النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١
تفسير سورة آل عمران
تَشَدَءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢) تُولِجُ الَّيْلَ فِيِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَيْلِّ وَتُخْرِجُ
اُلْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
اَلْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
ثُقَنَّةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ اَلْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ إِن تُخْفُوْمَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ
اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا
عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَذُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأُ بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُمْ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُْ
يفتخون ملك كسرى وقيصر: استبعد ذلك المنافقون، فنزلت الآية ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ قيل
المراد بيدك الخير والشر، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقيل إنما خص الخير
بالذكر، لأن الآية في معنى دعاء ورغبة فكأنه يقول: بيدك الخير فأجزل حظّي منه ﴿تُخْرِجُ
الحَيَّ مِنَ المَيَّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيَّ﴾ قال عبد الله بن مسعود: هي النطفة تخرج من
الرجل ميتة وهو حيّ، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتة، وقال عكرمة: هي إخراج
الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وقيل يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من
الكافر، فالحياة والموت على هذا استعارة، وفي ذكر الحيّ من الميت المطابقة، وهي من
أدوات البيان، وفيه أيضًا القلب لأنه قدّم الحيّ على الميت، ثم عكس ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير
تضييق وقيل بغير محاسبة ﴿لَّ يَتْخِدِ المُؤْمِنُونَ﴾ الآية. عامّة في جميع الأعصار، وسببها
ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل كتاب حاطب إلى مُشرِكِي قريش ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ
فِي شَيْءٍ﴾ تبرؤ ممّن فعل ذلك ووعيد على موالاة الكفّار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس
من التقرّب إلى الله في شيء، وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من
الله، قاله ابن عطية: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُم﴾ إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم والمراد موالاة في
الظاهر مع البغضاء في الباطن ﴿تُقَاةَ﴾ وزنه فعلة بضم الفاء وفتح العين. وفاؤه واو، وأبدل
منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على
الحال من الضمير في تتّقوا ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تخويف ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ منصوب على
الظرفية والعامل فيه فعل مضمر تقديره اذكروا أو خافوا وقيل العامل فيه قدير، وقيل
المصير، وقيل يحذركم ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأ خبره تودّ، أو معطوف ﴿أمَدًا﴾ أي
مسافة ﴿واللَّهُ رَؤُوفٌ﴾ ذكر بعد التحذير تأنيثًا لئلا يفرط الخوف أو لأن التحذير والتنبيه رأفة
١٤٢
تفسير سورة آل عمران
]* إِنَّ اللَّهُ
٣٢)
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيٌ ﴿يَ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَـ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ.
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِّ وَاللَّهُ سَمِيعُ
٣٣)
أَصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ
عَلِيمُ (جَا إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِ مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِىِّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
ا فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍ إِّ وَضَعْتُهَاْ أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثِّ وَإِنِّى
(٣٥
الْعَلِيمُ
سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ الَ، فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنِ
﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ جعل اتّباع النبي ◌َّ علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد
ومغفرته له، وقيل إن الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ الآية: لما مضى صدر من محاجّة نصارى نجران أخذ يبيّن لهم ما
اختلفوا فيه وأشكَلَ عليهم من أمر عيسى عليه السلام وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح
عليهما السلام تكميلاً للأمر لأنهما أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجًا إلى ذكر
عمران والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل إن عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف
وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك ﴿آل إبْرَاهِيمَ وَآلَ
عِمْرانَ﴾ يحتمل أن يريد بآل القرابة، أو الأتباع، وعلى الوجهين يدخل نبيّنا محمد مصّ في
آل إبراهيم ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بدل مما تقدّم أو حال ووزنه فعلية منسوب إلى الذرّ لأن الله تعالی
أخرج الخلق من صلب آدم كالذر وغير أوله في النسب، وقيل أصل ذرّيّة ذرورة وزنها فعولة
ثم أبدل من الراء الأخيرة ياء، فصار ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء وكسرت الراء،
فِصارت ذرية ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ العامل فيه محذوف تقديره اذكروا، وقيل عليم، وقال الزجّاج
العامل فيه معنى الاصطفاء ﴿امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾ اسمها حثّة بالنون، وهي أُمّ مريم، وعمران هذا
هو والد مريم ﴿َذَرْتُ﴾ أي جعلت نذرًا عليّ أن يكون هذا الولد في بطني حبسًا على خدمة
بيتك، وهو بيت المقدس ﴿مُحَرّرًا﴾ أي عتيقًا من كل شغل إلاّ خدمة المسجد ﴿فَلَّمًا
وَضَعَتْهَا﴾ الآية. كانوا لا يحرّرون الإناث بخدمة المساجد، فقالت: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾
تحسّرًا وتلهفًا على ما فاتها من النّذر الذي نذرت ﴿واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرىء وضعت
بإسكان التاء وهو من كلام الله تعظيمًا لوضعها وقرىء بضم التاء وإسكان العين وهو على
هذا من كلامها ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله، فالمعنى ليس الذكر
الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لك، وأن يكون من كلامها فالمعنى ليس الذكر كالأنثى في
خدمة المساجد، لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الإناث ﴿سَمَّيْتُهَا مَزْيَمَ﴾ إنما قالتِ لِربّها
سمّيتها مريم لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرّب إلى الله، ويؤخذ من
١٤٣
تفسير سورة آل عمران
وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًّا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّى
لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦) هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِبَارَبَّةٌ
قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٦) فَنَادَتْهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِى فِى
اُلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
١٣٩
هذا تسمية المولود يوم ولادته وامتنع مريم من الصرف للتعريف والتأنيث، وفيه أيضًا
العجمة ﴿وإنّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ ورد في الحديث ما من مولود إلاّ نخسه الشيطان يوم ولد
فيستهلّ صارخًا إلاّ مريم وابنها، لقوله: وإني أُعيذها بك: الآية ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ أي رضيها
للمسجد مكان الذكر ﴿بِقَبُولٍ حَسَنِ﴾ فيه وجهان أحدهما أن يكون مصدرًا على غير
المصدر، والآخر أن يكون اسمًا لما يقبل به كالسعوط اسم لما يسعط به ﴿وأنبَتَهَا نَبَاتًا
حَسَنَا﴾ عبارة عن حُسْن النشأة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ أي ضمّها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل
هو الحاضن، وكان زكريا زوج خالتها، وقرىء كفّلها بتشديد الفاء، ونصب زكريا: أي
جعله الله كافلها ﴿المِخْرَابَ﴾ في اللغة أشرف المجالس، وبذلك سُمّي موضع الإمام،
ويقال إن زكريا بنى لها غرفة في المسجد، وهي المحراب هنا، وقيل المحراب موضع
العبادة ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في
الشتاء، ويقال إنها لم ترضع ثديًا قطّ، وكان الله يرزقها ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ إشارة إلى مكان أي
كيف ومن أين ﴿إنّ اللهَ يَرْزُقُ﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم أو من كلام الله تعالى
﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي لما رأى زكريا
كرامة الله تعالى لمريم: سأل من الله الولد ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أنث رعاية للجماعة، وقرىء
بالألف على التذكير وقيل الذي ناداه جبريل وحده وإنما قيل الملائكة لقولهم فلان يركب
الخيل أي جنس الخيل وإن كان فرسًا واحدًا ﴿بِيَخيَى﴾ اسم سمّاه الله تعالى به قبل أن
يولد، وهو اسم بالعبرانية صادق اشتقاقًا وبناء في العربية، وهو لا ينصرف، فإن كان في
الإعراب أعجميًّا ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربيًا فالتعريف ووزن الفعل ﴿مُصَدِّقًا
بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي مصدّقًا بعيسى عليه السلام مؤمنًا به، وسمّي عيسى كلمة الله، لأنه لم
يوجد إلاّ بكلمة الله وحدها وهي قوله كن لا بسبب آخر وهو الوالد كسائر بني آدم
﴿وسَيِّدًا﴾ السيد الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف والفضل ﴿وَحَصُورَا﴾ أي لا يأتي
النساء فقيل خلقه الله كذلك، وقيل كان يمسك نفسه، وقيل الحصور الذي لا يأتي الذنوب
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ تعجّب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعقم امرأته، ويقال
١٤٤
تفسير سورة آل عمران
قَالَ رَبٍّ أَّ يَكُونُ لِى ◌ُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَآَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَالِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا
يَشَآءُ (٢] قَالَ رَبِّ أَجْعَل ◌ِّءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَكَةَ أَنَا ◌ِلّ ◌َهْزًا وَأَذْكُرْ زَبَّكَ
كَثِيرًا وَسَبْحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ (١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرِيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَتَكِ وَهَرُكِ
وَأَصْطَفَئِكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ (١٦) يَمَرْيَمُ أَقْتُبِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِعِين ◌َهَ ذَلِكَ
كان له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمانَ وتسعون سنة، فاستبعد ذلك في العادة، مع علمه
بقدرة الله تعالى على ذلك، فسأله مع علمه بقدرة الله، واستبعده لأنه نادرٍ في العادة، وقيل
سأله وهو شاب، وأُجيب وهو شيخ، ولذلك استبعده ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أيّ مَثَل
هذه الفعلة العجيبة يفعل الله ما يشاء فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفعلة، والإشارة
بذلك إلى هبة الولد لزكريا، واسم الله مرفوع بالابتداء، أو كذلك خبره فيجب وصله معه،
وقيل الخبر يفعل الله ما يشاء ويحتمل كذلك على هذا وجهين: أحدهما أن يكون في
موضع الحال من فاعل يفعل، والآخر أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر
كذلك، أو أنتما كذلك، وعلى هذا يوقف على كذلك والأول أرجح لاتصال الكلام،
وارتباط قوله يفعل ما يشاء مع ما قبله ولأن له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله كذلك أخذ
ربك ﴿اجْعَلْ لَّي آيَةً﴾ أي علامة على حمل المرأة ﴿آَيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَّ﴾ أي علامتك أن
لا تقدر على كلام الناس ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ بمنع لسانه عن ذلك مع إبقاء الكلام بذكر الله ولذلك
قال واذكر ربك كثيرًا وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكرًا
على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر ﴿إلاّ رَمْزًا﴾ إشارة باليد أو بالرأس
أو غيرهما، فهو استثناء منقطع ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ من زوال الشمس إلى غروبها، والإبكار من
طلوع الفجر إلى الضحى ﴿وإذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ﴾ اختلف هل المراد جبريل أو جمع من
الملائكة والعامل في إذ مضمر ﴿اضْطَفَاكِ﴾ أولاً حين تقبلك من أمك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من كل
عيب في خَلْق وخُلُق ودين ﴿وَاضْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل أن يكون هذا الاصطفاء
مخصوصًا بأن وهب لها عيسى من غير أب، فيكون على نساء العالمين عامًا، أو يكون
الاصطفاء عامًا فيخصّ من نساء العالمين خديجة وفاطمة، أو يكون المعنى على نشاء
زمانها؛ وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق، وقيل إنها كانت نبيّة لتكليم الملائكة لها .
٠٠٤
﴿اقْتُبِي﴾ القنوت هنا بمعنى الطاعة والعبادة، وقيل طول القيام في الصلاة وهو قول
الأكثرين ﴿واسْتَجُدِي وازْكَعِي﴾ أُمِرَت بالصلاة فذكر القنوت والسجود لكونها من هيئة
١٤٥
تفسير سورة آل عمران
مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا
كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ
اُلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسَنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ
وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ لَـ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤) وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ
وَاْإِنِيلَ (٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنِّ قَدْ جِئْتُّكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ
الصلاة وأركانها، ثم قيل لها اركعي مع الراكعين بمعنى ولتكن صلاتك مع المصلّين، أو في
الجماعة فلا يقتضي الكلام على هذا تقديم السجود على الركوع، لأنه لم يردّ الركوع
والسجود المنضمّين في ركعة واحدة، وقيل أراد ذلك، وقدّم السجود لأن الواو لا ترتب،
ويحتمل أن تكون الصلاة في ملّتهم بتقديم السجود قبل الركوع ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدّم
من القصص وهو خطاب للنبي (وَل﴿ ﴿مَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ احتجاجًا على نبوّته بّ لكونه أخبر
بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم ﴿يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ﴾ أي أزلامهم، وهي قِداحهم، وقيل
الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة اقترعوا بها على كفالة مريم، حرصًا عليها وتنافسًا في
كفالتها، وتدلّ الآية على جواز القِرعة، وقد ثبتت أيضًا من السُّنّة ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مبتدأ
وخبر في موضع نصب بفعل تقديره ينظرون أيّهم ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون فيمَن يكفلها منهم
﴿إِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ﴾ إذ بدل من إذ قالت، أو من إذ يختصمون، والعامل فيه مضمر
﴿اسْمُهُ﴾ أعاد الضمير المذكّر على الكلمة، لأن المسمّى بها ذكر ﴿المَسِيحُ﴾ قيل هو مشتق
من ساح في الأرض، فوزنه مفعل، وقال الأكثرون من مسح لأنه مسح بالبركة فوزنه فعيل
وإنما قال عيسى ابن مريم والخطاب لمريم لينسبه إليها، إعلامًا بأنه يولد من غير والد
﴿وَجِيهًا﴾ نصب على الحال، ووجاهته في الدنيا النبوّة والتقديم على الناس، وفي الآخرة
الشفاعة وعلوّ الدرجة في الجنة ﴿فِي المَهْدِ﴾ في موضع الحال، ﴿وكَهْلاً﴾ عطف عليه،
والمعنى أنه يكلّم الناس صغيرًا آية تدلّ على براءة أمّه مما قذفها بها اليهود، وتدلّ على
نبوّته، ويكلّمهم أيضًا كبيرًا ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سنّ الكهولة، وأوله ثلاث وثلاثون
سنة وقيل أربعون ﴿ويُعَلِّمُهُ﴾ عطف على يبشرك أو ويكلم ﴿الكِتَابَ﴾ هنا جنس، وقيل
الخط باليد، والحكمة هنا العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل ﴿وَرَسُولاً﴾ حال
معطوف على وبعلمه إذ التقدير ومعلمًا الكتاب أو يضمر له فعل تقديره أرسل رسولاً أو جاء
التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١ / م ١٠
١٤٦
تفسير سورة آل عمران
اُلِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَأَبْرِىُ الْأَكْمَهَ وَاُلْأَبْرَصَ وَأَخِي
اُلْمَوْقَ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَأُنَّبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُم
مُؤْمِنِينَ (١) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (٥) إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ
﴿ فَلَمَّا أَحَسَ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
٥١
مُسْتَقِيمٌ
رسولاً ﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي أرسل إليهم عيسى عليه السلام مبيّنًا لحكم التوراة ﴿أنّ﴾
تقديره بأني ﴿أخلُقُ﴾ بفتح الهمزة بدل من أنّي الأولى، أو من آية ويكسرها ابتداء كلام
﴿فَأَنفُحُ فِيهِ﴾ ذكر هنا الضمير لأنه يعود على الطين، أو على الكاف من كهيئة، وأنّث في
المائدة لأنه يعود على الهيئة ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ قيل إنه لم يخلق غير الخفاش، وقرىء طيرًا
بياء ساكنة على الجمع، وبالألف وهمزة على الإفراد، ذكر بإذن الله: رفعًا لوهم من توهّم
في عيسى الربوبية ﴿وَأَبْرِىءُ﴾ رُوِيّ أنه كان يجتمع إليه جماعة من العميان والبرصاء فيدعو
لهم فيبرؤون ﴿وَأُحْبِي المَوْتَى﴾ رُوِيّ أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر فيقوم ألميت
ویکلمه، ورُويّ أنه أحيي سام بن نوح ﴿وأُنبِئُكُم﴾ كان يقول يا فلا أكلت كذا وادّخرت
في بيتك كذا ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطف على رسولاً أو على موضع بآية من ربكم، لأنه في موضع
الحال، وهو أحسن لأنه من جملة كلام عيسى فالتقدير: جئتكم بآية من ربّكم، وجئتكم
مصدّقًا ﴿ولأُحِلَّ لَكُم﴾ عطف على بآية من ربكم، وكانوا قد حرم عليهم الشحم ولحم
الإبل وأشياء من الحيتان والطير فأحلّ لهم عيسى بعض ذلك ﴿إنّ اللَّهُ رَّبِي وَرَبُّكُمْ﴾ ردّ على
مَن نسب الربوبية لعيسى وانتهى كلام عيسى عليه السلام إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
وابتداؤه من قوله إنّي قد جئتكم، وكل ذلك يحتمل أن يكون مما ذكرت الملائكة لمريم،
حكاية عن عيسى عليه السلام أنه سيقوله، ويحتمل أن يكون خطاب مريم قد انقطع ثم
استؤنف الكلام من قوله ورسولاً، على تقدير جاء عيسى رسولاً: بأنّي قد جئتكم بآية من
ربكم، ثم استمر كلامه إلى آخره ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي علم علمًا ظاهرًا كعلم ما يدرك
بالحواس ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ طلب للنصرة، والأنصار جمع ناصر ﴿إِلى اللهِ﴾ تقديره من
يضيف أنفسهم في نصرتي إلى الله فلذلك قيل إلى هنا بمعنى مع أو يتعلق بمحذوف تقديره
ذاهبًا أو ملتجئًا إلى الله ﴿الحَوَارِيُّونَ﴾ حواري الرجل صفوته وخاصّته، ولذلك قال رسول
الله وَلو لكل نبيّ حواريّ وإن حواريّ الزبير، وقيل إن الحواريين كانوا قصّارين يحورون
١٤٧
تفسير سورة آل عمران
رَبََّاَ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا
٥٢
نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ ءَامَنَا بِالَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
إِذْ
٥٤
الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشََّهِدِينَ جَ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىّ إِنِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَبَعُوكَ
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ
فَمَا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن
تَخْتَلِفُونَ
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
٥٦
أَذَلِكَ تَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ (٥) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ
٥٧
نَصِرِینَ
الظّلمِينَ
٠٠٠
ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (جَ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَِينَ
(١٠) فَمَنْ
٠٠٠
الثياب، أي يبيضونها ولذلك سمّاهم الحواريين ﴿بِمَا أَنزَلْتَ﴾ يريدون الإنجيل، والرسول
هنا عيسى عليه السلام ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي مع الذين يشهدون بالحق من الأمم، وقيل مع
أمة محمد وَلّ لأنهم يشهدون على الناس ﴿وَمَكَرُوا﴾ الضمير لكفّار بني إسرائيل ومكرهم
أنهم وكلوا بعيسى مَن يقتله غيلة ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على
مَن أراد اغتياله حتى قتل ◌ِوَضًا منه، وعبّر عن فعل الله بالمكر مُشاكلة لقوله مكروا ﴿واللَّهُ
خَيْرُ المَاكِرِينَ﴾ أي أقواهم وهو فاعل ذلك بحق، والماكر من البشر فاعل بالباطل ﴿إِذْ قَالَ
اللَّهُ﴾ العامل فيه فعل مضمر، أو يمكر ﴿إنّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل وفاة موت، ثم أحياه الله في
السماء، وقيل رفع حيًّا، ووفاة الموت بعد أن ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال، وقيل يعني
وفاة نوم؛ وقيل المعنى قابضك من الأرض إلى السماء ﴿وَرَافِعُكَ إليّ﴾ أي إلى السماء
﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ أي من سوء جوارهم ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ هم المسلمون، وعلوهم على الكفرة
بالحجّة وبالسيف في غالب الأمر وقيل الذين اتبعوك النصارى، والذين كفروا اليهود، فالآية
مُخبِرة عن عزّة النصارى على اليهود وإذلالهم لهم ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ﴾ إشارة إلى ما تقدّم من
الأخبار ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ المتلوّات أو المعجزات ﴿الذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿الحَكِيم﴾ الناطق بالحكمة
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن دون أب، فمثله الله
بآدم الذي خلقه الله دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما استبعدوه، فهو أقطع لقولهم ﴿خَلَقَهُ
مِن تُرابٍ﴾ تفسير لحال آدم فيكون حكاية عن حال ماضية، والأصل لو قال خلقه من
تراب، ثم قال له كن فكان، لكنه وضع المضارع موضع الماضي ليصوّر في نفوس
المخاطبين أن الأمر كأنه حاضر دائم ﴿الحَقُّ﴾ خبر مبتدأ مضمر ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي في
١٤٨
تفسير سورة آل عمران
حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَ نَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ وَمَا
مِنْ إِلٍَ إِلَّ اللّهُ وَإِنَّ اللَّهُ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (ثَّ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٥) قُلْ يَتَأَهْلَ
الْكِنَبِ تَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ
يَأَهْلَـ
(٦٤
بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
اُلْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىِّ إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنِجِيلُ إِلََّ مِنْ بَعْدِهِّ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ ﴿هَكَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (ثَ مَا كَانَ إَِهِيمٌ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَائِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ
عيسى، وكان الذي حاجّه فيه وفد نجرّان من النصارى، وكان لهم سيدان يقال لأحدهما
السيد، والآخر العاقب ﴿نَبْتَهِلْ﴾ نلتعن والبهلة اللعنة أي نقول لعنة الله على الكاذب منّا
ومنكم، هذا أصل الابتهال؛ ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن لعنة، ولما
نزلت الآية أرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين،
ودعا نصارى نجرّان إلى الملاعنة فخافوا أن يهلكهم الله أو يمسخهم الله قردة وخنازير،
فأبوا من الملاعنة وأعطوا الجزية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ﴾ خطاب لنصارى نجران، وقيل
اليهود ﴿سَوَاءٍ﴾ أي عدل ونصف ﴿أَن لاَّ نَعْبُدَ﴾ بدل من كلمة أو رفع على تقدير هي،
ودعاهم صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم إلى توحيد الله وترك ما عبدوه من دونه
كالمسيح والأحبار والرهبان ﴿لِمَ تُحَاجُونَ فِي إِنْرَاهِيمَ﴾ قالت اليهود كان إبراهيم يهوديًا،
وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فنزلت الآية ردًّا عليهم لأن مِلّة اليهود والنصارى إنما وقعت
بعد موت إبراهيم بمدة طويلة ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ ها تنبيه، وقيل بدل من همزة الاستفهام، وأنتم
مبتدأ وهؤلاء خبره وحاججتم استئناف؛ أو هؤلاء منصوب على التخصيص وحاججتم الخبر
﴿فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ فيما نطقت به التوراة والإنجيل ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ ما تقدّم على
ذلك من حال إبراهيم ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا﴾ ردّ على اليهود والنصارى ﴿وَمَّا
كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نفي للاشتراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي
يتضمن دين اليهود والنصارى ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ عطف على الذين اتبعوه: أي محمد عَل
﴿أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ لأنه على دينه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أمّة محمد نٍَّ ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ هم
١٤٩
تفسير سورة آل عمران
وَدَّتْ طَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا
٦٨
اُلْمُؤْمِنِينَ
يَشْعُرُونَ (١) يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (*) يَأَهْلَ الْكِتَبِ
لِمَ تَلِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (*) وَقَالَت طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ
بِالَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (*) وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن
تَبِعَ دِينَكُنْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْنَ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ بُخَا تُوُ عِندَ رَيَّكُمْ قُلْ إِنَّ
اٌلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٤) يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِِّةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ
٧٤
اُلْعَظِيمِ
اليهود، دعوا حذيفة وعمّارًا ومعاذًا إلى اليهودية ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي لا يعود وِبال
الإضلال إلاّ عليهم ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي تعلمون أن محمدًا وَ لَّ نبي ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ﴾
أي تخلطون والحق نبوّة محمد وَ لَّ والباطل الكفر به ﴿آَمِنُوا بِالَّذِي أَنْزِلَ﴾ كان قوم من.
اليهود لعنهم الله أظهروا الإسلام أول النهار، ثم كفروا آخره ليخدعوا المسلمين، فيقولوا ما
رجع هؤلاء إلاّ عن علم، وقال السّهيلي: إن هذه الطائفة هم عبد الله بن الصيف،
وعديّ بن زيد، والحارث بن عوف ﴿أَن يُؤْتَى أَحَدْ مُثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يحتمل أن يكون من
تمام الكلام الذي أمر النبي و # أن يقوله متّصلاً بقوله: إن الهدى هدى الله وأن يكون من
كلام أهل الكتاب فيكون متّصلاً بقولهم: ﴿وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ويكون إن
الهدى اعتراضًا بين الكلامين، فعلى الأول يكون المعنى: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم
وقلتم ما قلتم، ودبّرتم ما دبّرتم من الخداع، فموضع أن يؤتى مفعول من أجله، أو
منصوب بفعل مضمر تقديره فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوّة،
وعلى الثاني فيكون المعنى. لا تؤمنوا أي لا تقرّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم ﴿إِلاّ لِمَن
تَبعَ دِينَكُمْ﴾ واكتموا ذلك على مَن لم يتبع دينكم لئلا يدعوهم إلى الإسلام، فموضع أن
يؤتى مفعول بتؤمنوا المضمّن معنى تقرّوا، ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله:
أي لا تؤمنوا إلاَّ لمَن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم ﴿أو يُحَاجُوكُمْ﴾ عطف
على أن يؤتى، وضمير الفاعل للمسلمين، وضمير المفعول لليهود ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ردّ
على اليهود في قولهم؛ لم يؤت أحدًا مثل ما أُوتي بنو إسرائيل من النبوّة والشرف ﴿وَمِنْ
أَهْلِ الكِتَابِ﴾ الآية: إخبار أن أهل الكتاب على قسمين: أمين، وخائن. وذكر القنطار مثالاً
للكثير فمَن أدّاه: أدى ما دونه، وذكر الدنيا مثالاً للقليل، فمَن منعه منع ما فوقه بطريق
١٥٠
:
تفسير سورة آل عمران
لَا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّيِّئَنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى
اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ بَى مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ وَلَا يُحِكَلِّمُهُمُ اَللَّهُ وَلَا
يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ لْثَ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ
أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدٍ
اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْهَامَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبِّكِيْعِنَ
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿ وَلَا يَأْمُّرَّكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَتِكَةَ وَالنَّبِِّنَ
الأولى ﴿قَائِمًا﴾ يحتمل أن يكون من القيام الحقيقي بالجسد، أو من القيام بالأمر، وهو
العزيمة عليه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارة إلى خيانتهم والباء للتعليل ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ زعموا بأنّ
أموال الأمّيين، وهم العرب: حلال لهم ﴿الكَذِبَ﴾ هنا قولهم، إنّ الله أحلّها عليهم في
التوراة أو كذبهم على الإطلاق ﴿بَلَى﴾ عليهم سبيل وتباعة في أموال الأمّيين ﴿بِعَهْدِهِ﴾
الضمير يعود على مَن أو على الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية: قيل نزلت في اليهود لأنهم
تركوا عهد الله في التوراة لأجل الدنيا، وقيل نزلت بسبب خصومة بين الأشعث من قيس
وآخر، فأراد خصمه أن يحلف كاذبًا ﴿وإنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير عائد على أهل الكتاب ﴿يَلْؤُونَ
أَلْسِنَتَهُم﴾ أي يحرّفون اللفظ أو المعنى ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ الضمير يعود على ما دلّ عليه قوله
يلوون ألسنتهم، وهو الكلام لمحرّف ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية: هذا النفي متسلّط على ﴿ثُمَّ
يَقُولُ لِلنَّاسِ﴾ والمعنى لا يدّعي الربوبية مَن آتاه الله النبوّة، والإشارة إلى عيسى عليه السلام
ردّ على النصارى الذين قالوا إنه الله، وقیل إلی محمد پے، لأن اليهود قالوا له يا محمد.
تريد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى فقال معاذ الله ما بذلك أُمِرت ولا إليه دعوت
﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ جمع ربّاني، وهو العالم، وقيل الربّاني الذي يربّ الناس بصغار العلم قبل كباره
﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء سببية وما مصدرية ﴿تَعَلِّمُونَ﴾ بالتخفيف تعرفون. وقرىء بالتشديد من
التعلیم.
.. 1
﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ بالرفع استئناف، والفاعل الله أو البشر المذكور، وقرىء بالنصب
عَطف على أن يؤتيه أو على ثم يقول، والفاعل على هذا البشر ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقٌ
١٥١
تفسير سورة آل عمران
، وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن
أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ
كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ (٨) فَمَن تَوَلَى بَعْدَ
ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٨) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَاتِ
وَاَلْأَرْضِ لطَوَعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (يَ قُلْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ
مِن رَّبِّهِمْ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ أَلْإِسْلَئِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ
كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوَاْ
٨٥
مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
النَّبِيِّينَ﴾ معنى الآية أنّ الله أخذ العهد والميثاق على كل نبيّ أن يؤمن بمحمد صلّى الله عليه
وآله وسلّم، وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ هذا الميثاق على أمم الأنبياء، واللام في
قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم﴾ لام التوطئة، لأنّ أخذ الميثاق في معنى الاستخلاف، واللام في
لتؤمننّ جواب القسم، وما يحتمل أن تكون شرطية، ولتؤمننّ سدّ مسدّ جواب القسم
والشرط. وأن تكون موصولة بمعنى الذي آتيناكموه ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ والضمير في به ولتنصرنّه
عائد على الرسول ﴿أأقْرَرْتُمْ﴾ أي اعترفتم ﴿إِضْرِي﴾ عهدي ﴿فاشْهَدُوا﴾ أي على أنفسكم
وعلى أُممكم بالتزام هذا العهد ﴿وَأَنَا مَعَكُم﴾ تأكيد للعهد بشهادة ربّ العزّة جلّ جلاله
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أَي مَن تولّى عن الإيمان بهذا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد هذا الميثاق
فهو فاسق مرتدّ متمرّد في كفره ﴿أَفَغَيْرَ﴾ الهمزة للإنكار، والفاء عطفت جملة على جملة،
وغير مفعول قدّم للاهتمام به أو للحصر ﴿وله أَسْلَمَ﴾ أي انقاد واستسلم ﴿طَوْعًا وَكَرْهَا﴾
مصدر صدّر في موضع الحال، والطوع للمؤمنين والكره للكافر إذا عاين الموت، وقيل عند
أخذ الميثاق المتقدّم، وقيل إقرار كل كافر بالصانع هو إسلامه كرهًا ﴿قُلْ آمَنَّ﴾ أمر النبي
صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يخبر عن نفسه وعن أمّته بالإيمان ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ تعدّى هنا
بعلى مناسبة لقوله قل، وفي البقرة بإلى لقوله قولوا. لأن على -رف استعلاء يقتضي النزول
من علو. ونزوله على هذا المعنى مختصّ بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. وإلى حرف
غاية وهو موصل إلى جميع الأمّة ﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾ الآية: إبطال لجميع الأديان غير الإسلام،
وقيل نسخت: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى الآية ﴿کیفَ﴾ سؤال والمراد به هنا
استبعاد الهدى ﴿قَوْمًا كَفَرُوا﴾ نزلت في الحرث بن سويد وغيره أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا
١٥٢
تفسير سورة آل عمران
أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الْهَا أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ
عَلَيَّهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ
يُنظَرُونَ (َ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ الْلَهَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ
إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ(٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَا تُواْ
وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اقْتَدَى بِ= أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌ
وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ (٩) لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ
عَلِيمٌ جَ﴾ِ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّ لِّبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّ يلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ
بالكفّار ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾،
فرجعوا إلى الإسلام؛ وقيل نزلت في اليهود والنصارى شهدوا بصفة النبي صلّى الله عليه
وآله وسلّم وآمنوا به ثم كفروا به لما بعث، وشهدوا عطف على إيمانهم، لأنّ معناه بعد أن
آمنوا، وقيل الواو للحال، وقال ابن عطية. عطف على كفروا والواو لا ترتب ﴿والنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ عموم بمعنى الخصوص في المؤمنين أو على عمومه وتكوّن اللعنة في الآخرة
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الضمير عائد على اللعنة، وقيل على النار وإن لم تكن ذكرت؛ لأنّ المعنى
يقتضيها ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا﴾ قيل هم اليهود كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى، ثم ازدادوا
كفرًا بكفرهم بمحمد بل﴾ وقيل كفروا بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد أن كانوا مؤمنين
قبل مبعثه، ثم ازدادوا كُفْرًا بعداوتهم له وطعنهم عليه؛ وقيل هم الذين ارتدّوا ﴿لَّن تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ﴾ قيل ذلك عبارة عن موتهم على الكفر: أي ليس لهم توبة فثقبل، وذلك في قوم
بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر، وقيل لن تقبل توبتهم مع إقامتهم على الكفر. فذلك عامّ
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحِدِهِم مِّلْءُ﴾ جزم بالعذاب لكل مَن مات على الكفر. والواو في قوله:
ولو افتدى به، قيل زائدة وقيل للعطف على محذوف، كأنه قال: لن يقبل من أحدهم لو
تصدّق به ﴿وَلَوْ افْتَدَى بِهِ﴾ وقيل نفى أولاً القبول جملة على الوجوه كلها، ثم خصّ الفدية
بالنفي كقولك: أنا لا أفعل كذا أصلاً ولو رغبت إليّ ﴿لَنْ تَتَالُوا البِرَّ﴾ أي لن تكونوا من
الأبرار ولن تنالوا البِرَّ الكامل ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ من أموالكم ولما نزلت قال أبو
طلحة إنّ أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة، وكان ابن عمر يتصدّق بالسكر ويقول إني
الأحبّه ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ الآية إخبار أن الأطعمة كانت حلالاً لبني إسرائيل ﴿إِلاّ مّا حَرَّمَ
إِسْرَائِيلَ﴾ أبوهم ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو لحم الإبل ولبنها ثم حرّمت عليهم أنواع من الأطعمة
١٥٣
تفسير سورة آل عمران
تُنَزَّلَ التَّوْرَنَةُ قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ () فَمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اُللَّهِ الْكَذِبَ
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ لْأَ قُلْ صَدَقَ الَهُ فَاتَّبِعُواْ مِنَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
اُْشْرِكِينَ (٤) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ لَ فِيهِ ءَايَتُ بَيِنَكُ
مَّقَامُ إِنْزَهِيَّمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّاً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ
كالشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم، وفيها ردِّ عليهم في قولهم إنهم على مِلّة.
إبراهيم عليه السلام وأن الأشياء التي هي محرّمة كانت محرّمة على إبراهيم، وفيها دليل
على جواز النسخ ووقوعه لأن الله حرّم عليهم تلك الأشياء بعد حلّها، خلافًا لليهود في
قولهم إن النسخ مُحال على هذه الأشياء، وفيها معجزة للنبي وَّ لإخباره بذلك من غير
تعلّم من أحد وسبب تحريم إسرائيل لحوم الإبل على نفسه أنه مرض فندر إن شفاه الله أن
يحرّم أحبّ الطعام إليه شكرًا لله وتقرّباً إليه، ويؤخذ من ذلك أنه يجوز للأنبياء أن يحرّموا
على أنفسهم باجتهادهم ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ تعجيزًا لليهود، وإقامة حجة عليهم، ورُوِيَ أنهم
لم يجسروا على إخراج التوراة ﴿فَمَن افْتَرَى﴾ أي مَن زعم بعد هذا البيان أن الشحم وغيره
كان محرّمًا على بني إسرائيل قبل نزول التوراة فهو الظالم المكابر بالباطل ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي
الأمر كما وصف لا كما تكذبون أنتم ففيه تعريض بكذبهم ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلزام لهم
أن يسلموا كما ثبت أن مّة الإسلام هي مّة إبراهيم التي لم يحرم فيها شيء مما هو محرّم
عليهم ﴿إِنّ أوَّلَ بَيْتٍ﴾ أي أول مسجد بُنِيَ في الأرض، وقد سأل أبو ذرّ النبي صلّى الله
عليه وآله وسلّم، أيّ مسجد بُنِيَ أول؟ قال: المسجد الحرام، ثم بيت المقدس، وقال
عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المعنى أنه أول بيت وضع مباركًا وهدى وقد كانت قبله
بيوتًا ﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل هي مكة والباء بدل من الميم، وقيل مكة الحرم كله، وبكة المسجد وما
حوله ﴿مُبَارَكًا﴾ نصب على الحال والعامل فيه على قول عليّ وضع ﴿مُبَارَكًا﴾ على أنه حال
من الضمير الذي فيه وعلى القول الأول هو حال من الضمير المجرور والعامل فيه العامل
المجرور من معنى الاستقرار ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ آيات البيت كثيرة، منها الحجر الذي هو
مقام إبراهيم وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال البناء ارتفع به
الحجر في الهواء حتى أكمل البناء، وغرقت قدم إبراهيم في الحجر كأنها في طين، وذلك
الأثر باقٍ إلى اليوم، ومنها أن الطيور لا تعلوه، ومنها إهلاك أصحاب الفيل، ورد الجبابرة
عنه ونبع زمزم لهاجر أَمّ إسماعيل بهمز جبريل بعقبه وحفر عبد المطّلب بعدد ثورها وأن
ماؤها ينفع لما شرب له إلى غير ذلك ﴿مَّقَامَ إبْرَاهِيمَ﴾ قيل إنه بدل من الآيات أو عطف
١٥٤
تفسير سورة آل عمران
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ (١٠) قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَلَهُ شَهِيدُ عَلَ مَا
تَعْمَلُونَ (٨َّ قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ
شُهَدَاءُ وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٤٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ يُذُوكُمْ بَعْدٌ إِيَيِّكُمْ كَفِرِينَ ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ, وَمَن يَعْنَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ (١٠) بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِ.
بيان، وإنما جاز بدل الواحد من الجمع لأن المقام يحتوي على آيات كثيرة لدلالته على
قدرة الله تعالى وعلى نبوّة إبراهيم وغير ذلك، وقيل الآيات: مقام إبراهيم، وأمن مَّن
دخله، فعلى هذا يكون قوله وَمَن دخله عطفًا، وعلى الأول استئنافًا، وقيل التقدير منهن.
مقام إبراهيم، فهو على هذا مبتدأ، والمقام هو الحجر المذكور، وقیل البيت كله، وقيل
مكة كلها ﴿كَانَ آمِنَا﴾ أي آمنًا من العذاب، فإنه كان في الجاهلية إذا فعل أحد جريمة ثم
لجأ إلى البيت لا يطلب، ولا يعاقب، فأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود ولا
من القصاص، وقال ابن عباس وأبو حنيفة ذلك الحكم باقٍ في الإسلام إلاّ أن مَن وجب
عليه حدّ أو قصاص فدخل الحرم لا يطعم ولا يباع منه حتى يخرج وقيل آمنًا من النار
﴿حِجُ الْبَيْتِ﴾ بيان لوجوب الحج واختلف هل هو على الفور أو على التراخي، وفي الآية.
ردّ على اليهود لما زعموا أنهم على ملة إبراهيم قيل لهم إن كنتم صادقين فحجّوا البيت
الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إليه ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من الناس، وقيل فاعل بالمصدر،
وهو حج؛ وقيل شرط مبتدأ: أي مَن استطاع فعليه الحج؛ والاستطاعة عند مالك هي
القدرة على الوصول إلى مكة بصحة البدن إما راجلاً وإما راكبًا مع الزاد المُبلِغِ والطريق
الآمن وقيل الاستطاعة الزاد والراحلة، وهو مذهب الشافعي وعبد الملك بن حبيب ورُوِيَ
في ذلك حديث ضعيف ﴿ومَنْ كَفَرَ﴾ قيل المعنى مَن لم يحج، وعبّر عنه بالكفر تغليظًا
كقوله {وَلّى: ((مَن ترك الصلاة فقد كفر))، وقيل أراد اليهود لأنهم لا يحجّون، وقيل مَن زعم
أن الحج ليس بواجب ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ توبيخ لليهود ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ توبيخ أيضًا. وكانوا
يمنعون الناس من الإسلام ويرومون فتنة المسلمين عن دينهم ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هنا الإسلام
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الضمير يعود على السبيل أي تطلبون لها الاعوجاج ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي
تشهدون أن الإسلام حق ﴿إن تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ الآية: لفظها عامّ والخطاب للأوس والخزرج
إذا كان اليورد يريدون فتنتهم ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ إنكار واستبعاد ﴿حَقَّ تُقَاتُه﴾ قيل نسخها،
فاتقوا الله ما استطعتم، وقيل لا نسخ إذ لا تعارض فإن العباد أُمِرُوا بالتقوى على الكمال
١٥٥
تفسير سورة آل عمران
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ
١٠٠
وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَدَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَِّّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ (٢) وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِلْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٢) وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْبَيِنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (3) يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوَّةٌ
وَأَمَّا
فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
الَّذِينَ أَبْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (٢) تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا
اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ (١٢) وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [يَ كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوَّ
فيما استطاعوا تحرّزًا من الإكراه وشبهه ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي تمسكوا، والحبل هنا
مستعار من الحبل الذي تشدّ عليه اليد، والمراد به هنا القرآن، وقيل الجماعة ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾
نَهْيٌ عن التدابر والتقاطع، إذ قد كان الأوس همّوا بالقتال مع الخزرج لما رام اليهود إيقاع
الشرّ بينهم، ويحتمل أن يكون نهيًا عن التفرّق في أصول الدين ولا يدخل في النهي
الاختلاف في الفروع ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ﴾ كان بين الأوس والخزرج عداوة وحروب عظيمة
إلى أن جمعهم الله بالإسلام ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ أي حرف حفرة وذلك تشبيه لما كانوا عليه من
الكفر والعداوة التي تقودهم إلى النار ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ الآية: دليل على أن الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وقوله منكم: دليل على أنه فرض كفاية لأن من
للتبعيض، وقيل إنها لبيان الجنس، وأن المعنى كونوا أمة وتغيير المنكر يكون باليد وباللسان
وبالقلب، على حسب الأحوال ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ هم اليهود والنصارى نهى الله المسلمين
أن يكونوا مثلهم، وورد في الحديث أنه عليه السلام قال؛ افترقت اليهود على إحدى
وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث
وسبعين فرقة كلها في النهار إلاّ واحدة، قيل ومن تلك الواحدة؟ قال: مَن كان على ما أنا
وأصحابي عليه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ العامل فيه محذوف وقيل عذاب عظيم ﴿أُكَفَرْتُم بَعْدَ
إيمَانِكُمْ﴾ أي يقال لهم أكفرتم والخطاب لمَن ارتد عن الإسلام وقيل للخوارج، وقيل
لليهود لأنهم آمنوا بصفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم المذكورة في التوراة ثم كفروا به لما
بعث ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كان هنا هي التي تقتضي الدوام كقوله وكان الله غفورا رحيمًا، وقيل
١٥٦
تفسير سورة آل عمران
◌َ لَنْ
ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
◌َ ضُرِيَتْ عَلَهِمُ الذِّلَةُ
يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يُقَدِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَرَّ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ !
أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَتِهِمُ الْمَسْكَنَةُ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَالِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
١٢
لَيْسُواْ سَوَاءُ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَّءَ الََّّلِ وَهُمْ
يَعْتَدُونَ
١١٣
مَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
لَسْجُدُونَ
وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِينَ (٨٦) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللّهُ
عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَئِدُهُم مِّنَ اَللَّهِ شَيْئًا
وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (٨) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا كَمَثَلِ رِيج
فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ
كنتم في علم الله، وقيل كنتم فيما وصفتم به في الكتب المتقدّمة، وقيل كنتم بمعنى أنتم،
والخطاب لجميع المؤمنين، وقيل للصحابة خاصّة ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذَى﴾ أي بالكلام
خاصّة وهو أهون المضرّة ﴿يُوَلَّوكُمُ الأَدْبَارَ﴾ إخبار بغيب ظهر في الوجود صدقة ﴿ثُمَّ لاَ
يُنصَرُون﴾ إخبار مستأنف غير معطوف على يولّوكم، وفائدة ذلك أن تولّيهم الأدبار مقيد
بوقت القتال، وعدم النصر على الإطلاق، وعطفت الجملة على جملة الشرط والجزاء، وثم
لترتيب الأحوال لأن عدم نصرهم على الإطلاق أشدّ من تولّيهم الأدبار حين القتال ﴿إلاّ
بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ الحبل هنا العهد والذمّة ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي ليس أهل الكتاب مستويين في
دينهم ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي قائمة بالحق، وذلك فيمن أسلم من اليهود: كعبد الله بن سلام،
وثعلبة بن سعيد وأخيه أسد وغيرهم ﴿وهَمْ يَسْجُدُونَ﴾ يدلّ أن تلاوتهم للكتاب في الصلاة
﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي لن تحرموا ثوابه ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ الآية: تشبيه لنفقة الكافرين بزرع
أهلكته ريح باردة فلن ينتفع به أصحابه فكذلك لا ينتفع الكفّار بما ينفقون وفي الكلام حذف
تقديره: مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح وإنما
احتيج لهذا لأن ما ينفقون ليس تشبيهًا بالريح إنما هو تشبيه بالزرع الذي أهلكته الربح
﴿صِرَّ﴾ أي برد ﴿حَزْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ أي عصوا الله فعاقبهم بإهلاك حرثهم ﴿وَمَا
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الضمير للكفّار، أو المنافقين، أو لأصحاب الحرث، والأول أرجح، لأن
٠٢٠٠.
١٥٧
تفسير سورة آل عمران
يَظْلِمُونَ (١٦) يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْمَا عَنِتُمْ قَدْ
(١١٨)
بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنُمْ تَعْقِلُونَ
هَأَنْتُمْ أُؤْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ
عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الَ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ
تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْلَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ
اَللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمُ (١) إِذْهَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
١٢٢
قوله أنفسهم يظلمون فعل حال يدلّ على أنه للحاضرين ﴿بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ أي أولياء من
غيركم فالمعنى نَهْيٌ عن استخلاص الكفّار وموالاتهم وقيل لعمر رضي الله عنه إن هنا رجلاً
من النصارى لا أحد أحسن خطأ منه، أفلا يكتب عنك: قال إذا اتخذ بطانة من دون
المؤمنين ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي لا يقصرون في إفسادكم، والخبال الفساد ﴿وَدُوا مَا
عَنْتُمْ﴾ أي تمنوا مضرّتكم، وما مصدرية وهذه الجملة والتي قبلها صفة للبطانة أو استئناف
﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي بكل كتاب أنزله الله واليهود لا يؤمنون بقرآنكم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ
الأنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ عبارة عن شدّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، والأنامل جمع أُنملة
بضم الميم وفتحها ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ تقريع وإغاظة، وقيل دعاء ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾
الحسنة هنا: الخيرات من النصر والرزق وغير ذلك، والسيئة ضدّها ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ﴾ من
الضير بمعنى الضرّ ﴿وإذ غدوت من أهلك﴾ نزلت في غزوة أُحُد. وكان غزو رسول
الله وَّير للقتال صبيحة يوم السبت وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة وكان قد شاور
أصحابه قبل الصلاة ﴿تُبَوِّىُ المُؤْمِنِينَ﴾ تنزلهم وذلك يوم السبت حين حضر القتال، وقيل
ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة حين خرج من المدينة، وذلك ضعيف لأنه لا يقال غدوت
فيما بعد الزوال إلّ على المجاز، وقيل ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة حين شاور الناس
وذلك ضعيف لأنه لم يبوىء حينئذ مقاعد للقتال إلاّ أن يراد أنه بؤأهم بالتدبير حين
المشاورة ﴿مقاعد﴾ مواضع وهو جمع مقعد ﴿طَائِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ هم بنو حارثة من الأوس
وبنو سلمة من الخزرج، لما رأوا كثرة المشركين وقلّة المؤمنين همّوا بالانصراف فعصمهم
الله ونهضوا مع رسول الله وَ﴿ ﴿أَنْ تَفْشَلاَ﴾ الفشل في البدن هو الإعياء، والفشل في الرأي
هو العجز والحيرة وفساد العزم ﴿واللَّهُ وَلِيُهُمَا﴾ أي مثبتهما، وقال جابر بن عبد الله ما
١٥٨
تفسیر سورة آل عمران
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنَ
١٢٣
وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَزِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُمْ
١٢٤
يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾
مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (٤) وَمَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلَّ بُشْرَى
لِيَقْطَعَ طَرَفَّاً مِّنَ الَّذِينَ
لَكُمْ وَلِنَظْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لَّ
كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَاسِبِينَ الَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظَلِمُونَ (١٦) وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن كَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ غَفُورٌ
وددنا أنها لم تنزل لقوله والله وليهما.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَذْرٍ﴾ تذكير بنصر الله لهم يوم بدر لتقوى قلوبهم ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
الذلّة هي قلة عددهم وضعف عددهم کانوا یوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ولم یکن لهم
إلاّ فرس واحد وكان المشركون ما بين التسعمائة والألف، وكان معهم مائة فرس فقتل من
المشركين سبعون وأُسِرَ منهم سبعون وانهزم سائرهم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ متعلق بنصركم أو
باتّقوا؛ والأول أظهر ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ كان هذا القول يوم بدر، وقيل يوم أُحُد،
فالعامل في إذ على الأول محذوف، وعلى الثاني بدل من إذ غدوتٍ ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تقرير
جوابه بلى، وإنما جاوب المتكلّم لصحّة الأمر وبيانه كقوله قل: ﴿مَنِ رَبِّ السَّمَواتِ
والأرضِ قُل الله﴾ [الرعد: ١٦] ﴿ويأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ﴾ الضميرِ للمشركين، والفور
السرعة: أي من ساعتهم وقيل المعنى من سفرهم ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ بأكثر من العدد الذي
یکفیکم لیزید ذلك في قوتكم فإن کان هذا یوم بدر، فقد قاتلت فيه الملائكة وإن کان یوم
أُحُد فقد شرط في قوله: ﴿إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، فلما خالفوا الشرط لم تنزل الملائكة
﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بفتح الواو وكسرها أي معلمين، أو معلمين أنفسهم أو خيلهم، وكانت سيما
الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، إلاّ جبريل فإنه كانت عمامته صفراء، وقيل كانت عمائمهم
صفر، وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب وقيل كانوا على خيل بلق ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ الضمير عائد
على الإنزال، أو الإمداد ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ معطوف على بشرى لأن هذا الفعل بتأويل المصدر،
وقيل يتعلق بفعل مضمر بدلّ عليه جعله ﴿لِيَقْطَعَ﴾ يتعلق بقوله ولقد نصركم الله أو بقوله
وما النصر ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة اعتراضية بين المعطوفين ونزلت لمّا دعا رسول
الله ◌َّ في الصلاة على أحياء من العرب فترك الدعاء عليهم ﴿أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معناه
يسلمون ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ كانوا يزيدون كل ما حلّ عامًا بعد عام ﴿سَارِعُوا﴾ بغير واو
١٥٩
تفسير سورة آل عمران
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
١٢٩
رَّحِيمٌ
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
١٣١
وَأَتَّقُواْ النَّارَ الَتِىّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ
١٣٠
Os
تُفْلِحُونَ
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
١٣
تُرْحَمُونَ
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السََّّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ
١٣١
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ
النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ لَـ
فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ
بَ أُؤْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ
يَعْلَمُونَ [
فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعَمِلِينَ ﴿ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ الِثَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٧) وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ الَّ إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْعُ مِّثْلُهُ.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا
استئناف، وبالواو عطف على ما تقدّم ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ أي إلى الأعمال متى تستحقون بها
المغفرة ﴿عَرْضُهَا﴾ قال ابن عباس: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط
الثياب فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلاّ الله: وقيل ليس العرض هنا خلاف الطول
وإنما المعنى سعتها كسعة السموات والأرض ﴿فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ﴾ في العسر واليسر
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حذف مفعوله وتقديره وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ
سُنَنٌ﴾ خطاب للمؤمنين تأنيسًا لهم وقيل للكافرين تخويفًا لهم ﴿فَانظُرُوا﴾ من نظر العين
عند الجمهور وقيل هو بالفكر ﴿ولا تَهِنُوا﴾ تقوية لقلوب المؤمنين ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ إخبار
بعلوّ كلمة الإسلام ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْعٌ﴾ الآية معناها إن مسّكم قتل أو جراح في أحد فقد
مسّ الكفّار مثله في بدر، وقيل قد مسّ الكفّار يوم أُحُد مثل ما مسّكم فيه فإنهم نالوا منكم
ونلتم منهم وذلك تسلية للمؤمنين بالتأسّي ﴿ُدَاوِلُهَا﴾ تسلية أيضًا عمّا جرى يوم أُحُد
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره أصابكم ما أصابهم يوم أُحُد ليعلم والمعنى ليعلم ذلك
علمًا ظاهرًا لكم تقوم به الحجة ﴿شُهَدَاءَ﴾ مَن قتل من المسلمين يوم أُحُد ﴿وَلِيُمَخّصَ
اللَّهُ﴾ أي يظهر، وقيل يميز، وهو معطوف على ما تقدّم من التعليلات لقصة أحد، والمعنى
أن إدالة الكفّار على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين وأن نصر المؤمنين على الكفّار
١٦٠
تفسير سورة آل عمران
، وَ لِيُمَّحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ الَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
يُحِبُّ الَّلِينَ
١٤
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ ﴿) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ
أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٣٢) وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِن ◌َّاتَ
أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى أَللَّهُ
الشَّذكِرِينَ (١) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ
الدُّنْيَا نُؤْتِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّكِنَّ ◌ِجَ وَكَيِّنِ مِن نَّبِيٍّ
قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُ
إنما هو ليمحق الله الكافرين أي يهلكهم ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أم هنا منقطعة مقدّرة بيل والهمزة عند
سيبويه، وهذه الآية وما بعدها معاتبة لقوم من المؤمنين صدرت منهبم أشياء يوم أُحُد
﴿تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ خوطب به قوم فاتتهم غزوة بدر فتمنّوا حضور قتال الكفّار مع النبي صلّی
الله عليه وآله وسلّم ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد فعلى هذا إنما تمنّوا الجهاد وهو سبب
الموت، وقيل إنما تمنّوا الشهادة في سبيل الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ﴾ المعنى أن
محمدًاً وَ* رسول كسائر الرَّسُل قد بلغ الرسالة كما بلغوا فيجب عليكم التمسّك بدينه في
حياته وبعد موته وسببها أنه صرخ صارخ يومٍ أُحُد. إن محمدًا قد مات، فتزلزل بعض
الناس ﴿أفَإِن مَّاتَ﴾ دخلت ألف التوبيخ على جملة الشرط والجزاء، ودخلت الفاء لتربط
الجملة الشرطية بالجملة التي قبلها والمعنى أن موت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو
قتله لا يقتضي انقلاب أصحابه على أعقابهم، لأن شريعته قد تقرّرت وبراهينه قد صحّت،
فعاتبهم على تقدير أن لو صدر منهم انقلاب لو مات وَلته، أو قتل وقد علم أنه لا يقتل
ولكن ذكر ذلك لما صرخ به صارخ ووقع في نفوسهم ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال علي بن أبي طالب
رضي الله عنه: الثابتون على دينهم ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ نصب على المصدر لأنّ المعنى كتب
الموت كتابًا، وقال ابن عطية نصب على التمييز ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ في ثواب الدنيا، مقيد
بالمشيئة بدليل قوله: ﴿عجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لمَن نُرِيد﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّ
قَتَلَ﴾ الفعل مسند إلى ضمير النبيّ ومعه ربيون على هذا في موضع الحال، وقيل إنه مسند
إلى الربيين، فيكون ربيون على هذا مفعولاً لما لم يُسَمّ فاعله فعلى الأوّل يوقف على قوله
قتل، ويترجّح الأوّل: بما صرح به الصارخ يوم أحد: إنّ محمدًا قد مات، فضرب لهم
المثل بنبيِّ قتل، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل قطّ نبي في محاربة ﴿رِيِّئُونَ﴾ علماء مثل
T.