النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
تفسير سورة يونس
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ
فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (٦) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ
بَلَ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن
٣٨
إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الطَّلِينَ ()وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَن لَّا يُؤْمِثُ بِهِ.
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (١٥) وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِّيِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ
بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (١) وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكٌ أَفَأَنْتَ تُسَمِعُ اَلْقُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَمِنْهُم
مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَأَنْتَ تَهْدِى أَلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ
) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُواْإِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ
٤٤
شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(
بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ أَوْ نَنَوَقَّكَ
بالباطل في عبادتكم لغير الله ﴿وَمَا يَتَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنَّا﴾ أي غير تحقيق، لأنه لا يستند إلى
برهان ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ذلك في الاعتقادات إذ المطلوب فيها اليقين
بخلاف الفروع ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مذكور في البقرة ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أم هنا بمعنى بل
والهمزة ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ تعجيز لهم وإقامة حجّة عليهم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ يعني من شركائكم
وغيرهم من الجنّ والإنس ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غير الله ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾
أي سارعوا إلى التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِم تَأْوِيلُهُ﴾ أي علم
تأويله ويعني بتأويله الوعيد الذي لهم فيه ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية: فيها قولان أحدهما
إخبار بما يكون منهم في المستقبل وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر، والآخر
أنها إخبار عن حالهم أن منهم مَن هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم مَن هو مكذّب ﴿فَقُل
لْي عَمَلِي﴾ الآية: موادعة منسوخة بالقتال ﴿مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي يستمعون القرآن،
وجمع الضمير بالحمل على معنى من ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ المعنى أتريد أن تسمع الصُّمَّ
وذلك لا يكون. لا سيما إذا انضاف إلى الصّمم عدم العقل ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ المعنى
أتريد أن تهدي العمي، وذلك لا يكون لا سيما إذا انضاف إلى عدم البصر عمى البصيرة،
والضّمم والعمي عبارة عن قلّة فهمهم ﴿لَّمْ يَلْبَثُوا إِلّ سَاعَةٌ﴾ تقليل لمدّة بقائهم في الدنيا أو
في القبور و﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم الحشر فهو على هذا حال من الضمير في يلبثوا
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ شرط جوابه وإلينا مرجعهم. والمعنى إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا

٣٨,٢٠
تفسیر سورة پونس
وَلِكُلِّ أُمٍَّ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُتِىَ
فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢) وَيَقُولُونَ مَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ (٨) قُل لََّ أَمْلِكُ
لِنَفْسِىِ ضَرّاً وَلَا تَفْعَنَا إِلَّ مَّا شَآءُ الَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا بِجَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَ يَسْتَقِْرُونَ سَّاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِّمُونَ ﴿ قُلْ أَرَهَيَنتُمْ إِنْ أَتَنِكُمْ عَذَابٌ بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِفُونَ نْ أَثُفَ إِذَمَا
، وَقَعَ ءَامَنْتُمِّ ◌َالَْنَ وَقَّدْ كُمْ بِهِ تَسْتَعْدِلُونَ [٢:١َثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ فُوِفُواْ عَذَابَ اَلْمُلْ هَلّ
وَيَسْتَلْيُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِىِ وَرَبِّ إِنَّهُ لَّ وَمَ أَنْتُمِ
٥٢
تُجْزَوّنَ إِلَّا بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ
بِمُعْجِزِينَ ﴾ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَأَقْتَدَتْ بِ، وَأَنُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأ
اَلْعَذَابٌ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥) أَاَ إِنَّ ◌ِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ أَلَّ إِنَّ
وَهْدَ اللَّهِ حَتّ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥) هُوَ يُحِى وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْحَعُونَ لِلْ) فَأَيُّهَا النَّاسِ قَدْ
جَآءَ تَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن زَيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ الْ قُلْ بِفَضْلِ الَّهِ
فَذلك وإن توفّيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ ذكرت ثم المترتب الأخبار، لا
لترتيب الأمر، قاله ابن عطيّة، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها. وهو
العقاب، فالترتيب على هذا صحيحٍ ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ قبل مجيئه في الآخرة للفصل،
وقيل مجيئه في الدنيا وهو بعثه ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوغدُ﴾ كلام فیه استبعاد واستخفاف
﴿بَيَاتًا﴾ أي بالليل ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ المعنى أيّ شيءٍ يستعجلون من العذاب
وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله ماذا جوابٍ إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا
.. +
وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ﴾ دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع العذاب وعاينتموه
آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ومكذّبين به ﴿وَيَسْتَنِئُونَّكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾
أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق، والأول أرجح، لقوله وما أنتم
بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد ﴿قُلْ إِي﴾ أي نعم ﴿ظَلَّمَتْ﴾ صفةٍ لنفس أيّ لو ملِكَ
٠٫٠٠٠١٠٠
٢
الظالم الدنيا لا أفتدى بها من عذاب الآخرة ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أي أخفِوها في نفوسهم،
وقيل أظهرُوها ﴿مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبُّكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿وَشِفَاءٌ لَّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي يشفي ما فيها.
من الجهل والشك ﴿قُلِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحِمَتِهِ فَيِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يتعلق بفضل قوله فليفرحوا،
وكرّر الباء في قوله فبذلك تأكيدًاً والمعنى الأمر أن يفرحوا بفضل الله ويرجمتم لا بغيرهما،
والفضل والرحمة عموم، وقد قيل الفضل الإسلام، والرحمة القرآن ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا
٠٠١

٣٨٣
تفسير سورة يونس
أَقُلْ أَرَيْثُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّنْ رِزْقٍ
(٥٨
وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ (!
ـَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ
٥٩
فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ ءَ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ إِ
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ الثّ، وَمَا
تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْتُفِيضُونَ فِيهٍ
وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ وَلَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَآَ أَكْبَرَ إِلَّا فِى
كِتَبٍ قُبِينٍ (١) أَلَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (١) الَّذِينَ ءَامَنُواْ
◌َ لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ
(٦٣
وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
يَجْمَعُونَ﴾ أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدينا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ
لَكُم مِّن رُّزْقٍ﴾ الآية: مخاطبة لكفّار العرب الذين حرّموا البحيرة والسائبة وغير ذلك ﴿قُلْ
اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ متعلق بأرأيتم، وكرّر قل للتأكيد، ولمّا قسم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم
ثبّت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك ﴿وَمَا ظَنُ﴾ وعيد للذين يفترون
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك
اليوم ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الشأن الأمر، والخطاب للنبي ◌َّ، والمراد هو وجميع الخلق،
ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية إحاطة علم
الله بكل شيء ﴿وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْآنٍ﴾ الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدّم ذكره لدلالة
ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلوا شيئًا من القرآن، وقيل يعود على الشأن، والأول أرجح،
لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم للشيء ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يقال أفاض الرجل في الأمر إذا
أخذ فيه بجدّ ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ ما يغيب ﴿مُفْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ وزنها والذرّة صغار النمل، قال
الزمخشري، إن قلت لِمَ قدّمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ، فالجواب أن السماء
تقدّمت في سبأ لأن حقّها التقديم، وقدّمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض
﴿وَلاَ أَضْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ﴾ مَن قرأهما بالفتح فهو عطف على لفظ مثقال، ومَن قرأهما
بالرفع فهو عطف على موضعه أو رفع بالابتداء أولياء الله اختلف الناس في معنى الوليّ
اختلافًا كثيرًا، والحق فيه ما فسّره الله بعد هذا بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فمَن
جمع بين الإيمان والتقوى فهو الوليّ، وإعراب الذين آمنوا صفة للأولياء، أو منصوب على
التخصيص، أو مرفوع بإضمارهم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفًا لئلا ينقطع مما قبله ﴿لَهُمُ
الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ أما بشرى الآخرة فهي الجنة اتفاقًا، وأما بشرى الدنيا

٣٨٤
تفسير سورة يونس
وَلَا يَحْزُنكَ قَوَّلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعً لَهُوَ السَّفِيْخُ
٦٤
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الْعَلِيمُ (شَ أَلَّ إِنَُّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِيَ اَلْأَرْضِِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَ إِنّ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِلَ هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ
اَلَيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَشْتَعُون ◌َ قَالُواْ
أَخَذَ اللَّهُ وَلَذَأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىُّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُم مِّن
سُلْطَانٍ بِهَذَأْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ لَِّ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ لَا
أمَتَعُ فِي الدُّنْيَاثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا سَانُوا
يُقْلِحُونَ
وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِ يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى
بَكْفُرُونَ
بِجَايَتِ اَللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوْ أَفَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمُْكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّة
فهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، رُوِيّ ذلك عن رسول الله والله- وقيل
محبة الناس للرجل الصالح، وقيل ما بشّر به في القرآن من الثواب ﴿لاَ تَبْدِيلَ لَكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾
أي لا تغيير لأقواله ولا خلف لمواعيده، وقد استدلّ ابن عمر على أن القرآن فلا يقادرة أسماك
أن يبدله ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ يعني ما يقوله الكفّار من التكذيب ﴿إِنَّ الْهِرَّةَ لِلَّهِ﴾ إخبار في
ضمنه وعد للنبي * بالنصر، وتسلية له ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُوَنِ اللَّهِ شُرَكََّاءَ إن
يَتْبِعُونَ إلاَّ الظَّرَّ﴾ فيها وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله إلاّ الظن وكرّر إن
يتبعون توكيدًا، والمعنى ما يتبع الكفّار إلاّ الظن، والوجه الثاني أن تكون ما استفهامية،
ويتمّ الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أيّ شيء يتبعون على وجه التحظير لم يتبعوته، ثم
ابتدأ الإخبار بقوله إن يتبعون إلاّ الظن، والعامل في شركاء على الوجهين يدعون ﴿لِتَنْكُتُوا
فِيهِ﴾ من السكون وهو ضدّ الحركة ﴿والنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي مضيئًا تبصرون فيه الأشياء ﴿قَالُوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ الضمير للنصارى ولِمَن قال إن الملائكة بنات اللّهَ ﴿هُوَ الغَتِيُّ﴾ وَضِفْتَ
يقتضي نفي الولد والردّ على مَن نسبه إليه، لأن الغنى المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد أولَهُ لما
فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ بيان وتأكيد للغنى، وباقي الآية توبيخ للكفّار ووعيد لهم
﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ تقديره لهم متاع في الدنيا ﴿تُوح﴾ رُوِيَ أن اسمه عبد الغفّار، وإنما سُمّي
نُوحًا لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله ﴿كبُرَ عَلَيكُمْ﴾ أي صعب وشقّ ﴿مَّقَامِيٍ﴾ أيّ
قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل معناه مكاني يعني نفسه، كقولك فعلت ذلك لمكال
فلان ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقَركلة بألف وصل من

٣٨٥
تفسير سورة يونس
أَقْضُوْاْ إِلَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿أَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْشُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ
أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (*) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن مَعَهُمْ فِ الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيْفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِنَ ﴿َ، ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ، رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ لَاءُ وهُم
وَثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ
٧٤
بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْنَدِينَ
ج
بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، بِثَايَئِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ (٢) فَمَّا جَآءَهُمُ
اُلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (٢٦) قَالَ مُوسَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ كُمْ أَسِحْرُ هَذَا وَلَا
يُفْلِحُ السَّحِرُونَ (َ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا
نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٢٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِىِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (*) فَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُوسَىّ
أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السّحْرٌ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُّهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا
الجمع ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي ما تعبدون من دون الله وإعرابه مفعول معه أو مفعول بفعل مضمر
تقديره ادعوا شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة وأما على الوصل فهو معطوف ﴿ثُمَّ
لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستورًا ولكن مكشوفًا
تجاهرونني به وهو من قولك غمّ الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله أمركم في الموضعين
إهلاككم لنوح عليه السلام، أي لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك ﴿ثُمَّ اقْضُوا
إِلَيَّ﴾ أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحًا عليه السلام قال لقومه إن صعب عليكم
دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به
سبحانه ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ﴾ أي يخلفون مَن هلك بالغرق ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً﴾ يعني
هودًا وصَالِحًا وإبراهيم وغيرهم ﴿أَسِخْرٌ هَذَا﴾ قيل إنه معمول أتقولون، فهو من كلام قوم
فرعون وهذا ضعيف لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: إن هذا لسحر مبين،
فكيف يستفهمون عنه، وقيل إنه من كلام موسى تقريرًا وتوبيخًا لهم فيوقف على قوله
أتقولون للحق لمّا جاءكم، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره أتقولون للحق لما
جاءكم إنه لسحر ويدلّ على هذا المحذوف ما حُكِيَ عنهم من قولهم إن هذا لسحر مبين،
فلما تمّ الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: ﴿أَسِخْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾، وهذا هو
اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر بن الزبير رحمه الله ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ أي لتصرفنا وتردّنا عن دين
آبائنا ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي الملك، والخطاب لموسى وأخيه عليهما السلام ﴿مَا
جِئْتُم بِهِ السِّخْرُ﴾ ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر وقرىء السحر بالاستفهام فما
التسهیل لعلوم التنزیل/ ج ١/ م ٢٥

٣٨٦ :
تفسیر سورة يونس
.---
وَيُحِقُّ اَللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أَ فَمَآ ءَامَنَ لِمُؤْسَىَ إِلَّ
يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ
٨١
ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَن يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ
﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْ إِن كُمْ ءَامَنْثُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ إِن كُم مُّسْلِمِينَ الَفَقَالُواْعَلَى اللَّهِ
تَسْرِفِينَ
آلْمُنْـ
تَوَكَلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَجِّنَا بِرَحْتِكَ مِنَ الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَخِيهِ أَنْ تَبَوَءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُونًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيهُواْ ..
الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ [ْهَ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّمُ زِينَةٌ وَأَقْوَلًا
فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِضِلُواْ عَن سَبِلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ
على هذا استفهامية، والسحر خبر ابتداء مضمر ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ يحتمل أن يكون مُونَ
كلام موسى أو إخبار من الله تعالى ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ الضمير عائد على
موسى ومعنى الذرّيّة شبّان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوف من فرعون، وقيل إن
الضمير عائد على فرعون، فالذرّيّة على هذا من قوم فرعون، ورُوِيٍّ في هذا أنها امرأةٌ
فرعون وخازنته وامرأة خازنه، وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرّيّة، ولأن الضمير
ينبغي أن يعود على أقرب مذكور ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنِ فِرْعَوْنَ ومَلَيْهِمْ﴾ الضمير يعود علي
الذرّيّة أي آمنت الذرّيّة من بني إسرائيل على خوف من فرعون وملإٍ من بني إسرائيل الأن
الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفًا من فرعون، وقيل يعود على
فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾
بدل من فرعون ﴿لَعَالٍ فِي الأرْضِ﴾ أي متكبّر قاهر ﴿رَبََّا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
أي لا تمكّنهم من عذابنا فيقولون لو كان هؤلاء على الحق ما عذبناهم فيفتنون بذلك.
﴿أَنْ تَبَوَّاً لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أي اتخذ لهم بيوتا للصلاة والعبادة، وقيل إنه أراد
الإسكندرية ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي مساجد وقيل موجّهة إلى جهة الْقِبلة، فإن قيل لِمّ
خَص موسى وهارون بالخطاب في قوله أن تبوّآ. ثم خاطب معهما بنو إسرائيل في قوله
واجعلوا، والجواب أن قوله تبوّاً من الأمور التي يختصّ بها الأنبياء وأُولوا الأمر ﴿وَبَشُرٍ
المُؤْمِنِينَ﴾ أمر لموسى عليه السلام، وقيل لمحمد وَّرَ ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ﴾ دَعَاءَ
بلفظ الأمر، وقيل اللام لام كي وتتعلق بقوله آتيْت ﴿اخْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أي أهلكها
﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ أي اجعلها شديدة القسوة ﴿فَلاَ يُؤْمِنُوا﴾ جواب للدعاء الذيّ هَو
:
:
:

٣٨٧
تفسير سورة يونس
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَآنِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا
حَتَّى يَرَوَأْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ
(٨٨
﴿ ﴿ وَجَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوً حَتَّىَ إِذَا
يَعْلَمُونَ
أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١)
ءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ
ءَايَةً وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَيَئِنَا لَغَفِلُونَ () وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْتَهُم
مِّنَ الَِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَى جَاءَهُمُ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ يَفْضِ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ﴿ فَإِن كُنتَ فِ شَكٍّ مِّمَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْحِكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ
اشدد، ودعاء بلفظ النفي ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتِ دَّغْوَتُكُمَا﴾ الخطاب لموسى وهارون على أنه لم
يذكر الدعاء إلاّ عن موسى وحده لكن كان موسى يدعو وهارون يؤمن على دعائه،
﴿فَاسْتَقِيمًا﴾ أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنَ﴾ أي لحقهم
يقال تبعه حتى أتبعه، هكذا قال الزمخشري، وقال ابن عطية أتبع بمعنى تبع، وأما اتبع
بالتشديد فهو طلب الأثر سواء أدرك أو لم يدرك ﴿لاَ إلهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
يعني الله عزّ وجلّ، وفي لفظ فرعون مجهلة وتعنّت لأنه لم يصرّح باسم الله ﴿الآنَ وَقَدْ
عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي قيل له أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار وذلك لا يقبل منك ﴿نُنَجِّيكَ﴾
أي نبعدك مما جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر، وقيل نلقيك على نجوة من
الأرض أي على موضع مرتفع ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي بجسدك جسدًا بدون روح، وقيل بدرعك،
وكانت له درع من ذهب يعرف بها ولمحذوف في موضع الحال والباء للمصاحبة ﴿لِتَكُونَ
لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي لمَن وراءك آية وهم بنو إسرائيل ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ منزلاً حسنًا وهو مصر
والشام ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قيل يريد اختلافهم في دينهم وقيل اختلافهم في
أمر محمد بَِّ ﴿فَإن كُنْتَ فِي شَكّ﴾ قيل الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمراد
غيره، وقيل ذلك كقول القائل لابنه: إن كنت ابني فبرّني مع أنه لا يشك أنه ابنه، ولكن من
شأن الشك أن يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم، قال ابن عباس لم يشك النبي ◌َلتر
ولم يسأل، وقال الزمخشري إن ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي إن فرضت أن تقع في
شكِّ فاسأل ﴿مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ قيل يعني القرآن أو الشرع بجملته، وهذا أظهر، وقيل يعني
ما تقدّم من أن بني إسرائيل ما اختلفوا إلاّ من بعد ما جاءهم الحق ﴿فَاسْتَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني الذين يقرؤون التوراة والإنجيل، قال السهيلي هم عبد الله بن

٣٨٨
تفسير سورة يونس
جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ (٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَلَّهِ
فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونُ ( بَ وَلَوْ
جَ تْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٧٠) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّ قَوْمَ
يُؤنُسَ لَمَّا ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَنَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ لِ وَلَوْ شَآءُ رَبُّكَ
لَآَمَنَ مَن فِىِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (١٦) وَمَا كَانَ
لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٠) قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ (َْ، فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّ مِثْلَ
أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴿٢) ثُمَّ نُنَجِى رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٦) قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شٍَّ مِّن دِينِ
سلام ومخيرق ومَن أسلم من الأحبار، وهذا بعيد، لأن الآية مكيّة، وإنما أسلم هؤلاء
بالمدينة، فحمل الآية على الإطلاق، أولى ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ﴾ خطاب للنبي ◌َّ والمراد غيره
﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ کَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أي قضى أنهم لا يؤمنون ﴿فَلَوْلاً كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ لولا هنا
للتحضيض بمعنى هلاً، وقرىء في الشاذ هلاً، والمعنى هلاً كانت قرية من القرى المتقدّمة
آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها: إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى
لفرعون ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ استثناء من القرى، لأن المراد أهلها، وهو استثناء منقطع بمعنى:
ولكن قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ويجوز أن يكون متّصلاً، والجملة في معنى
النفي كأنه قال ما آمنت قرية إلاّ قوم يونس، ورُوِيَ في قصصهم أن يونس عليه السلام
أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم، فتابوا
وتضرّعوا إلى الله تعالى فرفعه عنهم ﴿ومَتَعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ يريد إلى آجالهم المكتوبة في
الأزل ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الهمزة للإنكار أي أتريد أنت أن تُكرِهِ
الناس في إدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك، وليس ذلك إليك إنما هو بيد
الله، وقيل المعنى أفأنت تُكرِه الناس بالقتال حتى يؤمنوا أو كان هذا في صدر الإسلام قبل
الأمر بالجهاد ثم نسخت بالسيف ﴿انْظُرُوا﴾ أمر بالاعتبار والنظر في آيات الله ﴿وَمَا تُقْنِي
الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْم لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني مَن قضى الله عليه أن لا يؤمن، وما نافية أو
استفهامية يراد بها النفي ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ الآية: تهديد ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ اعتراض بين العمل
:
:

٣٨٩
تفسير سورة يونس
فَلَآ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ أَلَّذِى يَتَوَقَّنكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ (١٦) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢٠) وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ
اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٢) وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ فَلاَ
كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآَذَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِ، وَهُوَ
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٠٦َ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ كُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى
لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠) وَأَشَِّعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى
يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ
ومعموله وهما كذلك، وننجّ المؤمنين ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الوجه هنا بمعنى القصد والدين
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله واصبر حتى يحكم الله وعد بالنصر
والظهور على الكفّار.

سورة هود
مکیة إلاّ الآيات ١٢ و١٧ و١١٤
فمدنية وآياتها ١٢٣ نزلت بعد سورة يونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
:
الّرِ كِتَبُ أُخْكِمَتْ ءَايَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (٤) أَلَّ تَعْبُدُواْ إِلَّا الَّ إِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ.
وَبَشِيرٌ ﴿مَ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿الرِ﴾ ﴿كِتَابٌ﴾ يعني القرآن، وهو خبر ابتداء مضمر ﴿أُحْكِمَتْ﴾ أي أُتقنت فهو من
الإحكام للشيء ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ قيل معناه بيّنت وقيل قطعت سورة سورة، وثم هنا ليست
للترتيب في الزمان، وإنما هي لترتيب الأحوال: كقولك فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل
﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ﴾ أن مفسّرة وقيل مصدرية في موضع مفعول من أجله، أو بدل من
الآيات أو يكون كلامًا مستأنفًا منقطعًا عمّا قبله على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا
إِلَيْهِ﴾ أي استغفروه مما تقدّم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة
عليها ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا﴾ أي ينفعكم في الدنيا بالأرزاق، والنِّعَم، والخيرات، وقيل هو
طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه، لأن الكافر قد يتمتع في الدنيا بالأرزاق
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ يعني إلى الموت ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي يعطي في الآخرة
:

٣٩١
تفسير سورة هود
فَضْلَّةٌ وَإِن تَوَلَّْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿ إِلَى اللَّهِ مَنْ جِمُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِر
أَّ إِنَهُمْ يَقْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
﴿ وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
٥
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِ كِتَبٍ مُّبِينٍ () وَهُوَ أَلَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِتَّةٍ أَيَّامٍ
وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَحِكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَيِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ قَبْعُوتُونَ
مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿ وَلَيِنْ أَخَرَنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى
أُمٍَّ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ بَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ پِهِ.
كل ذي عمل جزاء عمله، والضمير يحتمل أن يعود على الله تعالى أو على ذي فضل ﴿وَإن
تَوَلَّوْا﴾ خطاب للناس وهو فعل مستقبل حذفت منه إحدى التاءين ﴿عَذَابَ يَوْم ◌َبِيرٍ﴾ يعني
يوم القيامة أو غيره كيوم بدر ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ يَشْتُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ قيل كَان الكفّار إذا
لقيهم رسول الله وَّطلقو يردون إليه ظهورهم لئلا يرونه من شدّة البغض والعداوة، والضمير في
منه على هذا يعود إلى رسول الله وَ *، وقيل إن ذلك عبارة عمّا تنطوي عليه صدورهم من
البغض والغلّ، وقيل هو عبارة عن إعراضهم لأن مَن أعرض عن شيء انثنى عنه وانحرف
والضمير في منه على هذا يعود على الله تعالى أي يريدون أن يستخفّوا من الله تعالى فلا
يطلع رسوله ولا المؤمنون على ما في قلوبهم ﴿أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ أي يجعلونها
أغشية وأغطية كراهية لاستماع القرآن، والعامل في حين يعلم ما يسرّون، وقيل المعنى
يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه هذا، ويكون يعلم استئنافًا ﴿وَمَا
مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْتُهَا﴾ وعد وضمان صادق، فإن قيل: كيف قال على الله
بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضّل، لأن الله لا يجب عليه شيء؟ فالجواب: أنه ذكره كذلك
تأكيدًا في الضمان، لأنه لمّا وعد به صار واقعًا لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد ﴿وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ المستودع صلب الأب والمستقر بطن المرأة وقيل المستقر المكان في
الدنيا والمستودع القبر ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ دليل على أن العرش والماء كانا موجودين
قبل خلق السموات والأرض ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي ليختبركم اختبارًا تقوم به الحجّة عليكم ولأنه
كان عالمًا بأعمالكم قبل خلقكم ويتعلق ليبلوكم بخلق ﴿سِخْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل أن يشيروا إلى
القرآن، أو إلى القول بالبعث يعنون أنه باطل كبطلان السّحر ﴿وَلَئِنْ أَخِزْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾
يحتمل أن يريد عذاب الدنيا أو الآخرة ﴿إِلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ أي إلى وقت محدود ﴿لَيَقُولُنَّ مَا

٣٩٢
تفسير سورة هود
يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ وَلَيِّنْ أَذَقْنَا الْإِنِسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَقُوسُ كَفُورُ (٢)
وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ قي) إِلَّا
الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَخْرٌ كَبِيرٌ ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا
يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوَلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنُّ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ
نَذِيرٌ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ ﴿لَ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَنُواْ بِعَشْرِ هُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتِ
وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أُنْزِلَ
يَخْبِسُهُ﴾ أي أيّ شيء يمنع هذا العذاب الموعود به، وقولهم ذلك على وجه التكذيب
والاستخفاف ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا﴾ الآية: ذم لمَن يقنط عند الشدائد، ولمَن يفتخر ويتكبّر عند
النّعَم، والرحمة هنا والنعماء يراد بهما الخيرات الدنيوية، والإنسان عامّ يراد به الجنين
والاستثناء على هذا متصل، وقيل المراد بالإنسان الكافر فالاستثناء منقطع ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِّ
بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ الآية: كان الكفّار يقترخون على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
أن يأتي بكنز أو يأتي معه مَلَك، وكانوا يستهزؤون بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك تارك
أن تلقي إليهم بعض ما أنزل إليك ويثقل عليك تبليغهم من أجل استهزائهم، أو لعلك يضيق
صدرك من أجل أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه مَلَك، والمقصود بالآية تسلية
النبي ◌ّ عن قولهم حتى يبلغ الرسالة، ولا يبالي بهم، وإنما قال ضائق، ولم يقل ضيق
ليدلّ على اتساع صدره عليه السلام وقلّة ضيقه ﴿إنّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾ أي ليش. عليك إلاّ الإنذار
والتبليغ والله هو الوكيل الذي يقضي بما شاء من إيمانهم أو كفرهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ الْتَرَاهُ﴾ أم
هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والضمير في افتراه لما يوحى إليه ﴿قُلْ فَأَتُّوا بِعَشْرِ سُورٍ مُغْلِهِ﴾
تحدّاهم أوّلاً بعشر سور فلما بانَ عجزهم تحدّاهم بسورة واحدة فقال فأتوا بسورة منً مقلفا،
والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه ﴿مُفْتَرَّبَاتٍ﴾ صفة لعشر سور، وذلك مقابلة، لقولهثم
افتراه، وليست المماثلة في الافتراء ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم﴾ أي استعينوا جمن شئتم ﴿قَلِقُ لْ
يَسْتَجِيبُوا لَكُم فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْم اللَّهِ﴾ فيها وجهان: أحدهما أن تكون مخاطبة من، الله
للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وللمؤمنين: أي إن لم يستجب الكفّار إلى ما دعوتموهم إليه
من معارضة القرآن فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى دوموا على علمكم بذلك أو
زيدوا يقينًا به، والثاني أن يكون خطابًا من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للكفّار أي يلك لهم
يستجب من تدعونه من دون الله إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليه؛ فاعلمواتأنه

٣٩٣
تفسير سورة هود
بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٤) مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ
إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِبَهَا لَا يُبْخَسُونَ ثَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا
صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤) أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَبَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ
وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَبِكَ يُؤْمِنُونَ بِهٍ، وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ
مَوْعِدُهُ فَلَاتَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْةً إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْتَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ
من عند الله، وهذا أقوى من الأول لقوله: فهل أنتم مسلمون، ومعنى بعلم الله: بإذنه، أو
بما لا يعلمه إلاّ الله من الغيوب وقوله فهل أنتم مسلمون لفظه استفهام، ومعناه استدعاء إلى
الإسلام وإلزام للكفّار أن يسلموا لما قام الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإتيان
بمثل القرآن ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: نزلت في الكفّار الذين يريدون
الدنيا ولا يريدون الآخرة إذ هم لا يصدّقون بها، وقيل نزلت في أهل الريا من المؤمنين
الذين يريدون بأعمالهم الدنيا حسبما ورد في الحديث في القارىء والمنفق والمجاهد الذين
أرادوا أن يُقال لهم ذلك إنهم أول مَن تسعر بهم النار، والأول أرجح لتقدّم ذكر الكفار
المناقضين للقرآن فإنما قصد بهذه الآية أُولئك ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ نُوَفٌ إلیھم أُجور
أعمالهم بما يغبطهم فيها من الصحة والرزق، والضمير في فيها يعود على الدنيا والمجرور
متعلق بقوله نوف أو بأعمالهم ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ الضمير في فيها هنا يعود على
الآخرة إن تعلق المجرور بحبط ويعود على الدنيا إن تعلق بصنعوا.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبْهِ﴾ الآية معادلة لما تقدّم، والمعنى أفمَن كان يريد الحياة
الدنيا كمَن كان على بيّنة من ربّه، والمراد بمَن كان على بيّنة من ربّه: النبي وَّر والمؤمنون
لقوله بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ومعنى البيّنة البرهان العقلي والأمر الجليّ ﴿وَيَتْلُوهُ
شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ الضمير في يتلوه للبرهان وهو البيّنة ولمَن كان على بيّنة من ربّه، والضمير في
منه للربّ تعالى، ويتلوه هنا بمعنى يتبعه والشاهد يريد به القرآن فالمعنى يتبع ذلك البرهان
شاهد من الله وهو القرآن، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته، وقيل إن الشاهد المذكور هنا هو
عليّ بن أبي طالب ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ أي ومن قبل ذلك الكتاب الشاهد كتاب
موسى، وهو أيضًا دليل آخر متقدّم، وقد قيل أقوال كثيرة في معنى هذه الآية وأرجحها ما
ذكرنا ﴿وَمِنَ الأَخْزَابِ﴾ أي من أهل مكة ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد كأصحاب،

٣٩٤
تفسير سورة مصوف
اُلَّذِينَ يَضُدُونَ عَنَ سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَِّمِينَ لَ
وَيَبْغُونَهَا عِوَبَهَا وَهُمْ بِآلْأَخِرَوَ هُمْ كَفِرُونَ (َ) أُقْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُر
مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةٌ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا سَكَانُواْ يُبْصِرُونَ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٤) لَا جَرَمَ أَنَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُ
اَلْأَخْسَرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدِحَتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمّ أُوْلَتَ أَضْحَبُ الْجَنَّة
مَثَلُ الْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَلْأَضَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ هَلْ يَسْتَوِجَانِ
٢٣
هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
مَثَلَّ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ (بَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِيكُ لَّ أَنْ لَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ اللَّهّ
إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ () فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَتِكَ إِلََّ بَشَرًا
مِثْلَنَا وَمَا نَزَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الرَّأِْ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَّ
ويحتمل أن يكون من الشهادة فيراد به الملائكة والأنبياء أو من الشهود بمعنى الحضور،
فيراد به. كل مَن حضر الموقف ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يطلبون اعواجها أو يصفونها
بالاعوجاج ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ أي لا يفلتون ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ إخبار عن تشديد
عذابهم وليس بصفة لأولياء ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ الآية: ما نافية والضمير للكفّارِ،،
والمعنى وصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾
[البقرة: ٧] الآية. وقيل غير ذلك، وهو بعيد ﴿لاَ جَرَمَ﴾ أي لا بدّ ولا شِك ﴿أَخْيَتُوا﴾ أي
خشعوا وقيل أنابوا ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ يعني المؤمنين والكافرين ﴿كَالأَعْمَى والأَضَمِّ وَالْبَصِیرِ
والسَّمِيعِ﴾ شبّه الكفّار بالأعمى والأصم، وشبّه المؤمنين بالبصير والسميع فهو على هذا
تمثيل للمؤمنين بمثالين، وتمثيل للكافرين بمثالين، وقيل التقدير كالأعمى والأصم،
والبصير والسميع، فالواو لعطف الصفات فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد وهو
مَنْ جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفّار بمثال واحد وهو مَن جمع بين العمى والصّمم
﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وصف اليوم بالأليم على وجه المجاز لوقوع الألم فيه ﴿أَزَاذِلَُّا﴾ جمع
أرذل وهم سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلاً متهم واعتقاد أن الشرف هو
بالمال والجاه، وليس الأمر كما اعتقدوا، بل المؤمنون كانوا أشرف منهم على حال فقرهم
وخمولهم في الدنيا، وقيل إنهم كانوا حاكة وحجّامين، والختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم
أراذل في أفعالهم لقول نوح: وَمَا علمي بما كانوا يعملون ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي أول الرأي من
غير نظر ولا تدبير، وبادي منصوب على الظرفية؛ أصله وقت حدوث أولى رأيهم، والعامل
:

٣٩٥
تفسير سورة هود
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍِّ وَءَانَذِى رَحْمَةٌ مِّنْ عِنِدِهِ، فَعُمَِّتْ
٢٧
نَظُنُكُمْ كَذِيِنَ
عَلَيْكُمْ أَنْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَا كَرِهُونَ (١) وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
وَمَآ أَنَأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّهُمْ مُلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ الْمُ وَيَقَوْمِ مَن
وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآِنُ اللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ
٣٠
يَنْصُرُ فِىِ مِنَ اللَّهِ إِن طَرَُّهُمَّ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ (
أَقُولُ إِّ مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُكُمْ لَن يُؤْتَِهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىَ أَنفُسِهِمْ إِّ
إِذَا لَّمِنَ الَّالِمِينَ ﴿ قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ
أَ قَالَ إِنَّمَا يَأْنِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ (ث) وَلَا يَنفَعُّكُمْ نُصْحِىَّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ
اُلصَّدِقِينَ
٣٢
أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَرَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (ج) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ
فيه اتّبعوك على أصحّ الأقوال، والمعنى اتّبعك الأراذل من غير نظر ولا تشبث، وقيل هو
صفة لبشرًا مثلنا: أي غير مثبت في الرأي ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي من مِزية
وشرف، والخطاب لنوح عليه السلام ومَن معه ﴿عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِي﴾ أي على برهان وأمر
جليّ، وكذلك في قصة صالح وشعيب ﴿وآثَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾ يعني النبوّة ﴿فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُم﴾ أي خفيت عليكم، والفاعل على هذا البيّنة أو الرحمة ﴿أَثْزِ مُكُمُوهَا﴾ أي أنكرهكم
على قبولها قهرًا وهذا هو جواب أرأيتم: ومعنى الآية أن نوحًا عليه السلام قال لقومه أرأيتم
إن هداني الله وأضلّكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون ﴿لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾
الضمير في عليه عائد على التبليغ ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقتضي أنهم طلبوا منه طرد
الضعفاء ﴿إِنَّهُم مُلاَّقُوا رَبْهِمْ﴾ المعنى أنه يجازيهم على إيمانهم ﴿مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إن
طَرَدْتُهُمْ﴾ أي مَن يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطّرد ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ
اللَّهِ﴾ الآية: أي لا أدّعي ما ليس لي فتنكرون قولي ﴿تَزْدَرِي﴾ أي تحتقر من قولك زريت
الرجل إذا قصرت به، والمراد بالذين تزدري أعينهم ضعفاء المؤمنين ﴿إنّي إذَا لَمِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ أي إن قلت للمؤمنين لن يؤتيهم الله خيرًا، والخير هنا يحتمل أن يريد به خير
الدنيا والآخرة ﴿جَادَلْتَنَا﴾ الجدال هو المخاصمة والمراجعة في الحجة ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي
بالعذاب ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْجِي﴾ الآية: جزاء قوله إن أردت أن أنصح لكم، هو ما دلّ عليه
قوله نصحي وجزاء قوله إن كان الله يريد أن يغويكم: هو ما دلّ عليه قوله لا ينفعكم
نصحي، فتقديرها: إن أراد الله أن يغويكم لن ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، ثم استأنف
قوله هو ربّكم، ولا يجوز أن يكون ربكم هو جواب الشرط ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية:

٣٩٦
تفسير سورة هود
إِنِ اُفْتَزَيْتُهُ فَعَلَّىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِىٌّمِمَّا تُخْرِمُونَ (٢) وَأُوْجِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ
إِلَّا مَنْ قَدْ ءَامَنَ فَلَا نَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٦) وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُذِنَا وَوَحْسِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ
الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُمْ مُخْرَفُونَ (٦) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأْ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنَّةً
قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٢) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِيهِ عَذَابٌ يُخْرِيهِ
وَيَجِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ الثَّ حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَعْرُنَا وَفَارَ النَّنُّورُ قُلْنَا أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ
أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِيلٌ (٤)﴿ وَقَالَ أَرْكَبُواْ
فِبِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِىِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤) وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِ مَوْجِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى
الضمير في يقولون لكفّار قريش، وفي افتراه لمحمد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم،
هذا قول جميع المفسّرين، واختار ابن عطية أن تكون في شأن نوح عليه السّلام، فيكون
الضمير في يقولون لقوم نوح، وفي افتراه لنوح لئلا يعترض ما بين قصة نوح بغيرها وهو
بعيد ﴿إِجْرَامِي﴾ أي ذنبي ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾ أي قلا تحزن ﴿وَاصْنَعِ القُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي تحت
نظرنا وحفظنا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي وتعليمنا لك كيف تصنع الفُلْكَ ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي لِلَّذِينَ
ظَلَمُوا﴾ أي لا تشفع لي فيهم، فإني قد قضيت عليهم بالغرق ﴿كُلَّمَا﴾ يحتمل أن يكون
جوابها سخروا منه، أو قال إن تسخروا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد و﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ منصوب
بتعلمون ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ هو الغرق والعذاب المقيم عذاب النار ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْنَا﴾ غاية
لقوله ويصنع الفُلْك ﴿وَفَارَ التُّورُ﴾ أي فار بالماء وجعل الله تلك العلامة لنوح ليركب حينئذ
في السفينة، والمراد بالتّور الذي يوقد فيه عند ابن عباس وغيره، ورُوِيّ أنه كان تنّوّر آدم
خلص إلى توخ، وقيل التنّور وجه الأرض ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كُلّ زَّوْجَيْنِ اثْنَينَ﴾ المراد
بالزوجين الذَّكَر والأنثى من الحيوان، وقرىء من كل بغير تنوين فعملْ احمل في اثنينُ وَمَنْ
قرأ بالتنوين عمل احمل في زوجين وجعل اثنين نعت له على جهة التأكيد ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي
قرابتك، وهو معظوف على ما عمل فيه أحمل ﴿إِلاّ مَن سَبَقَ عَلَيه القَوْلُ﴾ أيَّ مُنْ قُضِيَ
عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ معطوف
على أهلك، أي احمل أهلك ومَن آمن من غيرهم ﴿وَمَا آمَنَّ مَعَهُ إلاَّ قَلِيلٌ﴾ قيل كانوا
ثمانین و قيل عشرة وقیل ثمانية ﴿وَقَالَ ارْ گبُوا فِيهَا﴾ الضمير في قال لنوح، والخطاب لَن
كان معه، والضمير في فيها للسفينة، ورُويّ أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، واستقرّت
على الجودي يوم عاشوراء ﴿بِسم اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ اشتقاق مُجراها من الجري،

٣٩٧
تفسير سورة هود
نُوُ أَبْنَهُ, وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَىَّ أَرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ (٤١) قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى
جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِّ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ
فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٦) وَقِيلَ يَتَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ وَيَسَمَاءُ أَقْلِ وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ
واشتقاق مرساها من الإرساء، وهو الثبوت. أو من وقوف السفينة، ويمكن أن يكونا ظرفين
للزمان أو المكان، أو مصدرين، ويحتمل الإعراب من وجهين: أحدهما أن يكون اسم الله
في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير اركبوا متبرّكين باسم الله أو قائلين بسم
الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان بمعنى وقت إجرائها وإرسائها أو
ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه ما في قوله بسم الله من معنى الفعل في موضع خبر
ويكون قوله بسم الله متّصلاً مع ما قبله، والجملة كلام واحد، والوجه الثاني: أن يكون
كلامين فيوقف على اركبوا فيها ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ
بمعنى المصدر أي إجراؤها وإرساؤها ويكون بسم الله على هذا مستأنفًا غير متصل بما قبله
ولكنه من كلام نوح حسبما رُوِيّ أن نوحًا كان إذا أراد أن يجري بالسفينة قال بسم الله
فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجِ كَالجِبَالِ﴾ رُوِيَ أن
الماء طبق ما بين السماء والأرض فصار الكل كالبحر قال ابن عطية وهذا ضعيف، وأين كان
الموج كالجبال على هذا، وصوّبه الزمخشري، وقال كانت تجري في موج كالجبال قبل
التطبيق، وقبل أن يغمر الماء الجبال ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْتَهُ﴾ كان اسمه كنعان، وقیل یام وكان له
ثلاث بنون سواه وهم سام وحام ويافث، ومنهم تناسل الخلق ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ أي في ناحية
﴿لَاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها أن يكون عاصم
اسم فاعل ومن رحم كذلك بمعنى الراحم فالمعنى لا عاصم إلاّ الراحم وهو الله تعالى،
والثاني أن يكون عاصم بمعنى ذي عصمة أي معصوم ومن رحم: بمعنى مفعول أي من
رحم الله. فالمعنى لا معصوم إلاّ مَن رحمه الله، والاستثناء على هذين الوجهين متصل،
والثالث أن يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر
الله لكن مَن رحمه الله فهو المعصوم، والرابع عكسه والاستثناء على هذين منقطع ﴿ابْلَعِي
مَاءَكِ﴾ عبارة عن جفوف الأرض من الماء ﴿أَقْلِعِي﴾ أي أمسكي عن المطر ورُوِيّ أنها
أمطرت من كل موضع منها ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي نقص ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي تمّ وكمل
﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي استقرّت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل ﴿وَقِيلَ
بُعْدًا﴾ أي هلاكًا، وانتصب على المصدر.

٣٩٨
تفسير سورة هود
وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ () وَنَادَى نُوحُ رَّبَّهُ فَقَالَ لَيْتٍ إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِي
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَكِينَ (٥) قَالَ يَدَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحْ فَلَ
تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمَّ إِّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ (!) قَالَ رَبٍ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ
أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّ تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ (٦) قِلَ يَنُوحُ أَهِْطْ
بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَّ وَأُمَّمُ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَا عَذَّبُ
أَلِيمٌ جَ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْدِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرٌ.
إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ (٤) وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنفَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم ◌ِنْ إِلَهٍ
﴿وَنَادَى نُوحْ رَبَّهُ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء قبل الغرق فيكون العطف من غير
ترتيب، أو يكون بعده ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ أي وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿قَالَ
يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، لأنه كافر، وقال
الزمخشري: لم يكن ابنه ولكنه خانته أُمّه، وكان لغير رشده وهذا ضعيف، لأن الأنبياء
عليهم السلام قد عصمهم الله من أن تزني نساؤهم ولقوله ونادى نوح ابنه ﴿إنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ
صَّالِحٍ﴾ فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها أن يكون الضمير في إنه لسؤال نوح
نجاة ابنه، والثاني أن يكون الضمير لابن نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره إنه ذو
عمل غير صالح، والثالث أن يكون الضمير لابن نوح، وعمل: مصدر وصف به مبالغة
كقولك رجل صوم، وقرأ الكسائي ((عمل)) بفعل ماضٍ ((غير صالح)) بالنصب، والضمير على
هذا لابن نوح بلا إشكال ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمْ﴾ أي لا تطلب مني أمرًا لا تعلم
أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، فإن قيل: لِمَ سمّى نداءه سؤالاً، ولا
سؤال فيه؟ فالجواب أنه تضمن السؤال وإن لم يصرّح به ﴿إِنِّي أَعِتُكَ أَن تَكُونَ مِنَ
الْجَاهِلِينَ﴾ أن في موضع مفعول من أجله تقديره أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين،
وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام ﴿اهبِطْ بِسَلاَمٍ مُنَّ﴾ أي اهيط من
السفينة بسلامة ﴿وَعَلَى أَمَم مُّمَّن مَّعَكَ﴾ أي ممّن معك في السفينة واختار الزمخشري أن
يكون المعنى من ذرّيّة من معك، ويعني به المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن على هذا لا يتداء
الغاية، والتقدير على أمم للشئة ممّن معك، وعلى الأول تكون من لبيان الجنس ﴿وَأُمَمّ
سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ يعني نمتّعهم متاع الدنيا وهم الكفّار إلى يوم القيامة ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾
إشارة إلى القصة، وفي الآية دليل على أن القرآن من عند الله لأن النبي صلّى الله عليه وآله

٣٩٩
تفسير سورة هود
يَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى
غَيِّرُهُمْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ الثـ
فَطَرَفِيٍّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١) وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم
◌ِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوْ مُجْرِمِينَ (٥) قَالُواْيَدَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا
◌ْجَ إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا
تَحْنُ بِشَارِكِيِّ ءَالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
مِن دُونٍِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا
٥٤
بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أُشِْدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُواْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونٌ
تُظِرُونِ (٢) إِنِ تَوَّكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ
﴿ فَإِنِ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبَغْشُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًاً
مُسْتَقِيم الأ
إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيُظُ (٦) وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَجَيْنَهُمْ
وسلّم لم يكن يعلم ذلك قبل الوحي ﴿إِنْ أنْتُمْ إِلَّ مُفْتَرُونَ﴾ يعني في عبادتهم لغير الله
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ السماء هنا المطر ومدرارًا بناء تكثير من الدرّ يقال درّ المطر
واللبن وغيره، وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار، ورُوِيَ أن
عادًا كان حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار ووعدهم على ذلك
بالمطر، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الكفر، ثم عن الذنوب، لأن التوبة من الذنوب لا
تصحّ إلاّ بعد الإيمان ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيْنَةٍ﴾ أي بمعجزة، وذلك كذب منهم وجحود
أو يكون معناه بآية تضطرنا إلى الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي
بسبب قولك ﴿إِن نَّقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ معناه ما نقول إلاّ أن بعض آلهتنا
أصابك بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ﴾ هذا أمر
بمعنى التعجيز أي لا تقدرون أنتم ولا آلهتكم على شيء، ثم ذكر سبب قوته في نفسه وعدم
مُبالاته بهم، فقال إني توكّلت على الله الآية ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي هي في
قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل لذلك، وهذه الجملة تعليل لقوة توكّله على الله
وعدم مُبالاته بالخلق ﴿إِنَّ رَبِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يريد أن أفعال الله جميلة وقوله صدق
ووعده حقّ، فالاستقامة تامّة ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَّغْتُكُم﴾ أصل تولّوا هنا تتولّوا لأنه فعل
مستقبل حذفت منه تاء المضارعة، فإن قيل: كيف وقع الإبلاغ جوابًا للشرط، وقد كان
الإبلاغ قبل التولّي؟ فالجواب: أن المعنى إن تتولوا فلا عتب عليّ لأني قد أبلغتكم رسالة
ربّي ﴿وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ أي لا تنقصونه شيئًا: أي إذا أهلككم واستخلف غيركم ﴿وَلَمَّا
جَاءَ أَمْرُنَا﴾ إن قيل لِمَ قال هنا وفي قصة شعيب ولما بالواو وقال في قصة صالح ولوط فلما

٤٠٠
تفسير سورة جود
،وَتِلْكَ عَاءٌ جَحَدُواْ بِثَابَتِ رَتِهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَعَْ كُلِ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
٥٨
مِنْ عَذَابٍ غَليظٍ
وَأَتْبِعُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ اٌلْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ عَاءًا كَفَرُواْ رَبَهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُوْرٍ (3)﴾ وَ إِلَى
ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَحْمَرَّكُمُ
فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ إِنَّ رَبٍِّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنُتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَاً
أَتْهَنَّا أَن تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَ لَفِى شَكِ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿ قَالَ يَنفَوْمِ أَ بْتُمْ إِن
كُنتُ عَلَى بَيِّئَةٍ مِن رَّبِ وَءَاتَنْنِى مِنْهُ رَحْمَةٌ فَمَنْ يَنْصُرُفِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَّيْنُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرُ
تَخْسِيرٍ ﴿ وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىْ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَشُّوهَا
بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبُ (أَ فَعَفَرُوهَا فَقَالَ تَمَثَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَثَةَ أَقَامِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ
فَلَمَّا جَآءَ أَفْرُنَا غَيْنَا صَالِحًا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِرِى
٦٥
مَگْذُوپ
بالفاء؟ فالجواب على ما قال الزمخشري أنه وقع ذلك في قصة صالح ولوط بحد الوعيد
فجيء بالفاء التي تقتضي التسبيب كما تقول وعدته فلما جاء الميعاد بخلاف قصة هود
وشعيب، فإنه لم يتقدّم ذلك فيهما فعطف بالواو ﴿وَنَجَّيْنَاهُم مِّن عَذَابٍ غَلِيظِ﴾ يحتمل أن
يريد به عذاب الآخرة، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح،
ويحتمل أن يريد بالثاني أيضًا الريح، وكرّره إعلامًا بأنه عذاب غليظ» وتعديدًا للنعمة في
نجاتهم ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ في جميع الرسل هنا وجهان: أحدهما أن مَن تعضِى رسولاً واحدًا
لزمه عصيان جميعهم فإنهم متفقون على الإيمان بالله وعلى توحيده، والثاني أن يراد الجنس
كقولك فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسًا واحدًا ﴿أَلاَ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ هذا
تشنيع لكفرهم وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد ﴿أَلاَ بُعْدًا﴾ أي هلاكًا وهذا دعاء
عليهم وانتصابه بفعل مضمر، فإن قيل: كيف دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؟ فالجواب
أن المراد أنهم أهل لذلك ﴿لْعَادٍ قَوْمَ هُودٍ﴾ بيان لأن عادًا اثنان: إحداهما قوم هود،
والأخرى إرم ﴿هُوَ أَنْشَأْكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ لأن آدم خلق من تراب ﴿وَاشْتَعْمَّرَكُمْ فِيهَا﴾ أي
جعلكم تعمرونها، فهو من العمران للأرض، وقيل هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء
﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ أي كنّا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل المعنى كنّا
نرجو أن تدخل في دينئا ﴿فِيَ دَارِكُمْ﴾ أي بلدكم ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ قيل إنها الخميس والجمعة
والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد ﴿وَمِنْ خِزْيُّ يُؤْمِئٍّ﴾