النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
تفسير سورة الأنفال
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ
١٥
الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ
مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ اْصِيرُ (١) فَلَمْ
تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنَّ وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ
إِن
١٨
بَلَآءَ حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿َ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ اَلْكَفِرِينَ
تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَ كُمُ اُلْفَتْحُ وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدَّ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ
والأشخاص، وأصل الزحف الاندفاع ﴿فَلا تُوَلُوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ نهى عن الفرار مقيدًا بأن يكون
الكفّار أكثر من مثلي المسلمين حسبما يذكره في موضعه ﴿وَمَن يُوَلَّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم اللقاء
في أيّ عصر كان ﴿إِلاّ مُتَحَرِّفًا لْقْتَالٍ﴾ هو الكرّ بعد الفرّ ليرى عدوّه أنه منهزم، ثم يعطف
عليه، وذلك من الخداع في الحرب ﴿أَو مُتَحَيْزًا إلى فِئَةٍ﴾ أي منحازًا إلى جماعة من
المسلمين، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، فالتحيّز إليها جائز باتفاق، واختلف في
التحيّز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيئًا من ذلك حاضرًا، ويروى عن
عمر بن الخطاب، أنه قال: أنا فئة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك، والفرار من الذنوب
الكبائر، وانتصب قوله متحرّفًا على الاستثناء من قوله ومَن يولّهم، وقال الزمخشري انتصب
على الحال وإلاّ لغو، ووزن متحيّز متفيعلاً، ولو كان على متفعّل لقال متحوّز، لأنه من
حاز يحوز ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي لم يكن قتلهم في قدرتكم لأنهم أكثر منكم وأقوى ولكن الله
قتلهم بتأييدكم عليهم وبالملائكة ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ كان رسول الله وَل قد أخذ يوم
بدر قبضة من تراب وحصى ورمى بها وجوه الكفّار فانهزموا، فمعنى الآية أن ذلك من الله
في الحقيقة ﴿بَلاَءَ حَسَنَا﴾ يغني الأجْر والنصر والغنيمة ﴿مُوهِنُ﴾ من الوهن وهو الضعف،
وقرىء بالتشديد والتخفيف وهو بمعنى واحد ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية: خطاب لكفّار قریش،
وذلك أنهم كانوا قد دعوا الله أن ينصر أحبّ الطائفتين له، ورُوِيَ أن الذي دعا بذلك أبو
جهل فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم، ومعنى إن تستفتحوا تطلبوا الفتح، ويحتمل أن يكون
الفتح الذي طلبوه بمعنى النصر أو بمعنى الحكم، وقيل إن الخطاب للمؤمنين ﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ
الفَتْحُ﴾ إن كان الخطاب للكفّار فالفتح هنا بمعنى الحكم: أي قد جاءكم الحكم الذي حكم
الله عليكم بالهزيمة والقتل والأسْر، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فالفتح هنا يحتمل أن
يكون بمعنى الحكم، لأن الله حكم لهم، أو بمعنى النصر ﴿وإن تَنْتَهُوا﴾ أي ترجعوا عن
الكفر وهذا يدلّ على أن الخطاب للكفّار ﴿وَإِن تَعُودُوا نعد﴾ أي إن تعودوا إلى الاستفتاح أو

٣٤٢
تفسير سورة الأنفال
أَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا
١٩)
فِثَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ()﴾إِنَّ
شَرَّ اُلَّوَآتِّ عِندَ اللَّهِ القُُّّ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١) وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ
أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوَأُ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحِْيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (١) وَأَتَّقُواْ.
وَأَذْكُرُوّا
٢٥
فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَنَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَّكُمْ بِنَصْرِهِ،
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الَِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢) بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ () وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ.
عَظِيمٌ (٤٨َ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
القتال نعدّ لقتالكم والنصر عليكم ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الضمير لرسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم أو للأمر بالطاعة ﴿وَأَتْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي تسمعون القرآن والمواعظ ﴿كَالَّذِينٌ قَالُوا
سَمِعْتَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ هم الكفّار سمعوا بآذانهم دون قلوبهم فسماعهم كلا سماع ﴿إنّ
شَرَّ الدَّوَابٌ﴾ أي كلّ مَن يدبّ، والمقصود أن الكفّار شرّ الخلق، قال ابن قتيبة: نزلت هذه
الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدّوا في القتال مع المشركين ﴿لِمَا يُخْبِيكُمْ﴾ أي للطاعة،
وقيل للجهاد لأنه يحيا بالنصر ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قیل یمیته، وقیل یصرف قلبه کیف
يشاء فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان وشبه ذلك ﴿فِتْنَةٌ لاَّ تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ أي لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم مَن لم يغيّر
المنكر ولم ينة عن الظلم. وإن كان لم يظلم، وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي
طالب، وعمّار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل، ودخلت
التون في تصيبنّ لأنه بمعنى النهي ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية: أي حين كانوا بمكة وآواكم
بالمدينة، وأيّدكم بنضره في بدر وغيرها ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ﴾ نزلت في قصة أبي لبابة حَيْنَّ
أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله * إلا الذبح، وقيل المعنى لا تخونوا بغلول
الغنائم ولفظها عامٌ ﴿وَتَخُونُواْ أَمَاتَاتِكُمْ﴾ عظف على لا تخونوا أو منصوب ﴿يجعل لكم
فرقانًا﴾ أي تفرقة بين الحق والباطل وذلك دليل على أن التقوى تنوري القلب، وتشرح

٣٤٣
تفسير سورة الأنفال
﴿ وَإِذْ يَمْكِّرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ
٢٩
وَيَغْفِرْ لَكُمُّ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ !
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ
٣٠
يُخْرِجُوَةٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمُكِرِينَ
سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (
٣٢
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿ وَمَا لَهُمْ
أَلَّا يُعَذِّ بَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءُ: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا
الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَآَ
وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُفِقُونَ أَمَوَلَهُمْ
الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عطف على إذ أنتم قليل،
أو استئناف، وهي إشارة إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ
نجدي الحديث بطوله ﴿لِيُشْبِتُوكَ﴾ أي ليسجنونك ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْتًا﴾ قيل نزلت في النضر بن
الحارث كان قد تعلم من أخبار فارس والروم فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال لو
شئت لقلت مثل هذا، وقيل هي في سائر قريش ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي أخبارهم المسطورة
﴿وَإِذْ قَالُوا اللّهِمَّ﴾ الآية: قالها النضر بن الحارث أو سائر قريش لما كذبوا النبي ◌َّ دعوا
على أنفسهم إن كان أمره هو الحق، والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل رواه البخاري
ومسلم في كتابيهما وانتصب الحق لأنه خبر كان وقال الزمخشري معنى كلامهم جحود
أي إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابًا، وليس
مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفي العقوبة عن أنفسهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ إكرامًا للنبي ◌ِِّ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذْبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي لو آمنوا
واستغفروا فإن الاستغفار أمان من العذاب، قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب
وهما وجود النبي وَّر والاستغفار، فلما مات النبي ◌َّر ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر،
وقيل الضمير في يعذبهم للكفار، وفي وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ المعنى أيّ شيء يمنع من عذابهم وهم يصدّون أي يمنعون
المؤمنين من المسجد الحرام والجملة في موضع الحال وذلك من الموجب لعذابهم ﴿وَمَا
كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ الضمير للمسجد الحرام أو لله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إلاَّ مُكَاءً
وَتَصْدِيَةً﴾ المكاء التصفير بالفم، والتصدية التصفيق باليد. وكانوا يفعلونهما إذا صلّى

٣٫٤٤
تفسير سورة الأنفال:
لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُقْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ثّ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِشَة بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِىِ جَهَتَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ أَاقُل لِّلَّذِيِينَ كَفَرُواْ إِنَ
يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ لِيَهُ وَقَدِلُوهُمْ حَتَّى
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنّ ◌َلَّهَ مِمَا يَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ ﴿َ) وَإِن نَوَلَّوْاْ فَلْعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ◌َ ﴾ وَأَعْلَمُواْ أَنَّهَا
غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسِكِينِ وَأَبْرِي السَّبِ إِنْ
المسلمون ليَخلطوا عليهم صلاتهم ﴿يُنفِقُونَ أَمْؤُّالَّهُمْ﴾ الآية نزلت في إنْقَّاق قريش في غزوة
أُحُد وقيل إنها نزلت في أبي سفيان بن حربٍ فإنه استأجر العير من الأحباش فقاتل بهم
النبي ◌َّ يوم أَحُدٍ ﴿تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةٌ﴾ أي يتأسّفون على إنفاقها من غير فائدة أو
يتأسّفون في الآخرة ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ إخبار بالغيب ﴿لِيَمِيزَ اللَّهَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيْبِ﴾ معنی پميز
يفرّق بين الخبيث والطيب والخبيث هنا الكفّار والطيب المؤمنون وقيل الخبيث ما أنفقه
الكفّار، والطيب ما أنفقه المؤمنون، واللام في ليميز على هذا تتعلق بيغليون، وعلى الأوّل
بيحشرون ﴿فَيَرْكُمَّهُ﴾ أي يضِمّه ويجعل بعضه فوق بعض ﴿إِن يَنْتَهُوا﴾ يعني عن الكفير إلى
الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله، ولا تصحّ المغفرة إلاّ به ﴿وَإن يَعُودُوا﴾ يعني إلى القتال
﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ﴾ تهديد وبما جرى لهم يوم بدر بما جرى للأمم السالفة ﴿حَتّي
لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الفتنة هنا الكفر، فالمعنى قاتلوهم حتى لا يبقى كافر، وهو كقوله مثل:
(أُمِرْتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله)) ﴿واعْلّمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ لفظِهِ عِامَ
يراد به الخصوص لأن الأموال التي تؤخذ من الكفّار منها ما يخمس: وهو ما أخذٍ على
وجه الغلبة بعد القتال، ومنها ما لا يخمس بل يكون جميعه لمَن أخذه، وهو ما أخذهِ مَن
كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدو خوف الغرق، ومنها ما يكون جميعه
للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح المسلمين وهي الفيء الذي لم يوجفٍ
عليه بخيل ولا ركاب ﴿فَأَنَّ لِلْهِ خُمُسَهُ﴾ الآية: اختلف في قسم الخمس على هذه الأصناف
فقال قوم يصرف على ستّة أسهم سهم لله في عمارة الكعبة، وسهم للنبي ◌ّر في مصالح
المسلمين، وقيل للوالي بعده؛ وسهم لذوي القربى الذين لا تحلّ لهم الصدقة، وسهم
لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل وقال الشافعي على خمسة أسهم، ولا يجعل

٣٤٥
تفسير سورة الأنفال
كُنْتُمْ ءَامَنتُم بِاللّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ (١) إِذْأَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ بِلْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمُّ وَلَوْ
تَوَاعَدُثُّمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ
هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحِْى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ (٤) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى
مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَدِيكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) وَإِذْيُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىَ
أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٠) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا
تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَذْهَبَ رِيِحُكُمْ وَأَصْبِرُوْاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ (٤) وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ
الله سهمًا مختصًّا، وإنما بدأ عنده بالله، لأن الكل ملكه، وقال أبو حنيفة على ثلاثة أسهم:
لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقال مالك الخمس إلى اجتهاد الإمام يأخذ منه كفايته
ويصرف الباقي في المصالح ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُم بِاللَّهِ﴾ راجع إلى ما تقدّم والمعنى إن كنتم
مؤمنين فاعلموا ما ذكر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسب ذلك ولا تخالفوه ﴿وَمَا
أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنا﴾ يعني النبي ◌َّ والذي أنزل عليه القرآن والنصر ﴿يَوْمَ الْقُرْقَانِ﴾ أي التفرقة
بين الحق والباطل وهو يوم بدر ﴿الْتَّقَى الْجَمْعَانِ﴾ يعني المسلمين والكفّار ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدُوَةِ
الدُّنْيَا﴾ العامل في إذا التقى والعدوة شفير الوادي، وقرىء بالضم والكسر وهما لغتان،
والدنيا القريبة من المدينة والقصوى البعيدة ﴿والرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني العير التي كان فيها
أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق خوفًا من النبي بَّر، وكان جمع قريش المشركين قد
حال بين المسلمين وبين العِير ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ﴾ أي لو تواعدتم مع
قريش ثم علمتم كثرتهم وقّتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم أو لو تواعدتم لم يتفق
اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه ﴿لْيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيْنَةٍ﴾ أي يموت مَن مات
ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه ويعيش مَن عاش بعد البيان له، وقيل ليهلك مَن يكفر
ويحيي مَن يؤمن، وقرىء من حيي بالإظهار والإدغام هما لغتان ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية:
كان رسول الله ﴿ قد رأى الكفّار في نومه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم
﴿الَّفَشِلْتُمْ﴾ أي جبنتم عن اللقاء ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الآية معناها أن الله أظهر كل طائفة قليلة
في عين الأخرى ليقع التجاسر على القتال ﴿رِيحُكُمْ﴾ أي قوّتكم ونشاطكم، وذلك استعارة

٣٤٦
تفسير سورة الأنفال
مِن دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (شَهْوَإِذْ
زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّ جَارٌّ لَكُمْ فَلَمَا
تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّ بَرِوَّةٌ مِنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَعَوْنَ إِنَّ أَخَافُ أَللَّهَ
وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضُّ غَزَّ هَوَّلَاءِ دِينُهُمَّ
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيٌ (١) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَى الَّذِينَ كَفَرُواْ
٥) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥) كَدَأْبِ مَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْدِهِمْ كَفَرُوا
◌ِشَايَتِ اَللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ (٨) ذَلِكَ بِأَنَ اَللَّهُلَمْ يَكُ مُغَيْرًاً
نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيْرُوْ مَا بِأَنفُسِهِمٌ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ (ه ◌َدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌَ
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ فَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْتَّ ◌َكُلُ كَانُواْ،
ظَالِمِينَ (٩) إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢) الَّذِيْنَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمّ
﴿وَلاَ تَكُونُوا گالَّذِینَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم﴾ يعني كفار قريش حين خرجوا لبدر ﴿بطرًا﴾أي
عتوًّا وتكبّرًا ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية: لما خرجت قريش إلى بدار تصوّر لهم
إبليس في صورة سراقة بن مالك فقال لهم إني جاز لكم من قومي وكانوا قد خافوا من قومه ..
ووعدهم بالنصر ﴿نَكَصَ﴾ أي رجع إلى وراء ﴿إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ رأى الملائكة فلقائل
﴿يَقُولُ المُنَافِقُونَ﴾ الذين كانوا بالمدينة وقيل إن الذين كانوا مع الكفّار وهم نفر من قريش
منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن
الأسود وعليّ بن أُميّة بن خلف والعاصي بن أُميّة بن الحجّاج وكانوا قد أسلموا ولم
يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفّار فقالوا هذه المقالة ﴿فَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ﴾ أي افترّ.
المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا
الْمَلاَئِكَةُ﴾ ذلك فيمَن قتل يوم بدر ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي استاههم، وقيل ظهورهم ﴿وَذُوقُوا﴾ ..
هذا من قول الملائكة لهم تقديره ويقولون لهم ذوقوا والقول المحذوف معموله معطوف
على يضربون، ويحتمل أن يكون ما بعده من قول الملائكة أو يكون مستأنفًا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ:
اللَّهُ﴾ تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، والباء سببية، والمعنى أن الله لا يغيّر نعمة على عبيده
حتى يغيّروا هم بالكفر والمعاصي ﴿كَدَأْبِ﴾ ذكر في آل عمران ﴿الَّذِينَ عَاهَدَتْ مِنْهُمْ﴾.

٣٤٧
تفسير سورة الأنفال
يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴾ فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ
خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَّذَّكَّرُونَ (ج) وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا
وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوْاْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ
٥٨
يُحِبُّ الْخَيِنِينَ
اُسْتَطَعْتُم ◌ِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ
لَا تَعْلَمُونَهُمِّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
٦٠
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ () وَإِن يُرِيدُوَأْ أَن يَخْدَعُوَكَ
فَإَِ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ () وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى
اَلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ كِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (9) يَأَيُّهَا
(أَ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن
النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يريد بني قريظة ﴿فَشَرُدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي افعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم ﴿وَإِمَّا
تَخَافَنَّ مِن قَوْمِ خِيَانَةً﴾ أي نقضًا للعهد ﴿فَانِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي ردّ العهد الذي بينك وبينهم
والمفعول محذوف تقديره فانبذ إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي على معادلة، وقيل معناه إن
تستوي معهم في العلم بنقض العهد ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي لا تظن أنهم
فاتوا ونجوا بأنفسهم ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ أي لا يفوتون في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَأَعِدُوا
لَهُمْ﴾ الضمير للذين ينبذ لهم العهد أو للذين لا يعجزون، وحكمه عامّ في جميع الكفّار
﴿مِّنْ قُؤَّةٍ﴾ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((أَلا إن القوة الرمي)) ﴿وَمِنْ رَبَاطٍ
الخَيْلِ﴾ قال الزمخشري الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله وقال ابن عطية رباط
الخيل جمع ربط أو مصدر ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ يعني الكفّار ﴿وَآخَرِينَ﴾ يعني المنافقين.
وقيل بني قريظة، وقيل الجنّ لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل فارس، والأول أرجح
لقوله مردوا على النفاق ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم
شيء، لأن الله تعالى قال لا تعلمونهم، فكيف يعلمهم أحد، وهذا لا يلزم، لأن معنى قوله
لا تعلمونهم: لا تعرفونهم: أي لا تعرفون آحادهم وأعيانهم وقد يعرف صنفهم من الناس،
ألا ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْتَحْ لَهَا﴾ السلم هنا المهادنة،
والآية منسوخة بآية القتال في براءة، لأن مهادئة كفّار العرب لا تجوز ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم﴾
قيل المراد بين قلوب الأوس والخزرج إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام، واللفظ
عام.

٣٤٨
تفی سورة الأنفال:
يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ وَإِ يَكُنْ مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَا مِّنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٤) الْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَرْتَ فِيكُمْ شَمْنًَ فَإِن يَكُنْ
مِنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّبِنَ ا مَا كَانَ لِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَّ ◌َلُّنْيَا.
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿الَّوْلَا كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَةً أَخَذْتُمْ عَذَابُ
عَظِيمٌ (تَ فَكُؤْ مِمَّا غَتِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِبٌ (َتِهَا الْقِىّ قُل ◌ِّمَنْ فِىّ
أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّاً أُخِذَّهَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ـَ، وَإِنِ يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَتَ مِنْهُمْ وَللَّهُ عَلَيْهُ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لأ
حَكِيمُ إِلَ إِنَّ الَّذِينَ ءَاَسَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سََّبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِيْنَمَاوَواْ
وَنَضَرُ واْ أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَّهُ بَعْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُّهَاِجِرُواْ مَا لَكُ مِّنٍ وَلَيَتِهِمِنْ شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عطف على اسم الله، وقال الزمخشري مفعوله معه:
والواو بمعنى مع أي حسبك وحسب مَن اتبعك الله ﴿إن يَكُن مِّنْكُلْ عِشْرٍونَ صَابِرُونَ﴾:
الآية: إخبار يتضمن وعدًا بشرط الصبر ووجود ثبوت الواحد للعشرة ثم نسخ بثبوت الواحد
للاثنينُ ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ أيّ يقاتلون على غير دين ولا بصيرة فلا يثبتون ﴿مَا}
كَانَ لِتَّبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عتمرً
بقتلهمُ فنزلت الآية عتابًا على استبقائهم ﴿حَتَّى يُفْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ أي يبايع في القتال"
﴿وتُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ عتَّابِ لِمَن رغب في فداء الأسرى ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَِّ سَبَقَ﴾
الكتاب ما قضاه الله في الأزل من العفو عنهم، وقيل ما قضاه الله من تحليل الغنائم
لَهَمَ ﴿فِيْمَا أَخَذْتُمْ﴾ يريد به الأسرى وفَداؤُهُم، ولما نزلت الآية قال رسول الله صلّى الله
تعالى عليه وآله وسلّم: (لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر)) ﴿فَكُلُوا مِمَّا عَِمْتُمْ﴾ إباحة
للغنائم ولفداء الأسارىُ ﴿إِنْ يَعْلَمُ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي إن علم في قلوبكم إيمانًا جَبرُ
عليكم ما أخذ منكم من القذية، قال العباس فيّ نزلت وكان قد افتدى يوم بدر ثم أعطاه
رسُول الله﴿ من المال ما لا يقدر أن يحمله، فقال قد أعطاني الله "خيرًا مما أخد متي،
وأنا أرجو أن يغفر لي ﴿وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتُكَ﴾ الآية تهديد لهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آلخَرَ
السورة مقصدها بيان منازل المهاجرين والأنصار والذين آمنوا ولم يهاجروا والذين هاجراو

٣٤٩
تفسير سورة الأنفال
وَإِنِ أَسْتَنَصَرُوَكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكِكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَنُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
وو
بَصِيرٌ
◌َ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ
٧٢
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ هُمُ
كَبِيرٌ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَكَ
مِنَكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِىِ كِينَبِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٧٥
بعد الحديبية، فبدأ أولاً بالمهاجرين، ثم ذكر الأنصار وهم الذين آووا ونصروا، وأثبت
الولاية بينهم، وهي ولاية التعاون ثم نسخت بقوله وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ﴾ لما نفي الولاية بين المؤمنين والتناصر، وقيل هي ولاية الميراث الذين
هاجروا بين المؤمنين الذين لم يهاجروا: أمر بنصرهم إن استنصروا بالمؤمنين: إلاّ إذا
استنصروا على قوم بينهم وبين المؤمنين عهد فلا ينصرونهم عليهم ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي
الأَرْضِ﴾ إلاّ هنا مركّبة من إن الشرطية ولا النافية والضمير في تفعلوه لولاية المؤمنين
ومعاونتهم أو لحفظ الميثاق الذي في قوله: إلّ على قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو النصر
الذي في قوله فعليكم النصر، والمعنى إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَهَاجَرُوا﴾ الآية: ثناء على المهاجرين والأنصار، ووعد لهم، والرزق الكريم في الجنة
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ﴾ يعني الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة الرضوان ﴿وَأُولُوا الأَرْحَام
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قيل هي ناسخة للتوارث بين المهاجرين والأنصار، قال مالك ليست
في الميراث، وقال أبو حنيفة هي في الميراث وأوجب بها ميراث الخال والعمّة وغيرهما من
ذوي الأرحام ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي القرآن وقيل اللوح المحفوظ.

سورة التوبة
مدنيّة إلاّ الآیتین الأخیرتین
فمكيتان وآياتها ١٢٩ : نزلت بعد المائدة
بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُواْ
أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِرِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ ﴿ وَأَذَنٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجّ
ت.
وتسمى سورة التوبة، وتسمى أيضًا الفاضحة: لأنها كشفت أسرار المنافقين، واتفقت
المصاحف والقرّاء على إسقاط البسملة من أولها، واختلف في سبب ذلك، فقال عثمان بن
عفان اشتبهت معانيها بمعاني الأنفال وكانت تدعى القرينتين في زمان رسول الله مَّل و فلذلك
قرنت بينهما فوضعتهما في السبع الطوال وكان الصحابة قد اختلفوا هل هما سورتان أو
سورة واحدة فتركت البسملة بينهما لذلك وقال علي بن أبي طالب البسملة أمان، ويراءة
نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالبراءة التبرّؤ من
المشركين وارتفاع براءة على أنه خبر ابتداء أو مبتدأ ﴿إلَى الَّذِين عَاهَدتُم مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾
تقدير الكلام براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فمن وإلى
يتعلقان بمحذوف لا ببراءة، وإنما أسند العهد إلى المسلمين في قوله عاهدتم، لأن فعل
النبي وَ﴾ لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي ◌َ لير قد عاهد

٣٥١
تفسير سورة التوبة
الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولٌ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خٌَّ لَكُمْ وَإِن تَوَلَّئْتُمْ فَأَعْلَمُوا
أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُطَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ (﴿ فَإِذَا أَنْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
المشركين إلى آجالٍ محدودة، فمنهم مَن وفى فأمر الله أن يتم عهده إلى مدّته، ومنهم مَن
نقض، أو قارب النقض فجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد ﴿فَسِيحُوا فِي
الأَرْضِ﴾ أي سيروا آمنين أربعة أشهر وهي الأجل الذي جعل لهم، واختلف في وقتها فقيل
هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، لأن السورة نزلت حينئذ وذلك عام تسعة،
وقيل هي من عيد الأضحى إلى العشر الأول من ربيع الآخر، لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ
وذلك أن رسول الله وَل # بعث تلك السنة أبا بكر الصدّيق يحجّ بالناس ثم بعث بعده
عليّ بن أبي طالب فقرأ على الناس سورة براءة يوم عرفة وقيل يوم النحر ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي
اللَّهِ﴾ أي لا تفوتونه ﴿وَأَذَانٌ﴾ أي إعلام بتبرّىء الله تعالى ورسوله من المشركين ﴿إِلَى
النَّاسِ﴾ جعل البراءة مختصّة بالمعاهدين من المشركين، وجعل الإعلام بالبراءة عامًا لجميع
الناس: مَن عاهد، ومَن لم يعاهد، والمشركين وغيرهم ﴿الحَجِّ الأُكْبَرِ﴾ هو يوم عرفة أو
يوم النحر، وقيل أيام الموسم كلها، وعبّر عنها بيوم كقولك يوم صفّين والجمل، وكانت
أيامًا كثيرة ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مُنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تقديره أذان بأن الله بريء، وحذفت الباء تخفيفًا،
وقرىء إن الله بالكسر، لأن الأذان في معنى القول ﴿وَرَسُولُهُ﴾ ارتفع بالعطف على الضمير
في بريء، أو بالعطف على موضع اسم إن، أو بالابتداء وخبره محذوف وقرىء بالنصب
على اسم إن، وأما الخفض فلا يجوز فيه العطف على المشركين لأنه معنى فاسد ويجوز
على الجوار أو القسم، وهو مع ذلك بعيد والقراءة به شاذة ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ يعني التوبة من
الكفر ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُم﴾ يريد الذين لم ينقضوا العهد ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأشهر الحُرُمُ﴾ يعني
الأشهر الأربعة التي جعلت لهم، فمَن قال إنها شوّال وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم فهي
الحرم المعروفة زاد فيها شوّال ونفص رجب، وسُمّيت حُرُمًا تغليبًا للأكثر ومَن قال إنها إلى
ربيع الثاني: فسُمّيت حرمًا لحُرمتها ومنع القتال فيها حينئذ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخة لكل موادعة في القرآن وقيل إنها نسخت أيضًا فإمّا مَنَّا بعد وإمّا فِداء،
وقيل بل نسختها هي فيجوز المنّ والفداء ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ معناه الأسْر، والأخيذ هو الأسير
﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كل طريق ونصبه على الظرفية ﴿فَإِن تَابُوا﴾ يريد من الكفر، ثم قرن بالإيمان

٣٥٢
تفسير سورة التوبة
وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْضَهِدٍ فَإِن قَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَفَةَ وَعَلَتَّوْا الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ
سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَبِرُهُ سَفَى يَسْمَعَ كَفَمَ
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِحِينَّ عَهْدُّ عِنْدَ
اللَّهِ ثُمَّ أَبِغْهُ مَأْ مَنَّهُ ذَلِكَ بَِهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ
اللَّهِ وَعِنْدُ رَسُولِهِ، إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُ ثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِِّمُواْ
أكَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَزْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ
٧
لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَرَدِهِمْ وَتَأْبَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ ﴿ أَشْتَرَوْاْ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
فَضَدُواْ عَنِ سَبِيلٌِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٥) لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَةٌ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْنَّدُونَ (٥) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الْضَلَوَةَ وَءَاتَوْ اَلْزَّتِكَوَةَ فَإِخْوَنَّكُمْ فِي
الدِّينُ وَنُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ () وَإِنْ تَكُتُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى
فِ يِكُمْ فَقَائِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١) أَلَا نُقَتِلُونَ
قَوْمًا ذَكَتُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُ وكُمْ أَوَّلَ مَلَّةَ
الصلاة والزكاة، فذلك دليل على قتال تارك الصلاة والزكاة كما فعل أبو بكر الصديق رضي
الله عنه، والآية في معنى قوله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((أُمرتُ أن أُقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) ﴿فَقَلُّواْ سَبِهَلَهُم﴾ تأمين لهم ﴿وَإِنْ
أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ هو من الجوار أي استأمنك فأمّنه حتى يسمع القرآن
ليرى هل يسلم أم لا ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَةُ﴾ أي إن لم يسلم فردّه إلى موضعه، وهذا الحكم
ثابت عند قوم، وقال قوم نسخ بالقتال. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ لفظ استفهام، ومِخِناه
استنكار واستبعاد ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الْحَرَام﴾ قيل المراد قریش، وقيل قبائل
بني بكر ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا﴾ مَا ظرفية ﴿كَيفَ﴾ تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به
تقديره كيف يكون لهم عهد ﴿لاَ يَرْقُبُوا﴾ أي لا يراعوا ﴿إِلاَّ وَلاَ ذِمَةً﴾ الإل القرابة، وقيل
الخلف، والذمّةِ، العهد ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ استثنى من قضى له بالإهمنان: ﴿أئِمَّةَ الْكُفْرٍ﴾ أي
رؤساء أهله قيل إنهم أبو جهل لعنه الله، وأُميّة بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن
خرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد حات
قبل نزول هذه السورة، والأخمن أنها على العموم ﴿لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أيءلا أيمان لهم يؤفون
بها، وقرىء لا إيمان بكسر الهمزة ﴿لَعَلَّهُمْ يُشْتَهُونَ﴾ يتعلق بقاتهوا، ﴿وَهَنُوا بِإِخْخَرَاجِ الأَسُلَالِ﴾

٣٥٣
تفسير سورة التوبة
) قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ أَخْ
وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ () وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ
اُللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ
مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا ◌ٌلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٦
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِهُمْ خَلِدُونَ (٤٤) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ
وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
١٨١ ١
أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَهَدَ فِ سَبِيلِ اللهِّ
لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ (١٠) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
يِأَمَوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَبِزُونَ (٣٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ
وَجَثَّتٍ لَّمْ فِيَهَا نَعِيمٌ مُّقِيهُ (١) خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٦) يَأَيُّهَا
قيل يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأُحُد، وقيل يعني إخراجه من مكة إذا
تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه ﴿وَهُم بَدَهُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني إذايتهم للنبي
صلَّى الله عليه وآله وسلّم والمسلمين بمكة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ يريد بالقتل والأسر وفي
ذلك وعد للمسلمين بالظفر ﴿قَوْم مُؤْمِنِينَ﴾ قيل إنهم خزاعة والإطلاق أحسن ﴿وَيَتُوبُ
اللَّهُ﴾ استئناف إخبار فإن الله يتوب على بعض هؤلاء الكفّار فيسلم ﴿أَمْ حَسِبَتُمْ﴾ الآية:
معناها أن الله لا يتركهم دون تمحيص يظهر فيه الطيب من الخبيث، وأم هنا بمعنى بل
والهمزة، ﴿يَعْلَم اللَّهُ﴾ أي يعلم ذلك موجبًا لتقوم به الحجة ﴿وَلِيجَةٌ﴾ أي بطانة ﴿مَا كَانَ
لِلْمُفْرِكِينَ أَن تَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب وإن كانوا قد
عمّروها تغليبًا وظلمًا، ومَن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومَن قرأ بالتوحيد أراد
المسجد الحرام ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار
بالكفر، وقيل الإشارة إلى قولهم في التلبية لا شريك لك إلاّ شريك هولك ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ
الحَاجْ﴾ الآية: سببها أن قومًا من قريش افتخروا بسقاية الحاجّ، وبعمارة المسجد الحرام؛
فبيّن الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في عليّ بن أبي طالب والعباس بن
عبد المطّلب وطلحة بن منبه افتخروا فقال أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه، وقال
التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م٢٣

٣٥٤
تفسير سورة التوبة:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَاءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِن أَسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَلِيَّ
وَمَن يَنَوَلَّهُمِ مِنْكُمْ فَأَوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ قُلْ إِن كَإنَ ءَآبَاؤُكُمْ وَأَنْشَاؤُ بِكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ
وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتْكُ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُهُوهَا وَتَجَزَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَآَ أَحَتَّ:
إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي
اَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ إِذَالَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُبَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْحِكُمْ
كَثْرَتُضِكُمْ فَلَمْ تُغْنٍ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بَِّا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ
مُدْبِينَ (٤) ثُمَّ أَزَّلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنِزَ جُنُودًا لَّوْ تَرَوْهَا
◌ْجَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ بِنّ ◌َعْنِدٍ ذَلِكَ عَلَى مَنِ
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ
يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلَ يَقْرَبُواْ
العباس: أنا صاحب السقاية، وقال عليّ لقد أسلمت قبل الناس وجاهدت مع رسول
الله ◌َ﴿ ﴿لاَ تَتَّخِدُوا آبَاءَكُمْ﴾ الآية قيل نزلت فيمَن ثبط عن الهجرة ولفظها عامّ وكذلك
حكمها ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وعيد لمَن آثر أهله أو ماله أو مسكنه على الهجرة والجهاد ﴿ بِأَمْرِهِ﴾ قيل
يعني فتح مكة، وقيل هو إشارة إلى عذاب أو عقاب ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف على مواطن أو
منصوب بفعل مضمر، وهذا أحسن لوجهين: أحدهما أن قوله إذ أعجبتكم كثرتكم مختصّ
بحُنَين، ولا يصحّ في غيره من المواطن فيضعف عطف يوم حنين على المواطن للاختلاف.
الذي بينهما في ذلك، والآخر أن المواطن ظرف مكان، ويوم حُنَيْن ظرف زمان فيضعف،
عطفب أحدهما على الآخر، إلاّ أن يريد بالمواطن الأوقات، وحُنَيْن اسمٍ عَلَم لموضع ◌ُِفَدَ.
برجل اسمه حُنَين وانصرف لأنه مذكّر ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ كانوا يومئذ اثنا عشر ألفًا،
فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلّة فأراد الله إظهار عجزهم فقر الناس عن رسول الله الخالق
حتى بقي على بغلته في نفر قليل، ثم استنصر بالله وأخذ قبضة من تراب فرضى بها وجوه
الكفّار وقال شاهت الوجوه، ونادى بأصحابه فرجعوا إليه وهزم الله الكفّار وقصّة حُنَيْن
مذكورة في السير ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي ضاقت على كثرة اتساعها وما هنا مصدرية ﴿وَأَنْزَلَ
جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني الملائكة ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى إسلام هوازن الذين قاتمادوا
المسلمين بحُنَين ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قيل إن نجاستهم بكفرهم وقيل بالجنابة ﴿فَلا
يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ نص على منع المشركين وهم عَبَدَة الأوثان من المسجد الحرام،.
فأجمع العلماء على ذلك، وقاسَ مالك على المشركين جميع الكفّار من أهل الكتاب

٣٥٥
تفسير سورة التوبة
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن
شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا
يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتّى يُعْطُوا
اَلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ () وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى
وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام سائر المسجد، فمنع جميع الكفّار من جميع المساجد
وجعلها الشافعي عامّة في الكفّار خاصّة بالمسجد الحرام فمنع جميع الكفّار دخول المسجد
الحرام خاصّة وأباح لهم دخول غيره. وقصرها أبو حنيفة على موضع النص فمنع المشركين
خاصّة من دخول المسجد الحرام خاصّة وأباح لهم دخول سائر المسجد وأباح دخول أهل
الكتاب في المسجد الحرام وغيره ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ يريد عام تسعة من الهجرة حین حجّ
أبو بكر بالناس، وقرأ عليهم على سورة براءة ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقرًا، كان المشركون
يجلبون الأطعمة إلى مكة فخاف الناس قّة القوت بها إذ منع المشركون منها، فوعدهم الله
بأن يُغنيهم من فضله، فأسلمت العرب كلها وتمادى جلب الأطعمة إلى مكة ثم فتح الله
سائر الأمصار ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أمر بقتال أهل الكتاب ونفى
عنهم الإيمان بالله لقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، ونفى عنهم
الإيمان باليوم الآخر لأن اعتقادهم فيه فاسد، فإنهم لا يقولون بالمعاد والحساب ﴿وَلاً
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنهم يستحلّون الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك ﴿وَلاً
يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي لا يدخلون في الإسلام ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ بيان للذين أمر
بقتالهم وحين نزلت هذه الآية خرج رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم إلى
غزوة تبوك لقتال النصارى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ اتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود
والنصارى، ويلحق بهم المجوس، لقوله وَّر: ((سنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب))، واختلفوا في
قبولها من عبدة الأوثان والصابئين ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين، وقدرها عند
مالك أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الورق، ويؤخذ ذلك من كل
رأس ﴿عَنْ يَدٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما دفع الذميّ لها بيده لا يبعثها مع أحد ولا يمطل بها
كقولك يدًا بيد، الثاني عن استسلام وانقياد كقولك ألقى فلان بيده ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أذلاء
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس إن هذه المقالة قالها أربعة من اليهود، وهم
سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، وقيل لم يقلها
إلاّ فنحاص، ونسب ذلك إلى جميعهم لأنهم متّبعون لمَن قالها، والظاهر أن جماعتهم

٣٥٦
تفسير سورة التوبة
اَلْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهَ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
ـَ اتَّخَذُوَ أْ أَحْبَارَهُمْ وَرُقْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ
قَبْلَّ قَانَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَزْيَمَ وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأَ إِلَهَا وَاحِدَاً لَّ إِلَهَ
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِعُواْ نُوَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ
٣٢
إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
وَيَأْبِيَ اللَّهُ إِلَّ أَن يُشِمَ نُرَهُ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ (٦) هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُنَ
قالوها إذ لم ينكروها حين نسبت إليهم، وكان سبب قولهم ذلك أنهم فقدوا التوراة فحفظها
عزيرًا وحده فعلمها لهم فقالوا ما علم الله عزير التوراة إلاّ أنه ابنه، وعزير مبتدأ، وابن الله
خبره، ومنع عزير التنوين لأنه أعجمي لا ينصرف وقيل بل هو منصرف وحذف التنوين
لالتقاء الساكنين وهذا ضعيف، وأما مَن نوّنه فجعله عربيًّا ﴿وَقَالَتِ النِّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ
اللَّهِ﴾ قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن إله وذلك كفر شنيع
﴿بِأَقْوَاهِهِمْ﴾ يتضمن معنيين أحدهما إلزامهم هذه المقالة والتأكيد في ذلك، والثاني أنهم لا
حجّة لهم في ذلك، وإنما هو مجرد دعوى كقولك لمَن تكذّبه هذا قول بلسانك ﴿يِضَاهِؤُنَ
قَوْلَ الَّذِینَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ معنی یضاهؤن یشابهون، فإن كان الضمير لليهود والنصارى،.
فالإشارة بقوله الذين كفروا من قبل للمشركين من العرب إذ قالوا الملائكة بنات الله، وهم
أول كافر. أو للصابئين أو لأمم متقدمة وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي وهو من اليهود
والنصارى، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم،
وقيل معناه لعنهم الله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ تعجب كيف يصرفون عن الحق والصواب.
﴿اَنَّخَذُوا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَاتَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أي أطاعوهم كما يطاع الربّ وإن كانوا ثم
يعبدوهم ﴿وَالْمَسِيحَ﴾ معطوف على الأحبار والرهبان ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لِيَعْبُدُوا إِلهَا وَاحِدًا﴾
أي أمرهم بذلك عيسى ومحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿يُرِيدُونَ أن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي
يريدون أن يطفئوا نبوّة محمد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم وما جاء به من عبادةٌ اله
وتوحيده ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إشارة إلى أقوالهم كقولهم ساحر وشاعر، وفيه أيضًا إشارة إلى ضعف
حيلتهم فيمَا أرادوا ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ﴾ الضمير للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو
للدين، وإظهاره جعله أعلى الأديان وأقواها حتى يعمّ المشارق والمغارب، وقيل ذلك عند

٣٥٧
تفسير سورة التوبة
ءَامَنُوْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيَّهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣٤
وَظُهُورُهُمِّ هَذَا مَا كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْفِرُونَ (٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ
عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرٌُّ
ج
ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا
يُقَائِلُونَكُمْ كَانَّةً وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ (٣) إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُ
نزول عيسى ابن مريم حتى لا يبقى إلاّ دين الإسلام ﴿لِيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو
الرشا على الأحكام وغير ذلك ﴿وَالْذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ورد في الحديث أن كل
مَن أدّيت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤدّ زكاته فهو كنز، وقال أبو ذرّ وجماعة من الزهّاد
كلما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ الضمير للأموال والكنوز التي
يتضمنها المعنى، وقيل هي الفضة، واكتفى في ذلك عن الذهب إذ الحكم فيهما واحد
﴿يَوْمَ يُخْمَى﴾ العامل في الظرف أليم أو محذوف ﴿عَلَيْهَا﴾ الضمير يعود على ما يعود عليه
ضمير ينفقونها ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هي الأشهر المعروفة أولها المحرم وآخرها ذو الحجة،
وكان الذي جعل المحرّم أول شهر من العام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿فِي كِتَابٍ
اللهِ﴾ أي في اللوح المحفوظ، وقيل في القرآن والأوّل أرجح لقوله يوم خلق السموات
والأرض ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت
العرب قد تمسكت به حتى غيّره بعضهم ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ الضمير في قوله فيهنّ
للأشهر الحرم تعظيمًا لأمرها وتغليظًا للذنوب فيها، وإن كان الظلم ممنوعًا في غيرها، وقيل
الضمير للاثني عشر شهرًا، أو الزمان كله، والأوّل أظهر ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي
قاتلوهم في الأشهر الحرم، فهذا نسخ لتحريم القتال فيها، وكافّة حال من الفاعل أو
المفعول ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ وهو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، وذلك أن العرب كانوا
أصحاب حروب وإغازات، وكانت محرّمة عليهم في الأشهر الحرم فيشقّ عليهم تركها
فيجعلونها في شهر حرام ويحرّمون شهرًا آخر بدلاً منه، وربما أحلّوا المحرم وحرموا صفر
حتى تكمل في العام أربعة أشهر محرّمة ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ أي تارة يحلّون

٫٠٠
٣٥٨
تفسير سورة العوبة.
بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُونَهُمْ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُم ◌َامَا لِيُّوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللّهُ:
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ وَلَهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْكَفِرِينَ (شَهِيَأَيُّهَا الَّذِينَ مَا مَنُواْ
مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنْفِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَاسِ
الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿ إِلَّا نَصِرُواْ يُهَذِّ بْحُمٍْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَحِكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ فَدِيرٌ
إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُ واْ ثَانِىَ أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِي الْغَيَارِ
إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَّاً فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِيَفْتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ
بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى
اٌلْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ نَ أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِّكُمْ فِ
وتارة يحرّمون، ولم يرد العامّ حقيقة ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي ليوافقوا عدد الأشهر.
الحرم وهي أربعة ﴿فَيُحِلُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يعني إحلالهم القتال في الأشهر الحرم ﴿مَا لَكُنمَ
إِذَا قِيلَ لَكُمُ الْفِرُوا﴾ عتاب لمَن تخلّف عن غزوة تبوك ﴿اثَّقَلْتُم إِلَى الأَرْضِ﴾ عبارة عن:
تخلّفهم، وأصل اثْاقَلتم تثاقلتم ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ﴾ شرط وجزاء وهو العذاب في اليدينينا
والآخرة ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ شرط وجواب، والضمير لرسول الله ێ، فإن قيل.
كيف ارتبط هذا الشرط مع جوابه، فالجواب أن المعنى: إن لم تنصروه أنتم فسننصره الله
الذي نصره حين كان ثاني اثنين، فدلّ بقوله نصره الله على نصره في المستقبل ﴿إِذْ أَخْرَةُ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني خروجه من مكة مهاجرًا إلى المدينة، وأسئدة إخراجه إلى الكفّار، لأنهم
فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه ﴿ثَانِيَ اثْتَيْنِ﴾ هو أبو بكر الصدّيقِ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِهَهُ
لاَ تَحْزَنْ﴾ يعني أبا بكر ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنًا﴾ يعني بالنصر واللطف ﴿فَتْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾
الضمير للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم، وقيل لأبي بكر، لأن النبي ﴾ أنزل منعنه
السكينة، ويضعف ذلك بأنّ الضمائر بعدها للرسول عليه السلام ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾
يعني الملائكة يوم بدر وغيره ﴿وَجَعَلَّ كَلِمَّةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ يريد إذلالها ودحضها
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الغُلْيَا﴾ قيل هي لا إله إلاّ اللهَ، وقيل الدين كله ﴿الْفِرُوا خِفَافًا وَلِقَالاً﴾ أمر
بالتنفير إلى الغزو، والخفّة استعارة لمَن يمكثه السفر بسهولة، والثقل من يمكنه بصعوبة،
وقال بعض العلماء الخفيف الغني والثقيل الفقير، وقيل الخفيف الشاب ، والثقيل؛ الشيخ،
وقيل الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان، وهذه الأقوال أمثلة في الثقل" والخفة، ،وقيل إن

٣٥٩
تفسير سورة التوبة
سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٤) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا
لََّتَبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ
عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ
٤٢
أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
لَا يَسْتَشْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن
صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَذِپین
(٤٣
يُجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ (١) إِنَّمَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
، وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَّرَدَّدُونَ
٤٥
لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةٌ وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَانَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ
هذه الآية منسوخة بقوله ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾
الآية: نزلت هي وكثير مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلّفوا عن غزوة
تبوك، وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة وكانت في شدّة الحرّ وطيب الثمار والظلال،
فثقلت عليهم فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لعرض من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة.
لفعلوه ﴿بَعُدَتْ عَلَيهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي الطريق والمسافة ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ إخبار بغيب وهو
أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم
الكاذبة، أو تخلّفهم عن الغزو ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتْ لَهُمْ﴾ الآية: كان بعض المنافقين قد
استأذن النبي وَّ في التخلّف عن غزوة تبوك فأذِنَ لهم، فعاتبه الله تعالى على إذنه له، وقدّم
العفو على العتاب إكرامًا له وَ لَه وقيل إن قوله عفا الله عنك ليس لذنب ولا عتاب ولكنه
استفتاح كلام كما يقول أصلحك الله ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ كانوا
قد قالوا استأذنوه في القعود، فإن أذِنَ لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا، وإنما كان يظهر
الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم، فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق ويسافر المطيع ﴿لاً
يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية: لا يستأذنك في التخلّف عن الغزو لغير عذر مَن يؤمن
بالله واليوم الآخر ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي شكّت، ونزلت الآية في عبد الله بن أُبيّ ابن
سلّول والجدّ بن قيس ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ﴾ الآية. أي لو كانت لهم نيّة في الغزو
والاستعداد له قبل أوانه ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي خروجهم ﴿فَثَبَّطَّهُمْ﴾ أي كسر عزمهم وجعل في
قلوبهم الكسل ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ يحتمل أن يكون القائل لهم اقعدوا هو الله تعالى، وذلك
عبارة عن قضائه عليهم بالقعود، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض ﴿مَعَ
الْقَاعِدِينَ﴾ أي مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذمّ لهم لاختلاطهم في القعود

٣٦٠
تفسير سورة التوبة
لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوَكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَ وْضَعُواْ خَِلَكُمْ يَبْغُونَبِكُمُ الْفِيْنَةَ وَفِيَكُمْ
سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿ لَقَدِّ ◌َبْتَغَوْالْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَفَّى
جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمُْ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِفِّ
إِن تُصِبْكَ
٤٩
أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِينَ.
حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَواْ
ـجَ قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَا وَعَلَى اللَّهِ
وَّهُمْ فَرِحُونَ
فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيِنِّ وَحْنُ نَتَرَبَّصُ
بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ: أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوْاْ إِنَّا مَعَكُم
مُتَّبِصُونَ ﴿قُلْ أَنْفِقُواْ طَوَعًا أَوْ كَرْهَا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ
٥٣
مع هؤلاء ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ أي شرًّا وفسادًا ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أي
أسرعوا السير، والإيضاع سرعة السير، والمعنى أنهم يسرعون للفساد والنميمة ﴿خِلالَكُمْ﴾
أي بينكم ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي يحاولون أن يفتنوكم ﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وقيل يسمعون
أخبارهم وينقلونها إليهم ﴿لَقَّدِ ابْتَغُوا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أي طلبوا الفساد، ورُوِيَ أنها نزلت في
عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه من المنافقين ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورُ﴾ أي دبّروها من كل
وجه، فأبطل الله سعيهم ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ اثْذَن لَّي وَلاَ تَفْتِي﴾ لما دعا النبي صلّى الله تعالى
عليه وآله وسلّم إلى غزوة تبوك قال الجدّ بن قيس وكان من المنافقين: ائذن لي في القعود
ولا تفتنّي برؤية بني الأصفر فإني لا أصبر عن النساء ﴿أَلاَ فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي وقعوا في
الفتنة التي فرّوا منها ﴿إن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الحسنة هنا النصر والغنيمة وشبه ذلك
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾ أي قد حذرنا وتأهبنا من قبل ﴿قُلْ لَّنْ يُصِيبَكَةُ إِلاَّ مَا تَتَّبٍَّ
اللَّهُ لَنَا﴾ أي ما قدر وقضى، وهذا ردّ على المنافقين ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلاَّ إِخْذَىَ
الْحُسْتَيْنِ﴾ أي هل تنتظرون بنا إلاّ إحدى أمرين: إما الظفر والنصر، وإما الموت في سبيل
الله وكل واحد من الخصلتين حسن ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ﴾ المصائب وما ينزل من السماء أو
عذاب الآخرة ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ يعني القتل ﴿فَتَّرَبَّصُوا﴾ تهديد: ﴿قُلْ أَنْفِقُوْاْ طَوْعًا أَوْ كَرْمَالَّْ
يُتَقَبَّلَ مِنْكُم﴾ تضمن الأمر هنا معنى الشرط، فاحتاج إلى جواب: والمعنى لن يتقبل متكم
سواء أنفقتم طوعًا أو كرها، والطوع والكره عموم في الإنفاق أي لن يتقبّل على كل حال