النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ تفسير سورة الأنعام ◌َ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمَّ وَخَرَقُواْ ٩٩ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْحَِّ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِمٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَاَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَُّ صَحِبَّةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ ال إَِهَ إِلَّا هُوَّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ (﴾ْ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْضَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (٣٢) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ الزيتون والرمّان، أو من كل ما تقدّم من النبات، والمشتبه والمتشابه بمعنى واحد أي من النبات ما يشبه بعضه بعضًا في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضًا، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَتْعِهِ﴾ أي انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفًا لا منفعة فيه، ثم ينتقل من حال إلى حال حتى ينيع أي ينضج ويطيب ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ نصب الجنّ على أنه مفعول أول لجعلوا وشركاء مفعول ثانٍ، وقدّم لاستعظام الإشراك، أو شركاء مفعول أول، والله في موضع المفعول الثاني والجنّ بدل من شركاء والمراد بهم هنا الملائكة، وذلك ردًّا على مَن عبدهم؛ وقيل المراد الجن، والإشراك بهم طاعتهم ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ الواو للحال، والمعنى الردّ عليهم: أي جعلوا لله شركاء، وهو خلقهم، والضمير عائد إلى الجنّ، أو على الجاعلين، والحجة قائمة على الوجهين ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ أي اختلقوا وزوّروا، والبنين قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في الملائكة ﴿بِغَيْرِ عِلْم﴾ أي قالوا ذلك بغير دليل ولا حجة بل مجرد افتراء ﴿بَدِيع﴾ ذكر معناه في البقرة، ورفعه على أنه خبر ابتداء مضمر أو مبتدأ وخبره: أنّى يكون، وفاعل تعالى، والقصد به الردّ على مَن نسب الله البنين والبنات، وذلك من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلاّ من جنس والده، والله تعالى متعالٍ عن الأجناس، لأنه مبدعها، فلا يصحّ أن يكون له ولد والآخر أن الله خلق السموات والأرض ومَن كان هكذا فهو غنيٌّ عن الولد وعن كل شيءٍ ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ مسبّب عن مضمون الجملة أي مَن كان هكذا فهو المستحق للعبادة وحده ﴿لاَّ تُذْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يعني في الدنيا وأما في الآخرة، فالحق أن المؤمنين يرون ربهم بدليل قوله: ﴿إِلَى رَبّها نَاظِرَة﴾ [القيامة: ٢٣]، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل التأويل، وقالت الأشعرية إن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزة عقلاً، لأن موسى سألها مَن الله، ولا يسأل موسى ما هو مُحال، وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ربّه ليلة الإسراء أم لا ﴿وَهُوَ يُذْرِكُ الأبْصَارَ﴾ قال بعضهم الفرق بين الرؤية والإدراك أن الإدراك ٢٨٢ تفسير سورة الأنعام فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَاَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ (٤)، وَكَذَلِكَ نُصَرِفُهِ الْأَبْدِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٢) النَّبِعْ ثَمَا أُوْخَىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُّوْ وَأَعْرِضْ عَنِ ﴿ وَلَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْتَ عَلَيْهِمْ خَفِيظًاً وَمَآ أَنْتَ كَتِهِمْ بِوَكِيلٍ المُشْرِكِينَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُواْ اللَّهُ عَدُواْ بِغَيْرِ عِلْمِ كَذَلِكَ زََّا لِكُلِ أَنَّةٍ عَمْلَهُمْ شُـ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَثْمَتِهِمْ لَبِنِ عَجَاءَتْهُمْ مَةٌ إِلَى رَبِّهِم ◌َرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ(٢٦) أَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا أَلَيَثُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ() وَتُقَلِّبُ أَفْعِدَتَهُمْ يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته، فلذلك نفى أن تدرك أبصار الخلق ربّهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية وحسن على هذا قوله وهو يدرك الأبصار لإحاطة علمه تعالى بالخفيّات ﴿اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ أي لطيف عن أن تدركه الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك الأبصار ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ﴾ جمع بصيرة، وهو نور القلب، وأَلْبَصْرِ نور العيْنُ، وهذا الكلام على لسان النبي ◌َّ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ متعَلْقّ بمحذوف تقديره ليقولوا صرفنا الآيات ﴿دَرَسَتْ﴾ بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته، ودارست بالألف أي دارست العلم وتعلّمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت هذه الآيات ودبرت ﴿وَلِنُبَيْنَهُ﴾ الضمير للآيات وجاء مذكّرًا لأن المراد بها القرآن ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ إن كان معناه أعرض عمّا يدعونك إليه؛ أو عن مجادلتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَذْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي لا تسبّوا آلهتهم فيكون ذلك سببًا لأن يسبّوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي هي بيد الله لا بيدي ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية ﴿أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ مَن قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل أن هنا بمعنى لعلّ فمَن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتمّ الكلام في قولهِ وما يُشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها وإن كانت بمعنى لعلّ فأجاز بعض الناس الوقف ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِذَتَهُم وَأَبْصَارَهُم﴾ أي نطبع عليها ونصدّهاً عن الفَهُمْ فَلا يفهمونَ ﴿كَمَّأَ لَّمْ ٢٨٣ تفسير سورة الأنعام ﴿ وَلَوْ أَنَّا نَزَّلْنَاً وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ إِلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَلَّمَّهُمُ الْمَوْنَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىءٍ قُبُلًاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ الَ وَلِلَصْغَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَفْتَرِفُواْ مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ الَ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِىَ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزٌَّ مِّن رَّبِّكَ بِالِّْ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ الَ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدَقًّا وَعَدْلَاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٠) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنْتُم بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ الْلَا وَمَا لَكُمْ أَلَّا ١١٧ بِالْمُهْتَدِينَ يُؤْمِنُوا﴾ الكاف للتعليل أي نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه أي نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة ﴿وَلَوْ أَنْنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ الآية: ردّ عليهم في قسمهم أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنون بها أي لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها وكل آية لم يؤمنوا إلاّ أن يشاء الله ﴿قُبُلاً﴾ بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة فنصبه على الحال، وقرىء بضمتين، ومعناه مواجهة: كقوله: ﴿قَدْ مَن قبل﴾ [يوسف: ٢٦]، وقيل هو جمع قبیل بمعنی کفیل، أي کفلاً بتصديق رسول اللهِ وَ﴿ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا﴾ الآية: تسلية للنبي وَ له بالتأسّي لغيره ﴿شَيَاطِينَ الإنْسِ والْجِنّ﴾ أي المتمردين من الصنفين، ونصب شياطين على البدل من عدوًّا، إذ هو بمعنى الجمع أو مفعول أول، وعدوًّا مفعول ثانٍ ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي یوسوس ويُلقي الشر ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ ما يزينه من القول ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الضمير عائد على وحيهم، أو على عداوة الكفّار ﴿فَذَرْهُمْ﴾ وعيد ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ما في موضع نصب على أنها مفعول معه أو عطف على الضمير ﴿وَلِتَصْغَى﴾ أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة ﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير لوحيهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يكتسبوا ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ﴾ معمول لقول محذوف أي قل لهم ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي صخت والكلمات ما نزل على عباده من كتبه ﴿صِدْقًا وَعَذلاً﴾ أي صدقًا فيما أخبر وعدلاً فيما حكم ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ : ٢٨٤ تفسير سورة الأنعام تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا. ◌َوَذَرُواْ ظَهِرَ أَلْإِثْمِ وَبَاِنَهٌ إِنَّ لَِّلُونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُنَّكٍَّ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (َِـ وَإِنَُّ لَفِسْقٌ وَلِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤْحُونَ إِلَىْ أَوْلِيَآبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ ◌َمْرِكُونَ (َ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمُن ◌َّثَلُهُ فِى اُلُُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَذِفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤) وَكَذَاِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرِيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ ١٢٣ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ القصد بهذا الأمر إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والنهي عمّا ذيح للنصب وغيرها، وعن الميتة وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر، ثم صرّح به في قوله ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه؛ وقد استدلّ بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة وإنما جاء التكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، وقال عطاء: وهذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب ﴿وَمَا لَكُمْ ألاَّ تَأْكُلُوا﴾ المعنى أن أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ذكر اسم الله عليه، وقد بيّن لكم الخلال من الحرام ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ استثناء بما حرم ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْم وَبَاطِتَهُ﴾ لفظ يعمّ أنواع المعاصي؛ لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر؛ وقيل الظاهر الأعمال والباطن الاعتقاد ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الضمير المصدر لا تأكلوا ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِم لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ سببها أن قومًا من الكفّار قالوا إنّا نأكل ما قتلناه، ولا نأكل ما قتل الله يعنون الميتة ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَخْبَيَتَاهُ﴾ الموت هنا عبارة عن الكفر، والإحياء عبارة عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات الكفر؛ فهي استعارات وفي قوله ميتًا فأحييناه مطابقة وهي من أدوات البيان، ونزلت الآية في عمّار بن ياسر، وقيل في عمر بن الخطاب والذي في الظلمات أبو جهل، ولفظها أعمّ من ذلك ﴿كَمَن مَّثَلُهُ﴾ مثل هنا بمعنى صفة، وقيل زائدة، والمعنى كمَن هو ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْتَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ﴾ أي كما جعلنا في مكة أكابرها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذكر الأكابر، لأن غيرهم تبع لهم؛ والمقصود تسلية النبي وَّهِ ﴿مُجْرِفِيهَا﴾ إعرابه مضاف إليه عند الفارسي وغيره؛ وقال ابن عطية وغيره: إنه مفعول أول بجعلنا وأكابر مفعول ثانٍ مقدّم؛ وهذا جيد في المعنى ضعيف في العربية، لأن أکابو جمع أكبر وهو من ٢٨٥ تفسير سورة الأنعام وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوِىَ رُسُلُ اللَّهِ اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَفْ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ١٢٤ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجً ١٢٥) كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَلِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الْرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَطُ رَيِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّ كَّرُونَ (٢٦) ﴿ لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِنْدَ رَبِهِمٌّ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿﴾ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنِسِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِسِ رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَاَ أَجَلَنَا الَّذِىَّ أَجَّلْتَ لَأَ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٤) وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّكَلِينَ بَعْضًا أفعل فلا يستعمل إلاّ بمن أو بالإضافة ﴿قَالُوا لَن تُؤْمِنَ﴾ الآية: قائل هذه المقالة أبو جهل، وقيل الوليد بن المغيرة، لأنه قال أنا أولى بالنبوّة من محمد ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ردّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن الله علم أن محمدًا صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم أهل للرسالة، فخصّه بها وعلم أنهم ليسوا بأهل لها فحرمهم إياها، وفي الآية من أدوات البيان الترديد لكونه ختم كلامهم باسم الله ثم ردّه في أول كلامه ﴿صَغَارٌ﴾ أي ذلّة ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمَ﴾ شرح الصدر وضيقه وحرجه: ألفاظ مستعارة ومَن قرأ حرجًا بفتح الراء فهو مصدر وصفَ به ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء، وذلك غير ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان وأصل يصعد المشدّد يتصعّد، وقرىء بالتخفيف ﴿دَارُ السَّلاَم﴾ الجنة، والسلام هنا يحتمل أن يكون اسم الله، فأضافها إليه؛ لأنها ملكه وخلقه، أو بمعنى السلامة والتحيّة ﴿وَيَوْمَ يَخْشُرُهُمْ﴾ العامل في يوم محذوف تقديره اذكر، وتقديره قلنا، ويكون على هذا عاملاً في يوم وفي ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنَّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ الإنس﴾ أي أضللتم منهم كثيرًا، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول استكثر الأمير من الجيش ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله: ﴿وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن﴾ فإن الرجل كان إذا نزل واديًا قال أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا﴾ هو الموت وقيل الحشر ﴿إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا مَن آمن منهم، وقيل الاستثناء من مدّة الخلود وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار، وقيل الاستثناء من النار، وهو ٠٢٨٦ تفسير سورة الأنعام ايَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ أَلَ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يُقُطُُّونُ عَلَيْهِكُمْ ءَايَِّ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ خَ وَيُنذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْ نَا عَلَ أَنْفُسِنّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَوَةُ اَلُّنْكَشَِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَلِفِرِينَ ١٣٠١ ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظْلٍِ، وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ وَلِكُلٍ دَرَجُتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبِّكَ بِتَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ: (يَ وَرَبُّكَ الْغَيُّْ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْهُ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَشَاَ كُمْعَمِّن إِنَّ مَا تُوعَدُوْنَ لَتِّ وَمَآ أَنْتُم بِمُحِْنَ ◌ِيَ قُلْ جَقَوْمِ ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ وَآخَرِينَ الشـ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّيِ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا دخولهم الزمهرير، وقيل ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه ﴿تُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أي نجعل بعضهم وليًّا لبعض، وقيل يتبع بعضهم بعضًا في دخول النار، وقيل نسلط بعضهم على بعض ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلْ﴾ تقرير الجن والإنس، فقيل إن الجن بعث فيهم رسل منهم لظاهر الآية، وقيل إنما الرسل من الإنس خاصّة، وإنما قال رسل منكم لأنه جمع الثقلين في الخطاب ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم﴾ لا تنافي بينه وبين قولهم ما كنّا مشركين، لما تقدّم هناك فإن قيل: لِمَ كرّز شهادتهم على أنفسهم؟ فالجواب أن قولهم شهدنا على أنفسنا قول قاله هم ، وقوله شهدوا على أنفسهم ذلّ لهم وتقبيح لحالهم. حــد ٠٠ ﴿ذَلِكَ﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره الآمر ذلك أو مفعول لفعل مضمر تقديره فعلنا ذلك، والإشارة إلى بعث الرسل ﴿أَن لَّمْ يَكُنْ﴾ تعليل لبعث الرسل، وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدل من ذلك ﴿بظلم﴾ فيه وجهان: أحدهما أنَ الله لم يكن ليهَلَك القرى دون بعث الرسل إليهم، فيكون إهلاكهم ظلمًا إذ لم ينذرهم، فهو كقوله: ﴿وَمَّا يُنَّا مُعَذّبين حتى نَبْعث رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، والآخر أن الله لا يهلك القرى بظلمهم إذا ظلموا، دون أن ينذرهم، ففاعل الظلم على هذا أهل القرى وغفلتهم وعدم إنذارهم، حكى الوجهين ابن عطية والزمخشري والوجه الأول صحيح على مذهب المعتزلة، ولا يصحّ على مذهب أهل السُّنّة، لأن الله لو أهلك عباده بغير ذنب: لم يكن ظَالِمًا عندهم ﴿وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ﴾ منازل في الجزاء على أعمالهم من الثواب والعقاب ﴿مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْم﴾ أين من ذرّية أهل سفينة نوح أو مَن كان قبلهم إلى آدم ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ الأمر هنا للتهديد، والمكانة التمكّن ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد ﴿مَن تَكُونُ لَهُ﴾ يحتمل أن تكون من موصولة في : ٢٨٧ تفسير سورة الأنعام يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ ١٣٥ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَيِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمَّ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ١٣٠ وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيَّهِمْ دِينَهُمٌّ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ هَذِهِ، أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمَّ حُرِّمَتْ ◌ُهُوْرُهَا موضع نصب على المفعولية أو استفهامية في موضع رفع بالابتداء ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي الآخرة أو الدنيا، والأول أرجح لقوله: عقبى الدار جنات عدن ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَزْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الضمير في جعلوا لكفّار العرب قال السهيلي هم حيّ من خولان، يقال لهم الأَديم كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيبًا لله ونصيبًا لأصنامهم ومعنى ذرأ خلق وأنشأ، ففي ذلك ردّ عليهم، لأن الله الذي خلقها وذرأها: هو مالكها لا ربّ غيره ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع وأكثر ما يقال الزعم في الكذب، وقرىء بفتح الزاي وضمّها وهما لغتان ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية كانوا إذا هبّت لريح فحملت شيئًا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقرّوه، وإن حملت شيئًا من الذي للأصنام إلى الذي الله ردوه وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُم﴾ كانوا يقتلون أولادهم بالوأد ويذبحونهم قربانًا إلى الأصنام وشركاؤهم هنا هم الشياطين، أو القائمون على الأصنام وقرأ الجمهور بفتح الزاي من زين على البناء للفاعل، ونصب قتل على أنه مفعول وخفض أولادهم بالإضافة ورفع شركاؤهم على أنه فاعل بزين، والشركاء على هذه القراءة هم الذين زيّنوا القتل، وقرأ ابن عباس بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع قتل على أنه مفعول لم يُسَمّ فاعله، ونصب أولادهم على أنه مفعول بقتل، وخفض شركائهم على الإضافة إلى قتل إضافة المصدر إلى فاعله، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: ﴿أَوْلاَدِهِمْ﴾، وذلك ضعيف في العربية وقد سمع في الشعر، والشركاء على هذه القراءة هم القاتلون للأولاد ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي ليهلكوهم وهو من الردى بمعنى الهلاك ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي حرام، وهو فعل بمعنى مفعول، نحو ذبح، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع ﴿لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ﴾ أي لا يأكلها إلاّ مَن شاؤوا وهم القائمون على الأصنام، ٢٨٨ تفسير سورة الأنعام وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءً عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿َ﴾ وَقَتَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُوِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُنْ قَيْسنَّةٌ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (٨) ﴾ وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّثٍ مَعْهُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ وَلنَّخْلَ وَالزَّعَ مُخَلِفًا أُكُلُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِةٍ كُلُواْ مِن قَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهُ وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١) وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةً وَفَّشَأْ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ (١٦) ثَمَنِيَةَ والرجال دون النساء ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ أي لا تُركَب، وهي السائبة وأخواتها ﴿وَأَتْعَامٌ لَأَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا﴾ قيل معناه لا يحج عليها فلا يذكر اسم الله بالتلبية» وقيل لا يذكر اسم الله عليها إذا ذبحت ﴿اقْتِرَاءٌ عَلَيْهِ﴾ كانوا قد قسموا أنعامهم على هذه الأقسام ونسبوا ذلك إلى الله افتراء وكذبًا ونصب على الحال أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكّد ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ﴾ الآية: كانوا يقولون في أجنة البحيرة والسائبة ما ولد منها حيًّا فهو للرجال خاصّة ولا يأكل منها النساء، وما ولد منها ميتًا اشترك فيه الرجال والنساء وأنّث خالصة للحمل على المعنى وهي الأجنة وذكر محرم حملاً على لفظ ما ويجوز أن تكون التاء للمبالغة ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي البحيرة والسائبة»وشبهها ﴿جََّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ مرفوعات على دعائم وشبهها ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ ستروكات على وجه الأرض، وقيل المعروشات ما غرسه الناس في العمران وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري ﴿مُخْتَلِفًا أَكُلُهُ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قيل حقه هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أن الآية مكيّة، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، والآخر أن الزكاة لا تُعطَى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم ضمّ الحبوب والثمار، وقيل حقه ما يصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبًا ثم نسخ بالعشر، وقيل هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب: ﴿حُمُوْلَةً وَفَرْشًا﴾ عطف على جنات، والحمولة الكبار، والفرش الصغار: كالعجاجيل والفصلان وقيل الحمولة الإبل لأنها يحمل عليها، والفرش الغنم، لأنها تفرشى للذبح ويفرش ما ينسج من صوفها ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾ بدل من حمولة وفرشًا، وِسِمّاها ٢٨٩ تفسير سورة الأنعام أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِّ قُلْءَ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ آَمِ الْأُنَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ آلْأُنثَيَيْنِّ نَبِّئُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (١٤) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنِ قُلْ ءَ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيَّهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِّ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَضَّنكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعٍِ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُّ أَوْ نِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اُللَّهِ بِهِ، فَمَنِ أَضْطُرَ غَيْرَ بَاعٍ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنْ) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفٍُّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُ هُمَا أَوِ أزواجًا، لأن الذكر زوج للأُنثى والأنثى زوج للذكر ﴿مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنٍ﴾ يريد الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده ﴿قُلْ الذَّكَرَيْنٍ﴾ يعني الذكر من الضأن والذكر من المعز، ويعني بالأُنثين الأُنثى من المعز، وكذلك فيما بعده من الإبل والبقر والهمزة للإنكار ﴿نَبِّتُونِي بِعِلْم﴾ تعجيز وتوبيخ ﴿اقْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني في تحريم ما لم يحرم الله، وذلك إشارة إلى العرب في تحريمهم أشياء كالبحيرة وغيرها ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ﴾ الآية تقتضي حصر المحرّمات فيما ذكر، وقد جاء في السُّنّة تحريم أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحمر فذهب قوم إلى أن السُّنّةِ نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر إنما نهي عنه على وجه الكراهة لا على وجه التحريم ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ معطوف على المنصوبات قبله، وهو ما أهلّ به لغير الله سمّاه فسقًا لتوغّله في الفسق، وقد تقدّم الكلام على هذه المحرّمات في البقرة ﴿كُلَّ ذِي ظُفْرٍ﴾ هو ما له أصبع من دابّة وطائر قاله الزمخشري وقال ابن عطيّة: يراد به الإبل والأوز والنعام ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع أو له ظفر وقال الماوردي مثله، وحكى النقّاش عن ثعلب أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر وما يصيد فهو ذو مخلب، وهذا غير مطّرد، لأن الأسد ذو ظفر ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يعني ما في الظهور والجنوب من الشحم ﴿أو الْحَوَايَا﴾ هي المباعر، وقيل المصارين والحشوة ونحوهما مما يتحوّى في البطن وواحد حوايا حوية على وزن فعلية فوزن حوايا على هذا فعائل كصحيفة وصحائف، وقيل واحدها حاوية على وزن فاعلة فحوايا على هذا فواعل: كضاربة وضوارب، وهو معطوف على ما في قوله: ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فهو من المستثنى من التحريم، وقيل عطف على الظهور، فالمعنى إلاّ التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ١٩ ٢٩٠ تفسير سورة الأنعام ◌َ فَإِنِ كَذَّبُوَكَ فَقُل اُلْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍّ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ رَّتُكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَّدُ بَأْسُهُ, عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شٍَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَشَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا قُلْ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ ١٤٥ قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَِّغَةُ فَلَوْ شَآءُ لَهَدَلَكُمْ أَجْمَعِينَ تَّخْرُصُونَ لِيَ) يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا، وقيل عطف على الشحوم، فهو من المحرم ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظُمْ﴾ يريد ما في جميع الجسد ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب مَن حرم ما لم يحرم الله ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَّةٍ وَاسِعَةٍ﴾ أي إن كذّبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم ربّكم ذُو رحمة واسعة إذ لا يعاجلكم بالعقوبة على شدّة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية ما أحلم الله: تريد لإمهاله عن مثل ذلك ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله: ﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أي لا تغترّوا بسعة رحمته، فإنه لا يردّ بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية: معناه أنهم يقولون إن شركهم وتحريمهم لما حرّموا كان بمشيئة الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجّوا على ذلك بإرادة الله له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مُكَلّفون مأمورون ألا يشركوا بالله، ولا يحلّلوا ما حرّم الله ولا يحرّموا ما حلّل الله، والإرادة خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿لَو شَاءَ اللَّهُ﴾ قولاً يقولونه في الآخرة على وجه التمنّي أن ذلك لم يكن كقولك إذا ندمت على شيء لو شاء الله ما كان هذا أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيّد هذا أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُم مِّنْ عِلْم﴾ توقيف لهم وتعجيز ﴿قُلْ قَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ لما أبطل حجتهم أثبت حجة الله ليظهر الحق ويبظل الباطل ﴿هَلُمَّ﴾ قيل هي بمعنى هات فهي متعدية، وقيل بمعنى أقبل فهي غير متعدّية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث وعند بعضهم اسم فعل فيخاطب بها الواحد والاثنان والجماعة والمؤنث على حدٍّ سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء ﴿فَإِن شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَد مَعَهُمْ﴾ أي إن كذبوا في شهادتهم وزوّروا فلا ٢٩١ تفسير سورة الأنعام بِشَايَتِنَا وَاُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥) ﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ تشهد بمثل شهادتهم ﴿قُلْ تَعَالَوْا أثْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أمر الله نبيّه صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم أنه يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله عليهم وذكر في هذه الآيات المحرّمات التي أجمعت عليها جميع الشرائع ولم تنسخ قطّ في ملّة، وقال ابن عباس: هي الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قيل أن هنا حرف عبارة وتفسير فلا موضع لها من الإعراب ولا ناهية جزمت الفعل، وقيل أن مصدرية في موضع رفع تقديره: الأمر ألاّ تشركوا، فلا على هذا نافية، وقيل أن في موضع نصب بدلاً من قوله ما حرّم، ولا يصحّ ذلك إلّ إن كانت لا زائدة وإن لم تكن زائدة فسد المعنى لأن الذي حرّم على ذلك يكون ترك الإشراك، والأحسن عندي أن تكون أن مصدرية في موضع نصب على البدل ولا نافية ولا يلزم ما ذكر من فساد المعنى، لأن قوله ما حرّم ربّكم: معناه ما وضّاكم به ربكم بدليل قوله في آخر الآية: ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ﴾ فضمّن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمّ من التحريم لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاصّ وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العامّ وتريد به الخصوص، إذ تقرّر هذا، فتقدير الكلام: قل تعالوا أتلُ ما وضّاكم به ربّكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان، فقال أن لا تشركوا به شيئًا أي وضّاكم ألاّ تشركوا به شيئًا ووضّاكم بالإحسان بالوالدين ووصّاكم أن لا تقتلوا أولادكم فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك ويؤيد هذا التأويل الذي تأوّلنا: أن الآيات اشتملت على أوامر: كالإحسان بالوالدين وقول العدل والوفاء في الوزن، وعلى نواهي: كالإشراك وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلا بدّ أن يكون اللفظ المقدّم في أولها لفظًا يجمع الأوامر والنواهي، لأنها أجملت فيه، ثم فسّرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك جعلنا التحريم بمعنى الوصية ويدلّ على ذلك ذكر لفظ الوصية بعد ذلك، وإن لم يتأوّل على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكال، وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طلب فعلها، والنواهي طلب تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصحّ ذلك إلاّ على الوجه الذي تأوّلناه من عموم الوصية للفعل والترك، وتحتمل الآية عندي تأويلاً آخر، وهو أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعمّ ٢٩٢ تفسير سورة الأنعام إِمْلَقِّ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَبٌ وَلَا تَقْئُّلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَضَّدَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ (٤) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَقِيِمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ خَّى يَبْلُغَ أَشُدَّمُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىٌّ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِحِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. ١٥٢ تَذَكَّرُونَ فعل المحرّمات وترك الواجبات لأن ترك الواجبات حرام ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ﴾ الإملاق الفاقة، ومن هنا للتعليل تقديره من أجل إملاق، وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة، لأن العرب كانوا يفعلون ذلك فخرج مخرج الغالب فلا يفهم منه إباحة قتلهم بغير ذلك الوجه ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قيل ما ظهر: الزنا، وما بطن: اتخاذ الأخدان. والصحيح أن ذلك عموم في جميع الفواحش ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاّ بِالْحَقِّ﴾. فسّره قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس)) ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ. اليَتِّيم إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النهي عن القرب يعمّ وجوه التصرّف، وفيه سدّ الذريعة، لأنه إذا نهى عن أن يقرب المال، فالنهي عن أكله أولى وأحرى، والتي هي أحسن منفعة اليتيم. وتثمير ماله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ هو البلوغ مع الرشد، وليس المقصود هنا السنّ وحدِهِ،. وإنما المقصود معرفته بمصالحه ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إلاّ وُسْعَهَا﴾ لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقق الوصول إليه أمر بما في الوسع من ذلك وعفا عمّا سواه ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل، فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص. بل يعدل، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الإشارة بهذا إلى ما تقدّم من الوصايا أو إلى جميع الشريعة، وأن بفتح الهمزة والتشديد عطف على ما تقدّم أو مفعول من أجله: أي فاتبعوه لأن هذا صراطي مستقيما، وقرىء بالكسر على الاستئناف، وبالفتح والتخفيف على العطف، وهي على هذا مخفّفة من الثقيلة ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضًا البِدَع والأهواء المُضِلّة، وفي الحديث أن النبي ◌َّ خطّ خطًّا، ثم قال: ((هذا سبيل الله)، ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: ((هذه كلها سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)). ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي تفرّقكم عن سبيل الله والفعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة. : ٢٩٣ تفسير سورة الأنعام ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ ١٥٣ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّحِكُمْ تَنَّقُونَ أَ وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارٌَ وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ: فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٢) أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّاً عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ (٥) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَ كُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّيِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوْءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (٤) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتَِ رَبِّكَ أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِكٌ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ١٥٨ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيّ إِيمَنِهَا خَيْرً قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ولذلك شدّده البزّي ﴿ثُمَّ آتَيْنَا﴾ معطوف على وصاكم به، فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب متقدّم على هذه الوصية فكيف عطفه عليها بثم، فالجواب أن هذه الوصية قديمة لكل أمة على لسان نبيّها، فصحّ الترتيب، وقيل إنها هنا لترتيب الأخبار والقول، لا لترتيب الزمان ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحسَنَ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدها أن المعنى تمامًا للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى ففاعل أحسن ضمير يعود على الذي، والذي أحسن يراد به جنس المحسنين، والآخر: أن المعنى تمامًا أي تفضّلاً، أو جزاء على ما أحسن موسى عليه السلام من طاعة ربّه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى عليه السلام والذي صفة لعمل موسى، والثالث تمامًا أي إكمالاً على ما أحسن الله به إلى عباده، فالعامل على هذا ضمير الله تعالی. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في موضع مفعول من أجله تقديره كراهة أن تقولوا ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ أهل التوراة والإنجيل ﴿وَإِن كُنَّا عَنِ دِرَاسَتِهِم لَغَافِلِینَ﴾ أي لم ندرس مثل دراستهم ولم نعرف ما درسوا من الكتب فلا حجة علينا، وأن هنا مخفّفة من الثقيلة ﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَيْنَةٌ﴾ إقامة حجة عليهم ﴿صَدَفَ﴾ أي أعرض ﴿هَل يَنظُرُونَ﴾ الآية: تقدّمت نظيرتها في البقرة ﴿بَعْضُ آيَاتٍ رَبِّكَ﴾ أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل إيمان كافر ولا توبة عاصٍ، فقوله لا ينفع نفسًا إيمانها يعني أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ وقوله: ﴿أَو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ يعني أن مَن كان مؤمنًا ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ظهرت: لم ينفعه لأن باب التوبة يغلق حينئذ ﴿قُلْ انْتَظِرُوا﴾ وعيد ﴿إِنَّ ٢٩٤ تفسير سورة الأنعام أَمَنْ جَآءَ بِالْحَبَةِ فَلَهُ عَشْرُ ١٥٠ ◌َّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ أَمْثَالِهَاً وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿لَ قُلْ إِنَّنِ هَدَنِي رََّّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٤) قُلْ إِنَّ صَلَّاتِ وَنُسُكِ وَبَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (َ لَا شَرِيكَ لَهُمْ وَإِذَلِكَ لُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْلِمِينَ ﴿)، قُلْ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَنْفِىِ رَبَّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِشَكُمْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ هم اليهود والنصارى، وقيل أهل الأهواء والبدع، وفي الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة)) قيل يا رسول الله ومَن تلك الواحدة؟ قال: ((مَنْ كان على مَا أَنَّاً وأصحابي عليه))، وقرىء فارقوا أي تركوا ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جمع شيعة أي متفرّقين كل فرقة تتشيّع لمذهبها ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي أنت بريء منهم ﴿عَشْرُ أَمْثَالَهَا﴾ فضل عظيم على العموم في الحسنات، وفي العاملين، وهو أقلّ التضعيف للحسنات فقد تنتهي إلى سبعمائة وأزيد ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بدل من موضع إلى صراط مستقيم، لأن أصله هداني صراطًا بدليل اهدنا الصراط، والقيم فيعل من القيام وهو أبلغ من قائم وقرىء قيماً بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها، وهو على هذا مصدر وصف به ﴿مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل من دينًا، أو عطف بيان ﴿ونُسُكِي﴾ أي عبادتي، وقيل ذبحي للبهائم، وقيل حجّي، والأول أعمّ وأرجح ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي أعمالي في حين حياتي وعند موتي ﴿لِلهِ﴾ أي خالصًا لوجهه وطلب رضاه، ثم أكد ذلك بقوله لا شريك له: أي لا أُريد بأعمالي غير الله فيكون نفيًا الشرك الأصغر وهو الرياء ويحتمل أن نريد لا أعبد غير الله فيكون نفيًا للشرك الأكبر ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ إشارة إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ لأِنْهِ وَلَ سابق أمته ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ تقرير وتوبيخ للكفّار، وسببها أنهم دعوه إلى عبادة آلهتهم ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ برهان على التوحيد ونفي الربوبية عن غير الله ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْها﴾ ردّ على الكفّار لأنهم قالوا له اعبد آلهتنا ونحن نتكفّل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأُخراك، فنزلت هذه الآية: أي ليس كما قلتم، وإنما كسب كل نفس عليها خاصّة ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى﴾ أي لا يحمل أحد ذنوب أحد، وأصل الوزر الثقل، ثم استعمل في الذنوب ﴿خَلاَئِفَ﴾ جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضًا في السكنى في الأرض أو خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا لجميع الناس، وقيل ٢٩٥ تفسير سورة الأنعام فَيُنَبِّئَّكُمُ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٤) وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ (١٦٥) دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُؤَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَنْكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ لأمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنهم خلفوا الأمم المتقدّمة ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ عموم في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد ﴿لْيَبْلُوَكُمْ فِيمًا آتَاكُمْ﴾ ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالكم فيما مكّنكم فيه ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جمع بين التخويف والترجية، وسرعة عقابه تعالى: إما في الدنيا بمَن عجّل أخذه، أو في الآخرة لأن كل آتٍ قريب، ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته . سورة الأعراف مكيّة إلاّ من آية ١٦٣ إلى غاية آية ١٧٠ فمدنية: وآياتها ٢٠٦ نزلت بعد صّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّ الّصّ ◌َ كِتَبْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجُ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ أَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (ثَا وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿المص﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة ﴿حَرَجٌ مُّتْهُ﴾ أي ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله فلا تكن من الممترين ﴿لِتُنذِرَ﴾ متعلق بأنزل ﴿وذِكْرَى﴾ منصوب على المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر وتذکر ذکری، لأن الذكر بمعنى التذكير، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفًا على موضع لتنذر أي للإنذار والذكرى ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ انتصب قليلاً بتذکرون أي تذکرون تذكّرًا قليلاً وما زائدة للتوكيد ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ قيل إنه من المقلوب تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل المعنى: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا لأن مجيء البأس قبل الإهلاك فلا يصحّ عطفه عليه بالفاء ويحتمل أن فجاءها بأسنا استئنافًا على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلّف، والمراد أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل أو هم قائلون ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ بياتًا مصدر في موضع الحال بمعنى بائتين أي بالليل، وقائلون من ٢٩٧ تفسير سورة الأعراف أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْهُمْ قَآئِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَاءَ هُم بَأَسُنَآَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ (٥) فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٤)، فَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلَّمٍ وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ (٤) وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقٌّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْأَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا يَظْلِمُونَ (٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَنِسَنُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا ◌ْجَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ اُلسَّجِدِينَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقَْنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٦) قَالَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَاً فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ (١) قَالَ أَنْظِرْنِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١) أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أَ ثُمَّ لَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفّار المتقدّمين بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ أي ما كان دعاؤهم واستغاثتهم إلاّ للاعتراف بأنهم ظالمون، وقيل المعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك ﴿أَرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أسند الفعل إلى الجار والمجرور، ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عمّا أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عمّا أُجيبوا به ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم﴾ أي على الرسل والأمم ﴿والوَزْنُ﴾ يعني وزن الأعمال ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم يسأل الرسل وأُممهم وهو يوم القيامة ﴿بِآيَاتِنَا يَظْلِمُون﴾ أي يكذبون بها ظلمًا ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ قيل المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ﴾ وقيل خلقنا أباكم آدم ثم صوّرناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصحّ العطف ﴿أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ لا زائدة للتوكيد ﴿إذ أَمَرْتُكَ﴾ استدلّ به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مُّنْهُ﴾ تعلیل علّل به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي من السماء ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الفاء للتعليل وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوينّ بني آدم، وما مصدرية، وقيل استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر (صِرَاطَكَ﴾ يريد طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ﴿ثُمَّ لاَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما ٢٩٨ تفسير سورة الأعراف أَجْمَعِينَ شَمَآَيِلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِنَ الثّا قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُ وَمَّا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَكُمْ وَبَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ يِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُوْنَا مِنَ (١٨ ◌َ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُدْرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ اُلظَّالِمِينَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْتَكُنَا مِنَ الْخَلِينَ ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ٢١ فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُرٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنَّهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَوَ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٣) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا. أَنْفُسَنَا وَإِن لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (شَقَالَ أَهْبِطُواْبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُرْفِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ (١) قَالَ فِيهَا تَّحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٥) يَبَنِىّ ءَادَمَ قَدْ أمكنه، وقال ابن عباد من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيئات ﴿مَذْهُومًا﴾ من ذأمه بالهمز إذا ذمّه ﴿مَّدْخُورًا﴾ أي مطرودًا حيث وقع ﴿فَوَسْوَسَ﴾ إذا تكلم كلامًا خفيًّا يكرّره، فمعنى وسوس لهما: ألقى لهما هذا الكلام. ﴿لِيْدِي لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ أي ليظهر ما ستر من عوراتهما واللام في قوله ليبدي للتعليل إن كان في انكشافهما غرض لإبليس، أو للصيرورة إن وقع ذلك بغير قصد منه إليه ﴿الشَّجَرَةِ﴾ ذكرت في البقرة ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنٍ﴾ أي كراهة أن تكونا ملكين، واستدلّ به مَن قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقرىء ملكين يكسر اللام، ويقوّي هذه القراءة قوله وملك لا يبلى ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي حلف لهما إنه لمن الناصحين وذكر قَسَيِم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه أو لأنه أقسم لهما وأقسما له إن يقبلا نصيحته ﴿فَدَلَّهُمَا﴾ أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿بِغُرُورٍ﴾ أي غرّهما بحلفه لهما. لأنهما ظنّا أنه لا يحلف كاذبًا ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي زال عنهما اللباس وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ﴾ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها؛ ﴿اخْبِطُوا﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿فِيهَا تَخْيَوْنَ﴾ أي في الأرض ﴿لِبَاسًا﴾ أي الثياب. التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل المراد أنزلنا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدلّ. بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة ﴿رِيشًا﴾ أي لباس الزينة وهو مستعار من : ٢٩٩ تفسير سورة الأعراف أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيِشًاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ ايَبَنِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا يَذَّكَّرُونَ أَـ لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَاْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) قُلْ أَمَرَ رَبِى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ج وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ كُمَا بَدَأَ كُمْ تَعُدُونَ (٦) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ إِنَّهُمُ ﴿ يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ أَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ مُهْتَدُونَ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٦) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ريش الطائر ﴿وَلِيَاسُ التَّقْوَى﴾ استعار للتقوى لباسًا كقولهم ألبسك الله قميص تقواه، وقيل لباس التقوى ما يُتّقى به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرىء بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي ذلك خير ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبيّن إنعامه على ما خلق من اللباس ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا﴾ أي كان سببًا في نزع لباسهما عنهما ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُم﴾ يعني في غالب الأمر، وقد استدلّ به مَن قال إن الجن لا يرون وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر جمعًا بينها وبين الأحاديث ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةٌ﴾ قيل هي ما كانت العرب تفعله من الطواف بالبيت عراة الرجال والنساء، ويحتمل العموم في الفواحش ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ اعتذروا بعذرين باطلين أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قيل المراد إحضار النّة، والإخلاص لله، وقيل فعل الصلاة والتوجّه فيها ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي في كل مكان سجود أو في وقت كل سجود والأول أظهر، والمعنى إباحة الصلاة في كل موضعٍ كقوله وَّه: ((جُعِلَت لي الأرض مسجدًا)» ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ احتجاج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى ﴿فَرِيقًا﴾ الأول منصوب بهدى، والثاني منصوب بفعل مضمر يفسّره ما بعده ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قيل المراد به الثياب الساترة، واحتجّ به مَن أوجب ستر العورة في الصلاة، وقيل المراد به الزينة زيادة على الستر كالتجمّل للجمعة بأحسن الثياب وبالسِّواك والطّيب ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ الأمر فيهما للإباحة، لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ أي لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة، وقال ٣٠٠ تفسير سورة الأعراف الَّتِّيَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَطِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنَْا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٦) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ◌َرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغَىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَ نَْلَمُونَ أَوَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأِْرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤) يَبَنِىّ ◌َادَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُضُّونَ عَلَيَّكُمْ مَايَِى فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (ثِّ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَاءَكِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُ ونَ (٤٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِنَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِشَايَتِهِ أُوْلَيْكَ يَنَاهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَبِّ حَّىَ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُدٌ يَتَّوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَبْنَا مَا كُتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا وَشَِّدُ واْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَّهُمْ كَاتُوْ كَفِينَ الْثَ قَالَ أَدْخُلُواْ فِيَّ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْتَهَا جَّىَ إِذَا أُدَّارَكُوْ فِيهَا جِيعًا قَالَتْ أُخْرَنهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبَّنَا هَتُؤُلَاءٍ أَضَلُّونَا فَعَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا تَعْلَمُونَ (٢٨) وَقَالَتْ أُوَلَنْهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الأطباء: إن الطب كله مجموع في هذه الآية، وقيل لا تسرفوا بأكل الحرام ﴿قُلْ مَنْ خَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾ إنكار لتحريمها وهو ما شرعه الله لعباده من الملابس والمآكل، وكان بفضل العرب إذا حجّوا يجرّدون الثياب ويطوفون عُراة، ويحرمون الشحم واللبن، فنزل ذلك ردًّا عليهم ﴿خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ أي الزينة والطّيب في الدنيا للذين آمنوا وغيرهم، وفي الآخرة خالصة لهم دون غيرهم، وقرىء خالصة بالنصب على الحال، والرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مضمر ﴿وَالإِثْمَ﴾ عامّ في كل ذنب ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي تفتروا عليه في التحريم وغيره ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكدة، وجواب الشرط فمَن اتّقى الآية ﴿فَمَنْ أَظْلَمْ﴾ ذكر في الأنعام ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم من الكتاب﴾ أي يصل إليهم ما كتب لهم من الأرزاق وغيرها ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي غابوا ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي ادخلوا النار في جملة أُمم أو مع أُمم ﴿اذَّارَكُوا﴾ تلاحقوا واجتمعوا ﴿قَالَتْ أُخِرَهُمْ لأَوَلاَهُمْ﴾ المراد بأولاهم الرؤساء والقادة، وأُخراهم الأتباع والسّفَلَة، والمعنى أن أُخراهم طلبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم لأنهم أضلوهم، وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطابًا لهم، إنما هو كقولك قال فلان لفلان كذا: أي قاله عنه وإن لم يخاطبه به ﴿وَقَالَتْ أُوَلاَهُمْ لأَخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنًا مِن