النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ مسجد بفتح الجيم، وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان عد الجبهة والأنف واحداً وأبعد أيضاً من قال المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد، وقال: إنه جمع مسجد وهو السجود. وروي أنها نزلت حين تغلبت قريش على الكعبة، فقيل لرسول الله ومثير: المواضع كلها لله، فاعبده حيث كنت. وقال ابن جبير: نزلت لأن الجن قالت: يا رسول الله، كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك؟ فنزلت الآية ليخاطبهم على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة إذ دخلنا المساجد. وقرأ الجمهور: ﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ بفتح الهمزة، عطفاً على قراءتهم ﴿وأن المساجد﴾ بالفتح. وقرأ ابن هرمز وطلحة ونافع وأبو بكر. بكسرها على الاستئناف؛ وعبد الله هو محمد رسول اللّه وَلاير، ﴿يدعوه﴾: أي يدعو الله ﴿كادوا﴾: أي كاد الجن، قال ابن عباس والضحاك: ينقضون عليه لاستماع القرآن. وقال الحسن وقتادة: الضمير في ﴿كادوا﴾ لكفار قريش والعرب في اجتماعهم على رد أمره. وقال ابن جبير: المعنى أنها قول الجن لقومهم يحكمون، والضمير في ﴿كادوا﴾ لأصحابة الذين يطوعون له ويقيدون به في الصلاة. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل رسول الله أو النبي؟ قلت: لأن تقديره وأوحي إليّ أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعاً في كلام رسول الله وَّر عن نفسه، جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل؛ أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله لله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر حتى يكونوا عليه لبداً. ومعنى قام يدعوه: قام يعبده، يريد قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن، فاستمعوا لقراءته عليه السلام. ﴿كادوا يكونون عليه لبداً﴾: أي يزدحمون عليه متراكمين، تعجباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً وساجداً، وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره. انتهى، وهو قول متقدم كثره الزمخشري بخطابته. وقرأ الجمهور: ﴿لبدأ﴾ بكسر اللام وفتح الباء جمع لبدة، نحو: كسرة وكسر، وهي الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد مناف بن ربع: صافوا بستة أبيات وأربعة حتى كأن عليهم جانباً لبدأ وقال ابن عباس: أعواناً. وقرأ مجاهد وابن محيصن وابن عامر: بخلاف عنه بضم اللام جمع لبدة، كزبرة وزبر؛ وعن ابن محيصن أيضاً: تسكين الباء وضم اللام لبداً. وقرأ الحسن والجحدري وأبو حيوة وجماعة عن أبي عمرو: بضمتین جمع لبد، کرهن ورهن، أو جمع لبود، كصبور وصبر. وقرأ الحسن والجحدري: بخلاف عنهما، لبدأ بضم اللام ٣٠٢ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ وشد الباء المفتوحة. قال الحسن وقتادة وابن زيد: لما قام الرسول للدعوة، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره. انتهى. وأبعد من قال عبد الله هنا نوح عليه السلام، كاد قومه يقتلونه حتى استنقذه الله منهم، قاله الحسن. وأبعد منه قول من قال إنه عبد الله بن سلام. وقرأ الجمهور: قال إنما أدعوا ربي: أي أعبده، أي قال للمتظاهرين عليه: ﴿إنما ادعوا ربي﴾: أي لم آتكم بأمر ينكر، إنما أعبد ربي وحده، وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على عداوتي. أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترون من عبادة الله بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن يعبد غيره. أو قال الجن لقومهم: ذلك حكاية عن رسول الله وسلّر، وهذا كله مرتب على الخلاف في عود الضمير في وكادوا﴾. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بخلاف عنه: ﴿قل﴾: أي قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك، وهم إما الجن وإما المشركون، على اختلاف القولين في ضمير کادوا﴾ . ثم أمره تعالى أن يقول لهم ما يدل على تبرئه من القدرة على إيصال خير أو شر إليهم، وجعل الضر مقابلاً للرشد تعبيراً به عن الغي، إذ الغي ثمرته الضرر، يمكن أن يكون المعنى: ضرا ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً، فحذف من كل ما يدل عليه مقابله. قرأ الأعرج: رشداً بضمتين. ولما تبرأ عليه السلام من قدرته على نفعهم وضرهم، أمر بأن يخبرهم بأنه مربوب لله تعالى، يفعل فيه ربه ما يريد، وأنه لا يمكن أن يجيره منه أحد، ولا يجد من دونه ملجأ يركن إليه، قال قريباً منه قتادة. وقال السدي: حرزاً. وقال الكلبي : مدخلاً في الأرض، وقيل: ناصراً، وقيل: مذهباً ومسلكاً، ومنه قول الشاعر: عني وما من قضاء الله ملتحد يا لهف نفسي ونفسي غير مجدية وقيل: في الكلام حذف وهو: قالوا له أترك ما ندعو إليه ونحن نجيرك، فقيل له: قل لن يجيرني. وقيل: هو جواب لقول وردان سيد الجن، وقد ازدحموا عليه، قال وردان: أنا أرحلهم عنك، فقال: إني لن يجبرني أحد، ذكره الماوردي. ﴿إلا بلاغاً﴾، قال الحسن: هو استثناء منقطع، أي لن يجيرني أحد، لكن إن بلغت رحمني بذلك. والإجارة للبلاغ مستعارة، إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته، وقيل على هذا المعنى: هو استثناء متصل، أي لن يجيرني في أحد، لكن لم أجد شيئاً أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني الله، فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحداً وعلى البدل وهو الوجه، لأن ما قبله نفياً، وعلى البدل خرجه الزجاج. وقال أبو عبد الله الرازي: هذا الاستثناء منقطع، لأنه لم يقل: ٣٠٣ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ ولم أجد ملتحداً بل، قال: ﴿من دونه﴾؛ والبلاغ من الله لا يكون داخلاً تحت قوله: ﴿من دونه ملتحداً﴾ لأنه لا يكون من دون الله، بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه. وقال قتادة: التقدير لا أملك إلا بلاغاً إليكم، فأما الإيمان والكفر فلا أملك. انتهى، وفيه بعد لطول الفصل بينهما. وقيل، إلا في تقدير الانفصال: إن شرطية ولا نافية، وحذف فعلها لدلالة المصدر عليه، والتقدير: إن لم أبلغ بلاغاً من الله ورسالته، وهذا كما تقول: إن لا قياماً قعوداً، أي إن لم تقيم قياماً فاقعد قعوداً، وحذف هذا الفعل قد يكون لدلالة عليه بعده أو قبله، كما حذف في قوله: وإلا يعل مفرقك الحسام فطلقها فلست لها بكفء التقدير: وإن تطلقها، فحذف تطلقها لدلالة فطلقها عليه، ومن لابتداء الغاية. وقال الزمخشري: تابعاً لقتادة، أي لا أملك إلا بلاغاً من الله، و﴿قل إني لن يجيرني﴾: جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه على معنى أن الله إن أراد به سوءاً من مرض أو موت أو غیرهما لم يصح أن یجیره منه أحد أو يجد من دونه ملاذاً یأوي إليه. انتهى. ﴿ورسالاته﴾، قيل: عطف على ﴿بلاغاً﴾، أي إلا أن أبلغ عن الله، أو أبلغ رسالاته. الظاهر أن رسالاته عطف على الله، أي إلا أن أبلغ عن الله وعن رسالاته. ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾: أي بالشرك والكفر، ويدل عليه قوله: ﴿خالدين فيها أبداً﴾. وقرأ الجمهور: ﴿فإن له﴾ بكسر الهمزة. وقرأ طلحة: بفتحها، والتقدير: فجزاؤه أن له. قال ابن خالويه: وسمعت ابن مجاهد يقول: ما قرأ به أحد وهو لحن، لأنه بعد فاء الشرط. وسمعت ابن الأنباري يقول: هو ضراب، ومعناه: فجزاؤه أن له نار جهنم. انتهى. وكان ابن مجاهد إماماً في القراءات، ولم يكن متسع النقل فيها كابن شنبوذ، وكان ضعيفاً في النحو. وكيف يقول ما قرأ به أحد؟ وهذا كطلحة بن مصرّف قرأ به. وكيف يقول وهو لحن؟ والنحويون قد نصوا على أن إن بعد فاء الشرط يجوز فيها الفتح والكسر. وجمع ﴿خالدين﴾ حملاً على معنى من، وذلك بعد الحمل على لفظ من في قوله: ﴿يعص﴾، ﴿فإن له﴾. ﴿حتى إذا رأوا﴾: حتى هنا حرف ابتداء، أي يصلح أن يجيء بعدها جملة الابتداء والخبر، ومع ذلك فيها معنى الغاية. قال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق حتى وجعل ما بعده غاية له؟ قلت: بقوله ﴿يكونون عليه لبدآ﴾، على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون﴾ من يوم بدر، وإظهار الله له عليهم، أو من يوم القيامة، ﴿فسيعلمون﴾ حينئذ أنهم ﴿أضعف ناصراً وأقل ٣٠٤ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ عدداً﴾. ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه لا يزالون على ما هم عليه ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون﴾. قال المشركون: متى یکون هذا الموعد إنكاراً له؟ فقيل: قل إنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه، فإن الله قد وعد ذلك، وهو لا يخلف الميعاد. وأما وقته فلا أدري متى يكون، لأن الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة. انتهى. وقوله: بم تعلق إن؟ عنى تعلق حرف الجر، فليس بصحيح لأنها حرف ابتداء، فما بعدها ليس في موضع جر خلافاً للزجاج وابن درستوية، فإنهما زعما أنها إذا كانت حرف ابتداء، فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر؛ وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها، وكون ما بعدها غاية لما قبلها، فهو صحيح. وأما تقديره أنها تتعلق بقوله: ﴿يكونون عليه لبدأ﴾، فهو بعيد جداً لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة. وقال التبريزي: حتى جاز أن تكون غاية لمحذوف، ولم يبين ما المحذوف. وقيل: المعنى دعهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من الساعة، ﴿فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً﴾، أهم أم أهل الكتاب؟ والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم بكينونة النار لهم، كأنه قيل: إن العاصي يحكم له بكينونة النار لهم، والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فسيعلمون. فقوله: ﴿فإن له نار جهنم﴾ هو وعيد لهم بالنار، ومن أضعف مبتدأ وخبر في موضع نصب لما قبله، وهو معلق عنه لأن من استفهام. ويجوز أن تكون من موصولة في موضع نصب بسيعلمون، وأضعف خبر مبتدأ محذوف. والجملة صلة لمن، وتقديره: هو أضعف، وحسن حذفه طول الصلة بالمعمول وهو ناصراً. قال مكحول: لم ينزل هذا إلا في الجن، أسلم منهم من وفق وكفر من خذل كالإنس، قال: وبلغ من تابع النبي والر ليلة الجن سبعين ألفاً، وفزعوا عند انشقاق الفجر. ثم أمره تعالى أن يقول لهم إنه لا يدري وقت طول ما وعدوا به، أهو قريب أم بعيد؟. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿أم يجعل له ربي أمداً﴾، والأمد يكون قريباً وبعيداً؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تؤدّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً﴾(١)؟ قلت: كان رسول الله وَ﴿ يستقرب الموعد، فكأنه قال: ((ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية))؟ أي هو عالم الغيب. ﴿فلا يظهر﴾: فلا يطلع، و﴿من رسول﴾ تبيين لمن ارتضى، يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضي الذي هو مصطفى للنبوّة خاصة، لا كل مرتضي، وفي هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم، وإن كانوا (١) سورة آل عمران: ٣٠/٣. ٣٠٥ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ أولياء مرتضين، فليسوا برسل. وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط. انتهى. وقال ابن عباس: ﴿عالم الغيب﴾، قال الحسن: ما غاب عن خلقه، وقيل: الساعة. وقال ابن عباس: إلا بمعنى لكن، فجعله استثناء منقطعاً. وقيل: إلا بمعنى ولا أي، ولا من ارتضى من رسول وعالم خبر مبتدأ محذوف، أي هو عالم الغيب، أو بدل من ربي. وقرىء: عالم بالنصب على المدح. وقال السدّي: علم الغيب، فعلاً ماضياً ناصباً، والجمهور: عالم الغيب اسم فاعل مرفوعاً. وقرأ الجمهور: ﴿فلا يظهر﴾ من أظهر؛ والحسن: يظهر بفتح الياء والهاء من ظهر، ﴿إلا من ارتضى من رسول﴾: استثناء من أحداً، أي فإنه يظهره على ما يشاء من ذلك، فإنه يسلك الله من بين يدي ذلك الرسول، ﴿ومن خلفه رصداً﴾: أي حفظة يحفظونه من الجن ويحرسونه في ضبط ما يلقيه تعالى إلى ذلك الرسول من علم الغيب. وعن الضحاك: ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك. وقال القرطبي: قال العلماء: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، کان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم، ثم ذكر استدلالاً على بطلان ما يقوله المنجم، ثم قال باستحلال دم المنجم. وقال الواحدي: في هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدل على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن. قال أبو عبد الله الرازي والواحدي: تجوز الكرامات على ما قال صاحب الكشاف، فجعلها تدل على المنع من الأحكام النجومية ولا تدل على الإلهامات مجرد تشبه، وعندي أن الآية لا تدل على شيء مما قالوه، لأن قوله: ﴿على غيبه﴾ ليس فيه صفة عموم، فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر خلقه تعالى على غيب واحد من غيوبه، ويحمله على وقت قيام القيامة فلا يبقى دليل في الآية على أنه لا يظهر شيئاً من الغيوب الأحد، ويؤكده أنه ذكر هذه الآية عقيب قوله: ﴿إن أدري أقريب ما توعدون﴾ الآية: أي لا أدري وقت وقوع القيامة، إذ هي من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد. و﴿إلا من ارتضى﴾: استثناء منقطع، كأنه قال: فلا يظهر على غيبه المخصوص أحداً إلا من ارتضى من رسول، فله حفظة يحفظونه من شرّ مردة الإنس والجن. قال أبو عبد الله الرازي: واعلم أنه لا بد من القطع بأنه ليس المراد من هذه الآية أنه تفسير البحر المحيط ج١٠ م٢٠ ٣٠٦ . سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ لا يطلع أحد على شيء من المغيبات إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، والذي يدل عليه وجوه: أحدها: أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقاً وسطيحاً كانا كاهنين يخبران بظهور محمد ﴿ قبل زمان ظهوره، وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا وَّر. وثانيها: إطباق الأمم على صحة علم التعبير، فيخبر المعبر عن ما يأتي في المستقبل ويكون صادقاً. وثالثها: أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها ووقعت على وفق كلامها، فقد رأيت أناساً محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة على سبيل التفصيل وجاءت كذلك، وبالغ أبو البركات صاحب المعتبر في شرح حالها في كتاب التعبير وقال: فحصت عن حالها منذ ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات أخباراً مطابقة موافقة. ورابعها: أنا نشاهد أصحاب الإلهامات الصادقة، ليس هذا مختصاً بالأولياء، فقد يوجد في السحرة وفي الأحكام النجومية ما يوافق الصدق، وإن كان الكذب يقع منهم كثيراً. وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن، وذلك باطل. فقلنا: إن التأويل الصحيح ما ذكرناه. انتهى، وفيه بعض تلخيص. وإنما أوردنا كلام هذا الرجل في هذه المسألة لننظر فيما ذكر من تلك الوجوه. أما قصة شق وسطيح فليس فيها شيء من الإخبار بالغيب، لأنه مما يخبر به رئی الكهان من الشياطين مسترقة السمع، كما جاء في الحديث: ((إنهم يسمعون الكلمة ويكذبون ويلقون إلى الكهنة ويزيد الكهنة للكلمة مائة كذبة)). وليس هذا من علم الغيب، إذا تكلمت به الملائكة، وتلقفها الجني، وتلقفها منه الكاهن؛ فالكاهن لم يعلم الغيب. وأما تعبير المنامات، فالمعبر غير المعصوم لا يعبر بذلك على سبيل البت والقطع، بل على سبيل الحزر والتخمين، وقد يقع ما يعبر به وقد لا يقع. وأما الكاهنة البغدادية وما حكي عنها فحسبه عقلاً أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها، ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه لبس عليه هذا، وهو العالم المصنف الذي طبق ذكره الآفاق، وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف. وأما حكايته عن صاحب المعتبر، فهو يهودي أظهر إسلامه وهو منتحل طريقة ٣٠٧ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ الفلاسفة. وأما مشاهدته أصحاب الإلهامات الصادقة، فلي من العمر نحو من ثلاث وسبعين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح، فلم أر أحداً منهم صاحب إلهام صادق. وأما الكرامات، فلا أشك في صدور شيء منها، لكن ذلك على سبيل الندرة، وذلك في من سلف من صلحاء هذه الأمة؛ وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامات، والله تعالى أن يخص من شاء بما شاء والله الموفق. وقرأ الجمهور: ﴿ليعلم﴾ مبنياً للفاعل. قال قتادة: ليعلم محمد ر أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم وحفظوا. وقال ابن جبير: ليعلم محمد أن الملائكة الحفظة الرصد النازلين بين يدي جبريل وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم. وقال مجاهد: ليعلم من أشرك وكذب أن الرسل قد بلغت، وعلى هذا القول لا يقع لهم هذا العلم إلا في الآخرة. وقيل: ليعلم الله رسله مبلغة خارجة إلى الوجود، لأن علمه بكل شيء قد سبق. واختار الزمخشري هذا القول الأخير فقال: ﴿ليعلم الله أن قد أبلغوا رسالات ربهم﴾: يعني الأنبياء. وحد أولاً على اللفظ في قوله: ﴿من بين يديه ومن خلفه﴾، ثم جمع على المعنى كقوله: ﴿فإن له نار جهنم خالدين﴾، والمعنى: ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان، وذكر العلم كذكره في قوله ﴿حتى نعلم المجاهدين﴾(١). انتهى. وقيل: ﴿ليعلم﴾، أي: أيّ رسول كان أن الرسل سواه بلغوا. وقيل: ليعلم إبليس أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه وإسراف أصحابه. وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة بلغوا رسالات ربهم. وقيل: ليعلم محمد أن قد بلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه. وقيل: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل إليهم، ولم يكونوا هم المتلقين بإستراق السمع. وقرأ ابن عباس وزيد بن عليّ: ليعلم، بضم الياء مبنياً للمفعول؛ والزهري وابن أبي عبلة: بضم الياء وكسر اللام، أي ليعلم الله، أي من شاء أن يعلمه، أن الرسل قد أبلغوا رسالاته. وقرأ الجمهور: ﴿رسالات﴾ على الجمع؛ وأبو حيوة: على الإفراد. وقرأ الجمهور: ﴿وأحاط بما لديهم﴾: وأحاط مبنياً للفاعل، أي الله، ﴿وأحصى): مبنياً للفاعل، أي الله كل نصباً؛ وابن أبي عبلة: وأحيط وأحصى مبنياً للمفعول كل رفعاً. ولما كان ليعلم مضمناً (١) سورة محمد: ٤٧ /٣١. ٣٠٨ سورة الجن / الآيات: ١ - ٢٨ معنى علم، صار المعنى: قد علم ذلك، فعطف وأحاط على هذا الضمير، والمعنى: وأحاط بما عند الرسل من الحكم والشرائع لا يفوته منها شيء. ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾: أي معدوداً محصوراً، وانتصابه على الحال من كل شيء، وإن كان نكرة لاندراج المعرفة في العموم. ويجوز أن ينتصب نصب المصدر لأحصى لأنه في معنى إحصاء. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون تمييزاً. انتهى، فيكون منقولاً من المفعول، إذا أصله: وأحصى عدد كل شيء، وفي كونه ثابتاً من لسان العرب خلاف. ٠ ٣٠٩ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ شُورَةُ الْمُنَّمِّ آياتها يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ! أَوْزِدْعَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٣ نَّصْفَهُ أَوِنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٢ أقُ اَلَيْلَ إِلََّ قَلِيلًا ١ إِنَّ نَاشِئَةَ الَّلِ هِىَ أَشَدُّوَْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا! الْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا ! ٦ إِنَّلَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحَاطَّوِيلاً جَ وَأَذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ وَبَثَّلْ إِلَيْهِ نَبِيلًا (® رَبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَآ إِلَهَإِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (١٤) وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا ﴾ ١٠ وَطَعَامًاذَا ١٢ ﴿ إِنَّلَدَيْنَا أَنْكَا لَا وَحِيمًا و وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أَوْلِ التَّعْمَةِ وَمَهِلُهُمْقَلِيلًا غُضَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (٦) يَوْمَ تَرَّجُّفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُّ كَتِيبًا مَّهِيلًا (٣) إِنَّ أَرْسَلْنَا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ ١٥ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا أَخْذَا وَبِيلًا (٦َا فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (٣) السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ. ﴿إِنَّ ١٩ أَإِنَّ هَذِ هِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً كَانَ وَعُدُهُمَفْعُولًا لَ رَبَّكَ يَعَمُأنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُلُفِى الَّلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَّهُ وَطَبِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَلَكَّ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَ عَلِمَ أَنْ لَن تُخْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُ وَأُمَا تَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَ إِنَّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُـ مَرْضَّ وَءَآخَرُونَ يَضْرِ بُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَآخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِ اللَّهِ فَاقْرَءُ وامَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوْةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَوَأَفْرِضُواْاللَّهَ فَرْضَا حَسَنَّ وَ مَانُقَدِّمُواْلِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَاللَّهِ هُوَ خَيًْ وَأَعْظَمَ أَجْرَ وَاسْتَغْفِرُ وا لَهَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢٠ ٣١٠ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ تزمّل في ثوبه: التف، وزمّل: لف. قال امرؤ القيس: كبير أناس في بجاد مزمّل وقال ذو الرمّة: ومن نائم عن ليلها متزمّل وكائن تخطت ناقتى من مفازة تبتل إلى كذا: انقطع إليه، ومنه هبة بتلة، وطلقة بتلة، والبتول وبتل الحبل. قال الليث: البتل تمييز الشيء من الشيء، والبتول المرأة المنقطعة عن الرّجال لا شهوة لها ولا حاجة لها فيهم، والتبتل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه قول امرىء القيس: منارة ممسى راهب متبتل تضيء الظلام بالعشاء كأنها ومنه النهي عن التبتل: أي عن الانقطاع عن التزويج. ومنه قيل للراهب متبتل، لانقطاعه عن الناس وانفراده للعبادة. والغصة: الشجي، وهو ما ينشب بالحلق من عظم أو غيره، وجمعها غصص، والفعل غصصت، فأنت غاص وغصان، قال: كنت كالغصان بالماء اعتصاري الكثيب: الرمل المجتمع، وجمعه كثب وكثبان في الكثرة، وأكثبة في القلة. قال ذو الرمّة : فقلت لها لا إن أهلي جيرة لا كثبة الدهنا جميعاً وماليا المهيل: الذي يمر تحت الرجل، وهلت عليه التراب: صببته. وقال الكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته القدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال، وأهلت لغة في هلت. الشيب: جمع أشیب. ﴿يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً، إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً، إن ناشئة الليلِ هي أشد وطأ وأقوم قيلاً، إن لك في النهار سبحاً طويلاً، واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً، وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً، إن لدينا أنكالاً وجحيماً، وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً، يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كئيباً مهيلاً، إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً، فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً﴾. ٣١١ - سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ هذه السورة مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها: ﴿واصبر على ما يقولون﴾ والتي تليها، ذكره الماوردي. وقال الجمهور: هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم﴾ الخ، فإنه نزل بالمدينة. وسبب نزولها فيما ذكر الجمهور: أنه عليه الصلاة والسلام لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره، رجع إلى خديجة فقال: ((زملوني زملوني))، فنزلت: ﴿يا أيها المدثر﴾(١)، وعلى هذا نزلت: ﴿يا أيها المزمل﴾. قالت عائشة والنخعي وجماعة: ونودي بذلك لأنه كان في وقت نزول الآية متزملاً بكساء. وقال قتادة: كان تزمل في ثيابه للصلاة واستعد. فنودي على معنى: يا أيها المستعد للعبادة. وقال عكرمة: معناه المزمل للنبوة وأعبائها، أي المشمر المجد، فعلى هذا يكون التزمل مجازاً، وعلى ما سبق يكون حقيقة. وما رووا أن عائشة رضي الله عنها سئلت: ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه علیه، إلى آخر الرواية؛ کذب صراح، لأن نزول ﴿يا أيها المزمل﴾ بمكة في أوائل مبعثه، وتزويجه عائشة كان بالمدينة. ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أن في آخر ما قبلها ﴿عالم الغيب﴾(٢) الآيات، فأتبعه بقوله: ﴿يا أيها المزمل﴾، إعلاماً بأنه ◌َّ ممن ارتضاه من الرسل وخصه بخصائص وكفاه شر أعدائه. وقرأ الجمهور: ﴿المزمل﴾، بشد الزاي وكسر الميم، أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي. وقرأ أبي: المتزمل على الأصل؛ وعكرمة: بتخفيف الزاي. أي المزمل جسمه أو نفسه. وقرأ بعض السلف: بتخفيف الزاي وفتح الميم، أي الذي لف. وللزمخشري في كيفية نداء الله له بهذا الوصف كلام ضربت عن ذكره صفحاً، فلم أذكره في كتابي. وقال السهيلي: ليس المزمل باسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب تترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي ◌َّ لعليّ كرم الله وجهه وقد نام ولصق بجنبه التراب: ((قم أبا تراب))، إشعاراً بأنه ملاطف له، فقوله: ﴿يا أيها المزمل﴾ فيه تأنيس وملاطفة. وقرأ الجمهور: ﴿قم الليل﴾، بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين؛ وأبو السمال: (١) سورة المدثر: ١/٧٤. (٢) سورة الجن: ٢٦/٧٢ وما بعدها. ٣١٢ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ بضمها اتباعا للحركة من القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للتخفيف. قال ابن جني: الغرض بالحركة الهروب من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحرك الحرف حصل الغرض، وقم طلب. فقال الجمهور: هو على جهة الندب، وقيل: كان فرضاً على الرسول خاصة، وقيل: عليه وعلى الجميع. قال قتادة: ودام عاماً أو عامين. وقالت عائشة: ثمانية أشهر، ثم رحمهم الله فنزلت: ﴿إن ربك يعلم) الآيات، فخفف عنهم ﴿قم الليل إلا قليلاً﴾. بین الاستثناء أن القيام المأمور به يستغرق جميع الليل، ولذلك صح الاستثناء منه، إذ لو كان غير مستغرق، لم يصح الاستثناء منه، واستغراق جميعه بالقيام على الدوام غير ممكن، لذلك استثى منه لراحة الجسد؛ وهذا عند البصريين منصوب على الظرف، وإن استغرقه الفعل؛ وهو عند الكوفيين مفعول به. وفي قوله: ﴿إلا قليلاً﴾ دليل على أن المستثنى قد يكون مبهم المقدار، كقوله: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾(١) في قراءة من نصب ﴿ثم توليتم إلا قليلاً منكم﴾(٢). قال وهب بن منبه: القليل ما دون المعشار والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: الثلث. وقيل: ما دون النصف، وجوزوا في نصفه أن يكون بدلاً من الليل ومن قليلاً. فإذا كان بدلاً من الليل، كان الاستثناء منه، وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلاً منه. والضمير في منه وعليه عائد على النصف، فيصير المعنى: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص من نصف الليل قليلاً، أو زد على نصف الليل، فيكون قوله: أو انقص من نصف الليل قليلاً، تكراراً لقوله: إلا قليلاً من نصف الليل، وذلك تركيب غير فصيح ينزه القرآن عنه. قال الزمخشري: نصفه بدل من الليل، وإلا قليلاً استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل. والضمير في منه وعليه للنصف، والمعنى: التخيير بين أمرين، بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما النقصان من النصف والزيادة عليه. انتهى. فلم يتنبه للتكرار الذي يلزمه في هذا القول، لأنه على تقديره: قم أقل من نصف الليل كان قوله، أو انقص من نصف الليل تكراراً. وإذا كان ﴿نصفه﴾ بدلاً من قوله: ﴿إلا قليلاً﴾، فالضمير في نصفه إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه وهو الليل، لا جائز أن يعود على المبدل منه، لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى البتة. وإن عاد الضمير على الليل، فلا فائدة في الاستثناء من الليل، إذ كان يكون أخصر وأوضح وأبعد عن الإلباس أن يكون (١) سورة النساء: ٦٦/٤. (٢) سورة البقرة: ٨٣/٢. ٣١٣ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ التركيب قم الليل نصفه. وقد أبطلنا قول من قال: إلا قليلاً استثناء من البدل وهو نصفه، وأن التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف. وأيضاً ففي دعوى أن نصفه بدل من إلا قليلاً، والضمير في نصفه عائد على الليل، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، أو زد عليه النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصح، وليس المراد من الآية قطعاً. وقال الزمخشري: وإن شئت جعلت نصفه بدلاً من قليلاً، وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه؛ وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل. وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿قم الليل إلا قليلاً نصفه﴾: إذا أبدلت النصف من الليل، قم أقل من نصف الليل، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، وقم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث، ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلاً وفسرته به أن تجعل قليلاً الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه. ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف والثلث والربع. انتهى. وما أوسع خيال هذا الرجل، فإنه يجوز ما يقرب وما يبعد، والقرآن لا ينبغي، بل لا يجوز أن يحمل إلا على أحسن الوجوه التي تأتي في كلام العرب، كما ذكرناه في خطبة هذا الكتاب. وممن نص على جواز أن يكون نصفه بدلاً من الليل أو من قليلاً الزمخشري، كما ذكرنا عنه. وابن عطية أورده مورد الاحتمال، وأبو البقاء، وقال: أشبه بظاهر الآية أن يكون بدلاً من قليلاً، أو زد عليه، والهاء فيهما للنصف. فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً. والقليل المستثنى غير مقدر، فالنقصان منه لا يتحصل. انتهى. وأما الحوفي فأجاز أن يكون بدلا من الليل، ولم یذکر غيره. وقال ابن عطية: وقد يحتمل عندي قوله: ﴿إلا قليلاً﴾ أنه استثناء من القيام، فيجعل الليل اسم جنس. ثم قال: ﴿إلا قليلاً﴾، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب. انتهى، وهذا خلاف الظاهر. وقيل: المعنى أو نصفه، كما تقول: أعطه درهماً درهمين ثلاثة، تريد: أو درهمين، أو ثلاثة. انتهى، وفيه حذف حرف العطف من غير دليل عليه. وقال التبريزي: الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة ٣١٤ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاستثناء وارد على المأمور به، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً، ثم جعل نصفه بدلاً من قليلاً، فصار القليل مفسراً بالنصف من الثلثين، وهو قليل من الكل. فقوله: ﴿أو نقص منه﴾: أي من المأمور به، وهو قيام الثلث، ﴿قليلاً﴾: أي ما دون نصفه، ﴿أو زد عليه﴾، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعاً على الثلثين. وقال أبو عبد الله الرازي: قد أكثر الناس في تفسير هذه الآية، وعندي فيه وجهان ملخصان، وذكر كلاماً طويلاً ملفقاً يوقف عليه من كتابه. وتقدّم تفسير الترتيل في آخر الإسراء. ﴿قولاً ثقيلًا﴾: هو القرآن، وثقله بما اشتمل عليه من التكاليف الشاقة، كالجهاد ومداومة الأعمال الصالحة. قال الحسن: إن الهذ خفيف، ولكن العمل ثقيل. وقال أبو العالية: والقرطبي: ثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده. وقيل: ثقله ما كان يحل بجسمه وهي حالة تلقيه الوحي، حتى كانت ناقته تبرك به ذلك الوقت، وحتى كادت رأسه الكريمة أن ترض فخذ زيد بن ثابت. وقيل: كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساني. قال ابن عباس: كلاماً عظيماً. وقيل: ثقيل في الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى العمل به. وقيل: كناية عن بقائه على وجه الدهر، لأن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه. ﴿إِنّ ناشئه الليل﴾، قال ابن عمر وأنس بن مالك وعليّ بن الحسين: هي ما بين المغرب والعشاء. وقالت عائشة ومجاهد: هي القيام بعد اليوم، ومن قام أول الليل قبل اليوم، فلم يقم ناشئة الليل. وقال ابن جبير وابن زيد: هي لفظة حبشية، نشأ الرجل: قام من الليل، فناشئة على هذا جمع ناشىء، أي قائم. وقال ابن جبير وابن زيد أيضاً وجماعة: ناشئة الليل: ساعاته، لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن وأبو مجلز: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة، وما كان قبلها فليس بناشئة. قال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل، وقال هو وابن الزبير: الليل كله ناشئة. وقال الكسائي : ناشئة الليل أوله. وقال الزمخشري: ناشئة الليل: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض. قال الشاعر: وألصق منها مشرفات القماحد نشأنا إلى خوص برى فيها السرى أو: قيام الليل، على أن الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعله كالعاقبة. انتهى. وقرأ الجمهور: وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدوداً. وقرأ قتادة وشبل، عن أهل ٣١٥ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ مكة: بكسر الواو وسكون الطاء والهمزة مقصورة. وقرأ ابن محيصن: بفتح الواو ممدوداً، والمعنى أنها أشد مواطأة، أي يواطىء القلب فيها اللسان، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. ومن قرأ ﴿وطأ): أي أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل، أو أثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار، كما جاء: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر)). وقال الأخفش: أشد قياماً. وقال الفراء: أثبت قراءة وقياماً. وقال الكلبي: أشد نشاطاً للمصلي لأنه في زمان راحته. وقيل: أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت فراغ، فالعبادة تدوم. ﴿وأقوم قيلاً﴾: أي أشد استقامة على الصواب، لأن الأصوات هادئة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول، لأنه زمان التفهم. وقال عكرمة: أتم نشاطاً وإخلاصاً وبركة. وحكى ابن شجرة: أعجل إجابة للدعاء. وقال زيد بن أسلم: أجدر أن يتفقه فيها القارىء. وقرأ الجمهور: ﴿سبحاً﴾: أي تصرّفاً وتقلباً في المهمات، كما يتردّد السابح في الماء. قال الشاعر: ففيها لكم يا صاح سبح من السبح أباحوا لكم شرق البلاد وغربها وقيل: سبحاً سبحة، أي نافلة. وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة: سبخاً بالخاء المنقوطة ومعناه: خفة من التكاليف، والتسبيخ: التخفيف، وهو استعارة من سبخ الصوف إذا نفشه ونشر أجزاءه، فمعناه: انتشار الهمة وتفرّق الخاطر بالشواغل. وقيل: فراغاً وسعة لنومك وتصرّفك في حوائجك. وقيل: المعنى إن فات حزب الليل بنوم أو عذر. فليخلف بالنهار، فإن فيه سبحاً طويلاً. قال صاحب اللوامح: وفسر ابن يعمر وعكرمة سبخاً بالخاء معجمة. وقال: نوماً، أي تنام بالنهار لتستعين به على قيام الليل. وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها، فلا يجاوز عنه. انتهى. وفي الحديث: ((لا تسبخي بدعائك)»، أي لا تخففي. وقال الشاعر: إذا قدّر الرحمن شيئاً فكائن فسيخ عليك الهم واعلم بأنه وقال الأصمعي: يقال سبخ الله عنك الحمى، أي خففها. وقيل: السبخ: المد، يقال: سبخي قطنك: أي مديه، ويقال لقطع القطن سبائخ، الواحدة سبيخة، ومنه قول الأخطل : فأرسلوهنّ يذرين التراب كما يذري سبائخ قطن ندف أوتار ﴿واذكر اسم ربك﴾: أي دم على ذكره، وهو يتناول كل ذكر من تسبيح وتهليل ٣١٦ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ وغيرهما، وانتصب ﴿تبتيلاً﴾ على أنه مصدر على غير الصدر، وحسن ذلك كونه فاصلة. وقرأ الأخوان وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: رب بالخفض على البدل من ربك؛ وباقي السبعة: بالرفع؛ وزيد بن عليّ: بالنصب؛ والجمهور: المشرق والمغرب موحدين؛ وعبد الله وأصحابه وابن عباس: بجمعهما. وقال الزمخشري، وعن ابن عباس: على القسم، يعني: خفض رب بإضمار حرف القسم، كقولك: اللّه لأفعلن، وجوابه: لا إله إلا هو، كما تقول: والله لا أحد في الدار إلا زيد. انتهى. ولعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، إذ فيه إضمار الجار في القسم، ولا يجوز عند البصريين إلا في لفظة الله، ولا يقاس عليه. ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فلا تنفي إلا بما وحدها، ولا تنفي بلا إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً وبماض في معناه قليلاً، نحو قول الشاعر: ردوا فوالله لا زرناكم أبداً ما دام في مائنا ورد لورّاد والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويز والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها بما نحو قوله : ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر لعمرك ما سعد بخلة آثم ﴿فاتخذوه وكيلاً﴾، لأن من انفرد بالألوهية لم يتخذ وكيلاً إلا هو. ﴿واصبر﴾، ﴿واهجرهم): قيل منسوخ بآية السيف. ﴿وذرني والمكذبين): قيل نزلت في صناديد قريش، وقيل: في المطعمين يوم بدر، وتقدّمت أسماؤهم في سورة الأنفال، وتقدّم شرح مثل هذا في ﴿فذرني ومن يكذب بهذا الحديث﴾(١). ﴿أولى النعمة﴾: أي غضارة العيش وكثرة المال والولد، والنعمة بالفتح: التنعم، وبالكسر: الأنعام وما ينعم به، وبالضم: المسرّة، يقال: نعم ونعمة عين. ﴿ومهلهم قليلاً﴾: وعيد لهم بسرعة الانتقام منهم، والقليل: موافاة آجالهم. وقيل: وقعة بدر. ﴿إن لدينا): أي ما يضاد نعمنهم، ﴿أنكالا﴾: قيوداً في أرجلهم. قال الشعبي: لم تجعل في أرجلهم خوفاً من هروبهم، ولكن إذا أرادوا أن يرتفعوا استقلت بهم. وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء: وقد كن قبلك لا تقطع دعاك فقطعت أنكاله (١) سورة القلم: ٤٤/٦٨. ٣١٧ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ ﴿وجحيماً﴾: ناراً شديدة الايقاد. ﴿وطعاماً ذا غصة﴾، قال ابن عباس: شوك من نار يعترض في حلوقهم، لا يخرج ولا ينزل. وقال مجاهد وغيره: شجرة الزقوم. وقيل: الضريع وشجرة الزقوم. ﴿يوم) منصوب بالعامل في الدنيا، وقيل: بذرني، ﴿ترجف﴾: تضطرب. وقرأ الجمهور: ﴿ترجف﴾ بفتح التاء مبنياً للفاعل؛ وزيد بن علي: بضمها مبنياً للمفعول، ﴿كثيراً﴾: أي رملاً مجتمعاً، ﴿مهيلاً﴾: أي رخواً ليناً. قيل: ويقال: مهيل ومهيول، وكيل ومكيول، ومدين ومديون، الإتمام في ذوات الياء لغة تميم، والحذف لأكثر العرب. ٠ ولما هدد المكذبين بأهوال القيامة، ذكرهم بحال فرعون وكيف أخذه الله تعالى، إذ كذب موسى عليه السلام، وأنه إن دام تكذيبهم أهلكهم الله تعالى فقال: ﴿إنا أرسلنا إليكم﴾، والخطاب عام للأسود والأحمر. وقيل: لأهل مكة، ﴿رسولاً شاهداً علیکم﴾، كما قال: ﴿وجئنا بك شهيداً على هؤلاء﴾(١). وشبه إرساله إلى أهل مكة بإرسال موسى إلى فرعون على التعيين، لأن كلا منهما رباً في قومه واستحقروا بهما، وكان عندهم علم بما جرى من غرق فرعون، فناسب أن يشبه الإرسال بالإرسال. وقيل: الرسول بلام التعريف، لأنه تقدم ذكره فأحيل عليه. كما تقول: لقيت رجلاً فضربت الرجل، لأن المضروب هو الملقى، والوبيل: الرديء العقبى، من قولهم: كلأ وبيل: أي وخيم لا يستمرأ لثقله، أي لا ينزل في المريء. قوله عز وجل: ﴿فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، السماء منفطر به كان وعده مفعولاً، إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾. ﴿يوماً﴾ منصوب بتتقون، منصوب نصب المفعول به على المجاز، أي كيف تستقبلون هذا اليوم العظيم الذي من شأنه كذا وكذا؟ والضمير في ﴿يجعل﴾ لليوم، أسند إليه الجعل لما كان واقعاً له على سبيل المجاز. وقال الزمخشري: ﴿يوماً﴾ مفعول به، أي (١) سورة النحل: ٨٩/١٦. ٣١٨ - سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له إن بقيتم على الكفر ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً؟ انتهى. وتتقون مضارع اتقى، واتقى ليس بمعنى وقى حتى يفسره به، واتقى يتعدى إلى واحد، ووقى يتعدى إلى اثنين. قال تعالى: ﴿ووقاهم عذاب الجحيم﴾(١)، ولذلك قدره الزمخشري : تقون أنفسكم يوم القيامة، لكنه ليس تتقون بمعنی تقون، فلا یتعدی بعدیته، ودس في قوله: ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً الاعتزال. قال: ويجوز أن يكون ظرفاً، أي فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ قال: ويجوز أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة؟ والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه. انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿يوماً﴾ منوناً، ﴿يجعل﴾ بالياء؛ والجملة من قوله: ﴿يجعل﴾ صفة ليوم، فإن كان الضمير في ﴿يجعل﴾ عائداً على اليوم فواضح وهو الظاهر؛ وإن عاد على الله، كما قال بعضهم، فلا بد من حذف ضمير يعود إلى اليوم، أي يجعل فيه كقوله: ﴿يوماً لا تجزي نفس﴾(٢). وقرأ زيد بن عليّ: بغير تنوين: نجعل بالنون، فالظرف مضاف إلى الجملة، والشيب مفعول ثان ليجعل، أي يصير الصبيان شيوخاً، وهو كناية عن شدة ذلك اليوم. ويقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم إذا تفاقمت أسرعت بالشيب. قال المتنبي : ويشيب ناصية الصبي ويهرم والهم يخترم الجسيم نحافة وقال قوم: ذلك حقيقة تشيب رؤوسهم من شدة الهول، كما قد يرى الشيب في الدنيا من الهم المفرط، كهول البحر ونحوه. وقال الزمخشري: ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الاطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة. وقال السدي: الولدان: أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والظاهر العموم، أي يشيب الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدم قم فابعث بعث النار. وقيل: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق. ﴿السماء منفطر به﴾، قال الفراء: يعني المظلة تذكر وتؤنث، فجاء منفطر على التذكير، ومنه قول الشاعر: لحقنا بالسماء وبالسحاب فلو رفع السماء إليه قوم وعلى القول بالتأنيث، فقال أبو علي الفارسي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، وأعجاز نخل منقعر. انتهى، يعني أنها من باب اسم الجنس الذي بينه وبين (١) سورة الدخان: ٤٤ /٥٦. (٢) سورة البقرة: ٤٨/٢ - ١٢٣. -- ٣١٩ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ مفرده تاء التأنيث وأن مفرده سماء، واسم الجنس يجوز فيه التذكير والتأنيث، فجاء منفطر على التذكير. وقال أبو عمروبن العلاء، وأبو عبيدة والكسائي، وتبعهم القاضي منذر بن سعيد: مجازها السقف، فجاء عليه منفطر، ولم يقل منفطرة. وقال أبو علي أيضاً: التقدير ذات انفطار كقولهم: امرأة مرضع، أي ذات رضاع، فجرى على طريق التسبب. وقال الزمخشري: أو السماء شيء منفطر، فجعل منفطر صفة لخبر محذوف مقدر بمذكر وهو شيء، والانفطار: التصدع والانشقاق؛ والضمير في به الظاهر أنه يعود على اليوم، والباء للسبب، أي بسبب شدة ذلك اليوم، أو ظرفية، أي فيه. وقال مجاهد: يعود على الله، أي بأمره وسلطانه. والظاهر أن الضمير في ﴿وعده﴾ عائد على اليوم، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي أنه تعالى وعد عباده هذا اليوم، وهو يوم القيامة، فلا بد من إنجازه. ويجوز أن يكون عائداً على الله تعالى، فيكون من إضافة المصدر إلى الفاعل، وإن لم يجر له ذكر قريب، لأنه معلوم أن الذي هذه مواعيده هو الله تعالی. ﴿إن هذه﴾: أي السورة، أو الأنكال وما عطف عليه، والأخذ الوبيل، أو آيات القرآن المتضمنة شدة القيامة، ﴿تذكرة﴾: أي موعظة، ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً﴾ بالتقرب إليه بالطاعة، ومفعول شاء محذوف يدل عليه الشرط، لأن من شرطية، أي فمن شاء أن يتخذ سبيلاً اتخذه إلى ربه، وليست المشيئة هنا على معنى الإباحة، بل تتضمن معنى الوعد والوعيد. ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى﴾: تصلي، كقوله: ﴿قم الليل). لما كان أكثر أحوال الصلاة القيام عبر به عنها، وهذه الآية نزلت تخفيفاً لما كان استمرار استعماله من أمر قيام الليل، إما على الوجوب، وإما على الندب، على الخلاف الذي سبق؛ ﴿أدنى من ثلثي الليل): أي زماناً هو أقل من ثلثي الليل، واستعير الأدنى، وهو الأقرب للأول، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿من ثلثي) بضم اللام؛ والحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام وابن مجاهد، عن قنبل فيما ذكر صاحب الكامل: بإسكانها، وجاء ذلك عن نافع وابن عامر فيما ذكر صاحب اللوامح. وقرأ العربيان ونافع: ونصفه وثلثه، بجرهما عطفاً على ﴿ثلثي الليل)؛ وباقي السبعة وزيد بن علي: بالنصب عطفاً على ﴿أدنى﴾، لأنه منصوب على الظرف، أي وقتاً أدنى من ثلثي الليل. فقراءة النصب مناسبة للتقسيم الذي في أول السورة، لأنه إذا قام الليل إلا قليلاً صدق عليه ﴿أدنى من ثلثي الليل﴾، لأن الزمان الذي لم يقم فيه يكون الثلث وشيئاً من الثلثين، فيصدق عليه قوله: ﴿إلا قليلاً﴾. وأما ٣٢٠ سورة المزمل / الآيات: ١ - ٢٠ قوله: ﴿ونصفه) فهو مطابق لقوله أولاً: ﴿نصفه﴾." وأما ثلثه فإن قوله: ﴿أو انقص منه قليلاً﴾ قد ينتهي النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلث الليل. وأما قوله: ﴿أو زد عليه﴾، فإنه إذا زاد على النصف قليلاً، كان الوقت أقل من الثلثين، فيكون قد طابق قوله: ﴿أدنى من ثلثي الليل﴾، ويكون قوله تعالى: ﴿نصفه أو أنقص منه قليلاً﴾ شرحاً لمبهم ما دل عليه قوله: ﴿قم الليل إلا قليلاً﴾، وعلى قراءة النصب. قال الحسن وابن جبير: معنى تحصوه: تطيقوه، أي قدر تعالى أنهم يقدرون الزمان على ما مر في أول السورة، فلم يطيقوا قيامه لكثرته وشدته، فخفف تعالى عنهم فضلاً منه، لا لعلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقات. وأما قراءة الجر، فالمعنى أنه قيام مختلف؛ مرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من النصف، ومرة أدنى من الثلث، وذلك لتعذر معرفة البشر مقادير الزمان مع عذر النوم. وتقدير الزمان حقيقة إنما هو الله تعالى، والبشر لا يحصون ذلك، أي لا يطيقون مقادير ذلك، فتاب عليهم، أي رجع بهم من الثقل إلى الخفة وأمرهم بقيام ما تيسر. وعلى القراءتين يكون علمه تعالى بذلك على حسب الوقوع منهم، لأنهم قاموا تلك المقادير في أوقات مختلفة قاموا أدنى من الثلثين ونصفاً وثلثاً، وقاموا أدنى من النصف وأدنى من الثلث، فلا تنافي بين القراءتين .. وقرأ الجمهور: ﴿وثلثه﴾ بضم اللام؛ وابن كثير في رواية شبل: بإسكانها؛ وطائفة: معطوف على الضمير المستكن في ﴿تقوم﴾، وحسنه الفصل بينهما. وقوله: ﴿وطائفة من الذين معك﴾ دليل على أنه لم يكن فرضاً على الجميع، إذ لو كان فرضاً، لكان التركيب: والذين معك، إلا إن اعتقد أنهم كان منهم من يقوم في بيته، ومنهم من يقوم معه، فيمكن إذ ذاك الفرضية في حق الجميع. ﴿والله يقدر الليل والنهار): أي هو وحده تعالى العالم بمقادير الساعات. قال الزمخشري: وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنياً عليه يقدر هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير. انتهى. وهذا مذهبه، وإنما استفيد الاختصاص من سياق الكلام لا من تقديم المبتدأ. لو قلت: زيد يحفظ القرآن أو يتفقه في كتاب سيبويه، لم يدل تقديم المبتدأ على الاختصاص. وأن مخففة من الثقيلة، والضمير في ﴿نحصوه﴾، الظاهر أنه عائد على المصدر المفهوم من يقدر، أي أن لن تحصوا تقدير ساعات الليل والنهار، لا تحيطوا بها على الحقيقة. وقيل: الضمير يعود على القيام المفهوم من قوله: ﴿فتاب عليكم﴾. قيل: فيه دليل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به. وقيل: رجع بكم من ثقل إلى خف، ومن عسر إلى عسر، ورخص لكم في ترك القيام المقدر. ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾: