النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
تفسير سورة البقرة
، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ
٢٩
اُسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
إِنِّيِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكْ قَالَ إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ (٢) وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَىَ
الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنِْئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلََّّ مَا
الأَرْضِ﴾ دليل على إباحة الانتفاع بما في الأرض ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أي قصد لها والسماء هنا
جنس ولأجل ذلك أعاد عليها بعد ضمير الجماعة ﴿فَسَوَاهنّ﴾ أي أتقن خلقهنّ: كقوله:
﴿فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]، وقيل جعلهنّ سواء.
فائدة: هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: ﴿والأرض بعد ذلك
دخّاها﴾ [النازعات: ٣٠] ظاهره خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما أنّ الأرض
خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر تكون ثم لترتيب الأخبار
﴿للمَلاَئِكَةِ﴾ جمع ملك واختلف في وزنه فقيل فعل فالميم أصلية، ووزن ملائكة على هذا
مفاعلة وقيل هي من الألوكة وهي الرسالة فوزنه مفعل ووزنه مألك ثم حذفت الهمزة ووزن
ملائكة على هذا مفاعلة، ثم قلبت وأخّرت الهمزة فصار مفاعلة وذلك بعد ﴿خَلِيفَةً﴾ هو
آدم عليه السلام: لأن الله استخلفه في الأرض، وقيل ذرّيّته لأنّ بعضهم يخلف بعضًا،
والأوّل أرجح، ولو أراد الثاني لقال خلفاء ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الآية: سؤال محض لأنهم
استبعدوا أن يستخلف الله مَن يعصيه وليس فيه اعتراض؛ لأن الملائكة مُنَزّهون عنه وإنما
علموا أنّ بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم بذلك، وقيل كان في الأرض جنّ فأفسدوا،
فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم، فقاس الملائكة بني آدم عليهم ﴿ونَحْنُ نُسَبِحُ﴾ اعتراف
والتزام للتسبيح لا افتخار ﴿بِحَمْدِكَ﴾ أي حامدين لك والتقدير نسبّح متلبّسين بحمدك، فهو
في موضع الحال ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ يحتمل أن تكون الكاف مفعولاً ودخلت عليها اللام
كقولك ضربت لزيدًا، وأن يكون المفعول محذوفًا أي نقدّسك على معنى ننزّهك أو
نعظّمك، وتكون اللام في لك للتعليل أي لأجلك، أو يكون لتقدير نقدّس أنفسنا أي
نطهرها لك ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما يكون في بني آدم س الأنبياء والأولياء وغير ذلك من
المصالح والحكمة ﴿الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء لتشمية القمر
والشجر وغير ذلك ﴿ِثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي عرض المسمّيات، وبين أشخاص بني آدم وأجناس
الأشياء ﴿أَنِثُونِي﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي في قولكم إن الخليفة

٦٢
تفسير سورة البقرة
قَالَ بَدَمُ أَنْبِشْهُم ◌ِأَسْمَِهِمَّ فَلَمَّا أَنْيََّهُم ◌ِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل
(٣٢
عَلَمْتَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
لَكُمْ إِنِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُهُونَ ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِّكَةِ
أُسْجُدُواْلِأَّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴿َّ وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الَّلِمِينَ لَ فَلَّذَلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخَرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَّةٍ وَقُلْنَا أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ وَمَتَهُ
٤٠٠
يفسد في الأرض ويسفك الدماء وقيل إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء
﴿لَاَ عِلْمَ لَنَا﴾ اعتراف.
﴿أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي أنبىء الملائكة بأسماء ذرّيّتك أو بأسماء أجناس الأشياء
﴿اسْجُدُوا لَآدَم﴾ السجود على وجه التحية وقيل عبادة لله، وآدم كالقِبلة ﴿فَسَجَدُوا﴾ رُوِيّ
أنّ من أوّل مَن سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿إلاّ إبليسَ﴾
استثناء متصل عند مَن قال إنه كان ملكًا، ومنقطع عند مَن قال كان من الجنّ ﴿اسْتَكْبَرَ﴾
لقوله أنا خير منه ﴿وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ قيل كفر بإبايته من السجود وذلك بناء على أن
المعصية كفر والأظهر أنه كفر باعتراضه على الله وتسفيهه له في أمره بالسجود لآدم، وليس
كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حوّاء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال
زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿الجَنَّةَ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السُّنّة، خلافًا
لمَن قال هي غيرها ﴿لاَ تَقْرَبًا﴾ النهي عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى،
وإنما نهى عن القرب سدًّا للذريعة فهذا أصل في سدّ الذّرائع ﴿الشَّجَرَةَ﴾ قيل هي شجرة
العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح واللفظ مبهم
﴿فَتَكُونَا﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿فَأَزَّلَّهُمَا﴾
مُتعدٍّ من أزلّ القدم، وأزالهما بالألف من الزوال ﴿عَنْهَا﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على
الشجرة فتكون عن سببية على هذا.
فائدة: اختلفوا في أكل آدم من الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان؛ لقوله
تعالى: ﴿فَنَسِيَ ولم نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذ أكل
منها، وهذا باطل لأن خمر الجنة لا تُشْكِر وقيل أكل عمدًا وهي معصية صغرى، وهذا عند
مَن أجاز على الأنبياء الصغائر وقيل تأوّل آدم أن النهي كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها
من جنسها، وقيل لما حلف له إبليس صدّقه لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذبًا ﴿الهبِطُوا﴾

٦٣
تفسير سورة البقرة
الیحین
اقُلْنَا أَهْرِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًاً
٣٧
﴿ فَلَفَّىَ ءَادَمُ مِن رَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ
٣٦
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
بِعَايَتِنَّا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (٦) يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
خطاب لآدم وزَوجُه وإبليس بدليل بعضكم لبعض عدوّ ﴿مُسْتَقَرِّ﴾ موضع استقرار وهو في
مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿وَمَتَاعٌ﴾ ما يتمتع به ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى
الموت ﴿فَتَلَقَّى﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع
الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿كَلِمَاتٍ﴾ هي قوله: ﴿رَبّنا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا وإِن لَم تَغْفِر
لَنَا وَتَرْحَمنا لَنَكونَنّ من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣]، بدليل ورودها في الأعراف، وقيل
غير ذلك ﴿اهْبِطُوا﴾ كرّر ليُناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء،
والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرّيّة آدم لقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ إن شرطية وما
زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿فَمَن تَبِعَ﴾ شرط، وهو جواب
الشرط الأوّل، وقيل فلا خوف جواب الشرطين.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لمّا قدّم دعوة الناس عمومًا وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل
خصوصًا وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء، فتارة دعاهم
بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم
على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها فذكر من النّعم عليهم عشرة أشياء،
وهي: ﴿وإِذْ نَجْيناكم مِن آلِ فِرعَوْن﴾، ﴿وإذْ فَرَقْنَا بِكُم البَخْرَ﴾، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِنْ بعد
مَوْتكم﴾، ﴿وظَلّلنَا عَلَيْكم الغَمَامَ وأَنْزَلْنَا عليكم المَنّ والسَّلْوَى﴾، ﴿وعَفَوْنَا عَنْكم﴾،
﴿وَتَابَ عَلَيكم﴾، ﴿ونَغْفِر لكم خَطَايَاكُمْ﴾، ﴿وآتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ والفُرْقَان لعلّكم
تَهْتَدُون﴾، ﴿فَانْفَجَرَت مِنْه اثْنَتَا عشرة عَيْنَا﴾. وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: ﴿قَالُوا
سَمِعْنَا وعَصَيْنَا﴾، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتم العِجْلَ﴾، ﴿فَقَالُوا أرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ﴿وَبَدّل الّذِينَ
ظَلَمُوا﴾، ﴿وَلَنْ نَصْبِرَ على طَعَام وَاحِدٍ﴾، ﴿ويُحِرّفُونَهِ﴾، ﴿وَتَوَلّيْتم من بعد ذلك﴾،
﴿وَقَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ﴿وكُفْرهم بِأَيات اللَّهِ﴾، ﴿وقَتْلهم الأنبياءَ بغيرِ حقٌّ﴾. وذكر من
عقوباتهم عشرة أشياء: ﴿ضُرِبَت عليهم الذلّةَ والمَسْكَنة وبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿ويُعْطُوا
الجِزِيَة﴾، ﴿واقْتُلُوا أَنْفُسكم﴾، ﴿وَكُونُوا قِرَدَةً﴾، ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِم رَجْزًا من السَّماءِ﴾،
﴿وأخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةَ﴾، ﴿وجَعَلْنَا قُلُوبُهم قَاسِيَةً﴾، ﴿وَحَرّمْنَا عليهم طَيّبَاتٍ أُحِلَّتِ لَهُم﴾،

٦٤
تفسير سورة البقرة
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإَِّنِىَ فَأَرْهَبُونِ (٤)، وَءَامِنُواْ بِمَّآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ
أَوَّلَ كَافِرٍ بِّهَ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَّا قَلِيلاً وَإِقَىَ فَأَتَّقُونِ (ج) وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْفُواْ
وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدّمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم
لأنهم مُتّبعون لهم راضون بأحوالهم وقد وبّخ المعاندين صلّى الله عليه وآله وسلّم بتوبيخات
أَخَّر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم مع معرفتهم به، ﴿ويُحَرّفون
الكَلِمَ﴾، ﴿ويقولونَ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، ﴿وتَقْتُلُون أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿وتُخْرِجون فَرِيقًا منكم من
دياركم﴾، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتّباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء
الله، وقولهم يد الله مغلولة ﴿نِعْمَتَي﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه عام في
جميع النّعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصّهم به. كالمنّ
والسلوى، وللمفسّرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعمّ النّعم جميعًا ﴿بِعَهْدِي﴾
مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم،
وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿بِعَهْدِكُم﴾ دخول الجنة ﴿وإيّايَ﴾ مفعول بفعل مضمر
مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسّره فارهبون، ولا يصحّ أن يعمل فيه فارهبون؛
لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدْقًا لْمَا مَعَكُمْ﴾
أي مصدّقًا للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيرها، وتصديق محمد صلّى الله عليه وآله
وسلّم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معانٍ: أحدها أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين
صدقهم في الإخبار به، والآخر أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم
الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد
وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك
﴿وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ الضمير عائد على القرآن وهذا نهي عن المسابقة إلى الكفر به،
ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم
إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ولا تشتروا بآياتي ثمنًا
قليلاً: الاشتراء هنا استعارة في الاستبدال: كقوله: ﴿اشْتَروا الضَّلَالَةَ بَالهُدَى﴾، والآيات
هنا هي الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من
بقاء رياستهم وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وغير ذلك، وقيل
كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة
على تعليم القرآن ﴿الَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الحق هتا یراد به نبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم

٦٥
تفسير سورة البقرة
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ
٤٣
اَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ
بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١) وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ وَإِنَّهَا
أَيَبَنِيّ إِسْرَاءِ يلَ
٤٦
لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ (٥) الَّذِينَ يَطُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
أَذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتُّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (ج) وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْرِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَ هُمْ يُنصَرُونَ (٢٨) وَإِذْ نَّنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ
والباطل الكفر به، وقيل الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها ﴿وتَكْتُمُوا﴾ معطوف على
النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ
العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي
النهي عن الجمع بين الشيئين لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي
تعلمون أنه حق ﴿الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم فهو يقتضي الأمر
بالدخول في الإسلام ﴿وازكَعُوا﴾ خصّص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا
ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل اركعوا للخضوع والانقياد ﴿مَعَ
الرَّاكِعِينَ﴾ مع المسلمين فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل الأمر بالصلاة مع
الجماعة ﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿بِالْبِرٌ﴾ عامّ في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس
وتركهم له، وقيل كان الأحبار يأمرون مَن نصحوه في السرّ باتّباع محمد صلّى الله عليه وآله
وسلّم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتّباع التوراة، ويخالفون في
جحدهم منها صفة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿تَنسَوْنَ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع
﴿تَتْلُونَ الكِتَابَ﴾ حجة عليهم ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُون﴾ توبيخ.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاَةِ﴾ قيل معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد رُوِيَ
أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة ونعى إلى ابن
عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل استعينوا بهما على طلب
الآخرة، وقيل الصبر هنا الصوم، وقيل الصلاة هنا الدعاء ﴿وإِنَّهَا﴾ الضمير عائد على العبادة
التي تضمنها الصبر والصلاة أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي شاقّة صعبة
﴿يَظُنُّونَ﴾ هنا يتيقنون ﴿عَلَى العَالَمِينَ﴾ أي أهل زمانهم وقيل تفضيل من وجه ما هو كثرة
الأنبياء وغير ذلك ﴿لاَّ تَجْزِي﴾ لا تُغني وشيئًا مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة
في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقًا
التسهيل، لعلوم التنزيل/ ج ١ / ٥ ٥

٦٦
تفسير سورة البقرة
يَسُومُوتَّكُمْ سُوَءَ الْعَذَّادِ يُذَتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَالِكُمْ بَلَّءُ مِّن رَّتَبِّكُمْ
فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاعة لسيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وشفاعةٍ
الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وإنما المراد أنه لا يشفع أحد إلاّ بعد أن يأذن الله له لقوله
تعالى: ﴿مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه إلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولقوله: ﴿مَا مِن شَفِيعَ إِلَّ مِنْ
بَعد إذنِه﴾ [يونس: ٣]، ولقوله: ﴿وَلاَ تَنْفَع الشَّفَاعَةُ إلاّ لمَن أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]» وانظر
ما ورد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يستأذن في الشفاعة فيقال له: اشفع تشفع.
فكلّ ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقًا يحمل على هذا لأنّ المطلق يحمل على
المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿عَذْلٌ﴾ هنا فدية
﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جمع لأن النفس المذكورة يراد بها نفوس ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم﴾ تقديره
اذكروا إذ نجيناكم أي نجّينا آباءكم، وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي صلّى الله عليه وآله
وسلم منهم لأنهم ذریتھم وعلی دینھم ومُتبعون لهم، فحکمھم کحکمھم وکذلك فيما بعد
هذا من تعداد النّعم لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء، ومن ذكر مساويهم لأنّ ذريتهم
راضون بها ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ المراد من فرعون وآله، وحذف لدلالة المعنى، وآل فرعون
هم جنوده وأشياعه وآل دينه لا قرابته خاصّة، ويقال إنّ اسمه الوليد بن مصعب، وهو من
ذرّية عمليق، ويقال فرعون لكل من ولي مصر، وأصل آل: أهل، ثم أبدلت من الهاء معرّة
وأُبدل من الهمزة ألف.
فائدة: كل ما ذكره في هذه الصور من الأخبار معجزات للنبي صلّى الله عليه وآله
وسلّم؛ لأنه أخبر بها من غير تعلّم ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي يلزمونهم به، وهو
استعارة من السوم في البيع وفسّر سوء العذاب بقوله: ﴿يُذَبِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ
نِسَاءَكُمْ﴾ ولذلك لم يعطفه هنا، وأما حيث عطفه في سورة إبراهيم فيحتمل أن يراد بسوء
العذاب غير ذلك بل فيكون عطف مغايرة أو أراد به ذلك، وعطف لاختلاف اللفظة، وكان:
سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل(١) وقيل إنّ آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم بأن
يجعل في ذرّيّته ملوكًا وأنبياءَ فحسدوهم على ذلك، ورُوِيّ أنه وكل بالنساء رجالاً يحفظون
(١) كذا بالأصل ولعلّ هنا سقطة وهي: ((أنه رأى في منامه كأن نارًا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت
بمصر وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا يولد
في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني
إسرائيل» - كما في تفسير الخطيب اهـ مصححه.

٦٧
تفسير سورة البقرة
عَظِيمٌ ﴿٤ِ) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥) وَإِذْ وَعَدْنَا
مُوسَىّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ (٥) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (جـ) وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْقُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتَخَاذِ كُمُ الْعِعْلَ فَتُوبُواْإِلَى بَارِيَكُمْ فَقُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيِّكُمْ فَذَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥) وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى
نَرَكَ اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (ْ، ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْتَكُمَّ
من تحمّل منهنّ، وقيل بل وكّل على ذلك القوابل، ولأجل هذا قيل معنى يستحيون يفتشون
الحياة ضدّ الموت.
﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ فصلناه وجعلناه فرقًا اثني عشر طريقًا على عدد الأسباط والباء
سببية أو للمصاحبة، والبحر المذكور هنا: هو بحر القلزم ﴿وَإِذْ وَعَذْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةَ﴾
هي شهر ذي القعدة وعشر ذي الحجة وإنما خصّ الليالي بالذكر لأنّ العام بها والأيام تابعة
لها، والمراد أربعين ليلة بأيامها ﴿اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ اتخذتموه إلها، فحذف لدلالة المعنی
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي بعد غيبته في الطور ﴿الكِتَابَ﴾ هنا التوراة ﴿والفُرْقَانَ﴾ أي المفرّق بين
الحق والباطل، وهو صفة للتوراة، عطف عليها لاختلاف اللفظ، وقيل الفرقان هنا فرق
البحر، وقيل آتينا موسى التوراة وآتينا محمدًا الفرقان. وهذا بعيد لما فيه من الحذف من
غير دليل عليه ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي يقتل بعضكم بعضًا كقوله: ﴿سَلَموا عَلَى أَنْفُسِكم﴾
[النور: ٦١]، ورُوِيَ أنّ مَن لم يعبد العجل قتل من غده ورُوِيَ أنّ الظلام ألقى عليهم فقتل
بعضهم بعضًا حتى بلغ القتلى سبعون ألفًا فعفى الله عنهم وإنما خصّ هنا اسم البلد لأن فيه
توبيخًا للذين عبدوا العجل كأنه يقول كيف عبدتم غير الذي براكم، ومعنى الباري: الخالق
﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب أي ففعلتم ما أمرتم
به من القتل فتاب عليكم ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾ تعدّى باللام لأنه تضمن معنى الانقياد ﴿جهْرَةٌ﴾
عيانًا ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ الموت وكانوا سبعين وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور
فسمعوا كلام الله ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا لسوء أدبهم، وجراءتهم على الله، ﴿وَظَلَّلْنَا﴾ أي
جعلنا الغمام فوقهم كالظلّه يقيهم حرّ الشمس، وكان ذلك في التّيه، وكذا أنزل عليه فيه
المنّ والسلوى تقدّم في اللغات.

٦٨
تفسير سورة البقرة
وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرِّيَّةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ
٥٧
وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
يُشِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِينِينَ
٥٨
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ فَأَنَزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزَّ مِنَ السَّمَاءِبِمَا
﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرّ فَأَنفَجَرَتْ
كَانُواْ يَفْسُقُونَ
مِنْهُ أَثْنَا عَثْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمٌ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِنْ رِزْقِ اللّهِ وَلَا تَعْتَزافِى
اُلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ () وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا
تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَّابِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى
بِالَّذِى هُوَ خَّرْ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسِْكَنَّةُ
﴿كُلُوا﴾ معمول لقول محذوف ﴿هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ بيت المقدس، وقيل أريحاء، وقيل
قريب من بيت المقدس ﴿فَكْلُوا﴾ جاء هنا بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول،
وجاء في الأعراف بالواو بعد قوله اسكنوا، لأنّ الدخول لا يتأتّى معه السجود، وقيل
متواضعين ﴿حِطَّةٌ﴾ تقدّم في اللغات ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ أي نزيدهم أجْرًا إلى المغفرة ﴿فَبَدَّلَ﴾
رُوِيَ أنه قالوا: حنطة، ورُوِيَ: حبة في شعرة ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني المذكورين، وضع
الظاهر موضع المضمر لقصد ذمّهم بالظلم، وكرّره زيادة في تقبيح أمرهم ﴿رِجْزًا﴾ رُوِيّ
أنهم أصابهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفًا ﴿اسْتَسْقَى﴾ طلب السقيا لما عطشوا في التيه
﴿الحَجَرَ﴾ كان مربعًا ذراعًا في ذراع: تفجر من كل جهة ثلاث عيون، ورُوِيَ أنّ آدم كان
أهبطه من الجنة، وقيل هو جنس غير معين، وذلك أبلغ في الإعجاز ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ قبله
محذوف تقديره: فضربه فانفجرت ﴿مشربهم﴾ أي موضع شربهم وكانوا اثني عشر شبطًا
لكل سبط عين ﴿كُلُوا﴾ أي من المنّ والسلوى، واشربوا من الماء المذكور ﴿قُومِهَا﴾ هي
الثوم، وقيل الحنطة ﴿أَدْنَى﴾ من الدنيء الحقير وقيل أصله أدون، ثم قلب بتأخير عينه
وتقديم لامه ﴿مِضْرًا﴾ قيل البلد المعروف وصرف لسكون وسطه، وقيل هو غير معين فهو
نكرة لما رُوِيّ أنهم نزلوا بالشام. والأول أرجح لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاها بَنِي إِسرَائِيلَ﴾
[الشعراء: ٥٩] يعني مصر ﴿ضُرِبَتْ﴾ أي قضى عليهم بها، وألزموها وجعله الزمخشري
استعارة من ضرب القبّة لأنها تعلو الإنسان وتحيط به ﴿المَسْكَنَةُ﴾ الناقة، وقيل الجزية
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارة إلى ضرب الذلّة والمسكنة والغضب، والباء للتعليل ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾

٦٩
تفسير سورة البقرة
وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيْنَ بِغَيْرِ أَلْحَقِّ
ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَّدُونَ (٤١) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّنْحِينَ
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَخْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
،وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اْلُوَرَ خُذُ واْمَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْمَا فِيهِ
يَحْزَنُونَ إِث
ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكٌ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ
٦٣
لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
اْخَسِرِينَ لـ
٦٥
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ
(٦٤
نَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١) وَ إِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ
الآيات المتلوات أو العلامات ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ معلوم أنه لا يقتل نبي إلاّ بغير حق، وذلك
أفصح.
فائدة: قال هنا بغير الحق بالتعريف باللام للعهد، لأنه قد تقررت الموجبات لقتل
النفس، وقال في الموضع الآخر من آل عمران: ﴿بِغَيْرِ حق﴾ بالتنكير لاستغراق النفي.
لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا﴾ يحتمل
أن يكون تأكيدًا للأول، وتكون الإشارة بذلك إلى القتل والكفر، والباء للتعليل. أي اجترؤا
على الكفر وقتل الأنبياء لما انهمكوا في العصيان والعدوان ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾
الآية. قال ابن عباس نسختها ﴿ومَن يَبْتَغ غير الإسلام دينًا فَلَن يقبل منه﴾
[آل عمران: ٨٥] وقيل معناها أن هؤلاء الطوائف مَن آمن منهم إيمانًا صحيحًا فله أجره،
فيكون في حق المؤمنين الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم الدخول في الإسلام، فلا
نسخ، وقيل إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا نسخ ﴿مَن آمَنَ﴾
مبتدأ خبره فلهم أجرهم والجملة خبر إن أُومن آمن بدل، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبر إن ﴿وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم إن لم
تأخذوها وقع عليكم ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جدّ في العلم بالتوراة أو العمل بها ﴿اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾
اصطادوا فيه الحوت وكان محرّمًا عليهم ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ عبارة عن مسخهم وخاسئين صفة
أو خبر ثانٍ، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ الضمير للفعلة وهي المسخ
﴿نَكَالاً﴾ أي عقوبة لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل عبرة لمَن تقدّم ومَن تأخّر ﴿أن
تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قصتها أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريبه ليرثه وادّعى على قوم أنهم قتلوه

٧٠
تفسير سورة البقرة
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا
٦٧
يَأْمُ كُمْ أَنْ تَذْ بَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَتَّخِذُنَا هُ وَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ
رَبَّكَ يُبَّنِ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَرِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا
تُؤْمَّرُونَ ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَامَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَّهَ عَلَيْنَا وَإِنَّ إِن ◌ِشَآءَ
٦٩
لَوْنُهَا تَسُرُّ اَلنَّظِرِينَ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَّةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرَّثَ مُسَلَّمَةٌ لَِّيَةَ
اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ إ
فِيهَأَ قَالُواْ الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (*) وَإِذْ قَدَلْتُمْ نَفْسًا فَذَّرَءْ تُمْ فِيهَا
فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَيْهِ،
٧٢
وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنتُمْ تَكْنُونَ
فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها ففعلوا فقام وأخبر بمَن قتله ثم عاد ميتًا
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ جفاء وقلة أدب، وتكذيب.
﴿فَارِضٌ﴾ مُسِنّة ﴿بِكْرٌ﴾ صغيرة ﴿عَوَانْ﴾ متوسطة ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي بين ما ذكر
ولذلك قال ذلك مع الإشارة إلى شيئين (صَفْرَاءُ﴾ من الصفرة المفروقة، وقيل سوداء وهو
بعيد والظاهر صفراء وكلها وقيل القرن والظلف فقط، وهو بعيد ﴿فَاقِعٌ﴾ شديد الصفرة
﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ لحُسْن لونها، وقيل لسمنها ومنظرها كله ﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ غير مذللة للعمل
﴿ُثِيرُ الأَرضَ﴾ أي تحرثها وهو داخل تحت النفي على الأصح ﴿ولا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ لا
يسقى عليها ﴿مُسَلْمَةٌ﴾ من العمل أو من العيوب ﴿لأَشِيَةَ﴾ لا لمعة غير الصفرة، وهو من
وشى ففاؤه واو محذوفة كعدة ﴿الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ العامل في الضرب جئت بالحق، وقيل
العامل فيه مضمر تقديره الآن تذبحوها، والأول أظهر فإن كان قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ :
هكذا؛ فهذا تصديق وإن كان غير ذلك فالمعنى الحق المبيّن ﴿وَمَا كَادُوا﴾ لعصيانهم وكثرة
سؤالهم أو لغلاء البقرة فقد جاء بأنها كانت ليتيم وأنهم اشتروها بوزنها ذهبًا أو لقلّة وجود
تلك الصفة، فقد رُوِيّ أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة أجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هو أوّل قصة البقرة فمرتبته التقديم ﴿إِن اللَّهَ يَأْمُركم﴾ قال الزمخشري.
إنما أخر لتعدّد توبيخهم لقصتين وهما ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس ولو قدّم لكان
قصة واحدة بتوبيخ واحد ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ أي اختلفتم وهو من المدارأة أي المدافعة ﴿مَّا كُنْتُمْ
تَكْتُمُونَ﴾ من أمر القتيل ومن قتلة ﴿اضْرِبُوهُ﴾ القتيل أو قريبه ﴿بِبَعْضِهَا﴾ مطلقًا، وقيل
الفخذ وقيل اللسان، وقيل الذنب ﴿كذلك﴾ إشارة إلى حياة القتيل واستدلال بها على
الإحياء للبعث، وقبله محذوف لا بدّ منه تقديره ففعلوا ذلك فقام القتيل ...

٧١
تفسير سورة البقرة
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أ
لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَ نْهَرَّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءِ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَيْشَةِ اللَّهُ
﴿ أَفَتَطِمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ
٧٤
وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٣٥) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُواْ
ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآُوكُمْ بِهِ، عِنْدَ
رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴿ أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ الثّ،وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا
فائدة: استدلّ المالكية بهذه القصة على قبول قول المقتول فلان قتلني، وهو ضعيف
لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصته معجزة للنبي صلّى الله عليه وآله
وسلّم، فلا يتأتّى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره، واستدلّوا أيضًا بها على أن القاتل لا
يرث ولا دليل فيها على ذلك ﴿قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ خطابًا لبني إسرائيل ﴿مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي
بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعدما
رأوا تلك الآيات ﴿أَو أَشَدُّ﴾ عطف على موضع الكاف أو خبر ابتداء أي هي أشدّ، وأوهنّا
إما للإيهام أو للتخيير: كأن مَن عَلِم حالها مخيّر بين أن يشبهها بالحجارة، أو بما هو أشدّ
قسوة كالحديد، أو التفضيل أي فهم أقسى مع أن فعل القسوة ينبني منه أفعل لكون أشدّ أدلّ
على فرط القسوة ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ الآية: تفضيل الحجارة على قلوبهم ﴿يهبط﴾ أي
يتردّى من علو إلى أسفل والخشية عبارة عن انقيادها، وقيل حقيقة وأن كل حجر يهبط فمن
خشية الله ﴿أَفْتَطْمَعُونَ﴾ خطاب للمؤمنين ﴿أَن يُؤْمِنُوا﴾ يعني اليهود وتعدّى باللام لما تضمن
معنى الانقياد ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ السبعون الذي يسمع كلام الله على الطور ثم حرّفوه، وقيل بنو
إسرائيل حرّفوا التوراة ﴿مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بيان لقبح حالهم ﴿قَالُوا آمَنًا﴾ قالها
رجل ادّعى الإسلام من اليهود وقيل قالوها ليدخلوا إلى المؤمنين ويسمعوا إلى أخبارهم
﴿أَتْحَدِّثُونَهُم﴾ توبيخ ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه بما حكم عليهم من العقوبات
وبما في كتبهم من ذكر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وبما فتح الله عليهم من الفتح
والإنعام، وكل وجه حجة عليهم، ولذلك قالوا: ﴿لِيُحَاجُوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ قيل في
الآخرة وقيل أي في حكم ربكم وما أنزل في كتابه، فعنده بمعنى حكمه ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ من
بقية كلامهم توبيخًا لقولهم: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ﴾ الآية من كلام الله ردًّا عليهم وفضيحة لهم
﴿وَمِنْهُمْ أُمْيُونَ﴾ أي الذين لا يقرؤون ولا يكتبون فهم ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ﴾ والمراد قوم

٧٢
تفسير سورة البقرة
أَفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ
٧٨
يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم
مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٦) وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَنَامَا تَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْ تُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَنْ
◌َبَلَّ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ.
يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ( أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
خَطِيئَتُهُ فَأَوْلَئِكَ، أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ () وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصََِّتِ
أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ لَهَا وَ إِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا
اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ
الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ () وَإِذْ أَ خَذْنَا
مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَدِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ
من اليهود وقيل من المجوس وهذا غير صحيح، لأنّ الكلام كله من اليهود ﴿إِلاّ أمَانِيَّ﴾
تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿بِأَنْدِيهِمْ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ثَمَنَا قَلِيلاً﴾
عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿أَيَّامًا
مَّعْدُودَةً﴾ أربعين يومًا عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ الآية: تقرير يقتضي
إبطال ﴿بَلَى﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار ولقولهم ما لا يعلمون ﴿مَن كَسَبَ سَيْئةَ﴾
الآية: في الكفّار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا حجة فيها لمَن
قال بتخليد العصاة في النار.
﴿لاَ تَعْبُدُونَ إلاّ اللَّهَ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل خبر بمعنى النهي،
ويرجّحه قراءة لا يعبدون وقيل الأصل بأن لا تعبدوا ثم حذفت الباء وأن ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾
يتعلق بإحسان، أو بمحذوف تقديره أحسنوا، ووكد بإحسانًا ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة
﴿اليَتَامَى﴾ جمع يتيم: وهو مَن فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان. مَن فقد
أمّه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدّم الوالدين لحقّهما الأعظم، ثم القرابة
لأن فيها أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلّة حيلتهم، ثم المساكين ﴿لاَ تَسْفِكُونَ
دِمَاءَكُمْ﴾ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا
يخرج بعضكم بعضًا ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بأخذ الميثاق
عليكم ﴿هَؤُلاءِ﴾ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم

٧٣
تفسير سورة البقرة
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُمْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُم مِّن دِيَارِهِمْ
٨٤
تَشْهَدُونَ
تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَكَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ
إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِّ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ
مِنكُمْ إِلَّا خِىٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُا الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا بِالْآَخِرَةُ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ
٨٥
تَعْمَلُونَ
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
٨٦
يُنَصَرُونَ
الْبَّهِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِّ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ أُسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ (*) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ النَّا وَلَمَّا
وتقتلون حالاً لازمة تمّ بها المعنى ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير:
حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتّقيه من موضعه إذا ظفر به
﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي تتفاوتون ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ قرىء بالألف وحذفها والمعنى واحد. وكذلك
أسارى بالألف وحذفها جمع أسير ﴿وَهُوَ مُحَرَّمْ﴾ الضمير للإخراج من ديارهم وهو مبتدأ
وخبره محرّم ﴿وَإِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم
خبره، والجملة خبر الضمير ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ فداؤهم الأسارى موافقة لما في
كتبهم ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم ﴿خِزْيٌ﴾ الجزية
أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق ﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي جئنا من بعده
بالرُّسُل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول ﴿الْبَيْنَاتِ﴾ المعجزات من إحياء
الموتى وغير ذلك ﴿روح القدس﴾ جبريل، وقيل الإنجيل، وقيل الاسم الذي يكنّى به
الموتى، والأول أرجح لقوله: ﴿قُلْ نزّله رُوحُ القُدس﴾ ولقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم
لحسّان: اللّهمَّ أيّده بروح القدس ﴿تَقْتُلُونَ﴾ جاء مضارعًا مبالغة لأنه أيّد استحضاره في
النفوس أو لأنهم حاولوا قتل محمد وَل﴿ لولا أنّ الله عصمه ﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف: أي
عليها غلاف وهو الغشاء فلا تفقهه ﴿بَلْ لَّعَتَهُمُ اللَّهُ﴾ ردًّا عليهم، وبيان أن عدم فقههم
بسبب كفرهم ﴿فَقَلِيلاً﴾ أي إيمانًا قليلاً ﴿مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلّة
بمعنى العدم أو على أصلها لأن مَن دخل منهم في الإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض
الرُّسُل وكفروا ببعض.
اعـ

٧٤
تفسير سورة البقرة
جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَلَمَّا جَلَهَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ (3) أَبِنْسَمَا أَشْتَّرَ وَأْهِهِة
أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِلَ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيَّةٌ
فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضّبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِيرٌ ﴾ وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ
قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَمُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمُّ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ
جَ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ تُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ أَّخَذْتُمُ
أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
﴿كِتَابٌ مُّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ هو القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ تقدّم أن له ثلاثة معانٍ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي
ينتصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا اللّهمَّ انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان،
ويقولون لأعدائهم المشركين قد أظلّ زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، وقيل
يستفتحون: أي يعرفون الناس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والسين على هذا للمبالغة
كما في استعجب واستسخر، وعلى الأول للطلب ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا﴾ القرآن والإسلام
ومحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال المبرّد: كفروا جوابًا لما الأولى والثانية، وأُعيدت
الثانية لطول الكلام، ولقصد التأكيد، وقال الزجاج: كفروا جوابًا لما الثانية، وحذف جواب
الأولى للاستغناء عنه لذلك، وقال الفرّاء جواب لما الأولى فلما، وجواب الثانية كفر ﴿عَلَى
الكَافِرِينَ﴾ أي عليهم يعني اليهود، ووضع الظاهر موضع المضمر ليدلّ أن اللعنة بسبب
كفرهم، واللام للعهد أو للجنس، فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفّار ﴿بتسما﴾ فاعل ليس
مضمر وما مفسّرة له وإن يكفروا هو المذموم وقال الفرّاء: بئسما مركب كحبك وقال
الكاسي ما مصدرية أي اشتراكهم فهي فاعله ﴿اشْتَرَوْا﴾ هنا بمعنى باعوا ﴿أَن يَكْفُرُوا﴾ في
موضع خبر ابتداء أو مبتدأ كاسم المذموم في بئس أو مفعول من أجله أو بدل من الضمير
في به ﴿بِمَا أَنزَّلَ اللَّهُ﴾ القرآن أو التوراة لأنهم كفروا بما فيها من ذكر محمد صلّى الله عليه
وآله وسلّم ﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ في موضع مفعول من أجله ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ القرآن والرسالة ﴿مَن
يَشَاءُ﴾ يعني محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمعنى أنهم إنما كفروا حسدًا لمحمد صلّى
الله عليه وآله وسلّم لما تفضّل الله عليه بالرسالةَ ﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ لعبادتهم العجل، أو
لقولهم عزير ابن الله، أو لغير ذلك من قبائحهم ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ القرآن ﴿بِمَّا وَزَاءَهُ﴾ أي
بما بعده وهو القرآن ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ ردًّا عليهم فيما ادعوا من الإيمان بالتوراة، وتكذيب
لهم، وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارة إلى ثبوته فكأنه دائم لما رضي هؤلاء به ﴿إن كُنتُم

٧٥
تفسير سورة البقرة
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَّكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلْتُورَ
٩٢
اَلْمِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ
خُذُواْمَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِىِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ (#) قُلْ إِن كَانَتْ
لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدِّقِينَ () وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدْأَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٥) وَلَنَجِدَ تَهُمْ أَخْرَصََ
مُؤمنين﴾ شرطية بمعنى القدح في إيمانهم وجوابها يدلّ عليه ما قبل، أو نافية فيوقف قبلها
والأوّل أظهر ﴿بالبَيْنَات﴾ يعني المعجزات: كالعصا، وفلق البحر، وغير ذلك ﴿اتَّخَذْتُمُ
العِجْلَ﴾ ذكر هنا على وجه ألزم لهم، والإبطال بقولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وكذلك رفع
الطور، وذكر قبل هذا على وجه تعداد النّعَم لقوله: ﴿ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُم﴾، ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكم ورَحْمَتِه﴾ وعطفه بثم في الموضعين إشارة إلى قبح ما فعلوه من ذلك ﴿مِن بَعْدِهِ﴾
الضمير لموسى عليه السلام: أي من بعد غيبته في مناجاة الله على جبل الطور ﴿سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا﴾ أي سمعنا قولك وعصينا أمرك، ويحتمل أن يكونوا قالوه بلسان المقال، أو بلسان
الحال ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ عبارة عن تمكّن حب العجل من قلوبهم، فهو مجاز تشبيهًا بشرب الماء
أو بشرب الصبغ في الصواب وفي الكلام محذوف أي أُشربوا حبّ العجل وقيل إن موسى
برد العجل بالمِبرَد ورمى برادته في الماء فشربوه، فالشرب على هذا حقيقة ويردّ هذا قوله
في قلوبهم ﴿بِكُفْرِهِم﴾ الباء سببية للتعليل، أو بمعنى المصاحبة ﴿يَأْمُرُكُم﴾ إسناد الأمر إلى
إيمانهم، فهو مجاز على وجه التهكّم، فهو كقولك أصلاتك تأمرك كذلك إضافة الإيمان
إليهم ﴿إِن كُنتُم﴾ شرط أو نفي.
﴿فتمنّوا الموت﴾ بالقلب أو اللسان أو باللسان خاصة، وهذا أمر على وجه التعجيز
والتبكيت، لأنه مَن علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها ورُوِيَ أنهم لو تمنّوا الموت لماتوا،
وقيل إن ذلك معجزة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دامت طول حياته ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ إِن
قيل: لِمَ قال في هذه السورة: ﴿وَلَنْ يَتَمَّوه﴾، وفي سورة الجمعة: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَه﴾
[الجمعة: ٧] فنفى هنا بلن، وفي الجمعة بلا، فقال أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير،
الجواب أنه لما كان الشرط في المغفرة مستقبلاً وهو قوله إن كانت لكم الدار الآخرة خالصة
جاءت جوابه بلن التي تخلص الفعل للاستقبال، ولما كان الشرط في الجمعة حالاً، وهو
قوله: ﴿إِن زَعَمْتُم أنّكم أولِيَاء الله﴾ [الجمعة: ٦] جاء جوابه بلا: التي تدخل على الحال،

٧٦
تفسير سورة البقرة
النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِحِهِ، مِنَ
الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرُّ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُؤًا لِّجِبْرِيَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَ قَلْبِكَ
مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
٩٧
بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ
٩٨
وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ
ءَايَتٍ بَيْنَتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّ الْفَسِقُونَ ﴿ أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا تَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَبِقٌ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ال
أو تدخل على المستقبل ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي لسبب ذنوبهم وكفرهم ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديد
لهم ﴿وَمِنَ الَّذِینَ أَشْرَكُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفًا على ما قبله فيوصل به،
والمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، فحمل على المعنى
كأنه قال أحرص من الناس ومن الذين أشركوا وخصّ الذين أشركوا بالذكر بعد دخولهم في
عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة بإفراط حبّهم للحياة الدنيا، والآخر أن يكون من
الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، والمعنى: من الذين أشركوا قوم ﴿يَوَدُّ
أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فحذف الموصوف، وقيل أراد به المجوس، لأنهم يقولون
لملوكهم عش ألف سنة، والأوّل أظهر؛ لأنّ الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يخرج
الكلام عنهم ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَخزِچِهِ﴾ الآية: فيها وجهان: أحدهما أن يكون هو عائد على
أحدهم، وأن يعمر فاعل لمزحزحه، والآخر أن يكون هو للتعمير وأن يعمر بدل ﴿مَن كَانَ
عَدُوًّا لجبريل﴾ الآية: سببها أنّ اليهود قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، جبريل عدوّنا
لأنه ملك الشدائد والعذاب. فلذلك لا نؤمن به، ولو جاءك ميكائيل لآمنًا بك؛ لأنه ملك
الأمطار والرحمة ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ فيه وجهان: الأوّل فإنّ الله نزل جبريل، والآخر فإنّ جبريل
نزل القرآن، وهذا أظهر، لأنّ قوله ﴿مصدّقًا لما بين يديه﴾: من أوصاف القرآن والمعنى
الردّ على اليهود بأحد وجهين: أحدهما مَن كان عدوًّا لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه لأنه
نزله على قلبك فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله: ﴿وهدّى وبشرى﴾، والثاني مَن كان
عدوًّا لجبريل فإنما عاداه لأنه نزله على قلبك، فكان هذا تعليل لعداوتهم لجبريل ﴿وجِبْرِيلَ
ومِيكَائِيلَ﴾ ذكرا بعد الملائكة تجديدًا للتشريف والتعظيم ﴿أَوَ كُلَّمَا﴾ الواو للعطف، قال
الأخفش زائدة ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ نزلت في مالك بن الصيف اليهودي وكان قد قال: والله
ما أخذ علينا عهد أن نؤمن بمحمد رسول يعني محمدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم . .

٧٧
تفسير سورة البقرة
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠) وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ
الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُ واْيُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ
فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ
أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ أَشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِْسَ مَا شَرَوْابِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الِثَ وَلَوْ أَنَّهُمْ
ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿٨) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٠) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ
﴿كِتَابَ الله﴾ يعني القرآن أو التوراة لما فيها من ذكر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم
أو المتقدّمين ﴿مَا تَتْلُو﴾ هو من القراءة أو الاتباع ﴿عَلَى مُلْكِ﴾ أي في ملك أو عهد ملك
سليمان ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئة له مما نسبوه إليه، وذلك أنّ سليمان عليه السلام دفن
السحر ليذهبه فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود إنما كان سليمان ساحرًا،
وقيل إنّ الشياطين استرقّوا السمع وألقوه إلى الكهّان، فجمع سليمان ما كتبوا من ذلك
ودفنه، فلما مات قالوا ذلك علم سليمان ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بتعليم السحر وبالعمل به أو
بنسبته إلى سليمان عليه السلام ﴿وَمَا أُنزِلَ﴾ نفي أو عطف على السحر عليهما، إلاّ أنّ ذلك
يردّه آخر الآية، وإن كانت معطوفة بمعنى الذي فالمعنى أنهما أنزل عليهما ضرب من السحر
ابتلاء من الله لعباده أو ليعرف فيحذر، وقرىء الملكين ((بكسر اللام)) وقال الحسن: هما
علجان، فعلى هذا يتعين أن تكون ما غير نافية ﴿بِبَابِلَ﴾ موضع معروف ﴿هَارُوتَ
وَمَارُوتَ﴾ اسمان علمان بدل من الملكين أو عطف بيان ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة، وذلك
تحذير من السحر ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾ أي بتعليم السحر، ومن هنا أخذ مالك أنّ الساحر يقتل كفرًا
﴿يُفَرِّقُونَ﴾ زوال العصمة أو المنع من الوطء ﴿يَضُرُّهُمْ﴾ أي في الآخرة ﴿عَلِمُوا﴾ أن اليهود
والشياطين: أي اشتغلوا به، وذكر الشرى، لأنهم كانوا يعطون الأجرة عليه ﴿شَرَوْا﴾ هنا
بمعنى باعوا ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ من الثواب وهو جواب لو أنهم وإنما جاء جوابها بجملة اسمية
وعدل عن الفعلية لما في ذلك من الدلالة على إثبات الثواب واستقراره وقيل الجواب
محذوف أي لأثيبوا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في الموضعين نفي لعلمهم ﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ كان
المسلمون يقولون للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يا رسول الله راعنا، وذلك من المراعاة

٧٨
تفسير سورة البقرة
كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ
مَا تَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا تَأْتِ مِخَيْرٍ
بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الثـ
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهُلَهُ مُلْكُ السَّمَوَّتِ
مِنْهَآ أَوْ مِثْلِهَاْ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
وَالْأَرْضُِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿﴾ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْعَلُواْ رَسُولَكُمْ
وَدَّ
كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِبِمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ:
كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنْكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ
أي راقبنا وأَنْظِرْنا، فكان اليهود يقولونها ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي
صلّى الله عليه وآله وسلّم، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء، فنهى الله المسلمين أن
يقولوا هذه الكلمة لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، فالنهي سدًّا
للذريعة، وأمروا أن يقولوا انظرنا لخلوه عن ذلك الاحتمال المذموم، فهو من النظر
والانتظار، وقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلّة التوقير ﴿واسْمَغُوا﴾
عطف على قولوا لا على معمولها والمعنى الأمر بالطاعة والانقياد ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
جنس يعمّ نوعين أهل الكتاب والمشركين من العرب، ولذلك فسّره بهما، ومعنى الآية أنهم
لا يحبون أن ينزل الله خيرًا على المسلمين ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ من للتبعيض، وقيل زائدة لتقدّم
النفي في قوله ما يودّ ﴿بِرَخْمَتِهِ﴾ قيل القرآن وقيل النبوّة وللعموم أولى، ومعنى الآية: الردّ
على مَن كره الخير للمسلمين ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ نزل حكمه ولفظه أو أحدهما، وقرىء بضم
النون: أي نأمر بنسخه ﴿أَو نُنسِهَا﴾ من النسيان، وهو ضدّ الذكر: أي ينساها النبي صلّى الله
عليه وآله وسلّم بإذن الله كقوله: ﴿سَنُقرِتُكَ فَلا تَنْسَى إلاَّ مَا شَاءُ الله﴾ [الأعلى: ٦] أو
بمعنى الترك: أي نتركها غير منزلة: أي غير منسوخة، وقرىء بالهمز بمعنى التأخير: أي
نؤخر إنزالها أو نسخها ﴿بِخَيْرٍ﴾ في خفّة العمل، أو في الثواب ﴿قَدِيرٌ﴾ استدلال على
جواز النسخ لأنه من المقدورات، خلافًا لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوه على الله، وهو جائز
عقلاً، وواقع شرعًا فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها ﴿تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾
أي تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبّهه بسؤالهم
موسى، وهو قولهم له: أرِنا الله جهرة.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي تمنّوا، ونزلت الآية في حييّ بن أخطب وأمية بن
ياسر وأشباههما من اليهود الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردوهم

٧٩
تفسير سورة البقرة
مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْيِءٍ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ [®) وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةٌ وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ () وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ
قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنُ
فَلَةُ: أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
١١٢
وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ
وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ
قَوْلِهِمَّ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ
أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, وَسَعَى فِى خَرَابِهَاْ أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْ خُلُوهَا إِلََّ خَيِفِنَّ لَهُمْ فِي
عن الإسلام ﴿حَسَدًا﴾ مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والعامل فيه ما قبله،
فيجب وصله معه، وقيل هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره يحسدونكم حسدًا، فعلى
هذا يوقف على ما قبله، والأوّل أظهر وأرجح ﴿مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم﴾ يتعلق بحسدًا وقيل بيود
﴿فَاعْفُوا﴾ منسوخ بالسيف ﴿بِأَمْرِهِ﴾ يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ
الجَنَّةَ﴾ الآية: أي قالت اليهود لن يدخل الجنة: إلاّ مَن كان يهوديًا، وقالت النصارى لن
يدخل الجنة إلاّ مَن كان نصرانيًا ﴿هُودًا﴾ يعني اليهود وهذه الكلمة جمع هايد أو مصدر
وصف به وقال الفرّاء: حذفت منه يا هودًا على غير قياس ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ أكاذيبهم أو ما يتمنونه
﴿هَاتُوا﴾ أمر على وجه التعجيز، والردّ عليهم، وهو من: هاتي، يهاتي، ولم ينطق به،
وقيل أصله: آتوا، وأبدل من الهمزة هاء ﴿بَلَى﴾ إيجاب لما نفوا: أي يدخلها مَن ليس
یھودیًا، ولا نصرانيًا.
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه﴾ أي دخل في الإسلام وأخلص، وذكر الوجه لشرفه والمراد
جملة الإنسان ﴿ وَقَالَتِ اليَهُودُ﴾ الآية: سببها: اجتماع نصارى نجران مع يهود المدينة
قدمت كل طائفة الأخرى ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ﴾ تقبيح لقولهم مع تلاوتهم الكتاب ﴿الَّذِينَ لاَ
يَعْلَمُون﴾ المشركون من العرب لأنهم لا كتاب لهم ﴿مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ لفظه الاستفهام
ومعناه: لا أحد أظلم منه حيث وقع: قريش منعت الكعبة، أو النصارى منعوا بيت المقدس
أو على العموم ﴿خَائِفِينَ﴾ في حق قريش، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا يحج بعد
هذا العام مشرك))، وفي حق النصارى ضربهم عند بيت المقدس أو الجزية ﴿خِزْيٌ﴾ في

٨٠
تفسير سورة البقرة
الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١)، وَلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللهِّ
إِنَ اللَّهَ وَسِعُ عَلِيمٌ لَّ وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأُ سُبْحَنَّةٍ بَل لَُّمَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
كُلٌّ لَُّ قَدِئُونَ (٨) بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَى أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ () وَقَالَ
حق قريش غلبتهم وفتح مكة، وفي حق النصارى: فتح بيت المقدس أو الجزية ﴿فَأَنْتَمَا
تُوَلُّوا﴾ في الحديث الصحيح أنهم صلّوا ليلة في سفر إلى غير القِبلة بسبب الظلمة فنزلت،
وقيل هي في نفل المسافر حيث ما توجهت به دابّته، وقيل هي راجعة إلى ما قبلها: أي إن
منعتم من مساجد الله فصلّوا حيث كنتم، وقيل إنها احتجاج على من أنكر تحويل القبلة،
فهي كقوله بعد هذا: ﴿قُلْ لِلَّهِ المشرق والمغرب﴾ [البقرة: ١٤٢] الآية. والقول الأوّل هو
الصحيح، ويؤخذ منه أن مَن أخطأ القِبلة، فلا تجب عليه الإعادة وهو مذهب مالك ﴿وَجْهُ
الله﴾ المراد به هنا رضاه كقوله: ﴿ابْتِغَاء وَجْهَ الله﴾ [البقرة: ٢٧٢] أي رضاه، وقيل معناه
الجهة التي وجّهه إليها، وأما قوله: ﴿كلُّ شيءٍ هالِكِ إلاّ وجهه﴾ [القصص: ٨٨] ﴿ويبقى
وجه ربك﴾ [الرحمان: ٢٧] فهو من المتشابه الذي يجب التسليم له من غير تكييف، ويردّ
علمه إلى الله، وقال الأصوليين: هو عبارة عن الذات أو عن الوجود، وقال بعضهم: هو
صفة ثابتة بالسمع. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ﴾ قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن
الله، وقالت الصابئون وبعض العرب: الملائكة بنات الله ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيه لهم عن قولهم:
﴿بَلْ لَّهُ﴾ الآية ردّ عليهم لأنّ الكل ملكه، والعبودية تنافي النبوّة ﴿قَانِتُون﴾ أي طائعون
منقادون .
﴿بَدِيعُ السَّمَواتِ﴾ أي مخترعها وخالقها ابتداء ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي قدّره وأمضاه،
قال ابن عطية يتّحد في الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السُّنّة قدر في الأزل وأمضى فيه،
وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد، قلت: لا يكون قضى هنا بمعنى قدّر،
لأن القدر قديم، وإذا تقتضي الحدوث والاستقبال وذلك يناقض القدم، وإنما قضى هنا
بمعنى أمضى أو فعل أو وجد كقوله: ﴿فقضاهنّ سبع سموات﴾ [فصّلت: ١٢]، وقد قيل
إنه بمعنى خُتم الأمر، وبمعنى حكم، والأمر هنا بمعنى الشيء، وهو واحد الأمور، وليس
بمصدر أمر يأمر ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال الأصوليون: هذا عبارة عن تعوّد قدرة الله
تعالى وليس بقول حقيقي لأنه إن كان قول كن خطابًا للشيء في حال عدمه لم يصح، لأن
المعدوم لم يخاطب وإن كان خطابًا في حال وجوده لأنه قد كان، وتحصيل الحاصل غير