النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ تفسير سورة آل عمران الصَّبِرِينَ (١٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ الَ فَانَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاَللَّهُ يُحِبُ المُحْسِنِينَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى ١٤٨ أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ لَا بَلِ اللَّهُ مَوْلَئُكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ (٥) سَنُلْقِى فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَأْوَنُهُمُ ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم ١٥١ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ربانيين، وقيل جموع كثيرة ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ الضمير لربيون على إسناد القتل للنبي، وهو لم يَقِ منهم على إسناد القتل إليهم ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي لم يذلّوا للكفّار قال بعض النحاة: الاستكان مشتق من السكون، ووزنه افتعلوا مطلت فتحة الكاف فحدّث عن مطلها ألف وذلك كالإشباع، وقيل إنه من كان يكون، فوزنه استفعلوا، وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنوا﴾ وما بعده: تعريض لما صدر من بعض الناس يوم أُحُد ﴿وَثَبِّتْ أقْدَامَنَا﴾ أي في الحرب ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ النصر ﴿ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ الجنة ﴿إن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم المنافقون الذين قالوا في قضية أُحُد ما قالوا، وقيل مشركوا قريش وقيل اليهود ﴿الرُّغْبَ﴾ قيل ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأَحُد فرجعوا إلى مكة من غير سبب، وقيل لما كانوا ببعض الطريق همّوا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فأمسكوا، والآية تتناول جميع الكفّار لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: («نصرت بالرعب)) ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد وعد المسلمين عن الله بالنصر فنصرهم الله أولاً، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قد أمر الرماة أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا فلما رأوا المشركين قد انهزموا طمعوا في الغنيمة وأتبعوهم وخالفوا ما أُمِرُوا به من الثبوت في مكانهم فانقلبت الهزيمة على المسلمين ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ أي تقتلونهم قتلاً ذريعًا يعني في أول الأمر ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ وقع النزاع بين الرماة فثبت بعضهم كما أُمِرُوا ولم يثبت بعضهم ﴿وَعَصَيْتُم﴾ أي خالفتم ما أُمِرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالف بعضهم وعظًا للجميع، وسترًا على مَن فعل ذلك وجواب إذ محذوف تقديره: لانهزمتم ﴿مِنكُم مَّن يُريدُ التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ١١ ٠ ١٦٢ تفسير سورة آل عمران إِذْ ١٥٢) عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُونَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَنَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٤) ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنَكُمْ وَطَلَئِفَةٌ قَدْأَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيّرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَعْرٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌّ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا الدُّنْيَا﴾ الذين حرصوا على الغنيمة معه ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ معناه لينزل بكم ما نزل من القتل والتمحيص ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُم﴾ إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم لولا عفو الله عنهم، فمعناه لقد أبقى عليكم، وقيل هو عفو من الذنب ﴿إذ تُضْعِدُونَ﴾ العامل في إذ عفا، فيوصل إذ تصعدون مع ما قبله ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمر ﴿وَلاَ تَفْؤُونَ﴾ مبالغة في صفة الانهزام ﴿والرَّسُولُ يَذْهُوكُمْ﴾ كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول إليّ عباد الله وهم يفرّون ﴿في أُخْرَاكُمْ﴾ في سقایتکم وفيه مدح للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم فإن الأخرى هي موقف الأبطال ﴿فَآثابكُمْ﴾ أي جازاكم ﴿غَمَّا بِغَمْ﴾ قیل أثابكم غمًّا بسبب الغمّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى المؤمنين، إذ عصيتم وتنازعتم، وقيل أثابكم غمًّا متّصلاً بغمِّ، وأحد الغمّين: ما أصابهم من القتل والجراح والآخر ما أرجف به من قتل رسول الله وَلَ﴿ ﴿عَلَى مَا فَاتَكُم﴾ من النصر والغنيمة ﴿وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل والجراح والانهزام ﴿أمَنَةً تُعَاسًا﴾ قال ابن مسعود: نعسنا يوم أُحُد، والنعاس في الحرب أمان من الله ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ﴾ هم المؤمنون المخلصون، غشيهم النعاس تأمينًا لهم ﴿وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ هم المنافقون كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان، والمشركون ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ معناه يظنون أن الإسلام ليس بحق، وأن الله لا ينصرهم، وظن الجاهلية بدل وهو على حذف الموصوف تقديره ظن المودة الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية ﴿هَل لَّنَا مِن الأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ قالها عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، والمعنى ليس لنا رأي، ولا يسمع قولنا أو لسنا على شيء من الأمر الحق، فيكون قولهم على هذا كفرًا ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّ لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ يحتمل أن يريد الأقوال التي قالوها أو الكفر ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قاله معشب بن قشیر، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أُبيّ ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية: ردّ عليهم وإعلام بأن أجل ١٦٣ تفسير سورة آل عمران قُتِلْنَاهَاهُنَّأْ قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمٌ وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [٥) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اَللّهُ عَنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ (١٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ ◌ِنْدَنَا مَا مَا تُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمٌّ وَاللَّهُ يُحِىء وَيُمِثْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٥) وَلَيِن قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٢) وَلَيْن مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللَّهِ تُحْشَّرُونَ (٤٦) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ اُلْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمَّيِّ فَإِذَا كل إنسان إنما هو واحد، وأن مَن لم يقتل يموت لأجله، ولا يؤخّر، وأن مَن كُتِبَ عليه القتل لا ينجيه منه شيء ﴿وَلِيَبْتَلِي﴾ يتعلق بفعل تقديره فعل بكم ذلك ليبتلي ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا﴾ الآية: نزلت فيمن فرّ يوم أُحُد ﴿اسْتَزَلَّهُمْ﴾ أي طلب منهم أن يزلّوا، ويحتمل أن يكون معناه أزلهم: أي أوقعهم في الزلل ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها: بأن مكّن الشيطان من استزلالهم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار ﴿لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي المنافقين ﴿لإِخْوَانِهِمْ﴾ هي أخوة القرابة، لأن المنافقين كانوا من الأوس والخزرج وكان أكثر المقتولين يوم أَحُد منهم، ولم يقتل من المهاجرين إلاّ أربعة ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ﴾ أي سافروا وإنما قال إذا التي للاستقبال مع قالوا، لأنه على حكاية الحال الماضية ﴿أو كانوا غُزَّى﴾ جمع غازٍ وزنه فعل بضم الفاء وتشديد العين ﴿لَّوْ كَانُوا عِندَنَا﴾ اعتقاد منهم فاسد لأنهم ظنوا أن إخوانهنّ لو كانوا عندهم لم يموتوا ولم يقتلوا، وهذا قول مَن لا يؤمن بالقدر والأجل المحتوم ويقرب منه مذهب المعتزلة في القول بالأجلين ﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلق بقالوا. أي قالوا ذلك فكان حسرة في قلوبهم فاللام لام الصيرورة لبيان العاقبة ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قولهم واعتقادهم الفاسد الذي أوجب لهم الحسرة، لأن الذي يتيقن بالقدر والأجل تذهب عنه الحسرة ﴿وَاللَّهُ يُخْبِي وَيُمِيتُ﴾ رد على قولهم واعتقادهم ﴿وَلَيْن قُتِلْتُمْ﴾ الآية إخبار أن مغفرة الله ورحمته لهم إذا قتلوا وماتوا في سبيل الله خير لهم مما يجمعون من الدنيا ﴿وَلَئِنْ مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ الآية إخبار أن مَن مات أو قتل فإنه يحشر إلى الله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ ما زائدة للتأكيد لانفضوا أي تفرّقوا ﴿فَاغْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يختصّ بك واستغفر لهم فيما يختصّ بحق الله ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ المشاورة مأمور ١٦٤ تفسير سورة آل عمران عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِّينَ (٤٥) إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُ لَكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَلِ الْمُؤْمِنُونَ اللهَ وَمَا كَانَ لِيٍّ أَنْ يَغُلُّ وَمَنْ بها شرعًا، وإنما يشاور النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم الناس في الرأي في الحروب وغيرها لا في الأحكام الشرعية، وقال ابن عباس وشاورهم في بعض الأمر ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ على اللَّهِ﴾ التوكّل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرّات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما قوله: ﴿إن الله يحبّ المتوكّلين﴾، والآخر الضمان الذي في قوله: ومَن يتوكل على الله فهو حسبه، وقد يكون واجبًا لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكّلُوا إِنْ كنتِمُ مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣]، فجعله شرطًا في الإيمان، والظاهر قوله جلّ جلاله، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَتَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فإن الأمر محمول على الوجوب. واعلم أن الناس في التوكّل على ثلاثة مراتب: الأولى أن يعتمد العبد على ربه کاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، وقيامه بمصالحه، والثانية: أن يكون العبد مع ربّه كالطفل مع أمّه فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلاّ إليها، والثالثة أن يكون العبد مع ربّه: كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية، فصاحب الدرجة الأولى له حظّ من النظر لنفسه بخلاف صاحب الثانية وصاحب الثانية له حظّ من المراد والاختبار بخلاف صاحب الثالثة وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص الذي تكلمنا عليه قي قوله: ﴿وإلهُكُم إله واحد﴾، فهي تقوى بقوّته، وتضعف بضعفه، فإن قيل: هل يشترط في التوكّل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدهما: سبب معلوم قطعًا قد أجراه الله تعالى: فهذا لا يجوز تركه؛ كالأكل لدفع الجوع، واللباس لدفع البرد. والثاني سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبّه ذلك، فهذا لا يقدّم فعله في التوكّل لأن التوكّل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمَن قوي عليه، والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدّم فعله في التوكّل، ثم إن فوق التوكّل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكليّة، فإن المتوكّل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربّه، وأما المفوّض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدبّا مع الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِئَّبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾ هو من الغلول وهو أخذ الشيء خفية من المغانم وغيرها، وقرىء بفتح الياء وضم الغين، ومعناه تبرئة النبي * من الغلول، وسببها أنه فقدت من المغانم قطيفة خمراء، فقال بعض ١٦٥ تفسير سورة آل عمران يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَ تُوَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٤) هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ الَّـ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ (٦) أَوَ لَمَّآ أَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّاللَّهَ المنافقين: لعلّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أخذها، وقرىء بضم الياء وفتح الغين، أي ليس لأحد أن يغلّ نبيًّا: أي يخونه في المغانم، وخصّ النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورًا من الأمر لشنعة الحال مع النبي لأن المعاصي تعظم بحضرته، وقيل معنى هذه القراءة: أن يوجد غالاً كما تقول أحمدت الرجل، إذا أصبته محمودًا، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة، إلى معنى فتح الياء ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ وعيد لمَن غلّ بأن يسوق يوم القيامة على رقبته الشيء الذي غلّ، وقد جاء ذلك مفسّرًا في الحديث قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير لا ألفين أحدكم على رقبته فرس لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع لا ألفين أحدكم على رقبته صامت لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان)»، فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ الآية: فقيل إن الذي اتّبع رضوان الله. مَن لم يغلل، والذي باء بالسخط من غلّ، وقيل الذي اتّبع الرضوان: مَن استشهد بأحد، والذي باء بالسخط : المنافقون الذين رجعوا عن الغزو ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ ذووا درجات، والمعنى تفاوت بين منازل أهل الرضوان وأهل السخط أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ الآية إخبار بفضل الله على المؤمنين ببعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ معناه في الجنس واللسان، فكونه من جنسهم يوجب الأنس به، وقلّة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حُسْن ألفهم عنه، ولكونه منهم يعرفون حسبه وصدقه وأمانته صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ويكون، وهو صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ﴾ الآية. عتاب للمسلمين على كلامهم فيمَن أُصيب منهم يوم أُحُد ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف، والجملة معطوفة على ما تقدّم من قصة أُحُد أو على محذوف ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ قتل يوم أُحُد من المسلمين سبعون، وكان قد قتل من المشركين يوم بدر سبعون، وأُسِرَ سبعون ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ قيل معناه أنهم عوقبوا بالهزيمة ١٦٦ تفسير سورة آل عمران عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ◌ِهَا وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اُللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ () وَلِيَعْلَمْ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوٍ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الْثَ الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُ واْلَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَهُ واعَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ () وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٣٦) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ١٧٠ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ (٣) الَّذِينَ أَسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ لمخالفتهم رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم حين أراد أن يقيم بالمدينة ولا يخرج إلى المشركين فأبوا إلاّ الخروج، وقيل بل ذلك إشارة إلى عصيان الرماة حسبما تقدّم ﴿يَوْمَ الْتَّقَى الجَمْعَانِ﴾ أي جمع المسلمين والمشركين يوم أُحُد ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ الآية: كان رأي عبد الله بن أُبيّ ابن سلّول أن لا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: غضب عبد الله، وقال أطاعهم وعصانا، فرجع ورجع معه ثلاثمائة رجل، خمسين فمشى في أثرهم عبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري، وقال لهم ارجعوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، فقال له عبد الله بن أبيّ ما أرى أن يكون فقال، لو علمنا أنه يكون قتال لكنّا معكم ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ أي كثروا السواد، وإن لم تقاتلوا ﴿الذين قالوا﴾ بذل من الذين نافقوا، أو لإخوانهم في النسب، لأنهم كانوا من الأوس والخزرج ﴿قُلْ فَاذْرَهُوا﴾ أي ادفعوا المعنى ردّ عليهم ﴿بَل أَخْيَاءٌ﴾ إعلام بأن حال الشهداء حال الأحياء من التمتّع بأرزاق الجنة بخلاف سائر الأموات من المؤمنين فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ المعنى أنهم يفرحون بإخوانهم الذين بقوا في الدنيا من بعدهم لأنهم يرجون أن يستشهدوا مثلهم فينالوا مثل ما نالوا من الشهادة ﴿ألاّ خَوْفٌ﴾ في موضع المفعول أو بدل من الذين ﴿يَسْتَبْشِرُون﴾ كرّر ليذكر ما تعلق به من النعمة والفضل ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ صفة للمؤمنين أو مبتدأ وخبره ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ الآية، ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في اتّباع المشركين بعد غزوة أُحُد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحات ١٦٧ تفسير سورة آل عمران (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَأَتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ إِ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ الْ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (٣٢) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ ١٧٥ كُم مُؤْمِنِينَ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِ آلْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَّهَ إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَنِ لَن يَضُرُواْ وشدائد، فتجلدوا وخرجوا فمدحهم الله بذلك ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية: لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى حمراء الأسد بعد أُحُد: بلغ ذلك أبا سفيان فمرّ عليه ركب من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب على أن يثبطوا المسلمين عن اتّباع المشركين فخوّفوهم بهم، فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فخرجوا، فالناس الأول ركب عبد القيس، والناس الثاني مشركوا قريش وقيل نادى أبو سفيان يوم أُحُد: موعدنا ببدر في القابل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إن شاء الله فلما كان العام القابل: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي ليثبط المسلمين، فعلى هذا الناس الأول نعيم، وإنما قيل له الناس وهو واحد: لأنه من جنس الناس: كقولك ركبت الخيل إذا ركبت فرسًا ﴿فَزَادَهُم﴾ الفاعل ضمير المفعول، وهو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا قوّة يقينهم وثقتهم بالله ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره وهي التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، ومعنى حسبنا الله: كافينا وحده فلا نخاف غيره، ومعنى ونعم الوكيل: ثناء على الله وأنه خير مَن يتوكّل العبد عليه ويلجأ إليه ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي رجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر ﴿واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بخروجهم مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ المراد به هنا أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو سفيان أو إبليس، وذلكم مبتدأ، والشيطان خبره وما بعده مستأنف، أو الشيطان نعت وما بعده خبر ﴿يُخَوْفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أيّها المؤمنون أولياءه وهم الكفّار، فالمفعول الأول محذوف ويدلّ عليه قوله: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ﴾، وقرأ ابن مسعود وابن عباس يخوفكم أولياءه، وقيل المعنى يخوف المنافقين وهم أولياؤه من كفّار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف ﴿وَلاَ يَخْزُنْكَ﴾ تسلية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقرىء بفتح الياء وضمّ الزاي حيث وقع مضارعًا من حزن الثاني، وهو أشهر في اللغة من أحزن ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ أي يبادرون إلى أقواله وأفعاله وهم المنافقون ١٦٨ تفسير سورة آل عمران أَوَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْأَنَّمَا نُّعْلِ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ ١٧١ اَللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَبْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ /١٧ لِزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ اَْبِيِثَ مِنَ الَِّبِّ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَّكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَِى مِن رُّسُلِهِ، مَن كَشَاءُ فَامِنُواْ بِلّهِ وَرُسُلِّ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ لَا وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَّهُمَّ بَلَّ هُوَ شَرِّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلِلّهِ مِبَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لْثَ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنِْيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ الْكَ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهُ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ الثَّ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا والكفّار ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوًا﴾ الآية هم المذكورون قبل أو على العموم في جميع الكفّار ﴿أَنَّمَا تُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي نمهلهم أن مفعول يحسبن، وما اسم أن فحقّها أن تكتب منفصلة وخير خبر: إنما نملي لهم ما هنا كافّة والمعنى ردّ عليهم أي أن الإملاء لهم ليس خيرًا لهم إنما هو استدراج ليكتسبوا الإثم ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية: خطاب للمؤمنين، والمعنى ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميّز هؤلاء من هؤلاء بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدلّ على الإيمان أو على النفاق ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ على الغَيْبِ﴾ أي ما كان الله ليطلعكم على ما في القلوب من الإيمان والنفاق أو ما کان الله ليطلعكم علی أنکم تغلبون أو تغلبون ﴿وَلَكِنَّ الله يختپي﴾ أي پختار من رسله مَن يشاء فيطلعهم على ما شاء من غيبه ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يمنعون الزكاة وغيرها ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ هو فضل وخيرًا مفعول ثانٍ، والأول محذوف تقديره لا يحسبنّ البخل خيرًا لهم ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي يلزمون إثم ما بخلوا به، وقيل يجعل ما بخلوا به حيّة يطوّقها في عنقه يوم القيامة ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآية: لما نزلت: مَن ذا الذي يقرض الله: قال بعض اليهود وهو فنحاص، أو حيي بن أخطب أو غيرهما إنما يستقرض الفقير من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه الآية، وكان ذلك القول منهم اعتراضًا على القرآن أوجبه قلّة فهمهم، أو تحريفهام للمعانى، فإن كانوا قالوه باعتقاد فهو كفر، وإن قالوه بغير اعتقاد: فهو استخفاف، وعناد. ﴿سَتَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ أي تكتبه الملائكة في الصحف ﴿وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ﴾ أي قتل آبائهم: للأنبياء، وأسند إليهم لأنهم راضون به، ومتّبعون لمَن فعله من آبائهم ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ صفة للذين، وليس صفة للعبيد ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قبول الله لصدقة ١٦٩ تفسير سورة آل عمران نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِن قَبْلِىِ بِالْبَيِّنَتِ ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ إِ كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ المَوْتٍ وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ ١٨٤ قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِجَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَآَ لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ إِلَّا مَتَعُ اٌلْفُرُورِ لِفِيَا أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٨) وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (٨) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ لِلْهَا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ إِلَ إِنَّ فِ خَلْقِ أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نار من السماء فتحرقه، وإن لم تنزل فليس بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامة على صدق الرسل ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ﴾ الآية: ردّ عليهم بأن الرّسل قد جاءتهم بمعجزات توجب الإيمان بهم، وجاؤوهم أيضًا بالقربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذّبوهم وقتلوهم، فذلك يدلّ على أن كفرهم عناد، فإنهم كذبوا في قولهم إن الله عهد إلينا ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذْبَ﴾ الآية تسلية للنبي وََّ بالتأسّي بغيره ﴿فَمَنْ زُخْزِحَ﴾ أي نُحْيَ وأُبعِدَ ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ الآية: خطاب للمسلمين، والبلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفي الأموال بالمصائب والإنفاق ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ الآية: سببها قول اليهود إن الله فقير، وسبّهم للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للمسلمين ﴿لَتُبَيْتُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ قال ابن عباس هي لليهود: أخذ عليهم العهد في أمر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم فكتموه، وهي عامّة في كل مَن علّمه الله علمًا ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية: قال ابن عباس نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي ◌َّر عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وقاد أبو سعيد الخدري: نزلت في المنافقين: كانوا إذا خرج النبي ◌َّ إلى الغزو تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قَدِمَ النبي ◌َِّ اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم﴾ بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي صلّى الله ١٧٠ تفسير سورة آل عمران السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِى الْأَلْبَبِ (٦) الَّذِينَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَكَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَتَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢) رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْرَيْتَهُ وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ نَصَارٍ ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَضَامَنَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّاسَةٍّعَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ لَمْ رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْرِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ (٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَآ أُضِيعُ عَمَلٌ عَمِلٍ مِّنَكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضَِّ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوْذُواْ فِى سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْ خِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ اللَّهُ ـَ لَّا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ (٤) مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنهُمْ ١٩٥ عِنْدَهُ حُسْنُ النَّوَابِ لَكِنِ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِين جَهَنَّمْ وَبِئْسَ الِهَادُ ◌َ عليه وآله وسلّم، وبالياء وضمّ الباء: أسند الفعل للذين يفرحون: أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب، ومَن قرأ تحسبنّ بالتاء: فهو خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والذين يفرحون: مفعول به، وبمفازة المفعول الثاني، وكرّر فلا تحسبنّهم: للتأكيد، ومَن قرأ لا يحسبن بالياء في أسفل، فإنه حذف المفعولين، لدلالة مفعولي لا تحسبتهم عليهما ﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ذكر في البقرة ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي يذكرون الله على كل حال فكأن هذه الهيآت حصر لحال بني آدم، وقيل إن ذلك في الصلاة؛ يصلّون قيامًا، فإن لم يستطيعوا صلّوا قعودًا، فإن لم يستطيعوا صلّوا على جنوبهم ﴿رَبَّنَا﴾ أي يقولون. ربّنا ما خلقت هذا لغير فائدة بل خلقته وخلقت البشر، لينظروا فيه فيعرفونك ﴿سَمِعْنَا مُنَاهِيَا﴾ هو النبيِ وَ لَّ ﴿مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك ﴿مِّن ذَكَرٍ أو أَنْشَى﴾ من لبيان الجنس، وقيل زائدة لتقدّم النفي ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ النساء والرجال سواء في الأجور والخيرات ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم﴾ هم المهاجرون آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها ﴿ثَوَابًا﴾ منصوبًا على المصدرية ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ﴾ الآية تسلية للنبي ◌َّ أي لا تظنوا أن حال الكفّار في الدنيا دائمة فتهتمّوا لذلك، وأنزل لا يغرّنّك منزلة لا يحزنك ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي تقلّبهم في الدنيا قليل بالنظر إلى ما فاتهم في الآخرة ﴿نُزُلاً﴾ منصوب على الحال من جنات أو على المصدرية ﴿لْلأَبْرَارِ﴾ جمع بارّ وبرّ، ومعناه العاملون بالبرّ، وهي غاية التقوى والعمل الصالح، قال بعضهم الأبرار: هم الذين لا يؤذون أحدًا. : ١٧١ تفسير سورة آل عمران فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ الْ﴾ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ١٩٩ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿وإنَّ مِن أَهْلِ الكِتَابِ﴾ الآية: قيل نزلت في النجاشي ملك الحبشة، فإنه كان نصرانيًّا فأسلم، وقيل في عبد الله بن سلام وغيره. ممّن أسلم من اليهود ﴿لاَ يَشْتَرُونَ﴾ مدح لهم، وفيه تعريض لذمّ غيرهم ممّن اشترى بآيات الله ثمنا قليلاً ﴿وَصَابِرُوا﴾ أي صابروا عدوّكم في القتال ﴿وَرَابِطُوا﴾ أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم مستعدّين للجهاد، وقيل هو مرابطة العبد فيما بينه وبين الله، أي معاهدته على فعل الطاعة وترك المعصية والأوّل أظهر، قال ◌َ ﴿ رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وأما قوله في انتظار الصلاة فذلكم الرباط فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله لعظم أجره، والمرابط عند الفقهاء هو الذي يسكن الثغور فيرابط فيها وهي غير موطنه، فأما سكانها دائمًا بأهلهم ومعايشهم فليسوا مرابطين، ولكنهم حماة، حكاه ابن عطية. ٠٠-١٠:٠٤ سورة النساء : مدنيّة وآياتها ١٧٦ نزلت بعد الممتحنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّعَنِ الرَّحـ ٠٫٠ ◌َكَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَنِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِعْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىِ تَسَآءَلُونَ بِهِ، وَاَلْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا (٥)، وَءَاتُوْ اَلْيََّمَنَّ أَمْوَلَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خطاب على العموم وقد تكلمنا على التقوى في أوّل البقرة ﴿مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم عليه السلام ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حَوّاء خلقت من ضلع آدم ﴿وَبَثَّ﴾ نشر ﴿تَسَاءَلُونَ به﴾ أي يقول بعضكم لبعض أسألك بالله أن تفعل كذا ﴿والأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفًا على اسم الله أي اتقوا الأرحام فلا تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور، وهو به، لأنّ موضعه نصب وقرىء بالخفض عطف على الضمير في به، وهو ضعيف عند البصريين، لأنّ الضمير المخفوض لا يعطف عليه إلاّ بإعادة الخافض ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إذا تحقّق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثمر حالين: أما العلم، فهو معرفة العبد؛ لأنّ الله مطّلع عليه، ناظر إليه يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله، وأما الحال فهي ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه ١٧٣ تفسير سورة النساء اَْبِيثَ بِالطَّيِّبٍ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٥)، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ الحال، فإذا حصل العلم والحال: كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجدّ في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقرّبين: الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، فقوله أن تعبد الله كأنك تراه: إشارة إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم: كمَن يشاهد ملكًا عظيمًا، فإنه يعظّمه إذ ذاك بالضرورة، وقوله فإن لم تكن تراه فإنه يراك: إشارة إلى الثمرة الأولى ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقرّبين، فاعلم أنه يراك فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسّر الإحسان أوّل مرة بالمقام الأعلى: رأى أنّ كثيرًا من الناس قد يعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر، واعلم أنّ المراقبة لا تستقيم حتى تتقدّم قبلها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة. فهي معاهدة العبد لربّه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره، وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عهد عليه الله: حمد الله، وإن وجد نفسه قد حلّ عقد المشارطة، ونقض عهد المرابطة. عاقب النفس عقابًا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ خطاب للأوصياء وقيل للعرب الذين لا يورثون الصغير مع الكبير أمروا أن يورثوهم، وعلى القول بأنّ الخطاب للأوصياء، فالمراد أن يأتوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صغرهم، فيكون اليتيم على هذا حقيقة، وقيل المراد دفع أموالهم إليهم إذا بلغوا فيكون اليتيم على هذا مجاز لأنّ اليتيم قد كبر ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبٍ﴾ كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف، فنهوا عن ذلك، وقيل المعنى: لا تأكلوا أموالهم وهو الخبيث، وتدعوا أموالكم وهو الطيب ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلى أَمْوَالِكُمْ﴾ المعنى نهى أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعة إلى أموالهم، وقيل نهى عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أباح ذلك بقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم، وإنما تعدّى الفعل بإلى؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم وقيل بمعنى مع ﴿حُوبًا﴾ أي ذنبًا ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا﴾ الآية، قالت عائشة. نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم فيريدون أن يتزوّجوهنّ ١٧٤ تفسير سورة النساء فَأَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيِّمَنُكُمْ وَلِكَ أَدْنَ أَلَّا تَعُولُواْ (٢) وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَئِنَ غِلَّةٌ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيًّا ويبخسوهنّ في الصداق مكان ولايتهم عليهم، فقيل لهم أقسطوا في مهورهنٌ، فَمَن خاف أن لا يقسط فليتزوّج بما طاب له من الأجنبيات اللآتي يوفّهنّ حقوقهنّ، وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرّج في أموال اليتامى ولا تتحرّج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك: أي كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى: كذلك خافوا النساء، وقيل إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة أو أكثر، فهذا ضاق ماله أخذ من مال اليتيم، فقيل لهم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء على ما طاب: أي ما حلّ، وإنما قال ما، ولم يقل من: لأنه أراد الجنس، وقال الزمخشري لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء، ومنه قوله وما ملكت أيمانكم ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ لا ينصرف للعدل والوصف، وهي حال من ما طاب، وقال ابن عطية بدل، وهي عدوله عن أعداد مكررة، ومعنى التكرار فيها أن الخطاب لجماعة، فيجوز لكل واحد منهم أن ينكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكررت الأعداد بتكرار الناس، والمعنى أنكحوا اثنتين أو ثلاث أو أربعًا وفي ذلك منع لما كان في الجاهلية من تزوّج ما زاد على الأربع، وقال قوم لا يعبأ بقولهم: إنه يجوز الجمع بين تسع لأن مثنى وثلاث ورباع: يجمع فيه تسعة، وهذا خطأ، لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسع ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقلّ بيانًا، وأيضًا قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين أو الثلاث أو الأربع: فاقتصروا على واحدة، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير. رغبة في العدول وانتصاب واحدة بفعل مضمر تقديره فانكحوا واحدة ﴿ذَلِكَ أَدْنَى ألاَّ تَعُولُوا﴾ الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة، والمعنى أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا ومعنى تعولوا: تميلوا، وقيل يكثر عيالكم ﴿وآتُوا النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ﴾ خطاب للأزواج، وقيل للأولياء، لأن بعضهم کان یأکل صداق وليّته، وقيل نھی عن الشغار ﴿نِحْلَةٌ﴾ أي عطية منكم لهنّ، أو عطيّة من الله، وقيل معنى نِحِلَة أي شرعة وديانة، وانتصابه على المصدر من معنى آتوهنّ أو على الحال من ضمير المخاطبين. ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ﴾ الآية: إباحة للأزواج والأولياء على ما تقدّم من الخلاف أن يأخذوا ما دفعه النساء من صدقاتهنّ عن طيب أنفسهنّ والضمير في منه يعود على الصداق أو على الإيتاء ﴿هَنِيئًا مّرِيئًا﴾ عبارة عن التحليل، ومبالغة في الإباحة وهما صفتان من قولك هنؤ الطعام : : : : : ١٧٥ تفسير سورة النساء مَّيْئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوْ اَلْسُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا ، وَأَبْثَلُواْ الْيَنَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَدْفَعُواْ إِلَيِّهِمْ أَمْوَُّ وَلَا مَغُرُوفًا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِلَّهِ حَسِيبًا (٥) لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَاْأَقْرَبُونَ وَلِلِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ٧ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا ومرؤ: إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه، وهما وصف للمصدر: أي أكلا هنيئًا أو حال من ضمير الفاعل، وقيل يوقف على فكلوه ويبدأ هنيئًا مريئًا على الدعاء ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ قيل هم أولاد الرجل وامرأته: أي لا تؤتوهم أموالكم للتبذير، وقيل السفهاء المحجورون، وأموالكم. أموال المحجورين، وأضافها إلى المخاطبين لأنهم ناظرون عليها وتحت أيديهم ﴿قِيَامًا﴾ جمع قيمة، وقيل بمعنى قيامًا بألف. أي تقوم بها معايشكم ﴿وارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ قيل إنها فيمن تلزم الرجل نفقته من زوجته وأولاده، وقيل في المحجورين يرزقون ويكسون من أموالهم ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ أي ادعوا لهم بخير، أو عِدُوهم وعدًا جميلاً: أي إن شئتم دفعنا لكم أموالكم ﴿وانْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أي اختبروا رشدهم ﴿بَلَغُوا النّكَاحَ﴾ بلغوا مبلغ الرجال ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدَا﴾ الرشد هو المعرفة بمصالحه وتدبیر ماله، وإن لم يكن من أهل الدين، واشترط قوم الدين، واعتبر مالك البلوغ والرشد، وحينئذ يدفع المال واعتبر أبو حنيفة البلوغ وحده ما لم يظهر سفه، وقوله مخالف للقرآن ﴿وَبِدَارًا أن يَكْبَرُوا﴾ ومعناه مبادرة لكبرهم أي أن الوصي يستغنم أكل مال اليتيم قبل أن يكبر وموضع أن يكبروا نصب على المفعولية بيدارا أو على المفعول من أجله تقديره مخافة أن يكبروا ﴿فَلْيَسْتَغْفِفْ﴾ أمر الوصي أن يستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا ﴿ومَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ قال عمر بن الخطاب المعنى أن يستسلف الوصي الفقير من مال اليتيم، فإذا أيسر ردّه، وقيل المراد أن يكون له أُجرة بقدر عمله وخدمته، ومعنى بالمعروف من غير إسراف، وقيل نسختها: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمر بالتحرّز والحرز فهو ندب، وقيل فرض ﴿لْلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية: سببها أن بعض العرب كانوا لا يورثون النساء فنزلت الآية ليرث الرجال النساء ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ منصوب انتصاب المصدر المؤكد لقوله: ﴿فريضة من الله﴾ [التوبة: ٦٠]، وقال الزمخشري منصوب على التخصيص، أعني بمعنى نصيبًا ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ الآية: ١٧٦ تفسير سورة النساء مَّعْرُوفًا () وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةُ ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيَِّهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللّهَ وَلْيَقُولُوْ قَوْلًا سَدِيدًا (٥) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْتَسَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ كَارًّا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِى أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ خَظِّ الْأُنشَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ 0.1 خطاب للوارثين أمروا أن يتصدّقوا من الميراث على قرابتهم، وعلى اليتامى وعلى المساكين، فقيل إن ذلك على الوجوب، وقيل على الندب وهو الصحيح، وقيل نسخ بآية المواريث ﴿وَلِيَخْشَ الَّذِينَ﴾ الآية: معناها الأمر لأولياء اليتامى أن يُخْتِينوا إليهم في نظير أموالهم، فيخافوا الله، على أيتامهم. كخوفهم على ذرّيّتهم لو تركوهم ضعافًا، ويقدروا ذلك في أنفسهم حتى لا يفعلوا خلاف الشفقة والرحمة، وقيل الذين يجلسون إلى المريض فيأمروه أن يتصدّق بماله حتى يجحف بورثته، فأمروا أن يخشوا على الورثة كما يخشوا على . أولادهم، وحذف مفعول وليخش، وخافوا جواب لو ﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ على القول الأول ملاطفة الوصي لليتيم بالكلام الحسن، وعلى القول الثاني أن يقول للموروث لا تسرف في وصيتك وارفق بورثتك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا﴾ قيل نزلت في الدين لا يورثون الإناث، وقيل في الأوصياء، ولفظها عامّ في كل مَن أكل مال اليتيم بغير حق ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي أكلهم لمال اليتامى يؤول إلى دخولهم النار، وقيل يأكلون النار في جهنم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ هذه الآية نزلت بسبب بنات سعد بن الربيع، وقيل بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله وَ﴿ في مرضه ورفعت ما كان في الجاهلية من توريث النساء والأطفال، وقيل نسخت الوصية للوالدين والأقربين وإنما قال پوصيكم بلفظ الفعل الدائم ولم يقل أوضاكم تنبيهًا على ما مضى، والشروع في حكم آخر وإنما يقال يوصيكم الله باسم الظاهر، ولم يقل يوصيكم لأنه أراد تعظيم الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء وإنما قال في أولادكم ولم يقل في أبنائكم، لأن الابن يقع على الامن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى ابن المتبنى وليسوا من الورثة ﴿لِلذَّكَرٍ مِثلُ خَطّ الأَنْثَيْنِ﴾ هذا بيان للوصية المذكورة، فإن قيل: هلاّ قال للأُنثين مثل حظّ الذَّكَر، أو للأُنثى نصف حظّ الذّكر؟ فالجواب: أنه بدأ بالذَّكَر لفضله، ولأن القصد ذكر حظّه ولو قال للأُنثيين مثل حظّ الذَّكَر، لكان فيه تفضيل للإناث. ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً﴾ إنما أنّث ضمير الجماعة في كُنّ، لأنه قصد الإناث، وأصله أن يعود على الأولاد، لأنه يشمل الذكور والإناث، وقيل يعود على المتروكات، وأجاز R. ١٧٧ تفسير سورة النساء نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنٍ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُّسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِنَّهُ أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍّ ءَآبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ الزمخشري أن تكون كان تامّة والضمير مبهم ونساء تفسير ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ظاهره أكثر من اثنتين، ولذلك أجمع على أن للثلاث فما فوقهنّ الثلثان، وأما البنتان فاختلف فيهما، فقال ابن عباس لهما النصف كالبنت الواحدة وقال الجمهور الثلثان، وتأوّلوا فوق اثنتين أن المراد اثنتان فما فوقهما، وقال قوم إن فوق زائدة كقوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا ضعيف وقال قوم إنما وجب لهما الثلثان بالسُّنّة لا بالقرآن وقيل بالقياس على الأختين ﴿وإنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ بالرفع فاعل، وكان تامّة، وبالنصب خبر كان، وقوله تعالى: ﴿فلها النصف﴾ [الأنفال: ١٢] نصف على أن للبنت النصف إذا انفردت، ودليل على أن للابن جميع المال إذا انفرد لأن للذكر مثل حظّ الأنثيين ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الولد يقع على الذكر والأنثى والواحد والاثنين والجماعة سواء كان للصلب، أو ولد ابن، وكلهم يرد الأبوين إلى السدس ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلْأُمَّهِ الثُّلُثُ﴾ لم يجعل الله للأُم الثلث إلاّ بشرطين ((أحدهما)) عدم الولد، والآخر إحاطة الأبوين بالميراث، ولذلك دخلت الواو لعطف أحد الشرطين على الآخر، وسكت عن حظّ الأب استغناء بمفهومه، لأنه لا يبقى بعد الثلث إلاّ الثلثان ولا وارث إلّ الأبوان، فاقتضى ذلك أن الأب يأخذ بقية المال وهو الثلثان ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمُّهِ السُّدُسُ﴾ أجمع العلماء على أن ثلاثة من الإخوة يردّون الأم إلى السدس، واختلفوا في الاثنين فذهب الجمهور أنهما يردّانها إلى السدس، ومذهب ابن عباس أنهما لا يردّانها إليه، بل هما كالأخ الواحد وحجّته أن لفظ الأخوة لا يقع على الاثنين لأنه جمع لا تثنية وأقلّ الجمع ثلاثة وقال غيره إن لفظ الجمع قد يقع على الاثنين. كقوله: ﴿وكنّا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وتسوّروا المحراب، وأطراف النهار، واحتجّوا بقوله: وَله: ((الاثنان فما فوقهما جماعة، وقال مالك: مضت السُّنّة أن الإخوة اثنان فصاعدًا، ومذهبه أن أقلّ الجمع اثنان، فعلى هذا يحجب الأبوان من الثلث إلى السدس، سواء كانا شقيقين أو لأب أو لأم أو مختلفين، وسواء كانا ذكرين أو أُنثيين أو ذكر أو أنثى، فإن كان معهما أب: ورث بقية المال، ولم يكن للإخوة شيء عند الجمهور، فهم يحجبون الأم، ولا يرثون، وقال قوم يأخذون السدس الذي حجبوه عن الأم، وإن لم يكن أب ورثوا ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ قوله من بعد يتعلق بالاستقرار المضمر في قوله: التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ١٢ ١٧٨ تفسير سورة النساء وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ لَكُمْ نَفْعَأْ فَرِيضَةٌ مِنَ اللهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ﴾ أَزْوَجُكُمْ إِن ◌َّنْ يَكُنْ لَّهُربَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبْعُ مِمَّا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍّ وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ لِنَ لَمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَّ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ وَ أَخُّ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ﴿فلهنّ ثلثا ما ترك﴾ [النساء: ١١]: أي استقرّ لهنّ الثلثان من بعد وصية)، ويمتنع أن يتعلق بترك، وفاعل يوصي الميت، وإنما قدّمت الوصية على الدين والدين مقدّم عليها في الشريعة: اهتمامًا بها، وتأكيدًا للأمر بها، ولئلا يتهاون بها وأخّر الدين: لأن صاحبه يتقاضاه، فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه وتخرج الوصية من الثلث، والدين من رأس المال بعد الكفن؛ وإنما ذكر الوصية والدين نكرتين: ليدل على أنهما قد يكونان وقد لا يكونان فدل ذلك على وجوب الوصية ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ قیل بالإنفاق إذا احتیج إلیه، وقيل بالشفاعة في الآخرة، ويحتمل أن يريد نفعًا بالميراث من ماله، وهو أليق بسياق الكلام ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية خطاب للرجال وأجمع العلماء على ما تضمنته هذه الآية من ميراث الزوج والزوجة، وأن ميراث الزوجة تنفرد به إن كانت واحدة، ويقسم بينهنّ إن كنّ أكثر من واحدة، ولا ينقص عن ميراث الزوج والزوجة وسائر السهام، إلاّ ما نقصه العول على مذهب جمهور العلماء، خلافًا لابن عباس، فإنه لا يقول بالعول فإن قيل: لِمَ كرّر قوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ﴾، مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم يذكره قبل ذلك إلاّ مرة واحدة في ميراث الأولاد والأبوين، فالجواب أن الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، وكل واحدة قضية على انفرادها، فلذلك ذكر ذلك مع كل واحدة بخلاف الأولى، فإن الموروث فيها واحد، ذكر حكم ما يرث منه أولاده وأبواه، وهي قضية واحدة، فلذلك قال فيها من بعد وصية مرة واحدة ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةٌ﴾ الكلالة هي انقطاع عمود النسب وهو خلو الميت عن ولد ووالد، ويحتمل أن تطلق هنا على الميت الموروث، أو على الورثة، أو على القرابة، أو على المال: بأن كانت على الميت، فإعرابها خبر كان، ويورث في موضع الصفة أو يورث خبر كان، وكلالة: حال من الضمير في يورث، أو تكون كان تامّة، ويورث في موضع الصفة، وكلالة حال من الضمير، وإن كانت للورثة فهي مصدر في موضع الحال وإن كانت للقرابة فهي مفعول من أجله، وإن كانت للمال فهي مفعول ليورث، وكل وجه من هذه الوجوه ١٧٩ تفسير سورة النساء السُّدُسُنَّ فَإِن كَانُواْأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ وَحِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ جَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِيع اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَآَيِكُمْ خَلِدًا فِيهَا وَلَمُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ اهـ فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَقَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (٥هـ على أن تكون كان تامّة، ويورث في موضع الصفة، وأن تكون ناقصة ويورث خبرها ﴿وَلَهُ أَخْ أَوْ أُخْتْ﴾ المراد هنا الأخ للأُم والأُخت للأم بإجماع وقرأ سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أُخت لأُمه، وذلك تفسير للمعنى ﴿فَلِكُلٌ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إذا كان الأخ للأُم واحد فله السدس، وكذلك إذا كانت الأُخت للأُم واحدة ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إذا كان الإخوة للأُم اثنين فصاعدًا: فلهما لثلث بالسواء بين الذكر والأنثى، لأن قوله شركاء، يقتضي التسوية بينهم، ولا خلاف في ذلك ﴿غَيْرَ مُضَارَ﴾ منصوب على الحال والعامل فيه يوصي ومضارّ اسم فاعل، قال ابن عباس الضرار في الوصية من الكبائر، ووجوه المضار كثيرة: منها الوصية لوارث، والوصية بأكثر من الثلث أو بالثلث فرارًا عن وارث محتاج، فإن علم أنه قصد بوصيته الإضرار ردّ ما زاد على الثلث اتّفاقًا، واختلف هل يرد الثلث على قولين في المذهب، والمشهور أنه ينفذ ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لقوله يوصيكم الله ويجوز أن ينتصب بغير مصدر ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارة إلى ما تقدّم من المواريث وغيرها ﴿ومَن يَعْصَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية: تعلق بها المعتزلة في قولهم إن العصاة من المؤمنين يخلدون في النار، وتأوّلها الأشعرية على أنها في الكفّار ﴿يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ﴾ هي هنا الزنا ﴿مِن نّسَائِكُمْ﴾ أو من المسلمات؛ لأن المسلمة تحدّ حدّ الزنا، وأما الكافر أو الكافرة فاختلف هل يحدّ أو يعاقب ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنْكُمْ﴾ قيل إنما جعل شهداء الزنا أربعة تغليظًا على المدّعي وستراً على العباد، وقيل ليكون شاهدان على كل واحد من الزانيين ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ كانت عقوبة الزنا الإمساك في البيوت، ثم نسخ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا، وهو السبّ والتوبيخ، وقيل الإمساك للنساء والأذى للرجال فلا نسخ بينهما ورجّحه ابن عطية بقوله في الإمساك من نسائكم، وفي الأذى منكم، ثم نسخ الإمساك والأذى ١٨٠ تفسير سورة النساء فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (١) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ ١٧ ◌ِجَهَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ اٌلْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا () يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُّلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ بالرجم للمحصن وبالجلد لغير المحصن، واستقر الأمر على ذلك، وأما الجلد فمذكور قيّ سورة النور، وأما الرجم فقد كان في القرآن ثم نسخ لفظه وبقي حکمه، وقد رجم ماعز الأسلمي وغيره ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ لما أمر بالأذى للزاني أمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى ﴿إِنَّمَا الثَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي إنما يقبل الله توبة مَن كان على هذه الصفة، وإذا تاب العبد توبة صحيحة بشروطها فيقطع بقبول الله لتوبته عند جمهور العلماء، وقال أبو المعالي يغلب ذلك على الظن ولا يقطع به ﴿يَعْمَّلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي بسفاهة وقلّة تحصيل أداة إلى المعصية، وليس المعنى أنه يجهل أن ذلك الفعل يكون معصية، قال أبو العالية. أجمع الصحابة على أن كل معصية فهي بجهالة، سواء كانت عمدًا أو جهلاً ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ قيل قبل المرض والموت. وقيل قبل السياق، ومعاينة الملائكة، وفي هذا قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ﴾ الآية: في الذين يصرّون على الذنوب إلى حين لا تقبل التوبة، وهو معاينة الموت فإن كانوا كفّار فهم مخلدون في النار بإجماع، وإن كانوا مسلمين فهم في مشيئة الله إن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم. فقوله: ﴿أَعْتَذْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ثابت في حقّ الكفّار ومنسوخ في حق العصاة من المسلمين، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفر أن يُشْرَكَ بِهِ ويغفر ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فعذابهم مقيد بالمشيئة ﴿لاَ يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا الشِّسَاءَ﴾ قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاؤوا تزوّجها أحدهم، وإن شاؤوا زوّجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها التزوّج، فنزلت الآية في ذلك، فمعنى الآية على هذا: لا يحلّ لكم أن تجعلوا النساء يوزثن عن الرجال، كما يورث المال، وقيل الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة ليرثوا مالها من غير غبطة بها، وقيل الخطاب للأولياء الذين يمنعون وليّاتهم من التزوّج ليُرثوهنّ دون الزوج ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معطوف على أن ترثوا، أو نهي والعضل المنع، قال ابن عباس: هي أيضًا في أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوّج بعد موته إلاّ أنّ قوله مَا آتيتموهنّ