام جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم، فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادّخره يوسف ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ إنما أنكروه لبُعد العهد به وتغيير سنّه أو لأنه كان متلثّمًا، رُوِيَ أنهم دخلوا عليه وهو على هيئة عظيمة من المُلْك وأنه سألهم عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخاً لهم، فحينئذ قال لهم ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم وهو بنيامين شقيق يوسف ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زادٍ وغيره، والمراد به هنا الطعام الذي باع منهم ﴿خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ أي المضيفين ﴿وإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي نفعل ذلك لا محالة ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ جمع فتى وهو الخادم سواء كان حرًّا أو عبدًا ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم ﴿لَعَلْهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلّ معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع وقصد بردّ البضاعة إليهم مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم ﴿مُنِعَ مِنَّا الكَيْلُ﴾ إشارة إلى قولهم وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي فهو خوف من المنع في المستقبل :