النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ تفسير سورة البقرة الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اُللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُ قَدْ بَيَّنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١) إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُشْشَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ [َ) وَلَن تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَلَى حَتَّى تَّعَ مِلَّتَهُمَّ قُلْ مطلوب وحمله المفسّرون على حقيقته، وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة: أحدها: أن الشيء الذي يقول له كن فيكون هو موجود في علم الله وإنما يقول له كن ليخرجه إلى العيان لنا، والثاني: أن قوله كن لا يتقدّم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه قاله الطبري، والثالث: أنّ ذلك خطابًا لمَن كان موجودًا على حاله فيأمر بأن يكون على حالة أخرى: كإحياء الموتى، ومسخ الكفّار وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير مخصّص والرابع: أن معنى يقول له: يقول من أجله، فلا يلزم خطابه: والأوّل أحسن هذه الأجوبة، وقال ابن عطية تلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله عزّ وجلّ لم يزل آمرًا للمعدومات بشرط وجودها، فكلّ ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، فيكون رفع على الاستثناء، قال سيبويه: معناه فهو يكون، قال غيره: يكون عطف على يقول، واختاره الطبري، وقال ابن عطية: وهو فاسد من جهة المعنى، ويقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وفي هذا نظر ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ هم هنا وفي الموضع الأول كفّار العرب على الأصح، وقيل هم اليهود والنصارى ﴿لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ لولا هنا عرض، والمعنى أنهم قالوا: لن نؤمن حتى يكلمنا الله ﴿أَو تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ أي دلالة من المعجزات كقولهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا وما بعده ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ يعني اليهود والنصارى على القول بأن الذين لا يعلمون كفّار العرب، وأما على القول بأن الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، فالذين من قبلهم هم أمم الأنبياء المتقدمين ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الضمير للذين لا يعلمون، وللذين من قبلهم، وتشابه قلوبهم في الكفر أو في طلب ما لا يصحّ أن يطلب، وهو كقولهم لولا يكلمنا الله ﴿قد بَيَّنًا الآياتِ﴾ أخبر تعالى أنه قد بيّن الآيات لعنادهم ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِ﴾ خطابًا للنبي ◌َّ، والمراد بالحق التوحيد، وكل ما جاءت به الشريعة ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ تبشّر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكافرين بالنار، وهذا معنى حديث وقع ﴿وَلاَ تَسْأَل﴾ بالجزم نهي، وسببها أن النبي ◌ّ سأل عن حال آبائه في الآخرة فنزلت، وقيل إن ذلك على معنى التهويل كقولك: لا تسأل عن فلان لشدّة حاله، وقرأ غير نافع بضم التاء واللام: أي لا تسأل في القيامة عن ذنوبهم . التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ٦ ٨٢ تفسير سورة البقرة إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىنَّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَآءَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَا مِنَ الَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَوَتِّ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءُ وَمِنِيَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَِكَ هُمُ يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١) وَأَتَّقُواْ ١٢ اَْسِرُونَ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ (خَمْ﴾ وَإِ أَبْتَلَّ إِرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَّمَّهُنِّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَِّيٌ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ﴿مِلَّتِهِمْ﴾ ذكرها مفردة وإن كانت ملّتين؛ لأنهما متفقتان في الكفر، فكأنهما ملّة واحدة ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ لا ما عليه اليهود والنصارى، والمعنى: أن الذي أنت عليه يا محمد هو الهدى الحقيقي لأنه هدى من عند الله بخلاف ما يدّعيه اليهود والنصارى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ جمع هوى، ويعني به ما هم عليه من الأديان الفاسدة والأقوال المضلّة؛ لأنهم اتّبعوها بغير حجة بل بهوى النفوس والضمير اليهود والنصارى، والخطاب لمحمد وَ﴾، ومن علم الله أنه لا يتبع أهواءهم، ولكن قال ذلك على وجه التهديد لو وقع ذلك، فهو على معنى الفرض والتقدير، ويحتمل أن يكون خطابًا له وَل﴾، والمراد غيره ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ﴾ يعني المسلمين، والكتاب على هذا: القرآن، وقيل هم من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب على هذا التوراة، ويحتمل العموم، ويكون الكتاب اسم جنس ﴿یتْلُونَهُ حقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي يقرؤونه کما یجب من التدبّر له والعمل به، وقيل معناه يتبعونه حق اتباعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والأولى أظهر، فإن التلاوة وإن كانت تقال بمعنى القراءة، وبمعنى الاتباع فإنه أظهر في معنى القراءة لا سيما إذا كانت تلاوة الكتاب، ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، ويكون الخبر أولئك يؤمنون، وهذا أرجح، لأن مقصود الكلام الثناء عليهم بالإيمان، أو إقامة الحجة بإيمانهم على غيرهم ممّن لم يؤمن. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية: تقدّم الكلام على نظيرتها ﴿وإذ ابْتَلَى﴾ أي اختبر، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره اذكر، وقوله ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ قيل: مناسك الحج، وقيل: خصال الفطرة العشرة، وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وقصّ الشارب، وإعفاء اللحية، وقصّ الأظافر، ونتف الإبطين، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقيل هي ثلاثون خصلة: عشرة ذكرت في براءة من قوله: ﴿التَّائِبُون العَابِدُون﴾ [التوبة: ١١٢]، وعشرة في الأحزاب من قوله: ﴿إنّ المُسْلِمِين والمُسْلِمَات﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعشرة في ٨٣ تفسير سورة البقرة وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَا إِلَ ١٢٤ الظَّالِمِينَ أَوَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتَِ لِلَّطَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالزُّكَمعِ السُّجُودِ لَـ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًّاَ ءَامِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ اَلْأَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيُ [®) وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ المعارج من قوله: ﴿إِلّ المُصَلّين﴾ [المعارج: ٢٢] ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي عمل بهنّ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ استفهام أو رغبة ﴿عَهْدِي﴾ الإمامة ﴿البَيْتَ﴾ الكعبة ﴿مَثَابَةٌ﴾ اسم مكان من قولك ثاب إذا رجع، لأن الناس يرجعون إليه عامًا بعد عامّ ﴿واتَّخِذُوا﴾ بالفتح إخبار عن المتبعين لإبراهيم عليه السلام، وبالكسر إخبار لهذه الأمّة، وافق قول عمر رضي الله عنه: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى، وقيل أمر لإبراهيم وشيعته، وقيل لبني إسرائيل فهو على هذا عطف على قوله: اذكروا نعمتي، وهذا بعيد ﴿مِنْ مَّقَام إبْرَاهِيمَ﴾ هو الحجر الذي صعد به حين بناء الكعبة، وقيل المسجد الحرام ﴿وعهدنا﴾ عبارة عن الأمر والوصية ﴿طَهِرَا بَيْتِيَ﴾ عبارة عن بنيانه بنية خالصة كقوله: أُسِّس على التقوى وقيل المعنى طهّراه عن عبادة الأصنام ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الذين يطوفون بالكعبة وقيل الغرباء القادمون على مكة والأوّل أظهر ﴿والْعَاكِفِينَ﴾ هم المعتكفون في المسجد وقيل المصلّون وقيل المجاورون من الغرباء، وقيل أهل مكة، والعكوف في اللغة اللزوم ﴿بَلَدَا﴾ يعني مكة ﴿آَمِنَا﴾ أي مما يصيب غيره من الخسف والعذاب، وقيل آمنًا من إغارة الناس على أهله لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض، وكانوا لا يتعرّضون لأهل مكة، وهذا أرجح لقوله: أوَ لم نمكّن لهم حرمًا آمنًا ويتخطّف الناس من حولهم، فإن قيل: لِمَ قال في البقرة ﴿بَلَدَا آَمِنَا﴾ فعرّف في إبراهيم، ونكر في البقرة؟ أُجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة ((الجواب الأول)) قاله أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير، وهو أنه تقدّم في البقرة ذكر البيت في قوله: ﴿القواعد من البيت﴾، وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه، فلم يحتج إلى تعريف، بخلاف آية إبراهيم، فإنها لم يتقدّم قبلها ما يقتضي ذكر البلد ولا المعرفة به، فذكره بلام التعريف (الجواب الثاني)) قاله السهيلي وهو أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان بمكة حين نزلت آية إبراهيم لأنها مكيّة فلذلك قال فيه البلد بلام التعريف التي للحضور: كقولك: هذا الرجل، وهو حاضر، بخلاف آية البقرة، فإنها مدنية، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها فلم يعرفها بلام الحضور، وفي هذا نظر؛ لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم عليه السلام، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة ((الجواب الثالث)) قاله بعض المشارقة أنه ٨٤ تفسير سورة البقرة رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٦) رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٧) رَبَّنَا وَأَبْعَتْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالِحِكْمَةَ وَيُزَكْبِمٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لْلَمْ وَ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِّلَّةِ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ فِ اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ الثَّـ وَوَصَّى بِهَآ إِبَهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ (١٣) لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (٤٦) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآبِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَكُ مُسْلِمُونَ (٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمَّ ﴿ وَ قَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ فُلْ بَلْ مِلَةَ إِزَهِمَ حَنِيفًّاً ١٣٤ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُوْ يَعْمَلُونَ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣٥) قُولُوَاْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِعْمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ قال هذا بلد آمنًا قبل أن يكون بلدًا فكأنه قال اجعل هذا الموضع بلدًا آمنًا وقال هذا البلد بعد ما صار بلدًا وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين، والظاهر أنه مرة واحدة حكى لفظه فيها على وجهين ﴿مَن آمَنَ﴾ بدل بعض من كل ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أي قال الله وأرزق :مَن كفر لأنّ الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ على حذف القول أي يقولان ذلك ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ علمنا موضع الحج وقيل العبادات ﴿فِيهِمْ﴾ أي في ذرّيّتنا ﴿رَسُولاً مُّنْهُمْ﴾ هو محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولذلك قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((أنا دعوة أبي إبراهيم)) والضمير المجرور لذرّيّة إبراهيم وإسماعيل وهم العرب الذين من نسل عدنان، وأما الذين من قحطان فاختلف هل هم من ذرّيّة إسماعيل أم لا ﴿آيَاتِكَ﴾ هنا القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا هي السُّنّة ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ أي يطهّرهم من الكفر والذنوب ﴿سَفْهَ نَفْسَهُ﴾ منصوب على التشبيه بالمفعول به، وقيل الأصل في نفسه ثم حذف الجار فانتصب وقيل تمييز. ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ أي بالكلمة والملّة ﴿ويَعْقُوبُ﴾ بالرفع عطف على إبراهيم، فهو مُوصِ، وقرىء بالنصب عطفًا على نبيّه فهو موصى ﴿أَمْ كُنتُمْ﴾ أم هنا منقطعة معناها الاستفهام والإنكار، وإسماعيل كان عمّه، والعمّ يسمى أبا ﴿وَقَالُوا كُونُوا﴾ أي قالت اليهود كونوا هودًا وقالت النصارى كونوا نصارى ﴿بَلْ مِلَّةَ﴾ منصوب بإضمار فعل ﴿لا نُفَرِّقُ﴾ أي ٨٥ تفسير سورة البقرة وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتَِ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن نَّوْ فَإِّمَا هُمْ فِ شِقَاقٌ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ ا قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِىِ اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ, ١٣٨) لَهُ عَبِدُونَ إِ مُخْلِصُونَ ﴿ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ تَمَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ عَمَّا تَعْمَلُونَ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَنِهِمُ الَتِ كَانُواْ عَلَيَّهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ ١٤١ يَعْمَلُونَ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ لا نؤمن بالبعض دون البعض، وهذا برهان، لأن كل مَن أتى بالمعجزة فهو نبيّ، فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمْ﴾ وعد ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير وغير ذلك ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ونصبه على الإغراء وعلى المصدر من المعاني المتقدمة أو بدل من ملّة إبراهيم ﴿كَتّمَ شَهَادَةً﴾ من الشهادة بأن الأنبياء على الحنيفية ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق بكتم أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله ﴿سَيَقُولُ﴾ ظاهره الإعلام يقولهم قبل وقوعه، إلا أن ابن عباس قال نزلت بعد قولهم السُّفَهَاءُ﴾ هنا اليهود أو المشركون أو المنافقون ﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾ أي ما ولّى المسلمين ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمْ﴾ الأولى وهي بيت المقدس إلى الكعبة ﴿لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ﴾ الآية: ردًّا عليهم لأنّ الله يحكم ما يريد، ويولي عباده حيث شاء، لأنّ الجهات كلها له ﴿وَكَذَلِكَ﴾ بعدما هديناكم ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا﴾ أي خيارًا ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي بأعمالكم، قال عليه الصلاة والسلام أقول كما قال أخي عيسى: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم الآية، فإن قيل: لِمَ قَدّم المجرور في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وأخره في قوله ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؟ فالجواب: أنّ تقديم المعمولات يفيد الحصر، فقدّم المجرور في قوله: عليكم شهيدًا؛ لاختصاص شهادة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأمّته ولم يقدّمه في قوله شهداء على ٨٦ تفسير سورة البقرة الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ ! قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَفُوَ لْيَنَّكَ قِبْلَةً ١٤٣ إِيمَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ بَالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ تَرْضَِهَاْ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ◌َللَّهُ بِشَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ الْ﴾ وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ فِلَتَكَ وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَاِعِ قِبْلَةَ بَعْضٍٍٍّ وَلَبِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الَّالِمِينَ لَ الَّذِينَ الناس لأنه لم يقصد الحصر ﴿القِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها الكعبة، وهو قول ابن عباس. والآخر: هو بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء والسدّي. وهذا مع ظاهر قوله: كنت عليها؛ لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصلّي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة، وأما قول ابن عباس: فتأويله بوجهين: الأوّل: أنّ كنت بمعنى أنت، ولثاني: قيل إن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم صلّى إلى الكعبة قبل بيت المقدس، وإعراب التي كنت عليها مفعول يجعلنا، أو صفة للقبلة، ومعنى الآية على القولين: اختبار وفتنة للناس بأمر القِبلة، وأما على قول قتادة فإن الصلاة إلى بيت المقدس فتنة للعرب لأنهم كانوا يعظمون الكعبة، أو فتنة لمَن أنكر تحويلها، وتقديره على هذا: ما جعلنا صرف القِبلة، أمّا على قول ابن عباس: فإن الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود؛ لأنهم يعظمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون النسخ، فأنكروا صرف القِبلة، أو فتنة الضعفاء المسلمين حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القِبلة ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله ﴿ينقلب على عقبيه﴾ عبارة عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيه بنمَن رجع يمشي إلى وراء ﴿وَإِن كَانَتْ﴾ إن مخفّفة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحوّل عن القِبلة ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ قيل صلاتكم إلى بيت المقدس واستدلّ به مَن قال إن الأعمال من الإيمان، وقيل معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القِبلة ﴿تَقَلَّبَ وَجْهِكَ﴾ كان النبي ◌ََّ يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ﴾ جهة ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ﴾ خبر يتضمن النهي ووحّدت قبلتهم، وإن كانت جهتين لاتحادهم في البطلان ﴿وَمَا. بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنّ اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق. ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي يعرفون القرآن أو النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو أمر القِبلة ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ 1 ٨٧ تفسير سورة البقرة ١٤٦) ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٦) وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتَّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكْ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٤٦) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ١٥٠) كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (٨٠) فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ ( ١٥٢) أَبْتَاءَهُمْ﴾ مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أشدّ من معرفتي بابني لأنّ ابني قد يمكن فيه الشك ﴿وَلِكُلّ﴾ أي لكل أحد أو لكل طائفة ﴿وِجْهَةٌ﴾ أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل إنه مصدر، وثبت فيه الواو على غير قياس ﴿هُوَ مُوَلْيْهَا﴾ أي موليها وجهه، وقرىء مولاها أي ولاّه الله إليها، والمعنى أن الله جعل لكل أمّة قِبلة ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي بادروا إلى الأعمال الصالحات ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أي يبعثكم من قبوركم ﴿فَوَّلْ وَجْهَكَ﴾ الأمر كرر للتأكيد أو ليناط به ما بعده ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ الآية: معناها أنّ الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أُريد اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يتحوّل إلى الكعبة فلما صلّى إليها لم تبقَ لهم حجة على المسلمين، وإن أُريد قريش فحجتهم أنهم قالوا قِبلة آبائه أولى به ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي مَن يتكلم بغير حجة ويعترض التحوّل إلى الكعبة، والاستثناء متّصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس. ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممّن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة ﴿وَلَأْتِمَّ﴾ متعلق بمحذوف أي فعلت ذلك لأُتّمّ، أو معطوف على لئلا يكون ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ متعلق بقوله لأُتَمّ، أو بقوله فاذكروني، والأوّل أظهر ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال سعيد بن المسيب: معناه اذكروني بالطاعة: أذكركم بالثواب، وقيل اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك، وقد أكثر المفسّرون، ولا سيما المتصوّفة في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معاني مخصوصة، ولا دليل على التخصيص، وبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر وبينها قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كما يرويه عن ربه: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني ٨٨ تفسير سورة البقرة فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ: ذكرته في ملأ خير منهم .. والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وبهما معًا، واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال: كالصلاة وغيرها؛ فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى. والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه (الأول) النصوص الواردة بتفضيله على سائر. الأعمال، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم))؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((ذكر الله)). وسُئِلَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: ((ذكر الله))، قيل الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله؟ فقال: ((لو ضرب المجاهد بسيفه في الكفّار حتى ينقطع سيفه ويختضب دمًا: لكان الذاكر أفضل منه. (الوجه الثاني) أنّ الله تعالى حيث ما أمر بالذكر، أو أثنى على الذكر: اشترط فيه الكثرة، فقال: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، والذاكرين الله كثيرًا، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال. (الوجه الثالث) أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العليّة، والوصول إلى القرب بالذي عبّر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية، فإن الله تعالى يقول: أنا جليس من ذكرني، ويقول: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حین یذکرني. وللناس في المقصد بالذكر مقامان: فمقصد العامّة اكتساب الأجور، ومقصد الخاصّة القرب والحصور وما بين المقامين بون بعيد فكم بين مَن يأخذ أجْره وهو من وراء حجاب، وبین مَن یقرب حتی یکون من خواص الأحباب. واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة: فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والحسبلة، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والاستغفار، وغير ذلك. ولكل ذكر خاصيته وثمرته. وأما التهليل: فثمرته التوحيد: أعني التوحيد الخاصّ فإن التوحيد العامّ حاصل لكل مؤمن، وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال، وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفّار وشبه ذلك: فثمرتها ثلاث مقامات، وهي الشكر، وقوة الرجاء، والمحبة. فإن المحسن محبوب لا محالة. وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتهما التوكّل على الله والتفويض إلى الله، والثقة بالله: وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك ٨٩ تفسير سورة البقرة ◌ِ) وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى ٥٣ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّمُبِينَ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُّ بَلْ أَحْيَّةٌ وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ ◌َ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ ١٥٥٠) الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشْرِ الصَّبِينَ كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة. وأما الصلاة على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: فثمرتها شدّة المحبة فيه، والمحافظة على اتّباع سُنّته، وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدّمة. ثم إن ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا: الله، الله. فهذا هو الغاية وإليه المنتهى ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي بمعونته ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ قيل إنها نزلت في الشهداء المقتولين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلاً لما قتلوا حزن عليهم أقاربهم فنزلت الآية مبيّنة لمنزلة الشهداء عند الله وتسلية لأقاربهم، ولا يخصّها نزولها فيهم بل حكمها على العموم في الشهداء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ أي نختبركم، وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه أن يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد وليس كاختبار الناس بعضهم بعضًا، لأن الله يعلم ما كان وما يكون والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين، وقيل لكفّار قريش، والأول أظهر لقوله بعد هذا وبشّر الصابرين ﴿بِشَيءٍ مِّنَ الخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالجُوعِ﴾ بالجدب ﴿ونَقْص مِنَ الأَمْوَالِ﴾ بالخسارة ﴿وَالأَنَفُسِ والثّمَرَاتِ﴾ بالجوائح، وقيل ذلك كله بسبب الجهاد ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام للملك والمالك يفعل في ملكه ما يشاء ﴿رَاجِعُونَ﴾ تذكروا الآخرة لتهون عليهم مصائب الدنيا، وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ((مَن أصابته مصيبة فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللّهمَّ أجِرْني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها أخلف الله له خيرًا مما أصابه)). قالت أُمّ سلمة فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك فأبدلني الله به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. فائدة: ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعًا، وذلك لعظمة موقعه في الدين. قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجْر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فإنه لا يحصر أجْره، لقوله تعالى: ﴿إنما يُوفّي الصَّابِرُون أجْرَهم بغَيْرِ حِساب﴾ [الزمر: ١٠]. وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة: أوّلها المحبة، قال: ٩٠ تفسير سورة البقرة إِنَّ الصَّفَا ١٥٧ رَجِعُونَ (٥٦) أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِ اللَّهِ فَمَنْ حَتَجَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يُطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ (﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَهِنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا يَبِّشَكَةُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيِّنُواْ ﴿وَاللَّهُ يُحبُّ الصَّابِرِين﴾ [آل عمران: ١٤٦] والثاني: النصر قال: ﴿إِنْ اللَّهُ مُعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] والثالث: غرفات الجنة، قال: ﴿يُجزَونَ الغُرفة بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] والرابع الأخر الجزيل قال: ﴿إنما يُوفّى الصّابِرُون أجْرَهم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، ففيها البشارة، قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ والصلاة والرحمة والهداية ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ والصابرون على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع. وصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم التكبّر بها. وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها. وصبر عن المعاصي بكفّ النفس عنها، وفوق الصبر التسليم وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرًا، وترك الكراهة باطنًا وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعل المحبوب محبوب ﴿إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ﴾ جبلان صغيران بمكة ﴿مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي معالم دينه واحدها شعيرة أو شعارة ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ إباحة للسّعي بين الصفا والمروة والسعي بينهما واجب عند مالك والشافعي، وإنما جاء بلفظ يقتضي الإباحة لأن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهم، لأنه كان في الجاهلية على الصفا صنم يقال له أساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيمًا للصنمين، فرفع الله ما وقع في نفوسهم من ذلك، ثم إن السعي بينهما للسُّنّة، قالت عائشة رضي الله عنها ((سنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم السّعي بين الصفا والمروة، وليس لأحد تركه))، وقيل إن الوجوب يؤخذ من قوله: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وهذا ضعيف لأنّ شعائر الله: منها واجبة، ومنها مندوبة، وقد قيل إن السعي مندوب ﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصله يتطوّف ثم أُدغمت التاء في الطاء وهذا الطواف يراد به السعي سبعة أشواط ﴿ومَن تطوّع﴾ عامًّا في أفعال البرّ، وخاصة في الوجوب من السُّنّة أو معنى التطوّع بحج بعد حج الفريضة ﴿إن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ أمر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿فِي الكِتَابِ﴾ التوارة هنا ﴿اللأَّعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون، وقيل المخلوقات إلاّ الثقلين، وقيل البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق ﴿وبَيْتُوا﴾ أي شرط في ٩١ تفسير سورة البقرة فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ خَلِدِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ ١٦١ لَقَّنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ يُظَرُونَ الَ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٨٢) إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن ◌َآءٍ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ توبتهم أن يبينوا لأنهم کتموا ﴿والنّاسِ أَجمعِینَ﴾ هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص لأن المؤمنین هم الذین یعتدّ بلعنهم للكافرین، وقیل یلعنهم جميع الناس ﴿خالِدِین فیھا﴾ أي في اللعنة، وقيل في النار ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ من أنظَر إذا أخّر، أي لا يؤخّرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: ﴿ ولا يَنظُرُ إليهِم﴾ [آل عمران: ٧٧] إلاّ أن يتعدّى بإلى ﴿وإِلَهُكُم إلهٌ واحِدٌ﴾ الواحد له ثلاثة معانٍ كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد، والآخر أنه لا شريك له، والثالث أنه لا يتبعض ولا ينقسم، وقد فسّر المراد به هنا في قوله: ﴿لا إله إلاّ هو﴾، واعلم أن توحيد الخلق الله تعالى على ثلاث درجات الأولى توحيد عامّة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد. الدرجة الثانية: توحيد الخاصّة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يُغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكّل عليه وحده واطّراح جميع الخلق، فلا يرجو إلاّ الله، ولا يخاف أحدًا سواه إذ ليس يرى فاعلاً إلاّ إيّاه ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة ألاّ يرى في الوجود إلاّ الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة، وهذا الذي تسمّيه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله ﴿إِنّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ الآية ذكر فيها ثمانية أصناف من المخلوقات تنبيهًا على ما فيها من العِبَر والاستدلال على التوحيد المذكور قبلها في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ُ ﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي اختلاف وصفهما من الضياء والظلام والطول والقصر، وقيل إن أحدهما يخلف الآخر ﴿بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ من التجارة وغيرها ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياح﴾ إرسالها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع، وما ٩٢ تفسير سورة البقرة وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ ١٦٤ اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ بينهما وبصفات مختلفة فمنها ملقّحة بالشجر، وعقيم، وصر، وللنصر، وللهلاك ﴿وَالَّذِينَ آمنوا أشدّ حُبًّا للَّهِ﴾ اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين: إحداهما المحبة العامّة التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربّانيّون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر مقامات الصالحين: كالخوف، والرجاء، والتوكّل، وغير ذلك فهي مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه وأن الراجي إنما يرجو منفعة نفسيه؛ بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة، واعلم أنّ سبب محبة الله معرفته فتقوى المحبة على قدر قوّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإنّ الموجب للمحبة إحدى أمرين، وكلاهما إذا اجتمع في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال. الموجب الأوّل الحُسْن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يحبّ كل ما يستحسن، والإجمال مثل جمال الله في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول وتهيج القلوب، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر، لا بالأبصار، وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حبّ مَن أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر وإنعامه عليهم باطن وظاهر، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، ويكفيك أنه يُحسِن إلى المُطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه، وهو المستحق للمحبة وحده. واعلم أنّ محبة الله إذا تمكّنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجدّ في طاعته والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذّذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل مَن يحبّه الله وإيثاره على كلّ مَن سواه، قال الحارث المحاسبي: المحية تسليمك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسِك وروحك ثم موافقته سرًا وجهرًا ثم علمك بتقصيرك في حبه ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ من رؤية العين والذين ظلموا مفعول، وجواب لو محذوف وهو العامل في أن التقدير لو يرى الذين ظلموا لعلمت أنّ القوّة لله أو لعلموا أنّ القوّة لله، والقويّ بالياء، وهو على هذه القراءة من رؤيا القلب، والذين ظلموا فاعل، وأن القوّة مفعول يرى، وجواب لو محذوف والتقدير لو يرى ٩٣ تفسير -سورة البقرة إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ (١٦٥) اُلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا اٌلْعَذَابَ، وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ تَبَرَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ يَأَيُّهَا ١٦٧ النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ سُِّينُ ١١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (١) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اُللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَّأُ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَّدُونَ ﴿) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَآءً صُّمُ بُكْمُ عُمْىٌ الذين ظلموا أن القوّة لله لندموا، ولاستعظموا ما حلّ بهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ بدل من إذ يرون، أو استئناف والعامل فيه محذوف وتقديره اذكر ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ هم الآلهة أو الشياطين أو الرؤساء من الكفّار والعموم أولى ﴿الأسْبَابُ﴾ هنا الوصلات من الأرحام والمودّات ﴿أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي سيادتهم وقيل حسنتهم إذا لم تقبل منهم أو ما عملوا لآلهتهم ﴿كُلُوا﴾ أمر محمول على الإباحة ﴿حَلالاً﴾ حال مما في الأرض أو مفعول بكلوا أو صفة لمفعول محذوف أي سيئًا حلالاً ﴿طَيِّبًا﴾ يحتمل أن يريد الحلال ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ما يأمر به، وأصله من خطوات الشيء وقال المنذر بن سعيد يحتمل أن يكون من الخطيئة ثم سهلت همزته وقرىء بضم الطاء وإسكانها وهي لغتان ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَخْشَاءِ﴾ المعاصي ﴿وَأَن تَقُولُوا﴾ الإشراك وتحريم الحلال كالبحيرة وغير ذلك ﴿أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ رَدًّا على قولهم: بل نتبع الآية في كفّار الحرب وقيل في اليهود أنهم يتبعونهم ولو كانوا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ فدخلت همزة الإنكار على واو الحال ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية: في معناها قولان: الأوّل تشبيه الذين كفروا بالبهائم لقلّة فهمهم وعدم استجابتهم لمَن يدعوهم، ولا بدّ في هذا من محذوف، وفيه وجهان: أحدهما أن يكون المحذوف أوّل الآية والتقدير مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَتْعِقُ﴾ أي يصيح ﴿بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ وهي البهائم التي لا تسمع ﴿إِلاَّ دُعَاءَ وَنِدَاءً﴾ ولا يعقل معنى، والآخر أن يكون المحذوف بعد ذلك والتقدير مثل الذين كفروا كمثل مدعوّ الذي ينعق ويكون دعاء ونداء على الوجهين مفعولا يسمع والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها، فعلى هذا القول شبّه الكفّار بالغنم وداعيهم بالذي يزجرها وهو يصيح عليها، الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم وعبادتهم لأصنامهم بمَن ينعق بما لا يسمع لأنّ الأصنام لا تسمع شيئًا، ويكون دعاء ونداء على هذا ٩٤ تفسير سورة البقرة ﴿١) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَّكُمْ وَشْكُرُواْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ تَقْبُدُونَ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيهُ لَ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَنَّا قَلِلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُعُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا ◌ِّ أُوْ لَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةُ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [٣]، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلٌ منعطف: أي أن الداعي يتعب نفسه بالدعاء أو النداء لمَن لم يسمعه من غير فائدة، فعلى هذا شبّه الكفّار بالنعق ﴿صُمِّ﴾ وما بعده راجع إلى الكفّار وذلك غير التأويل الأوّل ورفعوا على إضمار مبتدأ ﴿واشْكُرُوا﴾ الآية: دليل على وجوب الشكر لقوله: ﴿إن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿المَنْتَةَ﴾ ما مات حتف أنفه، وهو عموم خصّ منه الحوت والجراد، وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة، ومنع مالك الجراد حتى تسبيب في بيوتها بقطع عضو منها أو وضعها في الماء وغير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك ﴿والدَّمَ﴾ يريد المسفوح لتقييده بذلك في سورة الأنعام، ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم ﴿وَلَحْمَ الِنْزِيرِ﴾ هو حرام سواء ذُكِّيَ أو لم يُذَكّ، وكذلك شحمه بإجماع، وإنما خصّ اللحم بالذكر، لأنه الغالب في الأكل ولأن الشحم تابع له، وكذلك مَن حلف أن لا يأكل لحمًا فأكل شحمًا حنث بخلاف العكس ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ أي صِيحَ لأنهم كانوا يصيحون باسم مَن ذبح له ثم استعمل في النّة في الذبح ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الأصنام وشبهها ﴿اضْطُرَ﴾ بالجوع أو بالإكراه، وهو مشتق من الضرورة ووزنه افتعل وأبدل من التاء طاء ﴿غَهَرَ بَاغْ وَلاَ عَادِ﴾ قيل باغ على المسلمين، وعادٍ عليهم، ولذلك لم يرخص مالك في رواية عنه للعاصي بسفره أن يأكّل لحم الميتة، والمشهور عنه الترخيص له، وقيل غير باغ باستعمالها من غير إضرار؛ وقيل باغ أي متزايد على إمساك رمقه ولهذا لم يُجِز الشافعي للمضطر أن يشبع من الميتة قال مالكَ بل يشبع ويتزوّد ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ رفع للحرج، ويجب على المضطر أكل الميتة لئلا يقتل نفسه بالجوع وإنما تدلّ الآية على الإباحة لا على الوجوب. وقد اختلف هل يُباج له ميتة بني آدم أم لا، فمنعه مالك وأجازه الشافعي لعموم الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ﴾ أي أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار فوضع السبب موضع المسبّب، وقيل يأكلون النار في جهنم حقيقة ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ عبارة عن غضبه عليهم، وقيل لا يكلمهم بما يحبّون ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يثني عليهم ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجب ٩٥ تفسير سورة البقرة ◌َلَّيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ اُلْكِنَبَ بِالْحَقُّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَقُواْ فِى الْكِتَبِ لِ شِقَاقِ بَعِيدٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيِّئِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى خُّبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ وَحِيْنَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَبِّكَ هُمُّ الْمُنَّقُونَ إِنْهَ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ من جرأتهم على ما يقودهم إلى النار أو من صبرهم على عذاب النار في الآخرة، وقيل إنها استفهام، وأصبرهم بمعنى صبرهم، وهذا بعيد، وإنما حَمَلَ قائلَهُ عليه اعتقاده أن التعجّب مستحيل على الله لأنه استعظام خفي سببه، وذلك لا يلزم فإنه في حق الله غير خفي السبب ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى العذاب ورفعه بالابتداء أو بفعل مضمر ﴿بأن الله﴾ الباء سببية ﴿نَزَّلَ الكِتَابَ﴾ القرآن هنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالواجب، أو بالإخبار الحق أي الصادق، والباء فيه سببية أو للمصاحبة ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والكتاب على هذا التوراة والإنجيل، وقيل الذين اختلفوا العرب، والكتاب على هذا القرآن ويحتمل جنس الكتاب في الموضعين ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي بعيد من الحق والاستقامة ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية: خطاب لأهل الكتاب لأن المغرب قِيلَة اليهود، والمشرق قِبلَة النصارى: أي إنما البِرَّ التوجّه إلى الكعبة، وقيل خطاب للمؤمنين أي ليس البِرَّ الصلاة خاصّة، بل البِرَّ جميع الأشياء المذكورة بعد هذا ﴿وَلَكِنَّ الِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ لا يصحّ أن يكون خبرًا عن البِرُ فتأويله: لكن صاحب البِرّ مَن آمن أو لكن البرّ برّ مَن آمن أو يكون البرّ مصدرًا وصف به ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ صدقة التطوّع، وليست بالزكاة لقوله بعد ذلك: وآتى الزكاة ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ الضمير عائد على المال لقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِم﴾ [الحشر: ٩] الآية وهو الراجح من طريق المعنى. وعود الضمير على الأقرب وهو على هذا تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل يعود على مصدر آتَى، وقيل على الله ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما بعده ترتيب بتقديم الأهم فالأهم، والأفضل لأنّ الصدقة على القرابة صدقة وصلة بخلاف مَن بعدهم. ثم اليتامى لصغرهم وحاجتهم ثم المساكين للحاجة خاصّة، وابن السبيل الغريب، وقيل الضعيف، والسائلين وإن كانوا غير محتاجين، وفي الرقاب عتقها ﴿والْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ أي العهد مع الله ومع الناس ﴿والصَّابِرِينَ﴾ نصب بإضمار فعل ﴿فِي البَّأْسَاءِ﴾ الفقر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾ القتال ﴿صَدَقُوا﴾ في القول والفعل والعزيمة. ٩٦ تفسير سورة البقرة اَلْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِىّ الْثِرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِمُ الَّ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ أي شرع لكم، وليس بمعنى فرض، لأنّ وليّ المقتول مُخَيّر بين القصاص والديّة والعفو، وقيل بمعنى فرض أي فرض على القاتل الانقياد على القصاص، وعلى وليّ المقتول أن لا يتعدّاه إلى غيره كفعل الجهلة وعلى الحاكم التمكين من القصاص ﴿الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأَنْثَى بِالأُثْثَى﴾ ظاهره اعتبار التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، ولا يقتل حرّ بعبد، ولا ذكر بأنثى إلاّ أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى، وزاد قوم أن يعطي أولياءها حينئذ نصف الديّة لأولياء الترجل المقتصر منه خلاف لمالك والشافعي وأبو حنيفة، وأما قتل الحرّ بالعبد فهو مذهب أبي حنيفة خلافًا لمالك والشافعي، فعلى هذا لم يأخذ أبو حنيفة بشيء من ظاهر الآية لا في الذكورية ولا في الحرية لأنها عنده منسوخة، وأخذ مالك بظاهر ها في الحرية كما في الذكورية وتأويلها عنده أن قوله الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والأُنثى بالأُنثى، والأُنثى بالذكر، والذكر بالأُنثى، ثم كرّر قوله: الأُنثى بالأُنثى: تأكيدًا للتجديد، لأنّ بعض العرب إذا قتل منهم أُنثى قتلوا بها ذكرًا تكبّرًا وعدوانًا، وقد يتوجّه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السُّنّة، وهو قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يقتل حرّ بعبد، والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله النفس بالنفس على أن هذا ضعيف، لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الآية: فيها تأويلان: أحدهما أن المعنى مَن قتل منفي عنه فعليه أداء الديّة بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتّباعه بها على وفاء فعلى هذا من كناية عن القاتل وأخوه هو المقتول أو وليه، وعفى من العفو عن القصاص، وأصله أن يتعدّى بعن، وإنما تعدّى هنا باللام لأنه كقولك تجاوزت لفلان عن ذنبه، وعلى الثاني أن مَن أعطتيه الديّة فعليه اتّباع المعروف، وعلى القاتل أداء بإحسان، فعلى هذا من كناية عن أولياء المقتول، وأخوه هو القاتل أو عاقلته، وعفي بمعنى يسّر: كقوله خذ العفو أي ما تيسّر، ولا إشكال في تعدّي عفي باللام على هذا المعنى ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ إشارة إلى جواز أخذ الديّة لأن بني إسرائيل لم يكن عندهم ديّة، وإنما هو القصاص ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي قتل قاتل وليّه بعد أن أخذ منه الديّة ﴿عَذَايٍّ أَلِمْ﴾ القصاص منه وقيل عذاب الآخرة ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ بمعنى قولهم القتل أبقى ٩٧ تفسير سورة البقرة حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ ١٨١ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؛ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلِضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (*) أَيَامًا مَّعْدُ ودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِذَا شَهْرُ للقتل أي أن القصاص يردع الناس عن القتل، وقيل المعنى أن القصاص أقلّ قتلاً، لأنه قتل واحد بواحد، بخلاف ما كان فى الجاهلية من اقتتال قبيلتى القاتل والمقتول حتى يقتل بسبب ذلك جماعة ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ كانت فرضًا قبل الميراث ثم نسخها آية الميراث مع قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا وصيّة لوارث)) وبقيت الوصية مندوبة لمَن لا يرث من الأقربين، وقيل معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ، والأوّل أشهر ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي فرض، والقصد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وبقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ تسهيل الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذار عن كتبه عليهم وملاطفة جميلة، والذي كتب على الذين من قبلنا الصيام مطلقًا، وقيل كتب على الذين من قبلنا رمضان فبدّلوه ﴿أَيَّامًا﴾ منصوب بالصيام أو بمحذوف، ويبعد انتصابه بتتّقون ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا﴾ الآية: إياحة للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك، وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى فحوى الخطاب، والتقدير: فمَن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر فعليه عدّة من أَيام أُخَر، ولم يفعل الظاهرية بهذا المحذوف فرأوا أنّ صيام المسافر والمريض لا يصحّ، وأوجبوا عليه عدّة من أيام أُخر، وإن صام في رمضان، وهذا منهم جهل بكلام العرب، وليس في الآية ما يقتضي تحديد السفر، وبذلك قال الظاهرية، وحدّه في مشهور مذهب مالك أربعة برد ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ﴾ قيل يطيقونه من غير مشقة فيفطرون ويكفرون. ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقيل يطيقونه بمشقّة كالشيخ الهَرِم، فيجوز له الفطر فلا نسخ على هذا ،﴿فمَن تطوّع أي صام ولم يأخذ بالفطر والكفّارة، وذلك على القول بالنسخ، وقيل تطوّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر أو بدل من الصيام ﴿أُنْزِلَ التسهيل لعلوم التنزيل / ج ١ / م ٧ ٩٨ تفسير سورة البقرة رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدِى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اَللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِّ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ! أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ١٨) اُلَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَبْتَغُواْمَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُواْ وَآَشْرَبُواْ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال ابن عباس أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بطول عشرين سنة، وقيل المعنى أنزل في شأنه القرآن: كقولك أنزل القرآن في فلان وقيل المعنى ابتدأ فيه إنزال القرآن ﴿هُدَى لِلَّنَّاسِ وَبَيْئَاتٍ مِّنَ الهُدَى﴾ أي أن القرآن هدى للناس، ثم هو مع ذلك من مبيّنات الهدى، وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق وموصوف بالبيّنات، فالهدى الأوّل هنا على الإطلاق، وقوله من البيّنات والهدى: أي وهو من الهدى المبيّن، فهو من عطف الصفات کقولك فلان عالم وجليل من العلماء ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ أي كان حاضرًا غير مسافر والشهر منصوب على الظرفية، واليُسْر والعُسْر على الإطلاق، وقيل اليُسْر: الفطر في السفر، والعُسْر الصوم فيه ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ متعلق بمحذوف تقديره شرع أو عطف على اليُسْر ﴿العِدَّةَ﴾ الأيام التي أفطر فيها ﴿وَلِتُكَبِّرُوا﴾ التكبير يوم العيد أو مطلقًا ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ مقيد بمشيئة الله، وموافقة القدر، وهذا جواب مَن قال كيف لا يستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآية: كان الأكل والجماع محرّمًا بعد النوم في ليل رمضان، فجرت لذلك قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولصرمة بن مالك، فأحلّهما الله تخفيفًا على عباده ﴿الرَّفَثُ﴾ هنا الجماع، وإنما تعدّى بإلى لأنه في معنى الإقضاء ﴿هُنَّ لِيَاسٌ لَكُمْ﴾ تشبيه بالثياب، لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليل للإباحة ﴿تَخْتَاتُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي غفر ما وقعتم فيه من ذلك، وقيل رفع عنكم ذلك الحكم ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ إباحة ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قبل الولد يبتغي بالجماع، وقيل الرخصة في الأكل والجماع لمَن نام في ليل رمضان بعد منعه ﴿مِنَ ٩٩ تفسير سورة البقرة حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اُلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِّقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُيَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدَّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٨٧) وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى يَسْتَلُونَكَ عَنِ ١٨٨ اَلْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْفَجْرِ﴾ بيان للخيط الأبيض لا للأسود؛ لأنّ الفجر ليس له سواد، والخيط هنا استعارة: يراد بالخيط الأبيض بياض الفجر، وبالخيط الأسود: سواد الليل، ورُوِيَ أن قوله: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك بيانًا لهذا المعنى، لأنّ بعضهم جعل خيطًا أبيض وخيطًا أسود تحت وسادته، وأكل حتى تبيّن له، فقال لها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((إنما هو بياض النهار وسواد الليل)) ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي إلى أوّل الليل، وهو غروب الشمس فمَن أفطر قبل ذلك فعليه القضاء والكفّارة ومَن شكّ هل غربت أم لا فأفطر، فعليه القضاء والكفّارة أيضًا وقيل القضاء فقط، وقالت عائشة رضي الله عنها: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ تحريم للمباشرة حين الاعتكاف، قال الجمهور: المباشرة هنا الجماع فلما دونه. وقيل الجماع فقط ﴿فِي المَسَاجِدِ﴾ دليل على جواز الاعتكاف في كل مسجد؛ خلافًا لمَن قال لا اعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس: وفيه أيضًا دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلاّ في المساجد لا في غيرها خلافًا لمَن أجازه في غيرها من مفهوم الآية ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أحكامه التي أمر بالوقوف عندها ﴿فَلاَ تَقْرَبُوها﴾ أي لا تقربوا مخالفتها، واستدلّ بعضهم به على سدّ الذرائع لأنّ المقصود النهي عن المخالفة للمحدود لقوله: ﴿تِلْكَ حُدُود الله فلا تعتدوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدًّا للذريعة ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَّكُمْ﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض ﴿بِالبَاطِلِ﴾ كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق وغير ذلك ﴿وَتُدْلُوا﴾ عطف على تأكلوا، أو نصب بإضمار أن وهو من أدلى الرجل بحجته إذا قام بها، والمعنى نهى عن أن يحتجّ بحجّة باطلة، ليصل بها إلى أكل مال الناس، وقيل نهى عن رشوة الحكّام بأموال للوصول إلى أكل أموال الناس فالباء على الأوّل سببية، وعلى الثاني للإلصاق ﴿بالإثم﴾ الباء سببية أو للمصاحبة، والإثم على القول الأول في تدلوا: إقامة الحجة الباطلة كشهادة الزور، والأيمان الكاذبة، وعلى القول الثاني الرشوة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ سببها أنهم سألوا عن الهلال، وما فائدته ومخالفته لحال الشمس، والهلال ليلتان من أوّل الشهر، وقيل ثلاث، ثم يقال له قمر ﴿مَوَاقِيتُ﴾ جمع ميقات لمحل الديون. ١٠٠ تفسير سورة البقرة الْأَهِلَّةٍ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ أَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَاً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (3) وَقَتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَدِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَّدِينَ لْ)، وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَلُوَكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ لْيَا فَإِ أَنَهُوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ الْلَـ وَقَئِلُوهُمْ حَى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَهِّ فَإِنِ أَنِشَهَوْ فَلَاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الَّلِنَ (٤٦) الشَّهُ الْخَرَامُ والأكرية والقضاء والعدد وغير ذلك، ثم ذكر الحج اهتمامًا بذكره وإن كان قد دخل في المواقيت للناس ﴿وليس البِرُ﴾ الآية: كان قوم إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون لا يحول بيننا وبين السماء شيء فنزلت الآية إعلامًا بأن ذلك ليس من البِرّ، وإنما ذكر ذلك بعد ذكر الحج لأنه كان عندهم من تمام الحج، وقيل المعنى ليس البرّ أن تسألوا عن الأهلّة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه فتأتون الأمور على غير ما يجب، فعلى هذا البيوت وأبوابها وظهورها استعارة: يراد بالبيوت المسائل، وبظهورها السؤال عمّا لا يفيد، وأبوابها السؤال عمّا يحتاج إليه ﴿البِرَّ مَنِ اتْقَى﴾ تأويله مثل البرّ مَن آمن ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ كان القتال غير مباح في أول الإسلام، ثم أمر بقتال الكفّار الذين يقاتلون المسلمين دون مَن لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية ثم أمر بقتال جميع الكفّار في قوله: ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةٍ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿اقْتُلُوهُمْ خَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] فهذه الآية منسوخة، وقيل إنها محكمة وأنّ المعنى قاتلوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ أي بقتال مَن لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني ﴿وأَخْرِ جُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخَرَجُوكُمْ﴾ أي من مكة، لأنَّ قريشًا أخرجوا منها المسلمين ﴿والفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَثْلِ﴾ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل كفر الكفّار. أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد ﴿عِنْدُ المَسْجِدِ الحَرَّامِ﴾ مَنْسوخ بقوله: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم ﴿لا ١٠ گون فتنةٌ﴾ أي لا یبقی دین كفر. ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ﴾ الآية: نزلت لما صدّ الكفّار النبي صلّى الله عليه وآله وسلّمْ عِن