النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
تفسير سورة التوبة
وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوةَ
إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ (٢٤) فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ
لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُتُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ جَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئًا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ
مُدَخَلَاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَعُونَ (*) وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ
يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ (٥) ﴾ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اُللَّهِ وَأَبْنِ
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم،
ويحتمل أن يكون إنهم كفروا فاعل ما منعهم، أو في موضع مفعول من أجله والفاعل. الله
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذْبَهُم بِهَا﴾ قيل العذاب في الدنيا بالمصائب، وقيل ما ألزموا من أداء
الزكاة ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ إخبار بأنهم يموتون على الكفر ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ
لَمِنْكُمْ﴾ أي من المؤمنين ﴿يَفْرَقُونَ﴾ يخافون ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ﴾ أي ما يلجأ إليه من
المواضع ﴿أَو مَغَارَاتٍ﴾ هي الغيران في الجبل ﴿أَوْ مُدَّخَلاَ﴾ وزنه مفتعل من الدخول ومعناه
نفق أو سرب في الأرض ﴿يَجْمَحُونَ﴾ أي يسارعون ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَّقَاتِ﴾ أي
يعيبك على قسمتها والآية في المنافقين كالتي قبلها وبعدها؛ وقيل في ذي الخويصرة الذي
قال اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم:
((ويلك إن لم أعدل فمَن يعدل الحديث)) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ الآية: ترغيب لهم فيما هو خير
لهم، وجواب لو محذوف تقديره لكان ذلك خيرًا لهم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾
الآية: إنما هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية فلا يجوز أن
يعطى منها غيرهم، ومذهب مالك أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد الإمام، فله أن
يجعلها في بعض دون بعض، ومذهب الشافعي أنه يجب أن تقسم على جميع هذه
الأصناف بالسواء، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من المسكين أو بالعكس؟ فقيل
هما سواء، وقيل الفقير الذي يسأل الناس ويعلم حاله، والمسكين ليس كذلك ﴿وَالعَامِلِينَ
عَلَيْهَا﴾ أي الذين يقبضونها ويفرقونها ﴿والْمُؤَلِّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ كفّار يعطون ترغيبًا في الإسلام،
وقيل هم مسلمون يعطون ليتمكّن إيمانهم، واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء

٢٦٣
تشير سورة التوبة
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىّ
٦٠
السَّبِيلِ فَرِيضَمَةٌ مِّنَ اللّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنَّ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَيَْمَا مَنُواْ
يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُم ◌ْلِيُرْتُوسِكُمْ وَاللَّهُ
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وَرَسُولُهُ وَأَخْفُ أَنْ يُرْضُّوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
١٢
◌َ يَخْذَرُ الْمُنَّفِقُونَ أَنْ تُعَزَّلْ
٦٣
فَأَنَّ لَكُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلًِّا فَأَ ذَلِكَ الْخِرَّى الْعَظِيمُ وا
عَلَيْهِمْ سُؤَرَةٌ ثُِّثُّهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَخْذُرُون ◌َ، وَلَيْ
عِنهم ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يعني العبيد يشترون ويعتقون ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ يعني من عليه ذَيْنَ
ويشترط أن يكون استدان في غير فساد ولا سرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني الجهاد فيعطى
منها المجاهدون ويشتري منها آلات الحرب واختلف هل تصرف في أبناء الأسوار وإثناة
الأساطيل ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الغريب المحتاج ﴿فَرِيضَةً﴾ أي حقًّا سطدودًا: ونصبه على
المصدر، فإن قيل: لِم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين ، فالجواب أنه حطو
مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها، فاتصلئت هذه الآية في المعنى
بقوله ومنهم مَن يلمزك في الصدقات الآية ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَِّيِّ﴾ يعني من المنافقين
وإذايتهم للنبي ﴿ بالأقوال والأفعال ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنَّ﴾ أي يسمع كل ما يقال له
ويصدّقَه، ويقال إنّ قائلُ هذه المقالة هو نبيل بن الحارث وكان من لمرّدة المنافقين وقيل
عتاب بن قيس ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ أي يسمع الخير والحق ﴿وَيُؤْمِنٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيّ
يصدقهم يقال آمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدّى هذا الفعل بإلى وتعدّى يؤمن بالله بالباء
﴿وَرَحَمّةٌ﴾ بالرفع عطف على أُذُنْ، وبالخفض على خير ﴿يَحِلِفُونَ﴾ يعني المنافقين ﴿وَاللَّهُ
ورَسُولُه آحقُّ أَن یرضُوهُ﴾ تقدیره والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، قهما جملتان حذف
الضمير من الثانية لدلالة الأولى عليها، وقيل إنما وحّد الضمير لأن رضا الله ورسوله واحد
﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّةَ﴾ يعني" مَن يعادي ويخالف ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ إن هنا مكررة تأكيدًا للأولىُّ، وَخَيْلُ
بدل منها، وقيل التقدير فواجب أن له، فهي في موضع خبر مبتدأ محذوف ﴿يعذَرُ
الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني في شأنهم سورة على النبي ◌َّ والضمائر في عليهم
وتثبتهم وقلوبهم تعود على المنافقين، وقال الزمخشري إن الضمير في عليهم وتتبئهم
للمؤْمَنيْن، وَفي قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر ﴿قُلِ اسْتَهْرٍُّوا﴾ تهديد ﴿إِنَّ اللَّهَ التاريخ:﴾
تَحْذَرُونَ﴾ صنع ذلك بهم في هذه السورة، لأنها فضحتهم ﴿إِنَّمَا اكُمَّا نَخُوضُ وَذَْعَبُ﴾

٣٦٣
تفسير سورة التوبة
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ
تَسْتَهْزِءُونَ (٥) لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ
( الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ
طَاِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ
اٌلْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ () وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ
كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ
(٦٨
خَلِينَ فِيهَأَ هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ مِخَلَقِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَفِكُ كَمَا
أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَقِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِى
اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (٤) أَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمٍ إِبَهِيمَ وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ وَالْمُؤْنَفِكَتِّ أَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِّ
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ
فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
نزلت في وديعة بن ثابت بلغ النبي ◌ّر أنه قال هذا يريد أن يفتح قصور الشام هيهات
هيهات، فسأله عن ذلك فقال إنَّما كُثَّا نخوض ونلعب ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مُّنْكُمْ﴾ كان
رجل منهم اسمه مخشن تاب ومات شهيدًا.
﴿بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ نفي لأن يكونوا من المؤمنين ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ كناية عن
البخل ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي غفلوا عن ذكره ﴿فَتَسِيَهُمْ﴾ تركهم من رحمته وفضله ﴿وَعَدَ اللَّهُ
المُنَافِقِينَ﴾ الأصل في الشرّ أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرّح بالشرّ ﴿وَالْكُفَّارَ﴾
يعني المجاهدين بالكفر ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ خطاب للمنافقين والكاف في موضع نصب
والتقدير فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم، أو في موضع خبر مبتدأ تقديره أنتم كالذين من
قبلكم ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أي خلطتم وهو مستعار من الخوض في الماء، ولا يقال إلاّ في الباطل
من الكلام ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ تقديره كالخوض الذي خاضوا، وقيل كالذين خاضوا، فالذي
هنا على هذا بمعنى الجميع ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ الآية: تهديد لهم بما أصاب الأمم المتقدّمة
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ يعني مدائن قوم لوط ﴿بِالْبَيْئَاتِ﴾ أي بالمعجزات ﴿بعضهم أولياء بعض﴾
-

٣٦٤
تفسير سورة التوبة
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَرْجُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (*) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْيِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ
ج
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَّفِقِينَ
وَأَغْلُظْ عَلَّهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهٌ وَرِئْسَ الْمَصِيرُ (٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ
اَلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَقُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوْ إِلَّ أَنْ أَغْتَدُهُمُ اللَّهُ وَبَسُولٌ مِنْ
فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لٍَُّّّ وَإِن يَتَوَلَّوْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَتْ
﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَدَّقَنَّ
فِي الْأَرْضِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ لأ
في مقابلة قوله المنافقون بعضهم من بعض ولكنه خصّ المؤمنين بالوصف بالولاية ﴿جَنَّات
عَذْنٍ﴾ قيل غدن هي مدينة الجنة وأعظمها، وقال الزمخشري هو اسم علم ﴿وَرِضْوَانٌ مُنَّ
اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي رضوان من الله أكبر من كل ما ذكر وذلك معنى ما ذكر في الحديث أنّ الله
تعالى يقول لأهل الجنة أتريدون شيئًا أزيدكم، فيقولون يا ربّنا أي شيء تزيدنا؟ فيقول
رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ﴾ جهاد الكفار بالسيف وجهاد
المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدلّ على كفرهم، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم كحكم
الزنديق، وقد اختلف هل يقتل أم لا ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ الغلظة ضدّ الرحمة والرأفة، وقد
تكون بالقول والفعل وغير ذلك ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ نزلت في الجلاس بن سويد، فإنه
قال إن كان ما يقول محمد حقًّا فنحن شرّ من الحمير، فبلغ ذلك النبي صلّى الله تعالى عليه
وآله وسلّم فقرأه عليه فحلف أنه ما قاله ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ يعني ما تقدّم من قول
الجلاس لأن ذلك يقتضي التكذيب ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ لم يقل بعد إيمانهمُ لأنهم
كانوا يقولون بألسنتهم آمنًا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَتَالُوا﴾ هم
الجلاس بقتل مَن بلغ تلك الكلمة عنه، وقيل همّ بقتل النبي والر؛ وقيل الآية نزلت في
عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكلمة الكفر التي قالها قوله سمّن كلبك يأكلك، وعمّه بما لم.
يناله قوله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾
أي ما عابوا إلاّ الغني الذي كان حقه أن يشكروا عليه، وذلك في الجُلاس أو في
عبد الله بن أَبِيّ ﴿فَإِن يَتُوبُوا﴾ فتح الله لهم باب التوبة فتاب الجلاس وحُسُنَّ حاله ﴿وَمِنْهُم
مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية: نزلت في ثعلبة بن حاطب، وذلك أنه قال يا رسول الله ادع الله أن
یکثر مالي فقال له رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم قليل تؤدّي شكره خير من
:

٣٦٥
تفسير سورة التوبة
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
٧٦
فَلَمَآ ءَاتَنُهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ
٧٥
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ الثَّ أَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
٧٨
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ ﴿ أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِةٍ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴿ فَرِعَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَ أْ أَن يُجَهِدُ وأَيِأَ مْوَهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَزَّ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
٨١
كثير لا تطيقه، فأعاد عليه حتى دعا له فكثر ماله فتشاغل به حتى ترك الصلوات ثم امتنع من
أداء الزكاة، فنزلت فيه الآية فجاء بزكاته إلى النبي ◌َّلتر فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال
إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك ثم لم يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾
إشارة إلى منعه الزكاة ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ عقوبة على العصيان بما هو أشدّ منه ﴿إِلى يَوْمَ
يَلْقَوْنَهُ﴾ حكم بوفاته على النفاق ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوْعِين﴾ نزلت في المنافقين حين
تصدّق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقالوا ما هذا إلاّ رياء وأصل المطوعين
المتطوعين والمراد به هنا مَن تصدّق بكثير ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ هم الذين لا
يقدرون إلاّ على القليل فيتصدقون به نزلت في أبي عقيل تصدّق بصاع من تمر، فقال
المنافقون إن الله غنيٌّ عن صدقة هذا ﴿فَيَسْخَرُون مِنْهُمْ﴾ أي يستخفّون بهم ﴿سَخِرَ اللَّهُ
مِنْهُمْ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يحتمل معنيين.
أحدهما أن يكون لفظه أمر، ومعناه الشرط، ومعناه إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن
يغفر الله لهم، كما جاء في سورة المنافقين، والآخر أن يكون تخيير كأنه قال إن شئت
فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح لقول
رسول الله وَيو إن الله خيّرني فاخترت، وذلك حين قال عمر أتصلّي على عبد الله بن أُبيّ
وقد نهاك الله عن الصلاة عليه ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ذكرها على وجه التمثيل للعدد الكثير ﴿فَرِحَ
الْمُخَلْفُونَ﴾ أي الذين خلفهم الله عن بدر وأقعدهم عنه، وفي هذا تحقير وذمّ لهم، ولذلك
لم يقل المتخلفون ﴿بِمَفْعَدِهِمْ﴾ أي بقعودهم ﴿خَلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي بعده حين خرج إلى
تبوك، فخلاف على هذا ظرف، وقيل هو مصدر من خلف فهو على هذا مفعول من أجله

٣٦٦
تفسير سورة التوبة
فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ الَ فَإِن رَّجَعَكَ اَللَّهُ: إِلَى طَائِفَةٍ سَهُمْ
فَاسْتَعْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ بَضِتُمِ بِالْقُعُودٍ أَوَّلَ
﴿ وَلَا تُّصَلّى عَلَى أَحَدِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَلَى قَبْرِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ فِاللَّهِ
حَرَّةٍ فَأَقْعُدُ واْمَعَ الْخَلِفِينَ
٨٣
وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ (٨٢) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بَارِفي
الدُّفِيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ حِكَفِرُونَ (٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَإِنُواْ بٍَّ وَ جَدِهِدُواْ مَعَ رَسُولِ
اُسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا فَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٥) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَّ ◌ِْ
وَُطِعَ عَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ الْهَ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ
بِأَمْوَالِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَنَّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ لِهِأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّتٍ
◌ْمَ وَجَ اُلْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ
تَّحْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَأَ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ !
﴿وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرَّ﴾ قائل هذه المقالة رجل من بني سلمة ممّنٍ صِعب عليه السفر
إلى تبوك في الحرّ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أمر بمعنى الخبر فضحكهم القليل في
الدنيا مدة بقائهم فيها وبكاؤهم الكثير في الآخرة؛ وقيل هو بمعنى الأمر أي يجب أن
يكونوا يضحكون قليلاً وييكون كثيرًا في الدنيا لما وقعوا فيه ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ إنما لم يقل
إليهم، لأن منهم مَنِ تاب من النفاق وندم على التخلّف ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبْدًا﴾ عقوبة لهم
فِيهَا خزي وتوبيخ ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني في غزوة تبوك ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِين﴾ أي مع
القاعدين وهم النساء والصبيان ﴿وَلاَ تُصَلُ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ نزلت في شأنٍ
عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وصلاة رسول اللهِوَ ﴿ عليه حين مات، وَرُوِيَ أنه صلّى عليه
فنزلت الآية، ورُوِيَ أنه ◌َّه لمّا تقدّم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ثوبه، وتلا عليه:
﴿وَلاَ تُصَلٌّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ الآية، فانصرف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
ولم يُصَلِّ عليه ﴿وَإِذَا أَنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ قيل يعني براءة والأرجح أنه على الإطلاق ﴿أَن آمِنُوا﴾
أن هنا مفسّرةٍ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ أي: أُولوا الغنى والمال الكثير ﴿لَكِنِ الرَّسُولِ﴾
الآية أي إن تخلّف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومَن معه ﴿الخَيْرَاتُ﴾ تعمّم منافع الدارين.
وقيل هي الحور العين لقوله خيرات حِسان ﴿وَجَاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ هم المعتذرون ثم أدغمت
التاء في الذال ونقلت حركتها إلى العين واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبينٍ،
وقيل هم المقصرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه ولم يجد فوزنه على هذا المفعلون.

٣٦٧
تفسير سورة التوبة
لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ لَّيْسَ
عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لَّهِ
وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوََّ
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا
يَجِدُواْمَا يُنفِقُونَ (٣) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ
يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا
٩٢
يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمّ قُل لَّا تَعْتَذِّرُواْلَن تُؤْمِنَ لَكُمَّ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ (١١).
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ
جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمّ فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ
اُلْأَغْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا
(٩٦
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
وَمِنَ الْأَعْرَابٍ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ
يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولٍِ، وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ رَ
ورُوِيّ أنها نزلت في قوم من غفار ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هم قوم لم يجاهدوا
ولم يعتذروا عن تخلّفهم فكذبوا في دعواهم الإيمان ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي من
المعذرين ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى﴾ هذا رفع للحرج عن أهل الأعذار
الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو وقيل إن الضعفاء هنا هم النساء والصبيان
وهذا بعيد ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ قيل نزلت في بني مقرن وهم ستّة إخوة
صحبوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقيل في عبد الله بن مغفل المزني ﴿إذا نَصَحُوا
لِلَّهِ﴾ يعني بنيّاتهم وأقوالهم وإن لم يخرجوا للغزو ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ﴾ وصفهم
بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ورسوله ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم ﴿وَلاَّ عَلَى الَّذِينَ
إِذَا مَا آتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ قيل هم بنو مقرن وقيل ابن مغفل وقيل سبعة نفر من بطون شتّى وهم
البكّاؤون ومعنى لتحملهم على الإبل وجواب إذا يحتمل أن يكون قلت ﴿لاَ أَجِدُ مَا
أَخْمِلُكُمْ﴾ أو تولّوا إذا رجعتم يعني من غزوة تبوك ﴿لَن نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿مِنْ
أَخْبَارِكُمْ﴾ نعت لمحذوف وهو المفعول الثاني تقديره قد نبّأنا الله جملة من أخباركم
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ هم أهل البوادي من العرب ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ

٣٦٨
تفسير سورة التوبة
مَغْرَمًا وَيَتَرَبَصُ بِكُ الدَّوَابِرَ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءُ وَاَللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ثَّهُ وَمِنَ الْأَعْرَانِ
مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْنَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَّوَتِ الرَّسُولِ أَلَّ إِنَّهَا
قُرْبَةٌ لَهُمَّ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِّةٍٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَالسَّبِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِنَّ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَّهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ◌ِلَا وَمِنَّنْ خَوْلَكُمْ مِنْبَ
اُلْأَعْرَابٍ مُتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحَنٌّ نَّعْلَمُهُمْ سُنُّعَلْبُهُمْ
) وَءَاخَرُونَ اعْتَّرَقُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمّلًا ضَلِحًا وَءَاخَرَ
مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَّى عَذَابٍ عَظِيمِ لـ
أخُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا
سَيِّئَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَ
اللَّهُ﴾ يعني أنهم أحقّ أن لا يعلموا الشرائع لبُعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم ﴿وَمِنَ
الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي تثقل عليهم الزكاة والنفقة في سبيل الله ثقل المغرم
الذي ليس بحق عليه ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي ينتظر بكم مصائب الدنيا ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
السَّوْءِ﴾ خبر أو دعاء ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي دعواته لهم وهو عطف على قربات أي
يقصدون بنفقاتهم التقرّب إلى الله واغتنام دعاء الرسول لهم وقيل نزلت في بني مقرن
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ قيل هم مَن صلّى للقِبلتين وقيل مَن شهد بدرًا وَقْيل مَن حضر بَيْغَة
الرضوان ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ سائر الصحابة ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم
القيامة بشرط الإحسان ﴿مَرَدُوا عَلَى النَّفَاقِ﴾ أي اجترؤوا عليه وقيل أقاموا عليه ﴿سَنُعَذِّبُهُم
مَّرَّتَيْنٍ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله فالثّانية
منهما عذاب القبر والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل بفضيحتهم بالنفاق ﴿وَآخَرُونَ
اغْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية: قيل إنها نزلت في أبي لبابة فعمله الصالح الجهاد وعمله السيىء
نصيحته لبني قريظة وقيل هو لمَن تخلّف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم
وعملهم السيىء تخلّفهم عن تبوك ورُوِيّ أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد وقالوا لا
نحلّ أنفسنا حتى يحلّنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقيل هي عامّة في الأمة إلى يوم
القيامة قال بعضهم ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمَّ
صَدَقةً﴾ قيل نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا يا رسول الله
إنّا نريد أن نتصدّق بأموالنا فنزلت هذه الآية وأخذ ثلث أموالهم وقيل هي الزكاة المفروضة
فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿تُطَهْرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ خطاب للنبي صلّى الله عليه

٣٦٩
تفسير سورة التوبة
وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٦) أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوَبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ لَهَا وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ.
وَاَلْمُؤْمِنُونَّ وَسَتُّرَدُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمُ تَعْمَلُونَ (١٥) وَءَآخَرُونَ
مُرْجَوْنَ لِأَمْىِ الَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِبِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ
وآله وسلّم في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿وَصَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادعُ لهم
﴿سَكَنّ لَّهُمْ﴾ أي تسكن به نفوسهم فهو عبارة عن صحة الاعتقاد أو عن طمأنينة نفوسهم إذا
علموا أن الله تاب عليهم ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْيَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الضمير في يعلموا
للتائبين من التخلّف وقيل للذين تخلّفوا ولم يتوبوا وقيل عامّ وفائدة الضمير المؤكد
تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ قيل معناه يأمر بها وقيل
يقبلها من عباده ﴿وَآخَرُونَ مَرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل هم الثلاثة الذين خلفوا قبل أن يتوب الله
عليهم وقيل هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرىء مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه
التأخير ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ قرىء الذين بغير واو صفة لقوله وآخرون مرجون أو على
تقديرهم الذين وهذه القراءة جارية على قول مَن قال في المرجون لأمر الله هم أهل مسجد
الضرار، وقرىء والذين بالواو عطف على آخرون مرجون وهذه القراءة جارية على قول مَن
قال في المرجئين أنهم الثلاثة الذين خلفوا ﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ كانوا بنو عمرو بن عوف من
الأنصار قد بنوا مسجد قباء وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يأتيه ويصلّي فيه
فحسدهم على ذلك قومهم بنو غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف فبنوا مسجدًا آخر مجاورًا
له ليقطعوا الناس عن الصلاة في مسجد قباء وذلك هو الضرار الذي قصدوا وسألوا من
رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم أن يأتيه ويصلّي لهم فيه فنزلت عليه فيه هذه الآية
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادوا أن يتفرّق المؤمنون عن مسجد قباء ﴿وَإِزْصَادًا لْمَنْ حَارَبَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي انتظارًا لِمَن حارب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب الذي سمّاه
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الفاسق وكان من أهل المدينة فلما قَدِمها رسول الله
صلّى الله عليه وآله وسلّم جاهد بالكفر والنفاق ثم خرج إلى مكة فحزب الأحزاب من
المشركين فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام
ليستنصر بقيصر فهلك هناك وكان أهل مسجد الضرار يقولون إذا قَدِمَ أبو عامر المدينة يصلّي
في هذا المسجد والإشارة بقوله من قبل إلى ما فعل معه الأحزاب ﴿وَلَيَخْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلاَّ
التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ٢٤

٣٧٠
تفسير سورة التوبة
(٤) لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْهِدُّ أُمِّسَنِ عَلَى
إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ.
اُلتَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَقَرُواْ وَأَنَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِرِينَ لَا أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَّهُ عَ فَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُّ أَم مِّنْ أَسَلَنَ
◌ُنْيَنَُّ عَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنَّهَرَ بِهِ، فِ ذَارِ جَهْتَّمَ وَاَللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (َ لَا
كَّ ◌َلَّهَ
يَزَالُ بَنْيَكُهُمُ الَّذِى بَنَوْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلٌِ حَكِيمٌ لَـ
الْحُسْنَى﴾ أي الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله فأكذبهم الله في ذلك ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ
أَبَدًا﴾ نهى عن إتيانه والصلاة فيه فكان رسول الله وَ ﴿ لا يمرّ بطريقه ﴿الْمَشْجِةٌ أُشْشَ عَلَىّ
التَّقْوَى﴾ قيل هو مسجد قباء، وقيل مسجد النبيِ وَّه بالمدينة، وقد رُوِّيَ ذلك عن رَقُول
الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ﴿قِيْهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتْطَهَّرُوا﴾ كانوا يستنجون بِالمَاءُ
ونزلت في الأنصار على قول من قال إن المسجد الذي أُسُسَ على التقوى هو مسجد
المدينة، ونزلت في بني عمرو بن عوفَ خاصّة على قول من قال إنّ المسجد الذي أُثْسّ
على التقوى هو مسجد قباء ﴿أَفَمِّنْ أَسَّسَ بُثْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِ ضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ، ثمّنُ
أَشْسَ بُثْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الآية: استفهام بمعنى التقرير، والدفّ أُسْسل على التقوى
والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أُسّس على شفاء جرَّفي هارٍ: هو مسجد
الضرار، وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحُسْن النّيّة فيه، وقصد وجه اله،
وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرفٍ هارٍ: هو بفساد النية، وقصد الرياء، والتفريق بين
المؤمنين، فذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البديع، ومعنى شفا جرف، طرفةُ، وَتَمَغْنَى
هارٍ: ساقط أو واهي، بحيث أشفى على السقوط، وأصل هارٍ: هائرً، فهو من المُقْلُوب!
لأن لامه جعلت في موضع العين ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمْ﴾ أي طأح في جهنمٌ، فوهذا
ترشيح للمجاز، فإنه لمّا شبّه بالجرف وصف بالانهيار الذي هو من شأن الجرف، وقيل إن
ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه، والصحيح أن رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم أمر بهدمه فهدم ﴿لاَ يَزَالُ بُلْيَاتُهُمُ الَّذِيِّ بَتَوْمُ رِيَّةَ فِّي
قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار ريبة من بثيائه: أيّ شك في الإسْلام
بسبب بنيانه، لاعتقادهم صوابٍ فعلَهم: أو غيظ بسبب هدمةٌ ﴿إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُّهُمْ﴾ أيّ إلاّ
أن يموتوا.
الم كلاو موافيع
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْعَوَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ قيل إنها خزالت في بيعة العقبة
"لابيتا
: 1

٣٧١
تفسير سورة التوبة
أُشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ
فَيَقْئُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْنَا
(١١٧)
بِعَهْدِهِ، مِنَ اُللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِدٍ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
التِّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَِّحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الَمِرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ (١) مَا
كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبِى مِنْ بَعْدٍ مَا
تَبَّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (١) وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ
وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَمَّا نَبَيَّنَ لَهُوَ أَنَّهُ عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيٌِّ() وَمَا كَانَ
اَللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (﴿٨) إِنَّ اللَّهَ
وحكمها عامّ في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة، قال بعضهم ما أكرم الله،
فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منّا بهذا الثمن الغالي،
فإنها لصفقة رابحة ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جملة في موضع الحال بيان للشراء ﴿فَاسْتَبْشِرُوا
بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ قال بعضهم ناهيك عن بيع: البائع فيه ربّ العلا والثمن جنّة
المأوى، والواسطة محمد المصطفى وَ﴿﴿ ﴿التَّائِبُونَ﴾ وما بعده: أوصاف للمؤمنين الذين
اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم: تقديره هم التائبون ﴿السَّائِحُونَ﴾ قيل معناه الصائمون،
ويقال ساح في الأرض: أي ذهب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
نزلت في شأن أبي طالب فإنه لمّا امتنع أن يقول لا إله إلّ الله عند موته، قال له رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك، فكان يستغفر له حتى نزلت
هذه الآية، وقيل إن النبي ◌َ ﴿ استأذن ربّه أن يستغفر لأمه فنزلت الآية، وقيل إن المسلمين
أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين فنزلت الآية ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاَّ عَن
مَّوْعِدَةٍ﴾ المعنى لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلاّ
الوعد تقدّم، وهو قوله سأستغفر لك ربّي ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ قيل تبيّن له
ذلك بموت أبيه على الكفر، وقيل لأنه نهى عن الاستغفار له ﴿لأَوَّاهُ﴾ قيل كثير الدعاء،
وقيل موقن، وقيل فقيه، وقيل كثير الذكر لله، وقيل كثير التأوّه من خوف الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآية: نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا
على أنفسهم من ذلك فنزلت الآية تأنيسًا لهم أي ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن یبیّن

٣٧٢
تفسير سورة التوبة
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُحِ وَيُمِيتُّ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِن وَإِنِوَلَا نَصِيرٍ (َلَّقَد
تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَكِينَ وَاَلْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاهُةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ
مَا كَاءَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَعَلَى
اُلْقَّلَئَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَغَفُواْ
أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِمُ لَّهُ يََّأَيُّهَا
أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِنَ الْجَمَا كَانَ لِأَهْلِ الَّْذِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم ◌ِنَ
الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ
لكم المنع من ذلك ﴿فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ﴾ يعني حين محاولة غزوة تبوك، والساعة هنا بمعنى
الحين والوقت، وإن كان مدة، والعسرة الشدّةَ وضيق الحال ﴿مِن بَعْدِ مَا كَاذٌ يَزِيغُ قُلُوبٌ
فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ يعني تزيغ عن الثبات على الإيمان، أو عن الخروج في تلك الغزوة لما رأوا
من الضيق والمشقّة، وفي كاد ضمير الأمر والشأن، أو ترتفع بها القلوب: ﴿ثُمَّ قَابَ عَلَيْهِمْ﴾
يجبني على هذا الفريق أي رجع بهم عمّا كاهوا يقعون فيه ﴿وَعَلَىَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلْفُوا﴾ هم
كعب بن مالك، وهلال بن أَميّة، ومرارة بن الربيع، تخلّفوا عن غزوة تبوك من غير عذر
ومن غير نفاق ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عتب
عليهم، وأمر أن لا يكلّمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم فبقوا على ذلك مدّة إلى أن
أنزل الله توبتهم، وقد روى حديثهم في البخاري ومسلم والسير، ومعنى خلفوا هنا: أي عن
الغزوة، وقال كعب بن مالك معناه خلفوا عن قبول الضرّ، وليس بالتخلّف عن الغزو يقوّي
ذلك كونه جعل إذا ضاقت غاية للتخلّف ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ﴾ عبارة عمّا أصابهم أمن
الغمّ والخوف من الله ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَعُوبُوا﴾ أي رجع بهم ليستقيموا على التوبة ﴿وَكُونُوا
مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ يحتمل أن يريد صدق اللسان إذا كانوا هؤلاء الثلاثة قد صدقوا ولم يعتذروا
بالكذب فنفعهم الله بذلك، ويحتمل أن يريد أعمّ من صدق اللسان وهو الصدق في الأقوال
والأفعال والمقاصد والعزائم، والمراد بالصادقين المهاجرون لقول الله في الحشر للفقراء
المهاجرين، إلى قوله: هم الصادقون وقد احتجّ بها أبو بكر الصدّيق على الأنصار يؤم
السقيفة، فقال نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معناً أي تابعين لنا ﴿مَا تَانَ لأهلِ
المَدِيثَةِ﴾ الآية: عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل
العرب ﴿وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ أي لايمتنعوا من اقتحام المشقّات التي تحتملها،هو
:
:

٣٧٣
تفسير سورة التوبة
◌َمَأْ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْئًا يَغِيظُ اُلْكُفَّارَ وَلَا
يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ ثَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًا إِلَّا ككُتِبَ لَهُمْ
الْمُحْسِنِينَ ﴿
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَّلَا
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (!
نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
أَيَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ
يَحْذَرُونَ لِهـ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ (٤) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَانًا
صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ﴾ تعليل لما يجب من عدم
التخلّف ﴿ظَمَا﴾ أي عطش ﴿وَلاَ نَصَبْ﴾ أي تعب ﴿ولا مَخْمَصَةٌ﴾ أي جوع ﴿وَلاَ يَطَوُّونَ﴾
أي بأرجلهم أو بدوابهم ﴿وَلاَ يَتَالُونَ مِنْ عَدُوْ نَيْلاً﴾ عموم في كل ما يصيب الكفّار ﴿وَمَا
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ قال ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا: أي
لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله وَله
بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدّمة على التخلّف عنه، فالآية الأولى في الخروج
معه ◌َّر، وهذه في السرايا التي كان يبعثها، وقيل هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج
الجميع فهو دليل على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وقيل في طلب العلم ومعناها:
أنه لا تجب الرحلة في طلب العلم على الجميع، بل على البعض لأنه فرض كفاية ﴿فَلَوْلاً
نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ تحضيض على نفر بعض المؤمنين للجهاد أو لطلب العلم
﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ إن قلنا إن الآية في الخروج إلى طلب العلم، فالضمير في يتفقهوا
للفرقة التي تنفر أي ترحل، وكذلك الضمير في ينذروا وفي رجعوا: أي ليعلموا قومهم إذا
رجعوا إليه من الرحلة، وإن قلنا إن الآية في السرايا، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تقعد
في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وأما الضمير في رجعوا فهو للفرقة التي خرجت مع
السرايا ﴿لَعَلَّهُمْ يَخْذَرُونَ﴾ الضمير للقوم ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ أمر بقتال
الأقرب فالأقرب على تدريج، وقيل إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام، لأنهم كانوا أقرب
الكفّار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمّها الإسلام، وكانت العراق حينئذ
بعيدة ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ أي من المنافقين مَن
يقول بعضهم لبعض أيّكم زادته هذه إيمانًا على وجه الاستخفاف بالقرآن كأنهم يقولون أيّ

تفسير سورة التوبة
وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قُرْفُ سَ
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
أَوَلَا يَرُوْنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِىِ
فَرَدَتْهُمْ رِجْسَا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ الَ
نَكُلِ عَامٍ مََّّةً أَوْ مَتَّيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢) وَ إِذَا مَا أُنزِلَتْ شُورَةٌ
نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنِكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنصَرَفُواْ صَرَّفَ ◌َلَّهُ قُلُوَهُمْ بِأَنَّهُمْ فَوْمٌ
لَا يَفْقَهُونَ (٣) لَقَدْ جَآءَ حْكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِمَا عَنِكُمْ حَرِيضُ
عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيٌ () فَإِن تَوَلَوْ فَقُلْ حَسْبِ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّاهُوَ
١٢٩
عَلَيْهِ تَوَـكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
عجب في هذا وأيّ دليل في هذا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. وذلك لما يتجدّه عندِهم
من البراهين والأدلّة عند نزول كل سورة ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضِ فَزَاءَتْهُمْ رِجْسَا إِلَى
رِجْسِهِمْ﴾ المرض عبارة عن الشك والنفاق والممعنى زادتهم رجسًا إلى رجسهم أو زادتهم
كفرًا ونفاقًا إلى كفرهم ونفاقهم ﴿يُفْتَنُون فِي كُلِّ عَام﴾ قيل يفتنون أي يختبروين بالأمراضن
والجوع، وقيل بالأمر بالجهاد، واختار ابن عطيّة أن يكون المعنى يفضخون بما يكشفه من
سرائرهم ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي تغامزوا وأشار بعضهم إلى بعض على وجه
الاستخفاف بالقرآن ثم قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد كأن سبب خوفهم أن ينقل
عنهم ذلك وقيل معنى نظر بعضهم إلى بعض على وجه التعجب مماينزل في القرآن من
كشف أسرارهم ثم قال بعضهم لبعض ﴿هَلْ يَرَاكُم مُنْ أَحَدٍ﴾ أي هل رأى أحوالكم فنقلها
عنكم أو علمت من غير نقل فهذا أيضًا على وجه التعجّب ﴿ثُمَّ الْصَرُفُوا﴾ يحتمل أن يراد
الانصراف بالأبدان، أو الانصراف بالقلوب عن الهدى ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ «عاملوستڤبَ
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ تعليل لصرف قلوبهم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ فَجتي
النبي ◌َّر، والخطاب للعرب أو لقريش خاصّة أي من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه وصدقه
وأمانته أو لبني آدم كلهم: أي من جنسكم وقرىء من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا هِثُم﴾ أي يشق عليه عنتگم، والعنت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم
وعزيز صفة للرسول، وما عنتّم فاعل بعزيز، وما مصدرية أو ما عنتم مصدر، وعزيز خبر
مقدّم والجملة في موضع الصفة ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أي حريص على إيمانكم وسعادتكم
﴿بِالْمُؤْمِتِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ سمّاه الله هنا باسمين من أسمائه ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَدِ اللَّهُ﴾
أي إن أعرضوا عن الإيمان، فاستعن بالله وتوكّل عليه وقيل إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة.بهذه

سورة يونس
مكنة إلاّ الآيات ٤٠ و٩٤ و٩٥
و٩٦ فمدنيّة وآياتها ١٠٩ نزلت بعد الإسراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـ
الرَّتِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ (أ) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ اَلنَّاسَ
وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُبِينُ (@4َّ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿الر﴾ تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء التي في أوائل السور ﴿تِلْكَ آيَاتُ
الْكِتَابِ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والكتاب هنا القرآن ﴿الحَكِيم﴾ من
الحكمة أو من الحكم أو من الأحكام للأمر أي أحكمه الله ﴿أكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا
إِلَى رَجُلٍ مُّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ الهمزة للإنكار، وعجبًا خبر كان، وأن أوحينا اسمها، وأن
أنذر: تفسير للوحي، والمراد بالناس هنا كفّار قريش وغيرهم، وإلى رجل هنا رسول
الله وَّر، ومعنى الآية: الردّ على مَن استبعد النبوّة أو تعجّب من أن يبعث الله رجلاً ﴿قَدَمَ
صِدْقٍ﴾ أي عمل صالح فرموه، وقال ابن عباس السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ
﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ يعنون ما جاء به من القرآن، وقرىء لساحر يعنون به
النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويحتمل أن يكون كلامهم هذا تفسير لما ذكر قبل من
تعجّبهم من النبوّة، ويكون خبرًا مستأنفًا ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ تعريف بالله وصفاته ليعبدوه ولا

٣٧٦
تفسير سورة يونس
رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَّ مَا مِن شَفِيع
إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِّهِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٢) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًاً
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَوّا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَِّحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْلَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿وَ إِنَّ فِى أَخْلِلَافِ اَلَّْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأْمَأَنُواْ
◌ِهَا وَلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونٌ (٤) أُوْلَبِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوْ يَكْسِبُونَ (جـ) إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ
يشركوا به، وفيه ردّ على من أنكر النبوّة كأنه يقول إنما أدعوكم إلى عبادة ربّكم الذي خلق
السموات والأرض فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين ﴿مَا مِن شَفِيعَ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾
أي ما يشفع إليه أحد إلاّ بعد أن يأذن هو له في الشفاعة، وفي هذا ردّ على المشركين الذين
يزعمون أن الأصنام تشفع لهم ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ نصب وعد على المصدر المذكور المؤكّد
للرجوع إلى الله، ونصب حقًّا على المصدر المؤكد لوعد الله ﴿إنّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي
يبدؤه في الدنيا ويُعيده بعد الموت في الآخرة، والبداءة دليل على العودة ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل
للعودة وهي البعثة ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بعدله في جزائهم أو بقسطهم في أعمالهم الصالحة ﴿هُوَ
الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءُ والْقَمَرَ نُورَا﴾ وصف أفعال الله وقدرته وحكمته والضياء أعظمر من
النّورِ ﴿وَقَّذَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ الضميرِ للقمر والمعنى قدّر سيره في منازل ﴿وَالْحِسَابَ﴾ يعني
حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ أي ما خلقه
عبثًا، والإشارة بذلك إلى ما تقدّم من المخلوقات ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ قيل معنى
يرجون هنا يخافون، وقيل لا يرجون حُسْن لقاءنا، فالرجاء على أصله، وقيل لا يرجون: لا
يتوقعون أصلاً، ولا يخطر ببالهم ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي قنِعوا أن تكون حظّهم
ونصيبهم ﴿وَاطْمَأْنُّواْ بِهَا﴾ أي سكنتِ أنفسهم عن ذكر الانتقال عنها، ﴿وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتَّا
غَافِلُونَ﴾ يحتمل أن تكون هي الفرقة الأولى، فيكون من عطف الصفات، أو تكون غيرها
﴿يَهْدِيهِمْ رَيُّهُم بِإِيمَانِهِم﴾ أي يسدّدهم بسبب إيمانهم إلى الاستقامة أو يهديهم في الآخرة

٣٧٧
تفسير سورة يونس
) دَعْوَئُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغَمِيِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَدِهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ
٩
النَّعِيمِ
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
الْعَلَمِينَ إِ
١٠
وَإِذَا مَسََّ آلْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا
فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَآءَنَا فِى ◌ُفْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ الْأَّ
لِجَتْبِهِ: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرِّ مَسَهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ () وَلَقَدْ أَهْلَكَنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَمُواْ وَجَاءَ تَهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبِنَتِ وَمَا كَانُوْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿) ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ آلْأَرْضِ مِنْ
بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
ج
لِقَاءَ نَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَّهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاتِى نَفْسِىٌّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا
مَا يُوحَى إِلَىٌّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ.
عَلَيَّكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُمْ بِ، فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِةِ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٢٦) فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (٥)
إلى طريق الجنة، وهو أرجح لما بعده ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي دعاؤهم ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ
الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي لو يعجّل الله للناس الشرّ كما يحبّون
تعجيل الخير لهلكوا سريعًا، ونزلت الآية عند قوم في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده،
وقيل نزلت في الذين قالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء
﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ عتاب في ضمنه نهى لمَن يدعو الله عند الضرّ، ويغفل عنه
عند العافية ﴿لِجَنِهِ﴾ أي مضطجعًا، ورُوِيّ أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان
به ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ﴾ إخبار ضمّنه وعيد للكفّار ﴿لِنَنظُرَ﴾ معناه ليظهر في الوجود فتقوم
عليكم الحجة به ﴿وَإِذَا تُتْلِى عَلَيْهِمْ﴾ يعني على قريش ﴿قُلْ لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾
أي ما تلوته إلاّ بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ أي ولا
أعلمكم به ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ﴾ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما
تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ تنصّل من
الافتراء على الله وبيان لبراءته صلّى الله عليه وآله وسلّم مما نسبوه إليه من الكذب وإشارة
إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له ﴿أَو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بيان لظلمهم في تكذيبهم رسول
الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ الضمير في

تفسير سورة يونس
وَيَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُهُمْ وَّلَا يَنَفُ قُمْ وَيَقُولُونَ هُوَّلَاء ◌ُقَوْكَا عِنْدَ أَنَّوْقُلْ
أَنُنَُّورَةُ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَّتِ وَلَّا فِي الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ لَهُ وَمَا
كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَّةُ وَخِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا سَكَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبَّكَ لَتُضِىُّ بَيْنَهُمْ
وَيَقُولُونَ لَوَّلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَقُلْ إِنَّهَا الْغَّيْبُ لِلّهِ
فِيكَا فِيْهِ يَخْتَلِفُونَ
أ ◌َّإِذَا أَقْتُالنَُّسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ خَرَآءَ مَسَّتْهُمْإِذَا ◌َهُـ
فَالْقَظِرُواْ إِلَى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
تَكْرٌ فِى ءَايَاكِنَّأَ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا بَكْتُبُوْنَ ◌َا تَمْكُرُونَ أْمُ هُوَ الَّذِ يُسَبِّكُمْ فِي الْبِّ
وَالْبَحْ حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِىِ الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِخْ طِبَّةٍ وَفَرِ حُواْ بِهَا جَآَمْ تُهَا رِيُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ
الْمُوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَّذِينَ لَّبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ.
◌َتَكُونَنَّ مِنَّ الشَّكِرِينَ ﴿أَ فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ أَلْحَقِّ بَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا
إِنَّمَا
بَعْيُّكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُم مَّتَعَ الْحَيّوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مِنْ جِعُكُمْ فَنُنِبِتُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يعبدون لكفّار العرب، وما لا يضرّهم ولا ينفعهم هي الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِندَ اللَّهِ﴾ كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لَهُمْ ﴿قُلْ أَتْتُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يُعْلَمُ﴾ ردّ عليهم في
قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى أن شفاعة الأصنام ليست بمعلومة لله الذي هو عالم بما في
السموات والأرض، وكل ما ليس بمعلوم لله فَهو عدم محض ليس بشيء فقوله أتنبئون الله.
تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكّم أي كيف تعلمون الله بما لا يعلم ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ
أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ تقدّم في البقرة في قوله كان الناس أمة واحدة ﴿وَلّوْلاً كَلِمَّةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني
القضاء ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ كانوا يطلبون آية من الآيات التي اقترحوها، ولقد نزل
عليه آيات عظام فما اعتدوا بها لعنادهم وشدّة ضلالهم ﴿فَقُلْ إنَّمَا الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ إن شاءَ فِعِلْ
وإن شاء لم يفعل لا يطلع على ذلك أحد ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ أي انتظروا نزول ما اقترحتموه ﴿إنّ
مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي منتظر لعقابكم على كفركم ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ مِّنِ بَعْدٍ
ضَرَّاءَ﴾ هذه الآية في الكفّار وتضمنت النهي لمَن كان كذلك من غيرهم، والمكر هنا الطعن
في آيات الله وترك شكره، ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم سمّاه مكرّاً مُشاكِلة
لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ الضمير المؤنث في جرين للفلك،
والضمير في بهم الناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات،
!..
وجواب إذا كنتم: قوله جاءتها ريح عاصف، وقوله دعوا الله، قال الزمخشري هو بدل من

٣٧٩
تفسير سورة يونس
مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّ
إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَبَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَا أَمْرُ نَالَيْلًا أَوْ نَهَارًا
فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ
مُلِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الُْْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا
يَدْعُوّْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِ ٥
يَرَّهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةُ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (*) وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ
جَزَآءُ سَفِئَةِ بِمِثْلِهَا وَرْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ مَا لَهُم ◌ِنَ الَّهِ مِنْ عَاصِيٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ
مُظْلِمَاً أُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ (﴾ وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ
ظنّوا، ومعناه دعوا الله وحده وكفروا بمَن دونه ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ رفع على أنه خبر ابتداء
مضمر تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة
فنائها وشبّهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله
﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ كالزرع والفواكه ﴿وَالأَنْعَامِ﴾ يعني المرعى التي ترعاها من العشب
وغيره ﴿أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخرُفَهَا﴾ تمثيل بالعروس إذا تزينت بالحليّ والثياب ﴿قَادِرُونَ
عَلَيْهَا﴾ أي متمكّنون من الانتفاع بها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ أي بعض الجوائح كالريح، والصر،
وغير ذلك ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ أي جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد ﴿كَأَن لَّمْ
تَغْنَ﴾ كأن لم تنعم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ أي إلى الجنة، وسُمّيت دار السلام أي
دار السلامة من العناء والتعب، وقيل السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره ﴿وَيَهْدِي مَن
يَشَاءُ﴾ ذكر الدعوة إلى الجنة عامّة مطلقة والهدايا خاصّة بمَن يشاء ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل الحسنى جزاء الحسنة بعشر
أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصحّ لوروده في الحديث وكثرة
القائلين به ﴿قَتَرْ﴾ أي غبار يغيّرِ الوجه ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيْئَاتِ﴾ مبتدأ على حذف مضاف
تقديره جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أو على تقدير لهم جزاء سيئة بمثلها، أو
معطوفًا على الذين أحسنوا، ويكون جزاء سيئة مبتدأ وخبره بمثلها ﴿مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ
عَاصِمِ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذاب الله ﴿قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ مَن قرأ بفتح الطاء فهو
جمع قطعة وإعراب مظلمًا على هذه القراءة: حال من الليل، ومَن قرأ قطعاً بإسكان الطاء،

٣٨٠
تفسير سورة يونس
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيَدًا
مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَا ؤُكُمْ فَزَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُنُ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ
بَلْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ (١) هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسِ مَّا أَنْتَتْ وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ
مَوْلَنُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ عَنْهُم ◌َّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿يَا قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَخْلِكُ
السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُّفِعُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَّ وَمَنِ يُدَبُِّ الأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ آَلَهُ
فَقُلْ أَفَلَ نَتَّقُونَ (٢َ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ اَلْمَتُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِ إِلَّ الصَّلَالَ فَنَّ تُصْرِفُونَ
كَ لِكَهْ حَقَّيْ كَلِسَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِيْنَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (ج) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَبِكُ مَّن يَبْدَؤُأ
ج
الْخَلْقَ ثُمَ يُعِدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَوُ اْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمْ فَّ قُؤْفَكُونَ ﴿يَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُمْ مَن يَهْدِىَّ إِلى اَلْفَقِّ
قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَنْ لََّ يَهِدِىّ إِلَّ أَنْ يُهْدَىَّ فَا لَكُمْ كَيْفَ
وَمَا يَتَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الْفَكَنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
٥°م
تَحَكُمُونَ
فمظلمًا صِفة لِهِ أو حال من الليل ﴿مَكَانَكُمْ﴾ تقديرم الزموا مكانكم أي لا تبرجوا حتى
تنظروا ما يفعل الله بكم ﴿فَيَّلْنَا بَيْتَهُمْ﴾ أي فرقنا ﴿تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّ أَسْلَفَتْ﴾ أي تختبرِ بِما.
قدّمتٍ من الأعمال وقرىء تتلو بتاءين بمعنى تتبع أو تقرأه في المصاحف ﴿قُلْ مَن ◌ِزْزُقُكُمْ﴾.
الآية: احتجاج على الكفّار بحجج كثيرة واضحة لا محيصٍ لهم عن الإقرار بها «يُخْرِجُ
الحَيَّ مِنَ المَيِِّ﴾ مذكور في آل عمران ﴿رَيْكُمُ الْحَقُّ﴾ أي الثابت الربوبية بخلاف ما
تعبدون من دونه ﴿فَمَّاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ﴾ أي عبادة غير الله ضلال بعد وضوح الحق،
وتدلّ الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات، إذ الحق فيها فني.
طرفٍ واحدٍ؛ بخلاف مسائل الفروع ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ المعنِى
كما حقّ الحق في الاعتقادات كذلك حقّت كلمة ربك على الذين عتوا وتمرّدوا في كفرهم
أنهم لا يؤمنون، والكلماتِ يُراد بها القدر والقضاء ﴿قُلْ هَلْ من شركائكم مَنِ يبدؤُإِ الخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية: احتجاج على الكفّار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم لا
يعترفون بها؟ فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على
الإعادة، وفي ذلك إيطالٍ لربوبيتهم، وأيضًا فوضعت الإعادة موضع المتفق عليه لظهور
برهانها ﴿أَمَّن لا يَهْدِي﴾ بتشديد الدال معناه لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره،
ويرى بالتخفيف بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ ما
استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه ﴿كَيْفَ تَحْکُمُونَ﴾ أي تحکموڼ