النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
﴿إني ظننت): أي أيقنت، ولو كان ظناً فيه تجويز لكان كفراً. ﴿فهو في عيشة
راضية﴾: ذات رضا. وقال أبو عبيدة والفراء: راضية مرضية كقوله: ﴿من ماء دافق﴾(١).
أي مدفوق. ﴿في جنة عالية﴾: أي مكاناً وقدراً. ﴿قطوفها﴾: أي ما يجني منها،
﴿دانية﴾: أي قريبة التناول يدركها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من شجرتها. ﴿كلوا
واشربوا﴾: أي يقال، و﴿هنيئاً﴾، تقدم الكلام عليه في أول النساء. وقال الزمخشري:
هنيئاً أكلاً وشرباً هنيئاً، أو هنيتم هنيئاً على المصدر. انتهى فقوله: أكلاً وشرباً هنيئاً يظهر
منه جعل هنيئاً صفة لمصدرين، ولا يجوز ذلك إلا على تقدير الإضمار عند من يجيز ذلك،
أي أكلا هنيئاً وشرباً هنيئاً. ﴿بما أسلفتم): أي قدمتم من العمل الصالح، ﴿في الأيام
الخالية﴾: يعني أيام الدنيا. وقال مجاهد وابن جبير ووكيع وعبد العزيز بن رفيع: أيام
الصوم، أي بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى. والظاهر العموم في قوله:
﴿بما أسلفتم﴾: أي من الأعمال الصالحة.
﴿يا ليتني لم أوت كتابيه﴾: لما رأى فيه قبائح أفعاله وما يصير أمره إليه، تمنى أنه لم
يعطه، وتمنى أنه لم يدر حسابه، فإنه انجلى عنه حسابه عن ما يسوءه فيه، إذ كان عليه
لا له. ﴿يا ليتها﴾: أي الموتة التي متها في الدنيا، ﴿كانت القاضية﴾: أي القاطعة لأمري،
فلم أبعث ولم أعذب؛ أو يا ليت الحالة التي انتهيت إليها الآن كانت الموتة التي منها في
الدنيا، حيث رأى أن حالته التي هو فيها أمر مما ذاقه من الموتة، وكيف لا وأمره آل إلى
عذاب لا ينقطع؟ ﴿ما أغنى عني ماليه﴾: يجوز أن يكون نفياً محضاً، أخبر بذلك متأسفاً
على ماله حيث لم ينفعه؛ ويجوز أن يكون استفهاماً وبخ به نفسه وقررها عليه. ﴿هلك عنى
سلطانيه): أي حجتي، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة والسدي. وقال ابن
زيد: يقول ذلك ملوك الدنيا. وكان عضد الدولة ابن نويه لما تسمى بملك الأملاك غلاب
القدر لم يفلح وجن، فكان لا ينطلق لسانه إلا بقوله: ﴿هلك عني سلطانيه﴾.
﴿خذوه﴾: أي يقال للزبانية ﴿خذوه فغلوه﴾: أي اجعلوا في عنقه غلاً، ﴿ثم
الجحيم صلوه﴾، قال الزمخشري: ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى، لأنه
كان سلطاناً يتعظم على الناس. يقال: صلى النار وصلاه النار. انتهى، وإنما قدره
لا تصلوه إلا الجحيم، لأنه يزعم أن تقديم المفعول يدل على الحصر. وقد تكلمنا معه في
ذلك عند قوله: ﴿إياك نعبد﴾(٢)، وليس ما قاله مذهباً لسيبويه ولا لحذاق النحاة. وأما
(١) سورة الطارق: ٦/٨٦.
(٢) سورة الفاتحة: ٥/١.
٢٦٢
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
قوله: لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس، فهذا قول ابن زيد وهو مرجوح، والراجح قول
ابن عباس ومن ذكر معه: أن السلطان هنا هو الحجة التي كان يحتج بها في الدنيا، لأن من
أوتي كتابه بشماله ليس مختصاً بالملوك، بل هو عام في جميع أهل الشقاوة.
﴿ثم في سلسلة ذرعها﴾: أي قياسها ومقدار طولها، ﴿سبعون ذراعاً﴾: يجوز أن
يراد ظاهره من العدد، ويجوز أن يراد المبالغة في طولها وإن لم يبلغ هذا العدد. قال ابن
عباس وابن جريج ومحمد بن المنكدر: بذراع الملك. وقال نوف البكالي وغيره: الذراع
سبعون باعاً، في كل باع كما بين مكة والكوفة، وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. وقال
الحسن: الله أعلم بأي ذراع هي. وقيل: بالذراع المعروف، وإنما خاطبنا تعالى بما نعرفه
ونحصله. وقال ابن عباس: لو وضع منها حلقة على جبل لذاب كالرصاص. ﴿فاسلكوه﴾:
أي ادخلوه، كقوله: ﴿فسلكه ينابيع﴾(١)، والظاهر أنه يدخله في السلسلة، ولطولها تلتوي
عليه من جميع جهاته فيبقى داخلاً فيها مضغوطاً حتى تعمه. وقيل: في الكلام قلب،
والسلسلة تدخل في فمه وتخرج من دبره، فهي في الحقيقة التي تسلك فيه، ولا ضرورة
تدعو إلى إخراج الكلام عن ظاهره، إلا إن دل الدليل الصحيح على خلافه. وقال
الزمخشري: والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على
التصلية، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في
الجحيم. ومعنى ثم: الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية بالجحيم، وما بينها وبين
السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة. انتهى. وقد تقدم أن من مذهبه الحصر في
تقديم المعمول، وأما ثم فيمكن بقاؤها على موضوعها من المهلة الزمانية، وأنه أولاً يؤخذ
فيغل. ولما لم يعذب بالعجلة، صارت له استراحة، ثم جاء تصلية الجحيم، فكان ذلك
أبلغ في عذابه، إذ جاءه ذلك وقد سكنت نفسه قليلاً، ثم جاء سلكه بعد ذلك بعد كونه
مغلولاً معذباً في النار، لكنه كان له انتقال من مكان إلى مكان، فيجد بذلك بعض تنفس.
فلما سلك في السلسلة كان ذلك أشد ما عليه من العذاب، حيث صار لا حراك له ولا
انتقال، وأنه يضيق عليه غاية، فهذا يصح فيه أن تكون ثم على موضوعها من المهلة
الزمانية.
﴿إنه كان لا يؤمن﴾: بدأ بأقوى أسباب تعذيبه وهو كفره بالله، وإنه تعليل مستأنف،
كأن قائلاً قال: لم يعذب هذا العذاب البليغ. وقيل: ﴿إنه كان لا يؤمن﴾، وعطف ﴿ولا
(١) سورة الزمر: ٢١/٣٩.
٢٦٣
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
يحض﴾ على ﴿لا يؤمن) داخل في العلة، وذلك يدل على عظم ذنب من لا يحض على
إطعام المسكين، إذ جعل قرين الكفر، وهذا حكم ترك الحض، فكيف يكون ترك
الإطعام؟ والتقدير على إطعام طعام المسكين. وأضاف الطعام إلى المسكين من حيث لم
ينسبه إليه، إذ يستحق المسكين حقاً في مال الغني الموسر ولو بأدنى يسار؛ وللعرب في
مكارمهم وإيثارهم آثار عجيبة غريبة بحيث لا توجد في غيرهم، وما أحسن ما قيل فيهم:
وعند المقلين السماحة والبذل
علی مکثریھم رزق من یعتریھم
وكان أبو الدرداء يحض امرأته على تكثير الرزق لأجل المساكين ويقول: خلعنا
نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟ وقيل: هو منع الكفار. وقولهم:
﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾(١)، يعني أنه إذا نفى الحض انتفى الإطعام بجهة الأولى،
کما صرح به في قوله تعالى: ﴿لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾(٢). ﴿فليس
له اليوم هاهنا حميم): أي صديق ملاطف وادّ، ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ﴾(٣).
وقيل: قريب يدفع عنه. ﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾، قال ابن عباس: هو صديد أهل
النار. وقال قتادة وابن زيد: هو والزقوم أخبث شيء وأبشعه. وقال الضحاك والربيع: هو
شجر يأكله أهل النار. وقيل: هو شيء يجري من أهل النار، يدل على هذا قوله في
الغاشية: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾(٤)، فهما شيء واحد أو متداخلان. قيل:
ويجوز أن يكونا متباينين، وأخبر بكل واحد منهما عن طائفة غير الطائفة التي الآخر طعامها،
وله خبر ليس. وقال المهدوي: ولا يصح أن يكون هاهنا، ولم يبين ما المانع من ذلك.
وتبعه القرطبي في ذلك وقال: لأن المعنى يصير ليس هاهنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح
ذلك لأن ثم طعاماً غيره، وهاهنا متعلق بما في له من معنى الفعل. انتهى. وإذا كان ثم
غيره من الطعام، وكان الأكل غير أكل آخر، صح الحصر بالنسبة إلى اختلاف الأكلين.
وأما إن كان الضريع هو الغسلين، كما قال بعضهم، فلا تناقض، إذ المحصور في الآيتين
هو شيء واحد، وإنما يمتنع ذلك من وجه غير ما ذكره، وهو أنه إذا جعلنا الخبر هاهنا، كان
له واليوم متعلقين بما تعلق به الخبر، وهو العامل في ههنا، وهو عامل معنوي، فلا يتقدم
معموله عليه. فلو كان العامل لفظياً جاز، كقوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ (٥)، فله
متعلق بكفواً وهو خبر ليكن.
(١) سورة يَس: ٤٧/٣٦.
(٢) سورة المدثر: ٤٤/٧٤.
(٣) سورة الزخرف: ٦٧/٤٣.
(٤) سورة الغاشية: ٦/٨٨.
(٥) سورة الإخلاص: ٤/١١٢.
٢٦٤
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
وقرأ الجمهور: ﴿الخاطئون بالهمز﴾، اسم فاعل من خطىء، وهو الذي يفعل ضد
الصواب متعمداً لذلك، والمخطىء الذي يفعله غير متعمد. وقرأ الحسن والزهري
والعتكي وطلحة في نقل: بياء مضمومة بدلاً من الهمزة. وقرأ أبو جعفر وشيبة وطلحة
ونافع: بخلاف عنه، بضم الطاء دون همز، فالظاهر اسم فاعل من خطىء كقراءة من همز.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد: الذين يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله.
انتهى. فيكون اسم فاعل من خطا يخطو، كقوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات
الشيطان﴾(١)، ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾(٢) خطا إلى المعاصي.
قوله عز وجل: ﴿فلا أقسم بما تبصرون، وما لا تبصرون، إنه لقول رسول كريم،
وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون، تنزيل من رب
العالمين، ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما
منكم من أحد عنه حاجزين، وإنه لتذكرة للمتقين، وإنا لنعلم أن منكم مكذبين، وإنه
لحسرة على الكافرين، وإنه لحق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم﴾.
تقدم الكلام في لا قبل القسم في قوله: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾(٣)، وقراءة
الحسن: لأقسم بجعلها لا ما دخلت على أقسم. وقيل: لا هنا نفي للقسم، أي لا يحتاج
في هذا إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، وعلى هذا فجوابه جواب القسم. قال مقاتل:
سبب ذلك أن الوليد قال: إن محمداً ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال: كاهن. فردّ الله
عليهم بقوله: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾، عام في جميع مخلوقاته. وقال
عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة. وقيل: ﴿وما
لا تبصرون﴾: الملائكة. وقيل: الأجساد والأرواح. ﴿إنه﴾: أي إن القرآن، ﴿لقول
رسول كريم﴾: هو محمد ◌َّل/ في قول الأكثرين، ويؤيده: ﴿وما هو بقول شاعر﴾ وما
بعده، ونسب القول إليه لأنه هو مبلغه والعامل به. وقال ابن السائب ومقاتل وابن قتيبة: هو
جبريل عليه السلام، إذ هو الرسول عن الله.
ونفى تعالى أن يكون قول شاعر لمباينته لضروب الشعر؛ ولا قول كاهن لأنه ورد
بسبب الشياطين. وانتصب ﴿قليلاً﴾ على أنه صفة لمصدر محذوف أو لزمان محذوف، أي
(١) سورة البقرة: ٢٠٨/٢، وسورة الأنعام: ١٤٢/٦.
(٢) سورة النور: ٢١/٢٤.
(٣) سورة الواقعة: ٧٥/٥٦.
٢٦٥
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
تؤمنون إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً. وكذا التقدير في: ﴿قليلاً ما تذكرون﴾، والقلة هو
إقرارهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا الله. وقال ابن عطية: ونصب ﴿قليلا﴾ بفعل مضمر يدل
عليه ﴿تؤمنون﴾، وما تحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة. ويحتمل أن تكون ما
مصدرية، والمتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي، لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني
عنهم شيئاً، إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر به رسول الله وَالقر هو
حق صواب. انتهى. أمّا قوله: ونصب قليلاً بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون فلا يصح، لأن
ذلك الفعل الدال عليه ﴿تؤمنون﴾ إما أن تكون ما نافية أو مصدرية، كما ذهب إليه. فإن
كانت نافية، فذلك الفعل المضمر الدال عليه تؤمنون المنفي بما يكون منفياً، فيكون
التقدير: ما تؤمنون قليلاً ما تؤمنون، والفعل المنفي بما لا يجوز حذفه ولا حذف ما لا يجوز
زيداً ما أضربه، على تقدير ما أضرب زيداً ما أضربه، وإن كانت مصدرية كانت ما في
موضع رفع على الفاعلية بقليلاً، أي قليلاً إيمانكم، ويبقى قليلاً لا يتقدمه ما يعتمد عليه
حتى يعمل ولا ناصب له؛ وإما في موضع رفع على الابتداء، فيكون مبتدأ لا خبر له، لأن
ما قبله منصوب لا مرفوع. وقال الزمخشري: والقلة في معنى العدم، أي لا تؤمنون ولا
تذكرون البتة، والمعنى: ما أكفركم وما أغفلكم. انتهى. ولا يراد بقليلاً هنا النفي
المحض، كما زعم، وذلك لا يكون إلا في أقل نحو: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد، وفي
قل نحو: قلّ رجل يقول ذلك إلا زيد. وقد تستعمل في قليل وقليلة إذا كانا مرفوعين، نحو
ما جوزوا في قوله:
قليل بها الأصوات إلا بغاتها
أما إذا كان منصوباً نحو: قليلا ضربت، أو قليلاً ما ضربت، على أن تكون ما
مصدرية، فإن ذلك لا يجور، لأنه في: قليلاً ضربت منصوب بضربت، ولم تستعمل
العرب قليلاً إذا انتصب بالفعل نفياً، بل مقابلاً لكثير. وأمّا في قليلاً ما ضربت على أن
تكون ما مصدرية، فتحتاج إلى رفع قليل، لأن ما المصدرية في موضع رفع على الابتداء.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بخلاف عنهما؛ والجحدري والحسن: يؤمنون،
يذكرون: بالياء فيهما؛ وباقي السبعة: بتاء الخطاب، وأبيّ: بياءين. وقرأ الجمهور :.
﴿تنزيل﴾ بالرفع؛ وأبو السمال: تنزيلاً بالنصب.
وقرأ الجمهور: ﴿ولو تقول﴾، والتقول أن يقول الإنسان عن آخر إنه قال شيئاً لو
يقله. وقرأ ذكوان وابنه محمد: يقول مضارع قال، وهذه القراءة معترضة بما صرحت به
٢٦٦ -
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
قراءة الجمهور. وقرىء: ولو تقول مبنياً للمفعول، وحذف الفاعل وقام المفعول مقامة،
وهو بعض، إن كان قرىء مرفوعاً؛ وإن كان قرىء منصوباً بعلينا قام مقام الفاعل،
والمعنى: ولو تقول علينا متقول. ولا يكون الضمير في تقول عائد على الرسول الذى
لاستحالة وقوع ذلك منه، فنحن نمنع أن يكون ذلك على سبيل الفرض في حقه عليه
الصلاة والسلام. والأقاويل جمع الجمع، وهو أقوال كبيت وأبيات وأبابيت. قال الزمخشري:
وسمى الأقوال المنقولة أقاويل تصغيراً لها وتحقيراً، كقولك: الأعاجيب والأضاحيك، كأنها
جمع أفعولة من القول. والظاهر أن قوله: ﴿باليمين﴾ المراد به الجارحة. فقال الحسن:
المعنى قطعناه عبرة ونكالاً، والباء على هذا زائدة. وقيل: الأخذ على ظاهره. قال
الزمخشري: والمعنى: ولو ادعى مدع علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراً، كما تفعل الملوك
بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، وهو
أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته، وخص اليمين على اليسار لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب
في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يلحفه بالسيف، وهو أشد على
المصبور لنظره إلى السيف، أخذ بيمينه.
ومعنى ﴿لأخذنا منه باليمين): لأخذنا بيمينه، كما أن قوله تعالى ﴿لقطعنا منه
الوتين﴾: لقطعنا وتينة. انتهى، وهو قول للمتقدّمين حسنه الزمخشري بتكثير ألفاظه
ومصاغها قالوا: المعنى لأخذنا بيده التي هي اليمين على جهة الإذلال والصغار، كما يقول
السلطان إذا أراد عقوبة رجل: يا غلام خذ بيده وافعل كذا، قاله أو قريباً منه الطبري.
وقيل: اليمين هنا مجاز. فقال ابن عباس: باليمين: بالقوّة، معناه لنلنا منه عقابه بقوّة منا.
وقال مجاهد: بالقدرة. وقال السدّي: عاقبناه بالحق ومن على هذا صلة. وقال نفطويه:
القبضنا بيمينه عن التصرّف. وقيل: لنزعنا منه قوّته. وقيل: لأذللناه وأعجزناه.
﴿ثم لقطعنا منه الوتين﴾، قال ابن عباس: وهو نياط القلب. وقال مجاهد: حبل
القلب الذي في الظهر وهو النخاع. والموتون الذي قطع وتينه، والمعنى: لو تقول علينا
لأذهبنا حياته معجلاً، والضمير في عنه الظاهر أنه يعود على الذي تقول، ويجوز أن يعود
على القتل، أي لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ويدفعه عنه، والخطاب في منكم
للناس، والظاهر في ﴿حاجزين﴾ أن يكون خبراً لما على لغة الحجاز، لأن حاجزين هو
محط الفائدة، ويكون منكم لو تأخر لكان صفة لأحد، فلما تقدّم صار حالاً، وفي جواز هذا
نظر. أو يكون للبيان، أو تتعلق بحاجزين، كما تقول: ما فيك زيد راغباً، ولا يمنع هذا
٢٦٧
سورة الحاقة / الآيات: ١ - ٥٢
الفصل من انتصاب خبر ما. وقال الحوفي والزمخشري: حاجزين نعت لأحد على اللفظ،
وجمع على المعنى لأنه في معنى الجماعة يقع في النفي العام للواحد والجمع والمذكر
والمؤنث، ومنه: ﴿لا تفرّق بين أحد من رسله﴾(١)، وقوله: ﴿لستن كأحد من النساء﴾(٢)،
مثل بهما الزمخشري، وقد تكلمنا على ذينك في موضعيهما. وفي الحديث: ((لم تحل
لأحد سود الرؤوس قبلكم)). وإذا كان حاجزين نعتاً فمن أحد مبتدأ والخبر منكم، ويضعف
هذا القول، لأن النفي يتسلط على الخبر وهو كينونته منكم، فلا يتسلط على الحجز. وإذا
كان حاجزين خبراً. تسلط النفي عليه وصار المعنى: ما أحد منكم يحجزه عن ما يريد به
من ذلك.
﴿وإنه لتذكرة﴾: أي وإن القرآن أو الرسول و ◌َلقه. ﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين):
وعيد، أي مكذبين بالقرآن أو بالرسول وَله. ﴿وإنه لحسرة﴾: أي القرآن من حيث كفروا
به، ويرون من آمن به ينعم وهم معذبون. وقال مقاتل: وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة
عليهم، عاد الضمير على المصدر المفهوم من قوله: ﴿مكذبين﴾، كقوله:
إذا نهى السفيه جرى إليه
أي للسفه. ﴿وإنه﴾: أي وإن القرآن، ﴿لحق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم) :
وسبق الكلام على إضافة حق إلى اليقين في آخر الواقعة .
(١) سورة البقرة: ٢٨٥/٢.
(٢) سورة الأحزاب: ٣٢/٣٣.
٢٦٨
-
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
(آياتها
سُورَةُ المَعَدَّة
ريليه
مِللهِ الرَّحْمِالرَّحَمِ
سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿ لِلْكَفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِج
٣
فَاصْبِرْصَبْرًا
٤
تَعْرُجُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ (
جَمِيلًا ﴾
وَتَكُونُ
٨
يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَأْمُهْلِ
٧
{ وَنَرَهُ قَرِيبًا
: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَ
اَلْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ ﴿ وَلَا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴿َ يُصَرُونَهُمْ يَوَدُ الْمُجْرِمُ لَوْيَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ
يَوْمِذٍ بَنِهِ ﴾ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ الَتِى تُتْوِ ﴿ وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَ
يُجِيهِ ﴿ كَلَّ إِنَّهَا لَظَى (٥) نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى ١٧) تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَى: ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَ
١٨
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا
١٩
إِنَّ اُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
فالا
وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
٢٠
الْمُصَلِّينَ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِعُونَ (٦) وَاُلَّذِينَ فِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ مَّعْلُومُ السَّآئِلِ
وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٣) إِنَّ
٢٦
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الِدِيْنِ
٢٥
وَاُلْمَحْرُومِ!
! وَالَّذِينَ هُمْلِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (٦) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ
(٢٨
عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ
بوريو
وَالَّذِيْنَ هُمْلِأَمَتَنِهِمْ
٣
فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْعَادُونَ
٣٠
أَيْمَتُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ!
وَعَهْدِهِ زَعُونَ ﴿٣٦) وَالَِّنَ هُم ◌ِشَهَدَتِهِمْ قَِّعُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ هُ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿ أُوْلَكَ
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ عِزِينَ
(٣٧
٣٦
فَالِ اُلَّذِينَ كَفَرُوْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
٣٥
فِي جَنَّتٍ مُّكْرَمُونَ
٢٦٩
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
فلا
٣٩
كَلَا إِنَّا خَلَقْنَهُمْ مِّمَّا يَعْلَمُونَ
٩٠٠٠
أَيَطْمَعُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنََّ نَعِيمٍ ﴾
عَلىَأَنْ تُبَدِّلَ خَيْرًامِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (ج فَذَرْهُمُ
٤٠
أُقْسِمُ بِرَبِّالْمَشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّالَقَدِرُونَ(
٤٢
يَخُوضُوْوَيَلْعَبُو ◌ْ حَتَّى يُلَهُوْيَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاءَكَأْنَّهُمْ إِلَ نُصُبٍ
يُوَفِضُونَ خَشِعَةً أَبْصَرُ هُمْتَرْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُوْيُ عَدُونَ
٤٤
العهن: الصوف دون تقييد، أو الأحمر، أو المصبوغ ألواناً، أقوال. الفصيلة، قال
ثعلب: الآباء الأدنون. وقال أبو عبيدة: الفخذ. وقيل: عشيرته الأقربون. لظى: اسم
لجهنم، أو للدركة الثانية من دركاتها، وهو علم منقول من اللظى، وهو اللهب، ومنع
الصرف هو للعلمية والتأنيث. والشوى جمع شواة، وهي جلدة الرأس. وقال الأعشى:
قد جللت سبباً شواته
قالت قتيلة ما له
والشوى: جلد الإنسان، والشوى: قوائم الحيوان، والشوى: كل عضو ليس بمقتل،
ومنه: رمى فأشوى، إذا لم يصب المقتل، والشوى: زوال المال، والشوى: الشيء الهين
اليسير. الهلع: الفزع والاضطراب السريع عند من المكروه، والمنع السريع عند مس
الخير، من قولهم: ناقة هلوع: سريعة السير. وقال أبو عبيدة: الهلع في اللغة أشد الحرص
وأسوأ الجزع. الجزع: الخوف، قال الشاعر:
جزعت ولم أجزع من البين مجزعاً
عزين جمع عزة، قال أبو عبيدة: جماعات في تفرقة، وقيل: الجمع اليسير كثلاثة
ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الأصمعي: في الدار عزون: أي أصناف من الناس، وقال عنترة:
عليه الطير كالغصن العزين
وقرن قد تركت لدي ولبى
وقال الداعي :
أمسى سوامهم عزين فلولا
أخليفة الرحمن إن عشيرتي
وقال الکمیت:
كتائب جندل شتى عزينا
ونحن وجندل باغ تركنا
وقال آخر:
على أبوابه حلقاً عزينا
ترانا عنده والليل داج
٢٧٠
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
وقال آخر:
ضرجن حصاة أشتاتاً عزينا
فلما أن أبين على أصاح
وعزة مما حذفت لامه، فقيل: هي واو وأصله عزوة، كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من
تعتزي إليه الأخرى، فهم متفرقون. ويقال: عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. وقيل: لامها
هاء والأصل عزهة وجمعت عزة بالواو والنون، كما جمعت سنة وأخواتها بذلك، وتكسر
العين في الجمع وتضم. وقالوا: عزى على فعل، ولم يقولوا عزات.
﴿سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارجٍ، تعرج
الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبراً جميلاً، إنهم
يرونه بعيداً، ونراه قريباً، يوم تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل
حميم حميماً، يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ بينيه، وصاحبته وأخيه،
وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه، كلا إنها لظى، نزاعة للشوى،
تدعو من أدبر وتولىّ، وجمع فأوعى، إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا
مسه الخير منوعاً، إلا المصلين، الذين هم على صلاتهم دائمون، والذين في أموالهم حق
معلوم، للسائل والمحروم، والذين يصدقون بيوم الدين، والذين هم من عذاب ربهم
مشفقون، إن عذاب ربهم غير مأمون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم
أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين
هم الأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم بشهاداتهم قائمون، والذين هم على صلاتهم
يحافظون، أولئك في جنات مكرمون﴾.
هذه السورة مكية. قال الجمهور: نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿اللهم إن
كان هذا هو الحق من عندك﴾(١) الآية. وقال الربيع بن أنس: في أبي جهل. وقيل: في
جماعة من قريش قالوا: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق) الآية. وقيل: السائل نوح عليه
السلام، سأل العذاب على الكافرين. وقيل: السائل رسول اللّه ◌َله، سأل الله أن يشدد
وطأته على مضر الحديث، فاستجاب الله دعوته .
ومناسبة أولها لآخر ما قبلها: أنه لما ذكر ﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين﴾(٢)، أخبر
عن ما صدر عن بعض المكذبين بنقم الله، وإن كان السائل نوحاً عليه السلام، أو
(١) سورة الأنفال: ٣٢/٨.
(٢) سورة الحاقة: ٤٩/٦٩.
٢٧١
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
الرسول ®. فناسب تكذيب المكذبين أن دعا عليهم رسولهم حتى يصابوا فيعرفوا صدق ما
جاءهم به.
وقرأ الجمهور: ﴿سأل﴾ بالهمز: أي دعا داع، من قولهم: دعا بكذا إذا استدعاه
وطلبه، فالباء على أصلها. وقيل: المعنى بحث باحث واستفهم. قيل: فالباء بمعنى عن.
وقرأ نافع وابن عامر: سال بألف، فيجوز أن يكون قد أبدلت همزته ألفاً، وهو بدل على غير
قياس، وإنما قياس هذا بين بين، ويجوز أن يكون على لغة من قال: سلت أسأل، حكاها
سيبويه. وقال الزمخشري: هي لغة قريش، يقولون: سلت تسال وهما يتسايلان. انتهى.
وينبغي أن يتثبت في قوله إنها لغة قريش. لأن ما جاء في القرآن من باب السؤال هو مهموز
أو أصله الهمز، كقراءة من قرأ: وسلوا الله من فضله، إذ لا يجوز أن يكون من سال التي
عينها واو، إذ كان يكون ذلك وسلوا الله مثل خافوا الأمر، فيبعد أن يجيء ذلك كله على لغة
غير قريش، وهم الذين نزل القرآن بلغتهم إلا يسيراً فيه لغة غيرهم. ثم جاء في كلام
الزمخشري: وهما يتسايلان بالياء، وأظنه من الناسخ، وإنما هو يتساولان بالواو. فإن
توافقت النسخ بالياء، فيكون التحريف من الزمخشري؛ وعلى تقدير أنه من السؤال، فسائل
اسم فاعل منه، وتقدم ذكر الخلاف في السائل من هو. وقيل: سال من السيلان، ويؤيده
قراءة ابن عباس: سال سايل. وقال زيد بن ثابت: في جهنم واد يسمى سايلاً وأخبر هنا
عنه. قال ابن عطية: ويحتمل إن لم يصح أمر الوادي أن يكون الإخبار عن نفوذ القدر بذلك
العذاب قد استعير له السيل لما عهد من نفوذ السيل وتصميمه. وقال الزمخشري : والسيل
مصدر في معنى السايل، كالغور بمعنى الغاير، والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب،
فذهب بهم وأهلكهم. انتهى. وإذا كان السائل هم الكفار، فسؤالهم إنما كان على أنه
كذب عندهم، فأخبر تعالى أنه واقع وعيداً لهم. وقرأ أبي وعبد الله: سال سال مثل مال
بإلقاء صورة الهمزة وهي الياء من الخط تخفيفاً. قيل: والمراد سائل. انتهى. ولم يحك
هل قرأ بالهمز أو بإسقاطها ألبتة. فإن قرأ بالهمز فظاهر، وإن قرأ بحذفها فهو مثل شاك
شايك، حذفت عينه واللام جرى فيها الإعراب، والظاهر تعلق بعذاب بسال. وقال أبو
عبد الله الرازي: يتعلق بمصدر دل عليه فعله، كأنه قيل: ما سؤاله؟ فقيل: سؤاله بعذاب،
والظاهر اتصال الكافرين بواقع فيكون متعلقاً به، واللام للعلة، أي نازل بهم لأجلهم، أي
لأجل كفرهم، أو على أن اللام بمعنى على، قاله بعض النحاة، ويؤيده قراءة أبيّ: على
الكافرين، أو على أنه في موضع، أي واقع كائن للكافرين. وقال قتادة والحسن: المعنى:
٢٧٢
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
كأن قائلاً قال: لمن هذا العذاب الواقع؟ فقيل: للكافرين. وقال الزمخشري: أو بالفعل،
أي دعاء للكافرين، ثم قال: وعلى الثاني، وهو ثاني ما ذكر من توجيهه في الكافرين. قال
هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي هو للكافرين، وكان قد قرر أن سال ضمن معنى دعا،
فعدى تعديته كأنه قال: دعا داع بعذاب من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله
تعالى: ﴿يدعون فيها بكل فاكهة آمنين﴾(١). انتهى. فعلى ما قرره أنه متعلق بدعا، يعني
بسال، فكيف يكون كلاماً مبتدأ جواباً للسائل أي هو للكافرين؟ هذا لا يصح. فقد أخذ
قول قتادة والحسن وأفسده، والأجود أن يكون من الله متعلقاً بقوله: ﴿واقع﴾. و﴿ليس له
دافع﴾: جملة اعتراض بين العامل والمعمول. وقيل: يتعلق بدافع، أي من جهته إذا جاء
وقته .
﴿ذي المعارج﴾: المعارج لغة الدرج وهنا استعارة، قال ابن عباس وقتادة: في
الرتب والفواضل والصفات الحميدة. وقال ابن عباس أيضاً: المعارج: السموات تعرج
فيها الملائكة من سماء إلى سماء. وقال الحسن: هي المراقي إلى السماء، وقيل:
المعارج: الغرف، أي جعلها لأوليائه في الجنة تعرج، قراءة الجمهور بالتاء على التأنيث،
وعبد الله والكسائي وابن مقسم وزائدة عن الأعمش بالياء. ﴿والروح﴾، قال الجمهور؛ هو
جبريل، خص بالذكر تشريفاً، وأخر هنا بعد الملائكة، وقدم في قوله: ﴿يوم يقوم الروح
والملائكة صفاً﴾(٢). وقال مجاهد: ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم، لا تراهم
الحفظة كما لا نرى نحن حفظتنا. وقيل: الروح ملك غير جبريل عظيم الخلقة. وقال أبو
صالح: خلق كهيئة الناس وليسوا بالناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: روح الميت حين تقبض
إليه، الضمير عائد على الله تعالى، أي إلى عرشه وحيث يهبط منه أمره تعالی. وقيل: إليه،
أي إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء لأنها محل بره وكرامته، والظاهر أن
المعنى: أنها تعرج في يوم من أيامكم هذه، ومقدار المسافة أن لو عرجها آدمي خمسون
ألف سنة، قاله ابن عباس وابن إسحاق وجماعة من الحذاق منهم القاضي منذر بن سعيد.
فإن كان العارج ملكاً، فقال مجاهد: المسافة هي من قعر الأرض السابعة إلى العرش؛
ومن جعل الروح جنس أنواع الحيوان، قال وهب: المسافة من وجه الأرض إلى منتهى
العرش. وقال عكرمة والحكم: أراد مدة الدنيا، فإنها خمسون ألف سنة لا يدري أحد
ما مضى منها وما بقي، أي تعرج في مدة الدنيا وبقاء هذه البنية. وقال ابن عباس أيضاً: هو
(١) سورة الدخان: ٥٥/٤٤.
(٢) سورة النبأ: ٣٨/٧٨.
٢٧٣
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
يوم القيامة. وقيل: طوله ذلك العدد، وهذا ظاهر ما جاء في الحديث في مانع الزكاة فإنه
قال: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾. وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: قدره
في رزاياه وهوله وشدته للكفار ذلك العدد. وفي الحديث: ((يخف على المؤمن حتى يكون
أخف عليه من صلاة مكتوبة)). وقال عكرمة مقدار: ما ينقضي فيه من الحساب قدر
ما يقضي بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام الدنيا. وقال الحسن: نحوه. وقيل: لا يراد
حقيقة العدد، إنما أريد به طول الموقف يوم القيامة وما فيه من الشدائد، والعرب تصف أيام
الشدة بالطول وأيام الفرح بالقصر. قال الشاعر يصف أيام الفرح والسرور:
ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
والظاهر أن قوله: ﴿في يوم﴾ متعلق بتعرج. وقيل: بدافع، والجملة من قوله:
(تعرج﴾ اعتراض. ولما كانوا قد سألوا استعجال العذاب، وكان السؤال على سبيل
الاستهزاء والتكذيب، وكانوا قد وعدوا به، أمره تعالى بالصبر، ومن جعله من السيلان
فالمعنى: أنه أشرف على الوقوع، والضمير في ﴿يرونه﴾ عائد على العذاب أو على اليوم،
إذا أريد به يوم القيامة، وهذا الاستبعاد هو على سبيل الإحالة منهم. ﴿ونراه قريباً﴾: أي
هيناً في قدرتنا، غير بعيد علينا ولا متعذر، وكل ما هو آت قريب، والبعد والقرب في
الإمكان لا في المسافة. ﴿يوم تكون﴾: منصوب بإضمار فعل، أي يقع يوم تكون، أو
﴿يوم تكون السماء كالمهل﴾ كان كيت وكيت، أو بقريباً، أو بدل من ضمير نراه إذا كان
عائداً على يوم القيامة. وقال الزمخشري: أو هو بدل من ﴿في يوم﴾ فيمن علقه بواقع.
انتھی. ولا يجوز هذا، لأن ﴿في یوم﴾ وإن کان في موضع نصب لا یبدل منه منصوب لأن
مثل هذا ليس من المواضع التي تراعى في التوابع، لأن حرف الجر فيها ليس بزائد ولا
محكوم له بحكم الزائد كرب، وإنما يجوز مراعاة المواضع في حرف الجر الزائد كقوله :
إلا يدا ليست لها عضد
يا بني لبينى لستما بيد
ولذلك لا يجوز: مررت بزيد الخياط، على مراعاة موضع بزيد، ولا مررت بزيد
وعمراً، ولا غضبت على زيد وجعفراً، ولا مررت بعمرو أخاك على مراعاة الموضع. فإن
قلت: الحركة في يوم تكون حركة بناء لا حركة إعراب، فهو مجرور مثل ﴿في يوم﴾.
قلت: لا يجوز بناؤه على مذهب البصريين لأنه أضيف إلى معرب، لكنه يجوز على مذهب
الكوفيين، فيتمشى كلام الزمخشري على مذهبهم إن كان استحضره وقصده. ﴿كالمهل﴾:
تقدم الكلام عليه في سورة الدخان، ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾، كما في
تفسير البحر المحيط ج١٠ ١٨٢
٢٧٤
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
القارعة، لما نسفت طارت في الجو كالصوف المنفوش إذا طيرته الريح. قال الحسن: تسير
الجبال مع الرياح، ثم تنهد، ثم تصير كالعهن، ثم تنسف فتصير هباء. وقرأ الجمهور:
﴿ولا يسأل﴾ مبنياً للفاعل، أي لا يسأله نصرة ولا منفعة لعلمه أنه لا يجد ذلك عنده. وقال
قتادة: لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة. وقيل: لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئاً ليأسه
عن ذلك. وقيل: شفاعة. وقيل: حميماً منصوب على إسقاط عن، أي عن حميم، لشغله
بما هو فيه. وقرأ أبو حيوة وشيبة وأبو جعفر والبزي: بخلاف عن ثلاثتهم مبنياً للمفعول، أي
لا يسأل إحضاره كل من المؤمن والكافر له سيما يعرف بها. وقيل: عن ذنوب حميمه ليؤخذ
بها.
﴿ییصر ونهم﴾: استئناف کلام. قال ابن عباس: في المحشر یبصر الحمیم حمیمه،
ثم يفرّ عنه الشغله بنفسه. وقيل: يبصرونهم في النار. وقيل: يبصرونهم فلا يحتاجون إلى
السؤال والطلب. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون يبصرونهم صفة، أي حميماً مبصرين
مصرفين إياهم. انتهى. و﴿حميم حميماً﴾: نكرتان في سياق النفي فيعمان، ولذلك جمع
الضمير. وقرأ قتادة: يبصرونهم مخففاً مع كسر الصاد، أي يبصر المؤمن الكافر في النار،
قاله مجاهد. وقال ابن زيد: يبصر الكافر من أضله في النار عبرة وانتقاماً وحزناً. ﴿يود
المجرم﴾: أي الكافر، وقد يندرج فيه المؤمن العاصي الذي يعذب. وقرأ الجمهور: ﴿من
عذاب﴾ مضافاً؛ وأبو حيوة بفتحها. ﴿وصاحبته﴾: زوجته، ﴿وفصيلته﴾: أقرباؤه
الأدنون، ﴿تؤويه﴾: تضمه انتماء إليها، أو لياذاً بها في النوائب. ﴿ثم ينجيه﴾: عطف
على ﴿يفتدي): أي ينجيه بالافتداء، أو من تقدم ذكرهم. وقرأ الزهري: تؤويه وتنجيه
بضم الهاءين. ﴿كلا﴾: ردع لودادتهم الافتداء وتنبيه على أنه لا ينفع. ﴿إنها﴾: الضمير
للقصة، و﴿لظى، نزاعة﴾: تفسير لها أو للنار الدال عليها، ﴿عذاب يومئذ﴾ و﴿لظى﴾ بدل
من الضمير، و﴿نزاعة﴾ خبر إن أو خبر مبتدأ، و﴿لظى﴾ خبر إن: أي هي نزاعة، أو بدل
من ﴿لظى﴾، أو خبر بعد خبر. كل هذا ذكروه، وذلك على قراءة الجمهور برفع نزاعة.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً ترجم عنه الخبر. انتهى. ولا أدري
ما هذا المضمر الذي ترجم عنه الخبر؟ وليس هذا من المواضع التي يفسر فيها المفرد
الضمير، ولولا أنه ذكر بعد هذا أو ضمير القصة، لحملت كلامه عليه. وقرأ ابن أبي عبلة
وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم وحفص واليزيدي: في اختياره نزاعة بالنصب، فتعين أن
يكون لظى خبراً لأن، والضمير في إنها عائد على النار الدال عليها عذاب، وانتصب نزاعة
٢٧٥
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
على الحال المؤكدة أو المبينة، والعامل فيها لظى، وإن كان عاملاً لما فيه من معنى
التلظي، كما عمل العلم في الظرف في قوله:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
أي: المشهور بعض الاحيان، أو على الاختصاص للتهويل، قاله الزمخشري، وكأنه يعني
القطع. فالنصب فيها كالرفع فيها، إذا أضمرت هو فتضمر هنا، أعني تدعو، أي حقيقة
يخلق الله فيها الكلام كما يخلقه في الأعضاء، قاله ابن عباس وغيره، تدعوهم بأسمائهم
وأسماء آبائهم. وقال الزمخشري: وكما خلقه في الشجرة. انتهى، فلم يترك مذهب
الاعتزال. وقال الخليل: مجاز عن استدنائها منهم وما توقعه بهم من عذابها. وقال ثعلب:
يهلك، تقول العرب: دعا الله، أي أهلكك، وحكاه الخليل عن العرب، قال الشاعر:
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه وأعين من أهوى إليّ رواني
وقال آخر:
طباه الدعى منه والخلاء
ترفع للعيان وكل فج
يصف ظليماً وطباه: أي دعاه والهوى، والدعى لا يدعوان حقيقة، ولكنه لما كان
فيهما ما يجذب صاراً داعيين مجازاً. وقيل: تدعو، أي خزنة جهنم، أضيف دعاؤهم إليها،
﴿من أدبر﴾ عن الحق، ﴿وتولى، وجمع فأوعى﴾: أي وجمع المال، فجعله في وعاء
وكنزه ولم يؤد حق الله فيه، وهذه إشارة إلى كفار أغنياء. وقال الحكيم: كان عبد الله بن
حكيم لا يربط كيسه ويقول: سمعت الله يقول: ﴿وجمع فأوعی، إن الإنسان﴾ جنس،
ولذلك استثنى منه ﴿إلا المصلين﴾. وقيل: الإشارة إلى الكفار. وقال ثعلب: قال لي
محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله تعالى، ولا يكون تفسير أبين
من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس.
انتھی .
ولما كان شدة الجزع والمنع متمكنة في الإنسان، جعل كأنه خلق محمولاً عليهما
كقوله: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾(١)، والخير المال. ﴿إلا المصلين﴾: استثناء كما قلنا
من الإنسان، ولذلك وصفهم بما وصفهم به من الصبر على المكاره والصفات الجميلة التي
حاوروها. وقرأ الجمهور: ﴿على صلاتهم﴾ بالإفراد؛ والحسن جمعاً؛ وديمومتها، قال
(١) سورة الأنبياء: ٣٧/٢١.
٢٧٦
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
الجمهور: المواظبة عليها. وقال ابن مسعود: صلاتها لوقتها. وقال عقبة بن عامر: يقرون
فيها ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً، ومنه المال الدائم. وقال الزمخشري: دوامهم عليها أن
يواظبوا على أدائها ولا يشتغلون عنها بشيء، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها
ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وأدائها ويحفظونها من الإحباط باقتران المآثم،
والدوام يرجع إلى أنفس الصلوات والمحافظة على أحوالها. انتهى، وهو جوابه لسؤاله:
فإن قلت: كيف قال: ﴿على صلاتهم دائمون﴾، ثم قال: ﴿على صلاتهم يحافظون﴾.
وأقول: إن الديمومة على الشيء والمحافظة عليه شيء واحد، لكنه لما كانت الصلاة هي
عمود الإسلام بولغ في التوكيد فيها، فذكرت أول خصال الإسلام المذكورة في هذه السورة
وآخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان التي بني الإسلام عليها، والصفات التي بعد هذه تقدم
تفسيرها، ومعظمها في سورة قد أفلح المؤمنون. وقرأ الجمهور: بشهادتهم على الإفراد؛
والسلمي وأبو عمر وحفص: على الجمع.
قوله عز وجل: ﴿فمال الذين كفروا قبلك مهطعين، عن اليمين وعن الشمال عزين،
أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم، كلا إنا خلقناهم مما يعلمون، فلا أقسم برب
المشارق والمغارب إنا لقادرون، على أن نبدّل خيراً منهم وما نحن بمسبوقين، فذرهم
يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون، يوم يخرجون من الأجداث سراعاً
كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا
یوعدون﴾.
كان رسول الله ولي﴿ يصلي عند الكعبة ويقرأ القرآن، فكانوا يحتفون به حلقاً حلقاً
يسمعون ويستهزئون بكلامه ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة، كما يقول محمد، فلندخلنها
قبلهم، فنزلت. وتقدم شرح ﴿مهطعين﴾ في سورة إبراهيم عليه السلام، ومعنى
﴿قبلك﴾: أي في الجهة التي تليك، ﴿عن اليمين وعن الشمال): أي عن يمينك
وشمالك. وقيل: نزلت في المستهزئين الخمسة. وقرأ الجمهور: ﴿أن يدخل﴾ مبنياً
للمفعول؛ وابن يعمر والحسن وأبو رجاء وزيد بن عليّ وطلحة والمفضل عن عاصم: مبنياً
للفاعل. ﴿كلا﴾: ردّ وردع لطماعيتهم، إذ أظهروا ذلك، وإن كانوا لا يعتقدون صحة
البعث، ولا أن ثم جنة ولا ناراً.
﴿إنا خلقناهم مما يعلمون﴾: أي أنشأناهم من نطفة مذرة، فنحن قادرون على
إعادتهم وبعثهم يوم القيامة، وعلى الاستبدال بهم خيراً منهم، قيل: بنفس الخلق؛ ومنته
٢٧٧
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
عليهم بذلك يعطي الجنة، بل بالإيمان والعمل الصالح. وقال قتادة في تفسيرها: إنما
خلقت من قذر يا ابن آدم. وقال أنس: كان أبو بكر إذا خطبنا ذكر مناتن ابن آدم ومروره في
مجرى البول مرتين، وكذلك نطفة في الرحم، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يخرج فيتلوث
في نجاسته طفلاً. فلا يقلع أبو بكر حتى يقذر أحدنا نفسه، فكأنه قيل: إذا كان خلقكم من
نطفة مذرة، فمن أين تتشرّفون وتدعون دخول الجنة قبل المؤمنين؟ وأبهم في قوله: ﴿مما
يعلمون﴾، وإن كان قد صرّح به في عدّة مواضع إحالة على تلك المواضع. ورأى
مطرف بن عبد الله بن الشخير المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز، فقال
له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى؟ فقال له: أتعرفني؟ قال: نعم،
أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت تحمل عذرة. فمضى المهلب وترك مشيته.
وقرأ الجمهور: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾، لا نفياً وجمعهما وتقوم بلام
دون ألف؛ وعبد الله بن مسلم وابن محيصن والجحدري: المشرق والمغرب مفردين.
أقسم تعالى بمخلوقاته على إيجاب قدرته، على أن يبدل خيراً منهم، وأنه لا يسبقه شيء
إلى ما يريد. ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا﴾: وعيد، وما فيه من معنى المهادنة هو منسوخ
بآية السيف. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن: يلقوا مضارع لقى، والجمهور: ﴿يلاقوا﴾
مضارع لاقى؛ والجمهور: ﴿يخرجون﴾ مبنياً للفاعل. قال ابن عطية: وروى أبو بكر عن
عاصم مبنياً للمفعول، و﴿يوم﴾ بدل من ﴿يومهم). وقرأ الجمهور: نصب بفتح النون
وسكون الصاد؛ وأبو عمران الجوني ومجاهد: بفتحهما؛ وابن عامر وحفص: بضمهما؛
والحسن وقتادة: بضم النون وسكون الصاد. والنصب: ما نصب للإنسان، فهو يقصده
مسرعاً إليه من علم أو بناء أو صنم، وغلب في الأصنام حتى قيل الأنصاب. وقال أبو
عمرو: هو شبكة يقع فيها الصيد، فيسارع إليها صاحبها مخافة أن يتفلت الصيد منها. وقال
مجاهد: نصب علم، ومن قرأ بضمهما، قال ابن زيد: أي أصنام منصوبة كانوا يعبدونها.
وقال الأخفش: هو جمع نصب، كرهن ورهن، والأنصاب جمع الجمع. يوفضون:
يسرعون. وقال أبو العالية: يستبقون إلى غايات. قال الشاعر:
كالجن يوفضن من عبقر
فوارس ذنيان تحت الحديد
وقال آخر في معنى الإسراع:
حرجاء ظلت تطلب الاضاضا
لأنعتنّ نعامة ميفاضا
٢٧٨
-
سورة المعارج / الآيات: ١ - ٤٤
وقال ابن عباس وقتادة: يسعون، وقال الضحاك: ينطلقون، وقال الحسن: يبتدرون.
وقرأ الجمهور: ﴿ذلة﴾ منوناً. ﴿ذلك اليوم): برفع الميم مبتدأ وخبر. وقرأ
عبد الرحمن بن خلاد، عن داود بن سالم، عن يعقوب والحسن بن عبد الرحمن، عن
التمار: ذلة بغير تنوين مضافاً إلى ذلك، واليوم بخفض الميم.
٢٧٩
سورة نوح / الآيات: ١ - ٢٨
آياتها
شُورَةُ تورج
قَالَ
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (
يَقَوْمِ إِّ لَكُمْنَذِيرٌ مُبِينٌ [®َ أَنِ اعْبُدُ واْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿ يَغْفِرْ لَكُ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى إِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ إِذَاجَآءَ لَا يُؤَخَّرُلَوْكُمْ تَعْلَمُونَ
دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًا (ْ فَلَمْ يَزِدْ هُمْ دُ عَاءِىَِّلَّا فِرَارًا (٢) وَ إِنِى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَلَهُمْ
ثُمَّإِنِ
جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا فَ
فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُ واْرَبِّكُمْ
ثُمَّ إِنِّ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا
دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
وَيُمْدِ دْكُمُ بِأَمْوَلِ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا !
١٠
إِنَّهُ كَانَ غَفَارًا
جَنَّتٍ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ أَنْهَرًّا ﴿ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَوْتَرَوْأ
كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا (٢٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا
١٦
وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَّبَاتَا (٦َثُمَُّعِيذُ كُمْفِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ
اَلْأَرْضَ بِسَاطًا (١َلِتَسْلُكُوْ مِنْهَا سُبُلَاً فِيجَاجًا ﴾ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَنْ لَّمْـ
يَزْدَّهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارَالثَّ وَ مَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا وَ قَالُواْ لَ نَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُمُ وَلَنَذَرُنَّ
وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلََّضَلَلَا
وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾
٢٨٠
سورة نوح / الآيات: ١ - ٢٨
مِّمَا خَطِّعَتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْ خِلُوْ نَارَا فَمْ يَجِدُ واْلهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ﴾ّ وَقَالَ
نُحٌ رَّبِّلَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا[٦] إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوَأْ
إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ثَرَّبِّ اغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا تَزِدِالَّلِينَ إِلََّ نْبَارًا
٢٨
الأطوار: الأحوال المختلفة، قال:
والمرء يخلق طوراً بعد أطوار
فإن أفاق فقد طارت عمايته
ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسراً: أسماء أصنام أعلام لها اتخذها قوم نوح عليه السلام
آلهة .
﴿إنا إرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم، قال يا قوم
إني لكم نذير مبين، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون، يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلي
أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون، قال رب إني دعوت قومي ليلاً
ونهاراً، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في
آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكباراً، ثم إني دعوتهم جهاراً، ثم إني
أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً، فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء
عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً، ما لكم
لا ترجون الله وقاراً، وقد خلقكم أطواراً﴾.
هذه السورة مكية. ومناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما أقسم على أن يبدل خيراً منهم، .
وكانوا قد سخروا من المؤمنين وكذبوا بما وعدوا به من العذاب، ذكر قصة نوح وقومه معه،
وكانوا أشد تمرّداً من المشركين، فأخذهم الله أخذ استئصال حتى أنه لم يبق لهم نسلاً على
وجه الأرض، وكانوا عباد أصنام كمشركي مكة، فحذر تعالى قريشاً أن يصيبهم عذاب
يستأصلهم إن لم يؤمنوا. ونوح عليه السلام أوّل نبي أرسل، ويقال له شيخ المرسلين، وآدم
الثاني، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس بن برد بن مهلاييل بن
أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه الصلاة والسلام. ﴿أن أنذر قومك﴾: يجوز أن تكون
أن مصدرية وأن تكون تفسيرية. ﴿عذاب أليم)، قال ابن عباس: عذاب النار في الآخرة.
وقال الكلبي: ما حل بهم من الطوفان. ﴿من ذنوبكم﴾: من للتبعيض، لأن الإيمان إنما