النص المفهرس
صفحات 261-280
سورة الأنعام مكية إلاّ الآيات ٢٠ و٢٣ و٩١ و ٩٣ و١١٤ و١٤١ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣ فمدنيّة وآياتها ١٦٥ نزلت بعد الحجر بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحمـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلْمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ [®َ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَّ أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ٢ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم قال كعب: أول الأنعام هو أول التوراة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ جعل هنا بمعنى خلق، والظلمات: الليل والنور النهار والضوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما، وإنما أفرد النور لأنه أراد الجنس، وفي الآية ردّ على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم إن الخير من النور والشر من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلاً لشيء من الحوادث ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون﴾ أي یسوّون ويمثلون من قولك عدلت فلانّا بفلان إذا جعلته نظيره وقرينه ودخلت ثم لتدلّ على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، وفي ضمن ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم، والذين كفروا هنا عامّ في كل مشرك. وقد يختصّ بالمجوس بدليل الظلمات والنور، وبعَبَدَة الأصنام، لأنهم المجاورون للنبي بَّرِ وعليهم يقع الردّ في أكثر ٢٦٢ تفسير سورة الأنعام وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ ٣ وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَ هُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَوَأُ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴿ أَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ تَكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَةَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ﴿ وَلَوْ نَّْنَا عَلَيْكَ كِنَّا فِى فِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ القرآن ﴿خَلَقَكُم مِّن طِينٍ﴾ أي خلق أباكم آدم من طين ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاَ وَأَجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ﴾ الأجل الأوّل الموت، والثاني يوم القيامة وجعله عنده: لأنه استأثر بعلمه، وقيل الأول النوم، والثاني الموت، ودخلت ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع، لأن القضاء متقدّم على الخلق ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ يتعلق في السموات بمعنى اسم الله، فالمعنى كقوله: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب، ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر: فيتعلق باسم فاعل محذوف، والمعنى على هذا قريب من الأوّل، وقيل المعنى أنّه في السموات والأرض بعلمه كقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤]، والأول أرجح وأفصح، لأن اسم الله جامع للصفات كلها من العلم والقدرة والحكمة، وغير ذلك، فقد جمعها مع الإيجاز، ويترجح الثاني بأن سياق الكلام في اطّلاع الله تعالى وعلمه، لقوله بعدها: ﴿يَعلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم﴾، وقيل يتعلق بمحذوف تقديره المعبود في السموات وفي الأرض وهذا المحذوف صفة لله: واسم الله على هذا القول وعلى الأول هو خبر المبتدأ وأما إذا كان المجرور الخبر فاسم الله بدل من الضمير ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتٍ رَبِّهِمْ﴾ من الأولى زائدة، والثانية للتبعيض، أو لبيان الجنس ﴿بِالحَقِّ﴾ يعني ما جاء به محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِم﴾ الآية: وعيد بالعذاب والعقاب على استهزائهم ﴿أَلَّمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ حضّ للكفّار على الاعتبار بغيرهم، والقرن مائة سنة، وقيل سبعون، وقيل أربعون ﴿مَكْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الضمير عائد إلى القرن، لأنه في معنى الجماعة ﴿مَا لَمْ تُمَكِّن لَّكُمْ﴾ الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من المؤمنين والكافرين ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مّذرَارًا﴾ السماء هنا المطر والسحاب أو السماء حقيقة، ومدرارًا بناء مبالغة وتكثير من قولك درّ المطر إذا غزر ﴿فَأَهْلُكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ التقدير فكفروا وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفّار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ الآية: إخبار أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات، والمراد بقوله ٢٦٣ تفسير سورة الأنعام مُّبِينٌ وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظُرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَهُ ٧ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ ﴿ وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ (٥) قُلْ سِيْرُواْ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٨ قُل لِّمَن ◌َا فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِّ قُل لِلَّهِ كَبَ عَلَى فلمسوه بأيديهم لو بالغوا في تمييزه وتقليبه ليرتفع الشك لعاندوا بذلك، يشبه أن يكون سبب هذه الآية قول بعضهم للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا أومن بك حتى تأتي بكتاب من السماء يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا أصدقك ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكْ﴾ حكاية عن طلب بعض العرب، ورُوِيَ أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي وَ لّ يا محمد، لو كان معك ملك ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأَمْرُ﴾ قال ابن عباس المعنى: لو أنزلنا ملكاً فكفروا بعد ذلك لعجّل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذف، وقضى الأمر على هذا تعجيل أخذهم، وقيل المعنى لو أنزلنا ملكًا لماتوا من هول رؤيته فقضي الأمر على هذا موتهم ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لْجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ أي لو جعلنا الرسول ملكًا لكان في صورة رجل، لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية: إخبار قصد به تسلية النبي ◌َّ عمّا كان يلقى من قومه ﴿فَحَاقَ﴾ أي أحاط بهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفّار ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ الآية: حضّ على الاعتبار بغيرهم إذا رأوا منازل الكفّار الذين هلكوا قبلهم ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ قال الزمخشري إن قلت: أي فرّق بين قوله فانظروا، وبين قوله ثم انظروا؟ قلت: جعل النظر سببًا عن السير في قوله: فانظروا، كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله فسيروا في الأرض ثم انظروا: فمعناه إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين رتّبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح ﴿قُلْ لْمَن مَّا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ قُل للَّهِ﴾ القصد بالآية إقامة البرهان على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصفة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفّار فسأل أولاً لِمَن ما في السّموات والأرض، ثم أجاب عن السؤال بقوله قل الله، لأن الكفّار يوافقون على ذلك بالضرورة فيثبت بذلك أن الإله الحق هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مُجيبًا عن سؤاله، إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم ٢٦٤ تفسير سورة الأنعام نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسْرُوَأْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا ﴿ وَلَمُ مَا سَكَنَ فِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لَقُلُّ أَغَيْرَ اللَّهِ أَشَّخِذُ وَلِنَّا فَاطِرٍ يُؤْمِنُونَ الـ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمْ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمْ وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿م ◌َنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَهِدٍ ج فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّ هُوٌّ وَإِن ◌َ وَهُوَ اُلْقَاهِرْ فَوْقَ عِبَادِهٍ، وَهُوَ الْحَكِيمُ اْخَبِيرُ ﴿ قُلْ أَعُّ شَيْءٍ ١٧ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ( الحجة عليه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي قضاها وتفسير ذلك بقول النبي صلّى الله عِلَيهِ وآله وسلّم: ((إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه إن رحمتي سبقت غضبي))، وفي رواية تغلب غضبي ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مقطوع مما قبله، وهو جواب القسم محذوف، وقيل هو تفسير للرحمة المذكورة تقديره أن يجمعكم، وهذا ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها، فإنها لا تدخل إلاّ في القسم أو في غير الواجب ﴿إِلَى يَوْمٍ القِيَامَةِ﴾ قيل هنا إلى بمعنى في وهو ضعيف، والصحيح أنها للغاية على بابها ﴿الَّذِينَ ◌َخَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الذين مبتدأ وخبره لا يؤمنون: ودخلت الفاء لما في الكلام في معنى الشرط قاله الزجّاج وهو حسن، وقال الزمخشري الذين نصب على الذمّ أو رفع بخبر ابتداء مضمر، وقيل هو بدل من الضمير في ليجمعنكم وهو ضعيف، وقيل منادى وهو باطل ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ عطف على قوله قل الله، ومعِنِى سكن: حلّ، فهو من السكنى، وقيل هو من السكون وهو ضعيف لأن الأشياء منها ساكنة ومتحرّكة فلا يعمّ؛. والمقصود عموم ملكه تعالى لكل شيء ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ إقامة حجة على الكفّارِ وردّ عليهم بصفات الله الكريم التي لا يشاركه غيره فيها ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي من هذه الأمة لأن النبي ◌َ* سابق أمته إلى الإسلام ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ﴾ في الكلام حذف تقديره وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، أو يكون معطوفًا على معنى أمرت فلا حذف وتقديره أمرت بالإسلام، ونهيت عن الإشراك ﴿مَّن يُصرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَجِعَهُ﴾ أي مَن يصرف عنه العذاب يوم القيامة فقد رحمه الله، وقرىء يصرف بفتح الياء وفاعله الله ﴿وَذَلِكَ﴾ إشارة إلى صرف العذاب أو إلى الرحمة ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ﴾ معنى يمييسك يصبك، والضّ المرض وغيره على العموم في جميع المضرّات، والخير: العافية وغيرها على العموم أيضًا، والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما يعد هذا من ٢٦٥ تفسير سورة الأنعام أَكْبُ شَكَةٌ قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوِْىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ أَبِتَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُل لَّ أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِنَِّى بَرِىٌّ مِمَا تُشْرِكُونَ (١) الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٤) وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهَّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ () وَيَوْمَ غَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ ٢٣ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُّهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَالَّهِ رَيِّنَامَا كُنَّا مُشْرِكِينَ أَيْنَ شُرَّكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ (َّـ الأوصاف براهين وردّ على المشركين ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةٌ﴾ سؤال يقتضي جوابًا ينبني عليه المقصود، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله مبتدأ وشهيد خبره، والآخر أن يكون تمام الجواب عند قوله: قل الله، بمعنى أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدىء على تقدير هو شهيد بيني وبينكم، والأول أرجح لعدم الإضمار، والثاني أرجح لمطابقته للسؤال، لأنّ السؤال بمنزلة مَن يقول: مَن أكبر الناس؟ فيقال في الجواب، فلان وتقديره فلان أكبر، والمقصود بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله وَلتر، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحّة نبوّة سيّدنا محمد نَّه، وإظهار معجزته الدالّة على نبوّته ﴿ومَن بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المفعول في لأنذركم والفاعل يبلغ ضمير القرآن والمفعول محذوف يعود على من تقديره، ومن بلغه والمعنى أوحى إليّ هذا القرآن لأنذر به المخاطبين، وهم أهل مكة، وأنذر كل مَن بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: مَن بلغه القرآن فكأنما رأى سيّدنا محمد بَّه، وقيل المعنى: ومَن بلغ الحلم وهو بعيد ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ الآية: تقرير للمشركين على شركهم، ثم تبرّأ من ذلك بقوله: لا أشهد، ثم شهد الله بالوحدانية، ورُوِيّ أنها نزلت بسبب قوم من الكفّار أتوا رسول الله وسلم فقالوا يا محمد ما تعلم مع الله إلهَا آخر ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُون ◌َبْنَاءَهُمْ﴾ تقدّم في البقرة ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الذین مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون وقیل الذین نعت للذين آتيناهم الكتاب وهو فاسد لأن الذين أوتوا الكتاب ما استشهد بهم هنا إلاّ ليقيم الحجة على الكفّار ﴿وَمَنْ أَظْلَمْ﴾ لفظه استفهام ومعناه لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ وذلك تنصّل من الكذب على الله، وإظهار لبراءة رسول الله ﴿ ﴿ مما نسبوه إليه من الكذب، ويحتمل أن یرید بالافتراء، على الله ما نسب إليه الكفّار من الشركاء والأولاد ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي علاماته وبراهينه ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿تَزْعُمُونَ﴾ أي تزعمون أنهم آلهة فحذفه لدلالة المعنى عليه، والعامل في يوم نحشرهم محذوف ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ ٢٦٦ تفسير سورة الأنعام أَ وَمِنْهُمْ تَنْ يَسْتَمِعُ إِلْكٌّ وَجَعَلْنَا عَلَى أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُواْ حَيَ أَنْفُسِهِمّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتُّونَ قُلُوبِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ سَكُلَّ ◌َايٍَ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَِّ حََّ إِذَا بَّاءُ وَكَ يُجَدِلُونَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآَ إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿يَمْوَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَتْعَوْتَ عَلَّةٌّ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلََّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿َ وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَا نُرَةٌ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَّايَّتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ الفتنة هنا تحتمل أن تكون بمعنى الكفر أي لم تكن عاقبة كفرهم إلاّ جحوده والتبرؤ منه، وقیل فتنتهم معذرتهم، وقيل كلامهم، وقرىء فتنتهم بالنصب على خير كان واسمها أن قالوا، وقرىء بالرفع على اسم كان وخبرها أن قالوا ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ جحود لشرکهم، فإن قيل: کیف یجحدونه وقد قال الله ولا يكتمون الله حديثًا، فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتم قوم ويقرّ آخرون، ويكتمون في موطن ويقرّون في موطن آخر، لأن يوم القيامة طويل، وقد قال ابن عباس لما سُئِلَ عن هذا السؤال إنهم جحدوا طمعًا في النجاة فختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثًا ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الضمير عائد على الكفّار، وأفرد يستمع وهو فعل جماعة حملاً على لفظ من ﴿وَجَعَلْتَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أن يَفْقَهُوهُ﴾ أكنة جمع كنان، وهو الغطاء، وأن يفقهوه في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، ومعنى الآية ·أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إذا استمعوه، وعبّر بالأكنة والوقر مبالغة، وهي استعارة ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي قصصهم وأخبارهم، وهو جمع أسطار وأسطورة قال السهيلي حيث ما ورد في القرآن أساطير الأوّلين، فإن قائلها هو النضر بن الحارث وكان قد دخل بلد فارس وتعلّم أخبار ملوكهم، فكان يقول حديثي أحسن من حديث محمد ﴿وَهُمْ يَتْهَوْنَ عَثْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ هم عائد على الكفّار، والضمير في عنه عائد على القرآن، والمعنى وهم ينهون: الناس عن الإيمان، وينأون هم عنه أي يبعدون، والنأي هو البعد، وقيل الضمير في عنه یعود على النبي ټے، ومعنی ینهون عنه ینهون الناس عن إذايته، وهم مع ذلك يبعدون عنه». والمراد بالآية على هذا أبو طالب ومَن كان معه يحمي النبي ◌َّ، ولا يسلم وفي قوله. ينهون وينأون ضرب من ضروب التجنيس ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ جوابٍ لو محذوف هنا، وفي قوله ولو ترى إذ وقفوا على ربهم، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمرًا شنيعًا هائلاً، ومعنى وقفوا: حبسوا، قاله ابن عطية؟ ويحتمل أن يريد بذلك إذا دخلوا النار، وإذا عاينوها وأشرفوا عليها، فيوضع إذ موضع إذ التحقيق وقوع الفعل حتى له ماضٍ ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُ وَلاَ نُكَذِّبَ﴾ قرىء برفع نكذب ونكون على ٢٦٧ تفسير سورة الأنعام بَّ بَدَا لَهُ مَا كَانُوْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا تُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ثَ وَقَالُواْ ٢٧ المُؤْمِينَ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَى وَرَبِنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَآءَتَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَثَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٦) وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٨َ، قَدْ الاستئناف والقطع على التمنّي، ومثله سيبويه بقولك دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالاً تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرىء بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمنّي ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُون مِن قَبْلُ﴾ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم وقيل هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد بَّز، وقيل هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل إن الكفّار كانوا إذا وعظهم النبي ◌َّلتر خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه ﴿وإنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ يعني في قولهم ولا نكذب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين، ولا يصحّ أن يرجع إلى قولهم يا ليتنا نردّ، لأنّ التمنّي لا يحتمل الصدق ولا الكذب ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأُخروي ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقْ﴾ تقرير لهم وتوبيخ. ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل الساعة أي فرّطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ كناية عن تحمّل الذنوب، وقال على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، ورُوِيَ في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثّل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة ﴿أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنْكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ قرأ نافع يحزن حيث وقع بضم الياء من أحزن، إلى قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر. وقرأ الباقون بفتح الياء من حزن الثلاثي وهو أشهر في اللغة. والذي يقولون: قولهم إنه ساحر، شاعر، كاهن ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ مَن ٢٦٨ تفسير سورة الأنعام فَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحُْنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَِّلِينَ بِثَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ (*) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتََّ أَنْهُمْ نَصْرَاً وَلَا مُبَدْلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَلَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴿يَا وَ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ أَسْتَطِعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِى اُلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم ◌ِتَابَّةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجِعُونَ (٢) وَقَالُواْ لَوْلًا الْجَهلِينَ قرأ بالتشديد فالمعنى لا يكذبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون بالحق مع علمهم به، ومَن قرأ بالتخفيف، فقيل معناه لا یجدونك كاذبًا، يقال أكذبت فلانًا إذا وجدته كاذبًا، كما يقال أحمدته إذا وجدته محمودا، وقيل هو بمعنی التشديد، يقال كذب فلان فلانًا وأكذبه بمعنى واحد، وهو الأظهر لقوله بعد هذا يجحدون، ويؤيّد هذا ما رُوِيّ أنها نزلت في أبي جهل فإنه قال لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم: إنّا لا نكفر بك ولكن نكذب ما جئت به، وأنه قال للأخنس بن شريق، والله إن محمد الصادق، ولكني أحسده على الشرف ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي ولكنهم ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم ﴿وَلَقَدْ كُذْبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية: تسلية للنبي ◌ِّرَ، وحضّ له على الصبر، ووعد له بالنصر ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي لمواعيده لرسله: كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتْنَا لِعِبَادِنا المُرْسَلِينِ إنّهم لهم المَنْصُورُون﴾ [الصّافّات: ١٧٢]، ..... وفي هذا تقوية للوعد ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن ◌َِّ المُرْسَلِينَ﴾ أي من أخبارهم ويعني بذلك صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضًا تقوية للوعد والحضّ على الصبر، وفاعل جاءك محذوف تقديره نبأ أو خلاف، وقيل هو المجرور ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِغْرَاضُهُمْ﴾ الآية: مقصودها حمل النبي ◌َّير على الصبر والتسليم لما أراد الله بعباده من إيمان أو كفر، فإنه صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل له إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية يؤمنون بسببها، فافعل وأن لا تقدر على ذلك، فاستسلم لأمر الله، والمنفق في الأرض، معناه منفذ تنفذ منه إلى ما تحت الأرض، وحذف جواب إن لفهم المعنى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى﴾ حجة لأهل السُّئَّة على القدرية فلا تكونن من الجاهلين، أي من الذين يجهلون أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ المعنى إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمونة ويعقلون ﴿وَالمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ﴾ فيها ثلاث تأويلات: أحدهما أن الموتى عبارة عن الكفّار بموت قلوبهم، والبحث يُراد به الحشر يوم القيامة، فالمعنى أن الكفّار في الدنيا كالموت في قلّة ٢٦٩ تفسير سورة الأنعام أَوَمَا مِن نُزِلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّيِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ دَآَبَّكٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَا حَيْهِ إِلَّا أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ سمعهم وعدم فهمهم، فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون، والآخر أن الموتى عبارة عن الكفّار، والبعث عبارة عن هدايتهم للفهم والسمع والثالث أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته فهو إخبار عن بعث الموتى يوم القيامة ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزَّلَ عَلَيْهِ آيَّةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ الضمير في قالوا للكفّار، ولولا عرض، والمعنى أنهم طلبوا أن يأتي النبي ◌َّ بآية على نبوّته، فإن قيل؛ فقد أتى بآية ومعجزاته كثيرة فَلِمَ طلبوا آية؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنهم لم يعتدّوا بما أتى به: وكأنه لم يأتِ بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم، والآخر أنهم إنما طلبوا آية تضطرهم إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكّر ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزَّلَ آيةً﴾ جواب على قولهم، وقد حُكِيّ هذا القول عنهم في مواضع من القرآن وأُجيب عليه بأجوبة مختلفة، منها ما يقتضي الردّ عليهم في طلبهم الآيات فإنه قد أتاهم بآيات وتحصيل الحاصل لا ينبغي كقوله: ﴿قَدْ بَيْنَا الآيات﴾ [البقرة: ١١٨] وكقوله: ﴿أُوَ لَمْ يَكْفِهِم أنّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ [العنكبوت: ٥١]، ومنها ما يقتضي الإعراض عنهم، لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: ﴿إِنّ اللَّهَ قَادِرٌ على أن يُنزِل آيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٧]، ويحتمل أيضًا أن يكون معناه قادر على أن ينزل آية تضطرّهم إلى الإيمان ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ حذف مفعول يعلمون، وهو يحتمل وجهين: أحدهما لا يعلمون أن الله قادر، والآخر لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان لمصالح العباد، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوقبوا بالعذاب ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال طائر للسعد والنحس ﴿أُمَمَّ أَمْثَالُكُم﴾ أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، وغير ذلك، ومناسبة ذكر هذا لما قبله من وجهين: أحدهما أنه تنبيه على مخلوقات الله تعالى، فكأنه يقول: تفكّروا في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات، والآخر: تنبيه على البعث، كأنه يقول جميع الدواب والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر لقوله بعده، ثم إلى ربّهم يحشرون ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ أي ما غفلنا والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والكلام على هذا عامّ، وقيل هو القرآن والكلام على هذا خاصّ: أي ما فرّطنا فيه من شيء فيه هدايتكم والبيان لكم ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُخْشَرُونَ﴾ أي تبعث الدواب والطيور يوم القيامة للجزاء والفصل بينهما ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق ٢٧٠ تفسير سورة الأنعام وَأَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا صُهُ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَنَّ مَن يَشَهِ اَللَّهُ يُضْلِلَةٌ وَمَن يَشَأْ ٣٨ يُحْشَرُونَ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢) قُلْ أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَبَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيِّرَ اللَّهِ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا ٤٠ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ تُشْرِّكُونَ (١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْ نَهُم بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّءِ لَعَلَّهُمْبَضَّعُونَ () فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَّيَّنٌّ لَهُمُ الشَّيْطِنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَكَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُّوَاْ أَخَذْفَهُمْ ٤٣ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٤٥) قُلْ أَرَ يْتُمْ إِنْ ٤٤ بَغْتَةً فَإِذَا هُم ◌ُبْلِسُونَ ( أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَلَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ تَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِ أَثُرْ كَيْفَ تُصَرِّفُ أُلْأَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةَ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ◌َ وَمَا تُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ ٤٧ اُلْقَوْمُ اُلظَّالِمُونَ كلهم أتيعه بأن وصف مَن كذب بذلك بالصّمم والبكم، وقوله: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يقوم مقام الوصف بالعمى ﴿قُلْ أَوَأَنْتَكُمْ﴾ معناه أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محل له من الإعراب وجواب الشرط محذوف تقديره إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة مَن تدعون؟ ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلاّ الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال للشرك ﴿إن شاء﴾ استثناء أي يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ يحتمل أن يكون من النسيان أو التوك ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ﴾ كان ذلك على وجه التخفيف والتأديب ﴿فَلَوْلاً﴾ هذا غزه وتحضيض وفيه دليل على نفع التضرّع حين الشدائد ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ الآية: أي لما تركوا الاتّعاظ بما ذكروا به من الشدائد فتح عليهم أبواب الرزق والنّعَم ليشكروا عليها فلم يُشكروا فأخذهم الله ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من الخير ﴿دَابِرُ القَوْم﴾ آخرهم، وذلك عبارة عن استئصالهم بالكلية ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ﴾ شكر على هلاك الكفّار فإنه نعمة على المؤمنين وقيل إنه إخبار على ما تقدّم من الملاطفة في أخذه لهم بالشر لیزدجروا أو بألخير ليشكروا حتى وجب عليهم العذاب بعد الإنذار والإعذار ﴿قُلْ أَرَأَيِّمْ﴾ الآية، احتجاج على الكفّار أيضًا ﴿يَأْتِيكُم بِهِ﴾ الضمير عائد على المأخوذ ﴿يَصْدِقُونَ﴾ أي يعرضون ﴿قُلْ أَرَأَنْتَكُمْ﴾ الآية: وعيد وتهديد، والبغتة ما لم يتقدّم لهم شعور به، والجهرة ما بدت لهم مخايله، وقيل بغتة ٢٧١ تفسير سورة الأنعام وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٤٠) قُل لََّ ٤٨ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَّ قُلّ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَنَفَّكَّرُونَ (٢) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم ◌ِن دُونِهِ، وَلِىٌ وَلَا شَفِيْعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهٌَ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَِّمِينَ جَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بالليل، وجهرة بالنهار ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية: أي لا أدّعي شيئًا منكرًا ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل ﴿الأعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثال للضالّ والمهتدي ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الضمير في به يعود على ما يوحى والإنذار عامّ لجميع الناس وإنما خصّص هنا بالذين يخافون، لأنه قد تقدّم في الكلام ما يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمّن تقدّم ذكره من الذين لا يسمعون ولا يعقلون ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيَّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ في موضع الحال من الضمير في يحشروا، واستئناف إخبار ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ يتعلق بأنذر ﴿وَلاَ تَطْردِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ الآية: نزلت في ضعفاء المؤمنين. كبلال، وعمّار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخباب، وصهيب، وأمثالهم، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتّبعناك، فنزلت هذه الآية ﴿بِالغَدَاةِ وَالْعَشِيْ﴾ قيل هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس وكانت غدوة وعشية، وقيل هي عبارة عن دوام الفعل، ويدعون هنا من الدعاء وذكر الله أو بمعنى العبادة ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إخبار عن إخلاصهم لله وفيه تزكية لهم ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ الآية: قيل الضمير في حسابهم للذين يدعون، وقيل للمشركين، والمعنى على هذا لا تحاسب عنهم، ولا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، والأول أرجح، لقوله وما أنا بطارد الذين آمنوا، وقوله إن حسابهم إلّ على ربّي، والمعنى على هذا أنّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ هذا جواب النفي في قوله ما عليك ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ هذا جواب النهي في قوله ولا تطرد أو عطف على فتطردهم ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي ابتلينا الكفّار بالمؤمنين، وذلك أن الكفّار كانوا يقولون أهؤلاء العبيد والفقراء مَنّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشرف أغنياء ٢٧٢ تفسير سورة الأنعام وَإِذَا جَآَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِكَايَِنَا فَقُلْ سَلَمْ عَكُمْ ٥٣ بَيْنِنَّا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَئِلَةِ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَاتِ وَلِتَسْتَّبِينَ سَبِلُ الْمُجْرِمِينَ ﴿ قُلْ إِنِّى تُبِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لََّ أَنَّعُ أَهْوَاءُ كُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَّآ أَنَا مِنَ ◌َ قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍِ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، مَا عِندِى مَا تَسَتَعْجِلُونَ بِّةٍ إِن ٥٦ أَلْمُهْتَدِينَ اٌلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُضُ أَلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِيْنَّ ﴿َّ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ وكان هذا الكلام منهم على وجه الاستبعاد بذلك ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمّ بِالْشَّاكِرِينَ﴾ ردّ على الكفّار في قولهم المتقدّم ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِتُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ هم الذين نهى النبي وَله عن طردهم أمر بأن يسلم عليهم إكرامًا لهم وأن يؤنسهم بما بعد هذا ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ أي حتّمها وفي الصحيح: إن الله كتب كتابًا فهو عتدة فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ الآية. وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، وحكمها عامّ فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في النساء، وقيل نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله وَ ال# أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفّار، فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية، وقرىء أنه بالفتح على البدل من الرحمة وبالكسر على الاستئناف، وكذلك فإنه غفور رحيم بالكسر على الاستئناف وبالفتح خبر ابتداء مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم، وقيل تكرار للأولى لطول الكلام ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من النهي عن الطرد وغير ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُخْرِمِينَ﴾ بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرىء بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث وبالياء والرفع على تذكير السبيل، لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث. ﴿الَّذِينَ تَذْعُونَ﴾ أي تعبدون ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذَا﴾ أي إن اتبعت أهواءكم ضللت ﴿عَلَى بَيْنَةِ﴾ أي ملتى أمر بين من معرفة ربّي والهاء في بينة للمبالغة أو للتأنيث ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ الضمير عائد علىَّ الرب أو على البيّنة ﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي العذاب الذي طلبوه في قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل الآيات التي اقترحوها والأول أظهر ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ ﴾ مَ القصص وقرىء يقضي بالضاد المعجمة من القضاء وهو أرجح لقوله ﴿وَهُوَ خَيرُ الْقَاصِلِينَ﴾ أي الحاكمين ﴿قُلْ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَّقُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي لو كان عندي الخَذَابُ ٢٧٣ تفسير سورة الانعام وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا ٥٨ اُلْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا ـَ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَقَّنكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ رَطْبٍ وَلَا يَاِ إِلَّا فِ كِتَبِ شُبِينٍ لـ ٥٩ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَنْ جِعُكُمْ ثُمَ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (*) وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِهُ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَّىَ إِذَا جَّةَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٤) ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اَللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ (بَقُلْ مَنْ يُنَجِّيَكُم مِّنِ ظُلُمتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ لَّيِنْ أَنْجَنْنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ (٥) قُلِ اَللَّهُ يَُِّّكُمْ مِّنْهَا وَمِنْ كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٦) قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٌٍ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ على التأويل الأوّل. والآيات المقترحة على التأويل الآخر، لوقع الانفصال وزال النزاع لنزول العذاب أو لظهور الآيات ﴿مَفَاتِحُ الغَيْبِ﴾ استعارة وعبارة عن التوصّل إلى الغيب كما يتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن، وهو جمع مفتح بكسر الميم بمعنى مفتاح، ويحتمل أن يكون جمع مفتح بالفتح وهو المخزن ﴿وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ تنبيه بها على غيرها لأنها أشدّ تغييبًا من كل شيء ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ اللوح المحفوظ، وقيل علم الله ﴿يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾ أي إذا نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي ﴿مَا جَرَحْتُمْ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي يوقظكم من النوم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل ﴿أَجَلٌ مُسَمَّى﴾ أجل الموت ﴿حَفَظَةً﴾ جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي الملائكة الذين مع ملك الموت ﴿ثُمَّ رُدُوا﴾ خروج من الخطاب إلى الغيبة والضمير لجميع الخلق ﴿قُلْ مَن يُتَجِّيكُم﴾ الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد مظلم ﴿عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قيل الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط سفلاتكم، وهذا بعيد ﴿أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي يخلطكم فرقًا مختلفين ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفّار أو المؤمنين؟ ورُوِيَ أنه لمّا نزلت أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم، قال رسول الله يغلتون: ((أعوذ بوجهه)»، فلما التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ ١٨٣ ٢٧٤ تفسير سفورية الأنعام ◌ِخُلِّ نَلِ مُسْتَفَرٌ وَسُوْقٌ 17 وَكَذَّبَ ◌ِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ٦٥ يَفْقَهُونَ تَعْلَمُونَ () وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي ◌َحُّدِيثٍ غَيْرٍِ وَإِمَّا يُلْسِيَتَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ (3) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَلَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم ◌َ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُوْ دِينَهُمْ لَغِبًا وَلَّهَوَا مِّن شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ نزلت من تحت أرجلكم قال: ((أعوذ بوجهك))، فلما نزلت أو يلبسكم شيعًا، قال النبي ◌َّير: ((هذا أَهون))، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدّمِ، وقومك هم قريش ﴿لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ أي بحفيظ ومتسلّط، وفي ذلك متاركة نسختها آية القتال ﴿لْكُلُّ نَبٍَ مُسْتَقَرْ﴾ أي في غاية يعرف عندها صدق من كذبه ﴿يَخُوْضُونَ فِي آَيَّائِنَا﴾ في الاستهزاء بها والطعن فيها ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي قم ولا تجالسهم ﴿وإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ إما مركّبة من إن الشرطية وما الزائدة، والمعنى إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تقعد بعد أن تذكر النهي ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ الذين يتّقون هم المؤمنون والضمير في حسابهم للكفّار والمستهزئين والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفّار على استهزائهم وإضلالهم، وقيل إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شقّ عليهم النهي عن ذلك إذا كانوا لا بدّ لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي: ﴿وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُم في الكِتَابِ أن إذا سَمِعْتُم آياتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية، وقيل إنها لا تقتضي إياحة القعود ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيه وجهان أحدهما أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفّار، ولكن عليهم تذكيرًا لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدإ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلّهم عائد على الكفّار: أي يذكرونهم رجاء أن يتّقوا أو عائد على المؤمنين أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله. الوجه الثاني أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيء وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى أو مفعول من أجله تقديره إنما نهوا ذكرى، والضمير في لعلّهم على هذا للمؤمنين لا غير ﴿وَذَرِ الَّذِينَ﴾ قبل إنها متاركة منسوخة بالسيف، وقيل بل هي تهديد فلا متاركة ولا نسخ فيها ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ - ٢٧٥ تفسير سورة الأنعام وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِرْ بِهِ، أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌُّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ ككُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤَخَذْ مِنْهَا أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أُتْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ يَضُّ نَا وَنُرَدُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ مَنَا اللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُوَ أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اَلْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ()وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (َ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونٌ قَوْلُهُ الْحَقّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ اُلُّورِّ أي اتخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعبًا ولهوّا لأنهم سخروا منّا واتخذوا الدين الذي يعتقدونه لعبًا ولهوّا لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ويلهون ﴿وذَكّرْ بِهِ﴾ الضمير عائد على الدين أو على القرآن ﴿أَن تُبْسَلَ﴾ قيل معناه أن تحبس، وقيل تفضح، وقيل تهلك وهو في موضع مفعول من أجله أي ذكر به كراهة أن تبسل نفس ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَذْلٍ﴾ أي وإن تعط كل فدية لا يؤخذ منها ﴿قُلْ أَنَذْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية: إقامة حجة وتوبيخ للكفّار ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي نرجع من الهدى إلى الضلال وأصل الرجوع على العقب في . المشي، ثم استعير في المعاني، وهذه جملة معطوفة على أندعوا، والهمزة فيه للإنكار والتوبيخ ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في نرد: أي كيف نرجع مشبهين مَن استهوته الشياطين أو نعت لمصدر محذوف تقديره ردًّا كرد الذي، ومعنى استهوته الشياطين ذهبت به في مهامه الأرس، وأخرجته عن الطريق فهو استفعال من هوى يهوي في الأرض إذا ذهب فيها، وقال الفارسي: استهوى بمعنى أهوى وقد استذلّ بمعنى أذلّ ﴿حَيرَان﴾ أي ضالّ عن الطريق، وهو نصب على الحال من المفعول في استهوته ﴿لَهُ أَضْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهدى اثْتِنَا﴾ أي لهذا المستهوي أصحاب وهم رفقة يدعونه إلى الهدى أي إلى أن يهدوه إلى الطريق، يقولون له ائتنا، وهو قد تاه وبعد عنهم فلا يجيبهم: وهذا كله تمثيل لمَن ضلّ في الدين عن الهدى، وهو يدعى إلى الإسلام فلا يجيب، وقيل نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق حين كان أبوه يدعوه إلى الإسلام، ويبطل هذا قول عائشة ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلاّ براءتي ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطف على لنسلم، أو على مفعول أمرنا ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره يوم يقول، وهو مقدّم عليه والعامل فيه معنى الاستقرار كقولك يوم الجمعة القتال، ٢٧٦ تفسيرا سورة الأنعام ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُالأَبِهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةَ وَهُوَ اَلََْكِيمُ الْخَبِيرُ ) وَكَذَلِكَ ذُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَتِ أَصْنَامَاءَ الِهَةً إِنّْ أَرَنِكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَكَبَا قَالَ هَذَا رَّبٍِ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الَِّْلِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّهْرِ يَهْدِنِ رَبِِّ لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ثَا فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّ هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّآ أَفَتْ واليوم بمعنى الحين وفاعل يكون مضمر، وهو فاعل كن أي حين يقولما لشيء كن فيكون ذلك الشيء ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ظرف لقوله له الملك كقوله لمّن المُلْك اليوم، وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيف أو تخليط ﴿عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبر ابتداء مضمر ﴿لَأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو اسم أبي إبراهيم، فإعرابه عطف بيان أو بدل، ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، لا للوزن لأن وزنه فاعل نجو عابر وشالح، وقرىء بالرفع على النداء، وقيل إنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ، فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب يه لملازمته له، أو أُريد عابد آزر، فحدف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد، ولا يبعد أن يكون له اثنان ﴿نُرِيَ إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قيل إنه فرج الله السموات والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يحتاج إلى صحة نقل، وقيل رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه ﴿وَلِيَكُونَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره وليكون من الموقنين فعلنا به ذلك ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي ستره يقال جنّ عليه الليل وأجنّه ﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ يحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس بأن يكون قبل البلوغ والتكليف. وقد رُوِيّ أن أُمه ولدته في غار خوفًا من نمروذ إذ كانه يقتل الأطفال، لأن المنجّمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح لقوله بعد ذلك ﴿إِنِّ بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجّة وردًّا على قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبيّن لهم الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحدًا منها إلهًا لِقيام الدليل على حدوثها وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغروبها وأُفولها هو الإله الحق وحده، وقوله: هذا ربّي قول مَن ينصف خصمه مع علمه أنه منطل لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليهم الحجة بقوله، لا أُحبّ ٢٧٧ تفسير سورة الأنعام إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ ٧٨ قَالَ يَقَوْمِ إِنَّى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ◌َ وَحَآَهُ قَوْمُهُمْ قَالَ أَتْحَجُونِي فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَآ أَخَافُ ٧٩ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٨٠ مَا تُشْرِكُونَ بِ: إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَلَّأَ فَأَىُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِّ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ (٨) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨) وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَّيْنَهَاَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن الآفلين: أي لا أحبّ عبادة المتغيّرين لأن التغيّر دليل على الحدوث، والحدوث ليس من صفة الإله ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال إني بريء مما تشركون، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له فقال: ﴿إِنّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالمُلْك، فإن قيل: لِمَ احتجّ بالأُفول دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟ فالجواب أنه أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب ﴿أَتُحَاجُونِي فِي اللَّهِ﴾ أي في الإيمان بالله وفي توحيده والأصل أتحاجُونني بنونين وقرىء بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، وبالتخفيف على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ ما هنا بمعنى الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا قد خوّفوه أن تصيبه أصنامهم بضرّ، فقال لا أخاف منهم لأنهم لا يقدرون على شيء ﴿إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربّي إن أراد بي شيئًا ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي كيف أَخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله وأنتم تنكرون على الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف، ثم أوقفهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية: وقيل إن الذين آمنوا: استئناف، وليس من كلام إبراهيم ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقالوا وأيّنا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما ذلك كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ إشارة إلى ما تقدّم من استدلاله واحتجاجه ﴿وَمِن ٢٧٨ تفسير سورة الأنعام نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (﴿ وَوَهَبْنَالَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحَا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُونَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْرِى وَزَّكَرِتَا وَيَخْبِى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌ مِّنَ الصَّالِحِينَ (بَهَ وَ إِسْمَعِيلَ، وَاَلْيَسَعَ ٨٤ الْمُحْسِنِينَ لِ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَحِكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ (َ وَ مِنْ ءَبَابِهِمْ وَذُرِيَّنِهِمْ وَإِخْوَِمٌ وَأَجْكَبَيْنَهُمْ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ ٨٧ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ ءََّهُمُ الْكِتَبَ وَالْمَكْرَ وَالنُُّّ ◌َفَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ AA لَحَبِطَ عَنْهُمِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ جَ أُؤْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةُ قُل لَّا فَقَدْ وَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْبِهَا بِگِفِینَ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًاْ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِءَ إِذْ قَالُواْمَا أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِّ تَجْعَلُونَهُ فَاطِيسَ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضمير لإبراهيم أو لنوح عليهما السلام، والأول هو الصحيح لذكر لوط وليس من ذرّيّة إبراهيم ﴿دَاوُدَ﴾ عطف على نوحًا أي وهدينا داود ﴿وَعِيسَى﴾ فيه دليل على أن أولاد البنات يقال فيهم ذرّيّة، لأن عيسى ليس له أبا فهو ابن ابنة نوح ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾ في موضع نصب عطف على ﴿كُلاّ﴾ أي وهدينا بعض آبائهم ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤْلاَءِ﴾ أي أهل مكة ﴿وكّلنا بها قومًا﴾ هم الأنبياء المذكورون، وقيل الصحابة، وقيل كل مؤمن والأوق أرجح لدلالة ما بعده على ذلك، ومعنى توكيلهم بها توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ إشارة إلى الأنبياء المذكورين ﴿فَبِهْدَاهُمُ اقتدهِ﴾ استدل به مَن قال إنَ شَرُّع من قبلنا شرع لنا فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاتفقت فيه جميع الأمم والشرائع، وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع والخلاف هل يقتدي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها بمّن قبله أم لا؟ والهاء في اقتده للوقف فينبغي أن تسقط في الوصل، ولكن من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خط المصحف ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته في اللطف بعباده والرحمة لَهُمَّ إِذّ أنكروا بعثه للرُّسُل وإنزاله للكتب، والقائلون هم اليهود بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد وّه، ورُويُّ أن الذّي قالها منهم مالك بن الضيف، قُلْرةُ الله عليهم بأن ألزَمهم ما لا بدّ لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى، وقيل القائلون قريش، ولزموا ذلك لأنهم كانوا مُقِرّين بالتوراة ﴿وَغُلْمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَّمُوا﴾ الخطاب لليهود أو ٢٧٩ تفسير سورة الأنعام تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمِ مَّا لَمْ تَعْلَمُوْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿ وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَاُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ، وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ (١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوَ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ اُلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيَّرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَلِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ (*) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيكُمْ شُرَّكَوَاْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٤) ﴾ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اُلْحَبِّ لقريش على وجه إقامة الحجة والردّ عليهم في قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء، فإن كان لليهود، فالذي علموه التوراة، وإن كان لقريش فالذي علموه ما جاء به محمد واله ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب من أنزل واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره أنزله الله أو مرفوع بالابتداء ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطف على صفة الكتاب ﴿أُمَّ القُرَى﴾ مكة، وسُمّيت أُمّ القرى، لأنها مكان أوّل بيت وضع للناس، ولأنه جاء أن الأرض دحيت منها ولأنها يحجّ إليها أهل القرى من كل فجّ عميق ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ هو مسيلمة وغيره من الكذّابين الذين ادعوا النبوّة ﴿وَمَنْ قَالَ سَأَنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو النضر بن الحرث لأنه عارض القرآن واللفظ عامّ فيه وفي غيره من المستهزئين ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جوابه محذوف تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا، والظالمون: مَن تقدّم ذكره من اليهود والكذّابين والمستهزئين، فتكون اللام للعهد، وأعمّ من ذلك فتكون للجنس ﴿بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ أي تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفّار يقولون لهم أخرجوا أنفسكم، وهذه عبارة عن التعنيف في السياق والشدّة في قبض الأرواح ﴿اليَوْمَ تُجْزَون﴾ يحتمل أن يريد ذلك الوقت بعينه أو الوقت الممتد من حينئذ إلى الأبد ﴿الهُونِ﴾ الذلّة ﴿قُرَادَى﴾ منفردين عن أموالكم وأولادكم أو عن شركائهم، والأول يترجح لقوله: ﴿تَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُم﴾: أي ما أعطيناكم من الأموال والأولاد، ويترجح الثاني بقوله: وما نرى معكم شفعاءكم ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تفرّق شملكم ومَن قرأه بالرفع أسند الفعل إلى الظرف واستعمله استعمال الأسماء، ويكون البين بمعنى الفرقة، أو بمعنى الوصل، ومَن قرأه بالنصب: فالفاعل مصدر الفعل، أو محذوف تقديره تقطع الاتصال بينكم. ﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالتَّوَى﴾ أي يفلق الحبّ تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق ٢٨٠ تفسير سورة الأنعام : فَالِقُّ ◌ُلْإِصْبَاحِ ٩٥ وَالنَّوَّ يُخْرِجُ أَلَّْ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكَمًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُومَ لِفَهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (ج)، وَهُوَ الَّذِىَّ أَنْشَأَ كُمْ ] وَهُوَ الَّذِىَّ أَنْزَلْ مِنَ ١٩٨ مِن نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَمُسْتَفَرٌ وَمُسْتَوَْعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ السَّمَآءِ مَآءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ سَبَّا مُّتََّاحِكِبًا وَ مِنَ النَّخْلِ مِن طَلِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَّةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَبٍ وَاُلَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ أَنْظُرُوا إِلَى النوى لخروج الشجر منها وقيل أراد الشقين الذين في النواة والحنطة، فالأول أرجح لعمومه في أصناف الحبوب ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ تقدّم في آل عمران ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الْحَيّ﴾ معطوف على فالق ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ﴾ أي الصبح فهو مصدر سمّي به الصبح، ومعنى فلقه أخرجه من الظلمات، وقيل إن الظلمة هي التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير فالق ظلمة الإصباح ﴿سَكَنَا﴾ أي يسكن فيه عن الحركات ويستراح ﴿حُسْبَانًا﴾ أي يعلم بهما حساب الأزمان والليل والنهار ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾ مَا أحسن ذكر هذين الاسمين هنا لأن العزيز يغلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والبَخْرِ﴾ أي في ظلمات الليل في البرّ والبحر، وأضاف الظلمة إليها لملابستها لهما، أو شبه الطرق المشتبهة بالظلمات ﴿فَمُسْتَقَرِّ وَمُسْتَوْدَعْ﴾ من كسر القاف من مستقرّ فهو اسم فاعل، ومستودع اسم مفعول، والتقدير فمنكم مستقرّ ومستودع، ومن فتحها؛ فهو اسم مكان أو مصدر، ومستودع مثله، والتقدير على هذا لكم مستقرّ ومستودع، والاستقرار في الرحم والاستيداع في الصلب، وقيل الاستقرار فوق الأرض والاستيداع تحتها ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ الضمير عائد على الماء ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ الضمير عائد على النبات ﴿خَضِرًا﴾ أي أخضر غضًّا، وهو يتولّد من أصل النبات من الفراخ ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ الضمير عائد على الخضر ﴿حَبَّا مُتَرَاكِبًا﴾ يعني السنبل لأن حبه بعضه على بعض، وكذلك الرمّان وشبهه ﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قنو، وهو العنقود من التمر، وهو مرفوع بالابتداء وخبره من النخل، ومن طلعها بدل، والطلع أول ما يخرج من التمر في أكمامه ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي قريبة سهلة التناول، وقيل قريبة بعضها من بعض ﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابِ﴾ بالنصب عطف على نبات كل شيء وقرىء في غير السبع بالرفع عطف على قنوان ﴿مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ نصب على الحال من