النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ تفسير سورة النساء ج فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَمْ يَكُن ◌ََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أُثْسَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلتُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكْ وَإِن كَانُوَ إِخْوَةٌ رِّجَالًا وَنِسَآءُ فَلِلَّذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنََّيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ١٧٦ منك الفتيا، ويحتمل أن يكون هذا الفعل طلبًا للكلالة، ويفتيكم أيضًا طلب لها، فيكون من باب الإعمال وإعمال العامل الثاني على اختيار البصريين أو يكون يستفتونك مقطوعًا عن ذلك فيوقف عليه، والأوّل أظهر، وقد تقدّم معنى الكلالة في أوّل السورة والمراد بالأُخت والأخ هنا: الشقائق، والذين للأب إذا عدم الشقائق، وقد تقدّم حكم الإخوة للأُم في قوله وإن كان رجلاً يورث كلالة الآية ﴿إِنِ امْرُؤْ هَلَكَ﴾ ارتفع بفعل مضمر عند البصريين، ولا إشكال فيما ذكر هنا من أحكام المواريث ﴿أن تَضِلُوا﴾ مفعول من أجله تقديره كراهية أن تضلّوا. .. ٥ سورة المائدة مدنيّة إلا آية ٣ فنزلت بعرفات في حجة الوداع: وآياتها ١٢٠ نزلت بعد الفتح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ أُحِّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حٌُ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (٥) يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَِّرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ وَلَا بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم مے ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قيل إن العقود هنا عقدة الإنسان مع غيره من بيع ونكاح وعتق وشبه ذلك، وقيل ما عقده مع ربه من الطاعات: كالحج والصيام وشبه ذلك، وقيل ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في دينه ذكر مجملاً ثم فصل بعد ذلك في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم﴾ وما بعده ﴿بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، وإضافة البهيمة إليها من باب إضافة الشيء إلى ما هو أخصّ منه؛ لأن البهيمة تقع على الأنعام وغيرها، قال الزمخشري: هي الإضافة التي بمعنى من كخاتم من حديد أي البهيمة من الأنعام، وقيل هي الوحش: كالظباء، وبقر الوحش والمعروف من كلام العرب أن الأنعام لا تقع إلاّ على الإبل والبقر والغنم، وأن البهيمة تقع على كل حيوان ما عدا الإنسان ﴿إِلاَّ مَا يُتَلَّى عَلَيْكُمْ﴾ يريد الميتة وأخواتها ﴿غَيْرَ مُحِلْي الصَّيْدِ﴾ نصب على الحال من الضمير في لكم ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حال من ﴿مُحِلْي الصَّيْدِ﴾، وحرم جمع حرام وهو المحرم بالحج، فالاستثناء بإلاّ من البهائم ٢٢٣ تفسير سورة المائدة اَلْهَدْىَ وَلَ الْقَلَبِدَ وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىّ المحلّلة، والاستثناء بغير من القوم المخاطبين ﴿لاَ تَحِلُوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قيل هي مناسك الحج، كان المشركون يحجّون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم، فقيل لهم: لا تحلّوا شعائر الله: أي لا تغيروا عليهم ولا تصدّوهم وقيل هي الحرم، وإحلاله الصيد فيه، وقيل هي ما يحرم على الحاج من النساء والطيب والصيد وغير ذلك، وإحلاله فعله ﴿وَلاً الشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ قيل هو جنس الأشهر الحرام الأربعة، وهي رجب وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل أشهر الحج، وهي: شوّال، وذو القعدة وذو الحجة، وإحلالها هو القتال فيها وتغيير حالها ﴿وَلاَ الهدى﴾ هو ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام ويذبح تقرّبًا إلى الله فنهى الله أن يستحلّ بأن يغار عليه أو يصدّ عن البيت ﴿وَلاَ الْقَلاَئِدَ﴾ قيل هي التي تعلق في أعناق الهدي، فنهى عن التعرّض لها، وقيل أراد ذوات القلائد من الهدي وهي البدن وجدّدها بالذكر بعد دخولها في الهدي اهتمامًا بها وتأكيدًا لأمرها ﴿وَلاَ آمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي قاصدين إلى البيت لحج أو عمرة ونهى الله عن الإغارة عليهم أو صدّهم عن البيت ونزلت الآية على ما قال السهيلي بسبب الحكم البكري واسمه شريح بن ضبيعة أخذته خيل رسول الله ◌َّ﴿ وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر، وهذا النهي عن إحلال هذه الأشياء: عام في المسلمين والمشركين، ثم نسخ النهي عن قتال المشركين بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥]، وبقوله: ﴿فَلا يَقْرَبوا المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أن يُعَمِّرُوا مَسَاجِدَ الله﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ الفضل: الربح في التجارة، والرضوان: الرحمة في الدنيا والآخرة ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن شئتم، فالأمر هنا إباحة بإجماع ﴿وَلاَ يَجْرِ مَنَّكُمْ شََآنُ قَوْمِ أن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ معنى لا يجرمنكم لا يكسبنكم، يقال جرم فلان فلانًا هذا الأمر إذا أكسبه إياه وحمله عليه، والشنآن: هو البغض والحقد، ويقال بفتح النون وإسكانها، و﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾: مفعول من أجله، و﴿أَن تَعْتَدُوا﴾: مفعول ثانٍ ليجرمنكم، ومعنى الآية: لا تحملنكم عداوة قوم على أن تعتدوا عليهم من أجل أن صدّوكم عن المسجد الحرام، ونزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل لأنهم كانوا قد صدّوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم، لأن الله علم أنهم ٢٫٢٤ تفسير سورة المائدة. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالِدَّمُ وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَدِيدُ أُلْمِقَابِ وَخَمُ الْخِزِيرِ وَمَّآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُونَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَاَلنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ اْلَّيُعُ إِلَّا مَا ذَّكَّيْثُ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْنَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ أَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن ٤ يؤمنون ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوَى﴾ وصية عامّة، والفرق بين البرّ والتقوى أن البرّ عامّ في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرّمات، وفي كل ما يقرب إلى الله، والتقوى فني الواجبات وترك المحرّمات دون فعل المندوبات فالبرّ أعمّ من التقوى ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ علتى الإثم والعدوان﴾ الفرق بينهما أن الإثم كل ذنب بين العبد وبين الله أو ثبينة وبين الناش، والعدوان على الناس. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ تقدّم الكلام عليها في البقرة ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ هي التي تخنق بحبل وشبهه ﴿والمَوْتُوذَةُ﴾ هي المضروبة بعضًا أو حجر وشبهه، والمتردية هي التي تسقط من جبل أو شبه ذلك، والنطيحة هي التي نطحتها بهيمة. أخرى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي أكل بعضه، والسّبع كل حيوان مفرس: كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر ﴿إِلاّ مَا ذَكَيْتُمْ﴾ قيل إنه استثناء منقطع، وذلك إذا أُريد بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من الاختناق والوقذ والتردية والنطح وأكل السبع والمعنى حُرِّمَت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكّيتم من غيرها، فهو حلال، وهذا قول ضعيف لأنها إن ماتت بهذه الأسباب، فهي ميتة فقد دخلت في عموم الميتة فلا فائدة لذكرها بعدها، وقيل إنه استثناء متصل، وذلك إن أُريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت ذكاته، والمعنى على هذا: إلى ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فهو حلال، ثم اختلف أجيال هذا القول هل يشترط أن تكون لم تنفذ مقاتلها أم لا، وأما إذا لم تشرف على الموت من هذه الأسباب، فذكاتها جائزة باتفاق ﴿وَمَا نُبِحَ على النُّصُبِ﴾ عطفٍ على المحرّمات المذكورة، والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعظّمونها ويذبحون عليها، وليست بالأصنام. لأن الأصنام مصوّرة والنصب غير مصوّرة وهي الأنصاب، والمفرد نصاب، وقد قيل إن النصب بضمتين مفرد، وجمعه أنصاب ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بالأَزْلاَمِ﴾ عطفٍ على المحرّمات، أيضًا، والاستقسام. هو طلب ما قسم له، والأزلام هي السّهام. واحدها زلم يضم الزاي. وفتحها، وكانت ثلاثة قد كتب على أحدها أفعل، وعلى الآخر لا تفعل، والثالث مهمل؟. فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرًا جعلها في خريطة، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له. ٢٢٥ تفسير سورة المائدة دِينِكُمْ فَلَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْتَوْنَ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطَ فِي مَخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَا يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم ◌ِنَ الْجَوَارِجِ مُكِينَ تُعلُّونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ الذي فيه افعل: فعل ما أراد، وإن خرج له الذي فيه لا تفعل تركه، وإن خرج المهمل أعاد الضرب ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارة إلى تناول المحرّمات المذكورة كلها، أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما حرّمه الله وجعله فسقًا: لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطّلاع على الغيوب ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ أي يئسوا أن يغلبوه ويطلبوه، ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع، فذلك هو اليوم المذكور لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين، ويحتمل أن يكون الزمان الحاضر لا اليوم بعينه ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا الإكمال يحتمل أن يكون بالنصر والظهور أو بتعليم الشرائع وبيان الحلال والحرام ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ راجع إلى المحرّمات المذكورة قبل هذا، أباحها الله عند الاضطرار ﴿في مَخْمَصَةٍ﴾ في مجاعة ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ الإِثْم﴾ هذا بمعنى غير باغ ولا عَادٍ وقد تقدّم في البقرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ قام مقام فلا جناح عليه، وتضمن زيادة الوعد ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ سببها أن المسلمين سألوا رسول الله وَ﴿ عمّا يحلّ لهم من المأكل وقيل لما أمر رسول الله وَل بقتل الكلاب، سألوه ماذا يحلّ لنا من الكلاب فنزلت مبيّنة للصيد بالكلاب ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيْبَاتُ﴾ هي عند مالك الحلال، وذلك مما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سُنّة وعند الشافعي الحلال المستلذ، فحرّم كل مستقذر كالخنافس وشبهها لأنها من الخبائث ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ﴾ عطف على الطيّبات على حذف مضاف تقديره وصيد ما علّمتم، أو مبتدأ وخبره فكلوا مما أمسكن عليكم وهذا أحسن، لأنه لا خلاف فيه، والجوارح هي الكلاب ونحوها مما يصطاد به وسُمّيت جوارح لأنها كواسب لأهلها، فهو من الجرح بمعنى الكسب ولا خلاف في جواز الصيد بالكلاب، واختلف فيمن سواها وذهب الجمهور الجواز للأحاديث الواردة في البازات وغيرها، ومنع بعض ذلك لقوله: ﴿مكلّبين﴾، فإنه مشتق من الكلب الكلب ونزلت الآية بسبب عديّ بن حاتم، كان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله دليه عمّا يحلّ من الصيد ﴿مُكَلْبِينَ﴾ أي معلمين للكلاب الاصطياد، وقيل معناه أصحاب كلاب وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في علمتم ويقتضي قوله علمتم ومكلبين أنه لا يجوز الصيد إلاّ بجارح معلّم، لقوله وما علّمتم وقوله مكلبين على القول الأول لتأكيده ذلك التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ١٥ ٢٢٦ تفسيرا سورة المائدة مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ لَسْمَ الَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُواْ اللَّهُ: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحَانِ ﴿ اَلْيَوْمَ أَبِّ لَكُمُ الطَّيِّبَثُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُّكُمْ حِلٌّ لَّ وَاَلْمُحْصَنَتُّ فِى الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُصَنَُّ بقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾، وحدّ التعليم عند ابن القاسم أن يعلم الجارح الإشلاء والزجر، وقيل الإشلاء خاصّة، وقيل الزجر خاصّة، وقيل أن يجيب إذا دعى ﴿تُعَلْمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي تعلّمونهنّ من الحيلة في الاصطياد وتأتي تحصيل الصيد، وهذا جزء منها علّمه الله الإنسان، فمن للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية والجملة في موضع الحالة أو استئناف ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الأمر هنا للإباحة ويحتمل أن يريد مما أمسكن، سواء أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك،، ويحتمل أن يريد مما أمسكن ولم يأكل منه، وبذلك فسّره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بقوله: ((فإن أكل منه فلا تأكل؛ فإنه إنما أمسك على نفسه))، وقد أخد بهذا بعض العلماء، وقد ورد في حديث آخر إذا أكل فكل، وهو حجّةٍ لِمالك ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هذا أمر بالتسمية على الصيد، ويجري الذبح مجراه، وقد اختلف الناس في حكم التسمية، فقال الظاهرية إنها واجبة حملاً للأمر على الوجوب، فإن تركت التسمية عمدًا أو نسيانًا، أنها تؤكل عندهم وقال الشافعي أنها مستحبة، حملاً للأمر على الندب وتؤكل عنده، سواء تركت التسمية عمدًا أو نسيانًا، وجعل بعضهم الضمير في عليه عائدًا على الأكل فليس فيها على هذا أمن بالتسمية على الصيد ومذهب مالك أنه إن تركت التسمية عهدًا لم تؤكل، وإن تركت نسيانًا أكلت فهي عنده واجبة مع الذّكر، ساقطة مع النسيان ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ معنى حلّ: حلال، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، واختلف في نصارى بني تغلب من العرب، وفيمن كان مسلمًا ثم ارتد إلى اليهودية أو النصرانية؟ هل يحلّ لنا طعامهم أم لا، ولفظ الآية يقتضي الجواز لأنهم من أهل الكتاب، واختلف في المجوس والصابئين، هل هم أهل كتاب أم لا؟ وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام أحدها. الذبائح وقد اتفق العلماء على أنها مُرادة في الآية، فأجازوا كل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرّم عليهم في دينهم، هل يحلّ لنا أم لا على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة، وهذا الاختلاف مبني على هل هو من طعامهم أم لا فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه جاز، وإن أُريد به ما يحلّ لهم منع، والكراهة توسّط بين القولين القسم الثاني ما لا محاولة لهم فيه كالقمح والفاكهة فهو جائز لنا باتفاق، والثالث ما فيه محاولة: کالخين، وتعصير الزيت، وعقد الجبن وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه، فمتعه ابن عباس ٢٢٧ تفسير سورة المائدة مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِآلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِنَ (٥) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصّة، ولأنه يمكن أن يكون نجسًا، وأجازه الجمهور، لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، هذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، فأما إذا تحقّقنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً وقد صنّف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال إنه ينجس البائع والمشتري والآلة، لأنهم يعقدونه بأنفحة الميتة، ويجري مجرى ذلك الزيت إذا علمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة ﴿وطَعَامُكُمْ حِلِّ لَّهُمْ﴾ هذه إباحة للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم ﴿والمُخْصَنَاتُ﴾ عطف على الطعام المحلّل، وقد تقدّم أن الإحصان له أربعة معانٍ: الإسلام، والتزوّج، والعفّة، والحرية. فأما الإسلام فلا يصحّ هنا لقوله من ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وأما التزوّج فلا يصحّ أيضًا لأن ذات الزوج لا تحلّ لغيره، ويحتمل هنا العفّة والحرية، فمَن حمله على العفّة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواء كانت حرّة أو أمَة، ومَن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرّة ومنع الأمّة، وهو مذهب مالك، ولا تعارض بين هذه الآية. وبين قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشرِكات﴾ [البقرة: ٢٢١] لأن هذه في الكتابيات، والأخرى في المشركات، وقد جعل بعض الناس هذه ناسخة لتلك، وقيل بالعكس، وقد تقدّم ﴿فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ﴾ [النساء: ٢٤، والطلاق: ٦] ومعنى الأخدان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاَةِ﴾ الآية: نزلت في غزوة المريسيع، حين انقطع عقد عائشة رضي الله عنها، فأقام الناس على التماسه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت الرخصة في التيمّم، فقال أسيد بن حضير ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر، ولذلك سُمّيت الآية آية التيمّم، وقد كان الوضوء مشروعًا قبلها، ثابتًا بالسُّنّة، وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا ويقتضي ظاهرها وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة ومذهب الجمهور أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال: الأول أن وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخ بفعل رسول الله وَل و إذا صلّى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، والثاني أن ما تقتضيه الآية من التجديد يحمل على الندب، والثالث أن تقديرها إذا قمتم محدثين فإنما يجب على مَن أحدث، والرابع أن تقديرها إذا قمتم من النوم ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ﴾ ذكر في ٢٢٨ تفسير سورة المائدة وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ وَإِن كُنْتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ هذه الآية. أربعة أعضاء اثنين محدودين، وهما اليدان والرجلان واثنين غير محدودين وهما الوجه والرأس أما المحدودان فتغسل اليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين وجوبًا بإجماع، فإن ذلك هو الحدّ الذي جعل الله لهما، واختلف هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع الرجلين أم لا، وذلك مبني على معنى إلى، فمَن جعل إلى بمعنى مع في قوله إلى المرافق وإلى الكعبين أوجب غسلهما ومَن جعلها بمعنى الغاية لم يوجب غسلهما؛ واختلف في الكعبين، هل هما اللذان عند معقد الشراك أو العظمان الناتئان في طرف الساق، وهو أظهر لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند معقد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق، لأنه على ذلك في كل رجل كعب واحد وأما غير المحدودين، فاتفق على وجوب إيعاب الوجه. وحدّه طولاً من أول منابت الشعر إلى آخر الذقن أو اللحية، وحدّه عرضًا من الأُذُن إلى الأَذُن وقيل من العذار إلى العذار، وأما الرأس، فمذهب مالك وجوب إيعابه كالوجه، ومذهب كثير من العلماء جواز الاقتصار على بعضه، لما ورد في الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مسح على ناصيته، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يجزىء على أقوال كثيرة ﴿وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ اختلف في هذه الباء فقال قوم إنها للتبعيض وبنوا على ذلك جواز مسح بعد الرأس، وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية وقال القرافي إنها باء الاستعانة التي تدخل على الآلات وأن المعنى امسحوا أيديكم برؤوسكم، وهذا ضعيف لأن الرأس على هذا ما مسح لا ممسوح، وذلك خلاف المقصود، وقيل إنها زائدة وهو ضعيف، لأن هذا ليس موضع زيادتها والصحيح عندي أنها باء الإلصاق التي توصل الفعل إلى مفعوله لأن المسح تارة يتعدّى بنفسه، وتارة بحرف الجرّ: كقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بالسُّوقِ والأغْنَاق﴾ [ص: ٣٣] ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ قرىء وأرجلكم بالنصب عطفًا على الوجوه والأيدي فيقتضي ذلك وجوب غسل الرجلين، وقرىء بالخفض فحمله بعضهم على أنه عطف على قوله برؤوسكم، فأجاز مسح الرجلين، رُوِيَ ذلك عن ابن عباس، وقال الجمهور لا يجوز مسحهما بل يجب غسلهما وتأوّلوا قراءة الخفض بثلاثة تأويلات أحدها أنه خفض على الجوار لا على العطف والآخر أنه يراد به المسح على الخُفّين، والثالث أن ذلك منسوخ بالسُّنّة. والفرق بين الغسل والمسح أن المسح إمرار اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء، والغسل عند مالك إمرار اليد بالماء، وعند الشافعي إمرار الماء، وإن ٢٢٩ تفسير سورة المائدة أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَّهُ الَّذِى وَانَقَكُمْ بِهِ=َ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً وَأَتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٧ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (ْهَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (١) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوا يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ ١٠ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلْجَحِيمِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَعَلَى وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ﴾ ﴾ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم لم يدلك باليد ﴿وَإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ تقدّم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ ليجعلَ عَلَيْكُم من حَرَج﴾ أي من ضيق ولا مشقّة كقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((دين الله يُسْر))، وباقي الآية تفضّل من الله على عباده ورحمة وفي ضمن ذلك ترغيب في الطهارة وتنشيط عليها ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ هو ما وقع في بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قال المسلمون فيه سمعنا وأطعنا ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ تقدّم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿وَلاَ يَجْرِمَنْكُمْ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ في سببها أربعة أقوال: الأول أن النبي ◌َّ ذهب إلى بني النضير من اليهود، فهمّوا أن يصبوا عليه صخرة يقتلونه بها، فأخبره جبريل بذلك فقام من المكان ويقوّي هذا القول ما ورد في الآيات بعد هذا في غدر اليهود، والثاني أنها نزلت في شأن الأعرابي الذي سلّ السيف على رسول الله وَالر حين وجده في سفر وهو وحده وقال له مَن يمنعك منّي قال الله فأغمد السيف وجلس واسمه غورث بن الحارث الغطفاني، والثالث أنها فيما هم به الكفّار من الإيقاع بالمسلمين حين نزلت صلاة الخوف، والرابع أنها على الإطلاق في دفع الله الكفّار عن المسلمين ﴿اثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم ﴿إنّي مَعَكُمْ﴾ أي بنصري، والخطاب لبني إسرائيل، وقيل للنقباء ٢٣٠ تفسير سورة المائدة: بِرُمُلِ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عِشَكُمْ سَمِئَاتِكُمْ وَلَأُدْ خِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن ◌َحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَاَِ مِنْكُمْ فَقَدْ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّشَفَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَدْسِيَةً. ١٢ مَضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ يُحَرْفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَقَُّا مِمَا ذُكِّرُواْ بِهِ، وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَلِفَتِ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمَّ فَأَهْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُبُّ الْمُحْسِنِينَ (﴾ وَمِوَ الَّذِينَ قَالُوَأْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَقًِّا تِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَلَغْرََّا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ الأَمَّا يَكَأَهْلَ الْحِكِتَبِ قَدْ جَآءَ عُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنٌ لَكُمْ كَثِرًا مِمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَآءُكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَمِكِتَبُ (٢) يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُمَمِنَ مِيدٌ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيمٍ إلَ لَّقَدْ كَفَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْهَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَأَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَّتِ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ اختلف هل أُريد تحريف الألفاظ أو المعاني ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَِّعُ عَلَى خَائِنَةٍ منهُمْ﴾ أي علی خیانة فهو مصدر کالعاقبة، وقيل على طائفة خائنة، وهو إخبار بأمر مستقبل ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ منسُوحَ بالسيف والجزية ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَّنَى﴾ أي ادعوا أنهمْ أنصار الله، وسمّوا أنفسهم بذلك ثم كفروا بالله ووصفوه بما لا يليق به، وتتعلق من الذين بأخذنا ميثاقهم والضمير عائد على النصارى ﴿فَأَقْرَنِتًا﴾ أي أثبتنا والضقنا، وهو مأخوذ عمرٌ الإغراء. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ في الموضعين يعمّ اليهود والنصارى وقيل إنها غزلت: بسبب الجهود الذين كانوا بالمدينة فإنهم كانوا يذكرون رسول الله *، ويصفونه بصفته فلما حلّ بالمدينة كفروا به ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني محمدًا بَل ◌َه وفي الآية دلالة على صحة نبوته لأنه یین لهم ما أخفوهة منها في كتبهم، وهي أي لم يقرأ كتبهم ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيْرٍ﴾ أي يتركه ولا يفضحكم فيه ﴿تُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ محمد نَّه والقرآن. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْتًا﴾. ٢٣١ تفسير سورة المائدة وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (١) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْكُواْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءٍ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَآءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ اُلُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيِّرٍ فَقَدْ جَاءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيْرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوَكًا وَءَاتَنْكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًّاً مِّنَ اْلْعَلَمِينَ (٤) يَقَّوْمِ أَدْخُلُواْ أَلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْئَدُواْ عَلَى أَذْبَارِكُمْ فَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ (أَ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَا دَاخِلُونَ ﴿٨َ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَّ فَإِذَا الآية: ردّ على الذين قالوا إن الله هو عيسى، وهم فرقة من النصارى ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ إشارة إلى خلقه عيسى من غير والد ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى﴾ أي قالت كل فرقة عن نفسها إنهم أبناء الله وأحباؤه والبنوّة هنا بنوّة الحنان والرأفة، وقال الزمخشري المعنى: نحن أشياع أبناء الله عندهم، وهما المسيح وعزير كما يقول حشم الملوك نحن الملوك ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم﴾ رد عليه، لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أيامًا معدودات، وقد أخذ الصوفية من الآية أن المحبّ لا يعذّب حبيبه، ففي ذلك بشارة لمَن أحبه الله ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ قيل جعل منكم ملوكًا أي أمراء، وقيل الملك مَن له مسكن وامرأة وخادم ﴿مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مُنَ الْعَالَمِينَ﴾ قيل يعني المن والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات، وعلى هذا يكون العالمين خاصًّا بأهل زمانهم، لأن أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أُوتيت من آياته مثل ذلك وأعظم، وقيل المراد كثرة الأنبياء، فعلى هذا يكون عامًّا، لأن الأنبياء في بني إسرائيل أكثر منهم في سائر الأمم ﴿الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل الطور، وقيل دمشق ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي قضى أن تكون لكم ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ﴾ يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة والرجوع إلى الطريق الذي جاؤوا منه فإنه رُوِيَ أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبّارين الذين فيها، وهمّوا أن يقدّموا على أنفسهم رئيسًا ويرجعوا إلى مصر ﴿قَوْمَا جَبَّرِينَ﴾ هم العمالقة ﴿قَالَ رَجُلاَنِ﴾ هما يوشع وكالب ﴿يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقيل يخافون الجبّارين، ولكن الله أنعم عليهما بالصبر والثبوت لصدق إيمانهما ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي باب المدينة ٢٣٢ تفسير سورة المائدة (٣) قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّا لَن دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَُّواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ تَّدْ خُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا قَعِدُونَ (ج) قَالَ رَبِّ إِنِ لَّ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقَوْمِ اَلْفَسِقِينَ ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿ وَأَتَّلُ عَلَهِمْ تَبَأَ (٢٦ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِّ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ولكن نقول لك اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ﴿لاَ أَمْلِكُ إلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ قاله موسى عليه السلام ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله وإعراب أخي عطف على نفسي لأن أخاه هارون كان يطيعه، وقيل عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا إلاّ نفسي ولا يملك أخي إلّ نفسه، وقيل مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا يملك إلا نفسه ﴿فَاقْرُقْ بَيْتَنَا﴾ أي فارق بيننا وبينهم فهو من الفرقة، وقيل افصل بيننا وبينهم بحكم ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ﴾ الضمير في قال الله تعالى، وحرّم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة وتركهم في هذه المدّة يتيهون في الأرض أي في أرض التّيه وهو ما بين مصر والشام حتى مات كلّ مَن قال: ﴿إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا﴾. ولم يدخلها أحد من ذلك الجيل إلاّ يوشع وكالب ومات هارون في التّيه ومات موسى بعده في التّه أيضًا. وقيل إن موسى وهارون لم يكونا في التّيه، لقوله: ﴿فَاقْرُقْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وخرج يوشع بني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتل الجبّارين، وفتح المدينة، والعامل في أربعين: محرّمة على الأصح، فيجب وصله معه وقيل العامل فيه يتيهون فعلى هذا يجوز الوقف على قوله: ﴿مُحَرّمة عَلَيهم﴾، وهذا ضعيف لأنه لا حامل على تقديم المعمول هنا مع أن القول الأول أكمل معنی لأنه بیان لمدّة التحريم والتّيه ﴿یَتیھُونَ﴾ أي یتحیرون، ورُوي أنهم کانوا یسیرون الليل كله، فإذا أصبحوا وجدوا أنهم في الموضع الذي كانوا فيه ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ أي لا تحزن والخطاب لموسى، وقيل لمحمد وَّ*). ويراد بالفاسقين مَن كان في عصره من اليهود ﴿نَبَأَ ابْتَيْ آدَمَ﴾ هما قابيل وهابيل ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ رُوِيَ أن قابيل كان صاحب زرع فقرّب أرذل زرعه، وكان هابيل صاحب غنم فقرّب أحسن كبش عنده، وكانت العادة حينئذ أن يقرّب ٢٣٣ تفسير سورة المائدة لَبِنْ بَسَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِنَّ ٢٧ يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ) إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ ٢٨ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ـَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُُ قَثْلَ أَخِيهِ فَقَنَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ جَزَاؤُأُ الظَّالِمِينَ ٢٩ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيةٍ قَالَ يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ ) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ ٣١ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ الإنسان قربانه إلى الله ويقوم يصلّي، فإذا نزلت نار من السماء وأكلت القربان فذلك دليل على القبول وإلاّ فلا قبول، فنزلت النار فأخذت كبش هابيل ورفعته وتركت زرع قابيل فحسده قابيل فقتله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ استدلّ بها المعتزلة وغيرهم على أن صاحب المعاصي لا يتقبل عمله، وتأوّلها الأشعرية بأن التقوى هنا يراد بها تقوى الشرك ﴿لَيْنِ بَسَطتّْ إلى يَدَكَ﴾ الآية، قيل معناها لئن بدأتني بالقتال لم أبدأك به، وقيل إن بدأتني بالقتال لم أدافعك، ثم اختلف على هذا القول هل تركه لدفاعه عن نفسه تورّعًا وفضيلة؟ وهو الأظهر والأشهر، وكان واجباً عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه وهو قول مجاهد، وأما في شرعنا فيجوز دفع الإنسان عن نفسه بل يجب ﴿إنّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وإِثْمِكَ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخيير في أهون الشرّين كأنه قال إن قتلتني، فذلك أحبّ إليّ من أن أقتلك كما ورد في الأثر كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، وأما قوله: ﴿بِإِثْمِي وإِثْمِك﴾ فمعناه بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما يحمل القاتل الإثمين، لأنه ظالم، فذلك مثل قوله وَ لجر: ((المتسابان ما قالا فهو على البادىء))، وقيل بإثمي: أي تحمل عني سائر ذنوبي، لأن الظالم تجعل عليه في القيامة ذنوب المظلوم، وبإثمك أي في قتلك لي، وفي غير ذلك من ذنوبك ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام هابيل، أو استئنافًا من كلام الله تعالى ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ الآية: رُوِيَ أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث عن التراب ويواري الميت، وقيل بل كان غرابًا واحدًا يبحث ويلقي التراب على هابيل ﴿سَوْءَةً أَخِيهِ﴾ أي عورته وخصّت بالذكر، لأنها أحقّ بالستر من سائر الجسد والضمير في أخيه عائد على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن هابيل كان أول مَن دُفِنَ من بني آدم ﴿قَالَ یَا وَيْلَتَا﴾ أصله يا ويلتي، ثم أبدل من الياء ألف وفتحت التاء وكذلك يا أسفي. ويا حسرتي ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على ما وقع فيه من قتل أخيه، واختلف في قابيل هل كان كافرًا أو عاصيًا، والصحيح أنه لم يكن في تلك المدة كافرًا لأنه قصد التقرّب إلى الله بالقربان، ٢٣٤ تفسير سورة المائدة إِسْرَاءِ يَ أَنَّهُ مَنْ قَتْلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسِ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَ قَتَلَ النَّاسَ جَيِمِيعًا وَمَنْ أَعْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً وَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِلَبِشَيْتِ ثُمَّيِنَّ كَثِيرًا إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُخَارِبُونَ: لَوَرَ سُولَهُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ الَإِ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَنَبُوْ أَوْ تُقَطَعَ أَيْدِ يهِمْ وَرَُّلُهُمْ ثِّ ◌ِلَِّ وأصبح هنا وفي الموضع عبارة عن جميع الأوقات لا مختصّة بالصباح ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِلٌ﴾ يتعلق بكتبنا، وقيل بالنادمين، وهو ضعيف ﴿كَتَبْنَا على بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي فرضنا عليهم أو كتبناه في كتبهم ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ معناه من غير أن يقتل نفسًا يجب عليه القصاص ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ يعني الفساد الذي يجب به القفل كالحرابة ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَ القَّاسَ جَمِيعًا﴾ تمثيل قاتل الواحد بقاتل الجميع يتصوّر من ثلاث جهات إحداها القصاص، فإن القصاص في قاتل الواحد والجميع سواء. الثانية انتهاك الحرمة والإقدام على الخطفيان، والثالثة الإثم والعذاب الأُخروي قال مجاهد: وعد الله قاتل النفس بجهنم والخلود فيها، والغضب واللعنة والعذاب العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ذلك، وهذا الوجه هو الأظهر» لأن القصد بالآية: تعظيم قتل النفس والتشديد فيه لينزجر الناس عنه)) وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه وإحياؤها هلوا إنقاذها من المونث كإنقاذ الحريق أو الغريق وشبه ذلك وقيل ◌ُترك قتلها، وقيل بالعفو إذا وجب القصاص ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾ الضمير لبني إسرائيل. والمعنى تقبيح أفعالهم،ترقي ذلك إشارة إلى ما همّوا به من قتل رسول الله وَل﴿ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ للَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية: سببها، عند ابن عباس أن قومًا من اليهود كان بينهم وبين رسول الله، وَل عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وقال جماعة نزلت في نفر من عنكل وعرينة أسلموا ثم إنهم قتلوا راعي النبي: 8 10 وأخذوا إِذله ثم حكمها بعد ذلك في كل محارب، والمحاربة عند مللك هي حهل المستالاخ على الناس في بلد أو في خارج بلد، وقال أبو حنيفة لا يكون المحارب إلاّ خارج البائدة وقوله: ﴿يُحَارِبُون اللَّهَ﴾: تغليظ ومبالغة، وقال بعضهم تقديره يخاربون رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وذلك ضعيف، لأن الرسول عليه الصلاةوالسلام ذكر بعد ذلك وقيل يحاربون عباد الله وهو أحسن ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ بيان للخرابة وهي علىّ درجات أدناها إخافة الطريق ثم أخذ المال، ثم قتل النفس ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الصلب مضاف إلى القتل وقيل يقتل ثم يصلب ليزاه أهل الفساد فينزجروا، وهو قوله أشهر، وقيل يصلب حيًّا، ويقتل على الخشبة، وهو قول ابن قاسم ﴿أَو تُقَطَّعَ أنْدِيهِمْ وَأَوْجُلُهُم مِّنْ ٣٣٥ تفسير سورة المائدة ٣٣ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنِّيّاً وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَّهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (ج) يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْأَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ خِلافٍ﴾ معناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد: قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد عند مالك والجمهور من الرسغ، وقطع الرجل من المفصل، وذلك في الحرابة وفي السرقة ﴿أَوْ يُنْقَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ مشهور مذهب مالك أن ينفى من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وروى عنه مطرف أنه يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة، وقيل يُنفَى إلى بلد آخر دون أن يُسجَن فيه، ومذهب مالك أن الإمام مُخَيَّر في المحارب بين أن يقتله ويصلبه، أو يقتله ولا يصلبه أو يقطع يده ورجله، أو ينفيه، إلاّ أنه قال إن كان قتل فلا بدّ من قتله، وإن لم يقتل، فالأحسن أن يأخذ فيه بأيسر العقاب، وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتبة فَمَنْ قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومَن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومَن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومَن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي، وحجّة مالك عطف هذه العقوبات بأو التي تقتضي التخيير ﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ هو العقوبة، وعذاب الآخرة النار وظاهر هذا أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفّارة للمحارب، بخلاف سائر الحدود، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمَن عُوقِبَ فيها، والعذاب في الآخرة لمَن لم يعاقب ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قيل هي في المشركين وهو ضعيف، لأن المشرك لا يختلف حكم توبته قبل القدرة عليه وبعدها، وقيل هي في المحاربين من المسلمين وهو الصحيح، وهم الذين جاءتهم العقوبات المذكورة، فمَن تابَ منهم قبل أن يقدر عليه، فقد سقط عنه حكم الحرابة لقوله: فاعلموا أن الله غفور رحيم واختلف يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أولاً؟ فوجه المطالبة بها أنها زائدة على حدّ الحرابة التي سقطت عنه بالتوبة، ووجه إسقاطها إطلاق قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي ما يتوسّل به ويتقرّب به إليه من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ إن قيل لِمَ وحّد الضمير وقد ذكر شيئين وهما ما في الأرض ومثله؟ فالجواب أنه وضع المفرد في موضع الاثنين، وأجرى الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال ليفتدوا بذلك، أو تكون الواو بمعنى مع ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي ٢٣٦ تفسير سورة المائدة وَمَاهُمْ بِخَرِحِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ،وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْ اْ أَيْدِ يَهُمَا جَزَآءٌ ٣٧ بِمَا كَسَبَانَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ * يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالْوَاْءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ دائم، وكذلك نعيم مقيم ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ عموم الآية يقتضي قطع كل سارق إلاّ أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطًا خصّصوا بها العموم، فمن ذلك مَن اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك لتحليل الميتة له، وكذلك مَن سرق مال والده أو سيده، أو مَن سرق من غير حرز، أو سرق أقلّ من النصاب، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما، وأدلّة التخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية، وقد قيل إن الحرز مأخوذ من هذه الآية، لأن ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة، وإعراب السارق عند سيبويه مبتدأ، وخبره محذوف: كأنه قال فيما يُتْلَى عليكم السارق والسارقة، والخبر عند المبرّد وغيره فاقطعوا أيديهما، ودخلت الفاء لتضمّنها معنى الشرط ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الآية: توبة السارق هو أن يندم على ما مضى، ويُقلِع فيما يستقبل، ويردّ ما سرق إلى مَن يستحقه، واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم، هل يسقط عنه القطع وهو مذهب الشافعي لظاهر الآية؟ أو لا يسقط عنه وهو مذهب مالك لأن الحدود عنده لا تسقط بالتوبة إلّ عن المحارب للنص عليه ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ قدّم العذاب على المغفرة لأنه قوبل بذلك تقدّم السرقة على التوبة. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ الآية: خطاب للنبي وََّ على وجه التسلية ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَقْوَاهِهِمْ﴾ هم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على الذين قالوا آمنا، ثم يكون سمّاعون استئناف إخبار عن الصنفين المنافقين واليهود، ويحتمل أن يكون من الذين هادوا: استئنافًا منقطعًا مما قبله، وسمّاعون راجع إليهم خاصة ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمِ آخَرِينَ﴾ أي سمّاعون كلام قوم آخرين من اليهود الذين لا يأتون النبي وَ ◌ّوَ الإفراط البغضة والمجاهرة بالعداوة، فقوله: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفة لقوم آخرين، والمراد بالقوم الآخرين يهود ٢٣٧ تفسير سورة المائدة مَوَاضِعِةِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِثُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمَّ يُرِدِ اَللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِ الذُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤) سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ فَإِن جَآءُ ولَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَإِن تُعْرِضِ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوَكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ أَـ حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَّلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ بِمَا خيبر، والسمّاعون للكذب بنو قريظة ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي يبدّلونه من بعد أن يوضع في موضعه، وقصدت به وجوهه القويمة، وذلك من صفة اليهود ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ نزلت بسبب أن يهوديًّا زنى بيهودية فسأل رسول الله وَّر اليهود عن حدّ الزاني عندهم فقالوا نجلدهما ونحمم وجوههما. فقال لهم رسول الله وَّر: ((إن في التوراة الرجم))، فأنكروا ذلك، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فقرؤوها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم فأمر رسول الله وله باليهودي واليهودية فرجما، فمعنى قولهم: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ إن أُوتيتم هذا الذي ذكرتم من الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ واعملوا به، ﴿وَإِنْ لَّمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وأفتاكم محمد ◌َّلـ بغيره ﴿فَاحْذَرُوا﴾ ﴿فِتْنَتَهُ﴾ أي ضلالته في الدنيا أو عذابه في الآخرة ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ الذلّة والمسكنة والجزية ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبٍ﴾ إن كان الأول في اليهود فكرّرها هنا تأكيدًا، وإن كان الأول في المنافقين واليهود فهذا في اليهود خاصّة ﴿أَكَالُونَ لِلسُّختِ﴾ أي للحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك ﴿فَاحْكُمْ بَيْتَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ هذا تخيير للنبي وَّ في أن يحكم بين اليهود أو يتركهم وهو أيضًا يتناول الحاكم، وقيل إنه منسوخ بقوله: ﴿وَأَن أُخْكُم بَينَهِم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ الآية: استبعاد لتحكمهم النبي ◌َِّ وهم لا يؤمنون به، مع أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها، فمعنى ثم يتولّون من بعد ذلك أي يتولّون عن اتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله فيها موجودًا عندهم ومعلومًا في قضية الرجم وغيرها ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى عليه السلام، وهذا إلزام لهم لأن مَن خالف كتاب الله وبدله فدعواه الإيمان به باطلة ﴿النَِّيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد ◌َّل، ومعنى ٢٣٨ تفسير سورةالمائدة: أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءُ فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَ تَشْتَرُواْ بِفَاتَّتِى ثَمَتَا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ (١) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْرَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُبِتَ بِلْأُذُنٍ وَالتَّنَّ بِأَلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَارَةٌ لَّهُ, وَمَن ◌َّمْ يَحْكُمْ بِمَنْ أَنْزَّلَ أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أُريد بُه التعريض باليهود لأنهم بخلاف هذه الصفة، وليس المراد هنا الإسلام الذي هو ضدّ الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم أسلموا على هذا المعنى، لأنهم لم يكفبروا قطّ، وإنما هو كقول إبراهيم عليه السلام:" أسلمت لربّ العالمين، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متغلق بيحكم أي يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هنادوا، ويحملونهم عليها، ويتعلق بقوله فيها هدى ونور ﴿بِمَا اسْتُشْفِظُوا﴾ أي كُلّفوا حفظه، والباء هنا سببية قاله الزمخشري، ويحتمل أن تكون بدلاً من المجرور في قوله يحكم بها، ﴿فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ ومنا بعده خطابًا الليهوة، ويحتمل أن تكون وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود، لأن ذلك من أفعالهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَّلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس نزلت الثلاثة في اليهود :! الكافرون، والظالمون، والفاسقون، وقد رُوِيّ في هذا أحاديث عن النبي بَلَرَ، وقال جماعة هي عامّة في كل مَن لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلاّ أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان، وقال الشافعي: الكافرون في المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ كتبنا. بمعنى الكتابة في الألواح، أو بمعنى الفرض والإلزام، والضمير في عليهم لبني إسرائيل، وفي قوله فيها للتوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنّفْسِ﴾ أي تقتل النفس إذا قتلت نفسنا، وهذا إخبار عِمّا. في التوراة وهو حكم في شريعتنا بإجماع، إلاّ أن هذا اللفظ عامّ، وقد خصّص العلماء: منه، أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر للحديث الوارد في ذلك ولا يقتل حزّ بعبد، لقوله الحرّ بالحرّ والعبد بالمعبد، وقد تقدّم الكلام على ذلك في البقرة ﴿والعَهَنَّ بِالعَينِ﴾ وما يعِدِهِ. حكم القصاص في الأعضاء، والقراءة بنصب العين وما بعده عطف على النفس،، وقرىء .. بالرفع ولها ثلاثة أوجه: أحدها العطف على موضع النفس لأن المعنى قلنا لهم التفيس بالنفس والثاني العطف على الضمير الذي في الخبر وهو بالنفس، والثالث أن يكون مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء ﴿والجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ بالنصب عطف على المنصوبات قبله، وبالرفع على الأوجه الثلاثة التي في رفع العين، وهذا اللفظ عامّ يُراد به الخصوص في الجراح التي لا: ٢٣٩ تفسير سورة المائدة اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَىّ ءَاثَرِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ أَلْإِ نِجِيلَ فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَةٌ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَخْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكِكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْفَسِقُونَ () وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعَ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَلَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن لِّيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَسْتَبِقُواْ اَلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤) وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّآَ يخاف على النفس منها ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما مَن تصدّق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه، فذلك كفارة له يكفّر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقّه، والثاني مَن تصدّق وعفا فهو كفّارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه، فالضمير في له على التأويل الأوّل يعود على من التي هي كناية عن المقتول أو المجروح، أو الولي، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ذكر ولكن سياق الكلام يقتضيه، والأوّل أرجح لعود الضمير على مذكور، وهو من، ومعناها واحد على التأويلين، والصدقة بمعنى العفو على التأويلين، إلاّ أن التأويل الأول بيان لأجْر مَن عفا، وترغيب في العفو، والتأويل الثاني: بيان لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عفى عنه ﴿مُصَدِّقًا لَّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قد تقدّم معنى مصدّق في البقرة، ولما بين يديه: يعني التوراة، لأنها قبله، والقرآن مصدّق التوراة والإنجيل، لأنهما قبله، ومصدّقًا: عطف على موضع قوله فيه هدىّ ونور، لأنه في موضع الحال ﴿وَمُهَيْمنًا﴾ ابن عباس شاهدًا، وقيل مؤتمنًا ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ تضمن الكلام معنًى لا تنصرف أو لا تنحرف، ولذلك تعدّى بعن ﴿لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُم شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ابن عباس سبيلاً وسُنّة، والخطاب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الأمم، والمعنى أن الله جعل لكل أمة شريعة يتبعونها، وقد استدلّ بها مَن قال إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وذلك في الأحكام والفروع، وأما الاعتقاد، فالدين فيها واحد لجميع العالم، وهو الإيمان بالله، وتوحيده وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة ﴿فَاسْشَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ استدلّ به قوم على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا متّفق عليه في العبادات كلها، إلاّ الصلاة ففيها خلاف، فمذهب الشافعي أن تقديمها في أوّل وقتها أفضل، وعكس أبو حنيفة، وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل، واتفقوا أن تقديم ٢٤٠ تفسير سورة المائدة أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوَكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكٌّ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّهَا يُرِدُ اَللَّهُ أَنْ يُصِيَبِهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ (٤) أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ ﴿﴿ وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الُْهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ ٥٠ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حَكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَلَهُم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِينَ (٥] فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ ! وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِم ٥٢ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ المغرب أفضل ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْتَهُم﴾ عطف على الكتاب في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، أو على الحق في قوله: ﴿پالحقّ﴾، وقال قوم إن هذا وقوله قبله فاحکم بینھم ناسخ لقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم: أي ناسخ للتخيير الذي في الآية، وقيل إنه ناسخ للحكم بالتوراة، ونزلت الآية بسبب قوم من اليهود، طلبوا من رسول الله وَل# أن يحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقضي أن يحكم بينهم ﴿أَفَحُكْمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ توبيخ لليهود، وقرىء بالياء إخبارًا عنهم، وبالتاء خطابًا لهم ﴿لَّقَوْم يُوقِنُونَ﴾ قال الزمخشري اللام للبيان: أي هذا الخطاب لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتبين لَهم أنه لا أحسن من الله حكمًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءُ﴾ سببها موالاة عبد الله بن أُبيّ ابن سلول ليهود بني قينقاع، وخلع عبادة بن الصامت الحلف الذي كان بينه وبينهم، ولفظها عامّ، وحكمها باقٍ، ولا يدخل فيه معاملتهم في البيع والشراء وشبهه ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ تغليظ في الوعيد، فمَن كان يعتقد معتقدهم فهو منهم من كل وجه ومَن خالفهم في اعتقادهم وأحبّهم فهو منهم في المقت عند الله، واستحاق العقوبة ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ هم المنافقون والمراد هنا عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومَن كان معه ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ كان عبد الله بن أبيّ يوالي اليهود ويستكثرهم، ويقول إني رجل أخشى الدوائر ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ الفتح هنا هو ظهور النبي ◌َّ والمسلمين، والأمر من عنده: فهو هلاك الأعداء بأمراض عنده لا يكون فيه تسبب لمخلوق، أو أمر من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام بقتل اليهود ﴿فَيُضْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِينَ﴾ الضمير في فيصبحوا للمنافقين والذي أسروه هو قصدهم الاستعانة باليهود على المسلمين وإضمار العداوة للمسلمين ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرىء يقل بغير واو استئناف وإخبار، وقرىء بالواو والرفع وهو عطف جملة على جملة، وبالواو والنصب عطفًا على أن يأتي ٤