النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ - سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ اللهم إن لي منه صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فهذا هو اشتكاؤها إلى الله، فنزل الوحي عند جدالها. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سبحان من وسع سمعه الأصوات. كان بعض كلام خولة يخفى عليّ، وسمع الله جدالها، فبعث رسول الله بَّ إلى أوس وعرض عليه كفارة الظهار: ((العتق))، فقال: ما أملك، و((الصوم))، فقال: ما أقدر، و((الاطعام))، فقال: لا أجد إلا أن تعينني، فأعانه ◌َّر بخمسة عشر صاعاً ودعا له، فكفر بالإطعام وأمسك أهله. وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، يكرم خولة إذا دخلت عليه ويقول: قد سمع الله لها. وقال الزمخشري: معنى قد: التوقع، لأنه ◌َ﴿ والمجادلة كانا متوقعين أن يسمع الله مجادلتها وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرح عنها. انتهى. وقرأ الحرميان وأبو عمرو: يظهرون بشدّهما؛ والإخوان وابن عامر: يظاهرون مضارع ظاهر؛ وأبيّ: يتظاهرون، مضارع تظاهر؛ وعنه: يتظهرون، مضارع تظهر؛ والمراد به كله الظهار، وهو قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، يريد في التحريم، كأنه إشارة إلى الركوب، إذ عرفه في ظهور الحيوان. والمعنى أنه لا يعلوها كما لا يعلو أمّه، ولذلك تقول العرب في مقابلة ذلك: نزلت عن امرأتي، أي طلقتها. وقوله: ﴿منكم﴾، إشارة إلى توبيخ العرب وتهجين عادتهم في الظهار، لأنه كان من إيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم . وقرأ الجمهور: ﴿أمّهاتهم﴾، بالنصب على لغة الحجاز؛ والمفضل عن عاصم: بالرفع على لغة تميم؛ وابن مسعود: بأمهاتهم، بزيادة الباء. قال الزمخشري: في لغة من ينصب. انتهى. يعني أنه لا تزاد الباء في لغة تميم، وهذا ليس بشيء، وقد رد ذلك على الزمخشري. وزيادة الباء في مثل: ما زيد بقائم، كثير في لغة تميم، والزمخشري تبع في ذلك أبا عليّ الفارسي رحمه الله. ولما كان معنى كظهر أمي: كأمي في التحريم، ولا يراد خصوصية الظهر الذي هو من الجسد، جاء النفي بقوله: ﴿ما هنّ أمّهاتهم﴾، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿إِن أمّهاتهم): أي حقيقة، ﴿إلا اللائي ولدنهم﴾ وألحق بهنّ في التحريم أمّهات الرضاع وأمّهات المؤمنين أزواج الرسول وَلاهور، والزوجات لسن بأمّهات حقيقة ولا ملحقات بهنّ. فقول المظاهر منكر من القول تنكره الحقيقة وينكره الشرع، وزور: كذب باطل منحرف عن الحق، وهو محرم تحريم المكروهات جدّاً، فإذا وقع لزم، وقد رجى تعالى ١٢٢ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ بعده بقوله: ﴿وإن الله لعفو غفور﴾ مع الكفارة. وقال الزمخشري: ﴿وإن الله لعفو غفور﴾ لما سلف منه إذ تاب عنه ولم يعد إليه. انتهى، وهي نزغة اعتزالية. والظاهر أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. فلو قال: أنت عليّ كظهر أختي أو ابنتي، لم يكن ظهاراً، وهو قول قتادة والشعبي وداود، ورواية أبي ثور عن الشافعي. وقال الجمهور: الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي في قول هو ظهار، والظاهر أن الذمي لا يلزمه ظهاره لقوله: ﴿منكم﴾، أي من المؤمنين وبه قال أبو حنيفة والشافعي لكونها ليست من نسائه. وقال مالك: يلزمه ظهاره إذا نكحها، ويصح من المطلقة الرجعية. وقال: المزني لا يصح. وقال بعض العلماء: لا يصح ظهار غير المدخول بها، ولو ظاهر من أمته التي يجوز له وطئها، لزمه عند مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم، وسبب الخلاف هو: هل تندرج في نسائهم أم لا؟ والظاهر صحة ظهار العبد لدخوله في يظهرون منكم، لأنه من جملة المسلمين، وإن تعذر منه العتق والإطعام، فهو قادر على الصوم. وحكى الثعلبي عن مالك أنه لا يصح ظهاره، وليست المرأة مندرجة في الذين يظهرون، فلو ظاهرت من زوجها لم يكن شيئاً. وقال الحسن بن زياد: تكون مظاهرة. وقال الأوزاعي وعطاء وإسحاق وأبو يوسف: إذا قالت لزوجها أنت عليّ كظهر فلانة، فهي يمين تكفرها. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظاهر، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها. والظاهر أن قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: أن يعودوا للفظ الذي سبق منهم، وهو قول الرجل ثانياً: أنت مني كظهر أمي، فلا تلزم الكفارة بالقول، وإنما تلزم بالثاني، وهذا مذهب أهل الظاهر. وروي أيضاً عن بكير بن عبد الله بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة: وهو قول الفراء. وقال طاووس وقتادة والزهري والحسن ومالك وجماعة: ﴿لما قالوا﴾: أي للوطء، والمعنى: لما قالوا أنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهر ثم وطىء، فحينئذ يلزمه الكفارة، وإن طلق أو ماتت. وقال أبو حنيفة ومالك أيضاً والشافعي وجماعة: معناه يعودون لما قالوا بالعزم على الإمساك والوطء، فمتى عزم على ذلك لزمته الكفارة، طلق أو ماتت. قال الشافعي: العود الموجب للكفارة أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار، ويمضي بعده زمان يمكن أن يطلقها فيه فلا يطلق. وقال قوم: المعنى: والذين يظهرون من نسائهم في الجاهلية، أي كان الظهار عادتهم، ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام، وقاله القتيبي . ١٢٣ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢. وقال الأخفش: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: فتحرير رقبة لما قالوا، وهذا قول ليس بشيء لأنه يفسد نظم الآية. ﴿فتحرير رقبة﴾، والظاهر أنه يجزىء مطلق رقبة، فتجزىء الكافرة. وقال مالك والشافعي: شرطها الإسلام، كالرقبة في كفارة القتل. والظاهر إجزاء المكاتب، لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه: وإن عتق نصفي عبدين لا يجزىء. وقال الشافعي: يجزىء. ﴿من قبل أن يتماسا): لا يجوز للمظاهر أن يطأ حتى يكفر، فإن فعل عصى، ولا يسقط عنه التكفير. وقال مجاهد: يلزمه كفارة أخرى. وقيل: تسقط الكفارة الواجبة عليه، ولا يلزمه شيء. وحديث أوس بن الصامت يرد على هذا القول، وسواء كانت الكفارة بالعتق أم الصوم أم الإطعام. وقال أبو حنيفة: إذا كانت بالإطعام، جاز له أن يطأ ثم يطعم، وهو ظاهر قوله: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً﴾، إذ لم يقل فيه: ﴿من قبل أن يتماسا﴾، وقيد ذلك في العتق والصوم. والظاهر في التماس الحقيقة، فلا يجوز تماسهما قبلة أو مضاجعة أو غير ذلك من وجوه الاستمتاع، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي. وقال الأكثرون: هو الوطء، فيجوز له الاستمتاع بغيره قبل التكفير، وقاله الحسن والثوري، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. والضمير في ﴿يتماسا﴾ عائد على ما عاد عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها. ﴿ذلكم توعظون به﴾: إشارة إلى التحرير، أي فعل عظة لكم لتنتهوا عن الظهار. ﴿فمن لم يجد﴾: أي الرقبة ولا ثمنها، أو وجدها، أو ثمنها، وكان محتاجاً إلى ذلك، فقال أبو حنيفة: يلزمه العتق ولو كان محتاجاً إلى ذلك، ولا ينتقل إلى الصوم، وهو الظاهر. وقال الشافعي: ينتقل إلى الصوم. والشهران بالأهلة، وإن جاء أحدهما ناقصاً، أو بالعدد لا بالأهلة، فيصوم إلى الهلال، ثم شهراً بالهلال، ثم يتم الأول بالعدد. والظاهر وجوب التتابع، فإن أفطر بغير عذر استأنف، أو بعذر من سفر ونحوه. فقال ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي ومالك والشافعي: في أحد قوليه يبني. وقال النخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري وأصحاب الرأي والشافعي: في أحد قوليه. والظاهر أنه إن وجد الرقبة بعد أن شرع في الصوم، أنه يصوم ويجزئه، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه العتق، ولو وطىء في خلال الصوم بطل التتابع ويستأنف، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: يبطل إن جامع نهاراً لا ليلاً. ﴿فمن لم يستطع﴾ لصوم لزمانة به، أو كونه يضعف به ضعفاً شديداً، كما جاء في ١٢٤ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ حديث أوس لما قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم والليلة ثلاث مرات كلّ بصري وخشيت أن تعشو عيني. والظاهر مطلق الإطعام، وتخصصه ما كانت العادة في الإطعام وقت النزول، وهو ما يشبع من غير تحديد بمدّ. ومذهب مالك أنه مد وثلث بالمدّ النبوي، ويجب استيعاب العدد ستين عند مالك والشافعي، وهو الظاهر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. ﴿ذلك لتؤمنوا﴾، قال ابن عطية: إشارة إلى الرجعة والتسهيل في الفعل من التحرير إلى الصوم والإطعام. ثم شدّد تعالى بقوله: ﴿وتلك حدود الله﴾: أي فالزموها وقفوا عندها. ثم توعد الكافرين بهذا الحكم الشرعي. وقال الزمخشري: ذلك البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها، لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه التي شرعها في الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه من جاهليتكم، ﴿وتلك حدود الله﴾ التي لا يجوز تعديها، ﴿وللكافرين﴾ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها ﴿عذاب أليم﴾. انتھی . ﴿إن الذين يحادّون الله ورسوله﴾: نزلت في مشركي قريش، أخزوا يوم الخندق بالهزيمة، كما أخزى من قاتل الرسل من قبلهم. ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر المحادّين المخالفين لها، والمحادة: المعاداة والمخالفة في الحدود. ﴿كبتوا﴾، قال قتادة: أخزوا. وقال السدي: لعنوا. قيل: وهي لغة مذحج. وقال ابن زيد وأبو روق: ردّوا مخذولين. وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. ﴿كما كبت الذين من قبلهم): أي من قاتل الأنبياء. وقيل: يوم بدر. وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وعن أبي عبيدة: التاء بدل من الدال، أي كبدوا: أصابهم داء في أكبادهم. قيل: والذين من قبلهم منافقو الأمم. قيل: وكبتوا بمعنى سيكبتون، وهي بشارة للمؤمنين بالنصر. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه، وتقدّم الكلام في مادة كبت في آل عمران. ﴿وقد أنزلنا آيات بينات﴾ على صدق محمد وه لر، وصحة ما جاء به. ﴿وللكافرين﴾: أي الذين يحادّونه، ﴿عذاب مهين): أي يهينهم ويذلهم. والناصب ليوم يبعثهم العامل في للكافرين أو مهين أو اذكر أو يكون على أنه جواب لمن سأل متى يكون عذاب هؤلاء؟ فقيل له: ﴿يوم يبعثهم الله﴾: أي يكون يوم يبعثهم الله، وانتصب ﴿جميعاً﴾ على الحال: أي مجتمعين في صعيد واحد، أو معناه كلهم، إذ جميع يحتمل ذينك المعنيين؛ ﴿فينبئهم بما عملوا﴾، تخجيلاً لهم وتوبيخاً. ﴿أحصاه﴾ بجميع تفاصيله وكميته ١٢٥ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ وكيفيته وزمانه ومكانه. ﴿ونسوه﴾ لاستحقارهم إياه واحتقارهم أنه لا يقع عليه حساب. ﴿شهيد): لا يخفى عليه شيء. وقرأ الجمهور: ما يكون بالياء؛ وأبو جعفر وأبو حيوة وشيبة: بالتاء التأنيث النجوى. قال صاحب اللوامح: وإن شغلت بالجار، فهي بمنزلة: ما جاءتني من امرأة، إلا أن الأكثر في هذا الباب التذكير على ما في العامة، يعني القراءة العامة، قال: لأنه مسند إلى ﴿من نجوى﴾ وهو يقتضي الجنس، وذلك مذكر. انتهى. وليس الأكثر في هذا الباب التذكير، لأن من زائدة. فالفعل مسند إلى مؤنث، فالأكثر التأنيث، وهو القياس، قال تعالى: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾(١)، ﴿ما تسبق من أمّة أجلها﴾(٢)، ويكون هنا تامة، ونجوى احتمل أن تكون مصدراً مضافاً إلى ثلاثة، أي من تناجي ثلاثة، أو مصدراً على حذف مضاف، أي من ذوي نجوى، أو مصدراً أطلق على الجماعة المتناجين، فثلاثة: على هذين التقديرين. قال ابن عطية: بدل أو صفة. وقال الزمخشري: صفة. وقرأ ابن أبي عبلة ثلاثة وخمسة بالنصب على الحال، والعامل يتناجون مضمرة يدل عليه نجوى. وقال الزمخشري: أو على تأويل نجوى بمتناجين ونصبها من المستكن فيه. وقال ابن عيسى: كل سرار نجوى. وقال ابن سراقة: السرار ما كان بين اثنين، والنجوى ما كان بين أكثر. قيل: نزلت في المنافقين، واختص الثلاثة والخمسة لأن المنافقين كانوا يتناجون على هذين العددين مغايظة لأهل الإيمان؛ والجملة بعد إلا في المواضع الثلاثة في موضع الحال، وكونه تعالى رابعهم وسادسهم ومعهم بالعلم وإدراك ما يتناجون به. وقال ابن عباس: نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية، تحدّثوا فقال أحدهم: أترى الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً، فقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو یعلمه كله. ﴿ولا أدنى من ذلك﴾: إشارة إلى الثلاثة والخمسة، والأدنى من الثلاثة الاثنين، ومن الخمسة الأربعة؛ ولا أكثر يدل على ما يلي الستة فصاعداً. وقرأ الجمهور: ﴿ولا أكثر﴾ عطفاً على لفظ المخفوض؛ والحسن وابن أبي إسحاق والأعمش وأبو حيوة وسلام ويعقوب: بالرفع عطفاً على موضع نجوى إن أريد به المتناجون، ومن جعله مصدراً محضاً على حذف مضاف، أي ولا نجوى أدنى، ثم حذف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه. ويجوز أن يكون ﴿ولا أدنى﴾ مبتدأ، والخبر ﴿إلا هو معهم﴾، فهو من عطف (١) سورة الأنعام: ٤/٦. (٢) سورة الحجر: ٥/١٥. .% ١٢٦ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ الجمل، وقرأ الحسن أيضاً ومجاهد والخليل بن أحمد ويعقوب أيضاً: ولا أكبر بالباء بواحدة والرفع، واحتمل الإعرابين: العطف على الموضع والرفع بالابتداء. وقرىء: ﴿ينبئهم﴾ بالتخفيف والهمز؛ وزيد بن علي: بالتخفيف وترك الهمز وكسر الهاء؛ والجمهور: بالتشديد والهمز وضم الهاء. قوله عز وجل ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير، يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون، إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون، يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير﴾. نزلت ﴿ألم تر﴾ في اليهود والمنافقين. كانوا يتناجون دون المؤمنين، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم، موهمين المؤمنين من أقربائهم أنهم أصابهم شر، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أقرباؤهم. فلما كثر ذلك منهم، شكا المؤمنون إلى رسول الله (صچ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المؤمنين، فلم ينتهوا، فنزلت، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: نزلت في اليهود. وقال ابن السائب: في المنافقين. وقرأ الجمهور: ﴿ويتناجون﴾؛ وحمزة وطلحة والأعمش ويحيى بن وثاب ورويس: وينتجون مضارع انتجى. ﴿بما لم يحيك به الله﴾: كانوا يقولون: السام عليك، وهو الموت؛ فيرد عليهم: وعليكم. وتحية الله لأنبيائه: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾(١). ﴿لولا يعذبنا الله بما نقول﴾: أي إن كان نبياً، فما له لا يدعو علينا حتى نعذب بما نقول؟ فقال تعالى: ﴿حسبهم جهنم﴾. ثم نهى المؤمنين أن يكون تناجيهم مثل تناجي الكفار، وبدأ بالإثم لعمومه، ثم بالعدوان لعظمته في النفوس، إذ هي ظلامات العباد. ثم ترقى إلى ما هو أعظم، وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين، إذ كان تناجيهم في ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿فلا تتناجوا﴾، وأدغم ابن محيصن التاء في التاء. وقرأ الكوفيون (١) سورة النمل: ٥٩/٢٧. ? ١٢٧ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ والأعمش وأبو حيوة ورويس: فلا تنتجوا مضارع انتجى؛ والجمهور: بضم عين العدوان؛ وأبو حيوة بكسرها حيث وقع؛ والضحاك: ومعصيات الرسول على الجمع. والجمهور: على الإفراد. وقرأ عبد الله: إذا انتجيتم فلا تنتجوا. وأل في ﴿إنما النجوى) للعهد في" نجوى الكفار ﴿بالإثم والعدوان﴾، وكونها ﴿من الشيطان﴾، لأنه هو الذي يزينها لهم، ! فكأنها منه. ﴿ليحزن الذين آمنوا﴾: كانوا يوهمون المؤمنين أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا. ﴿وليس﴾: أي التناجي أو الشيطان أو الحزن، ﴿بضارهم): أي المؤمنين، ﴿إلا بإذن الله﴾: أي بمشيئته، فيقضي بالقتل أو الغلبة. وقال ابن زيد: هي نجوى قوم من المسلمين يقصدون مناجاة الرسول وثار، وليس لهم حاجة ولا ضرورة. يريدون التبجح بذلك، فيظن المسلمون أن ذلك في أخبار بعد وقاصداً نحوه. وقال عطية العوفي: نزلت في المناجاة التي يراها المؤمن في النوم تسوءه، فكأنه نجوى يناجي بها. انتهى. ولا يناسب هذا القول ما قبل الآية ولا ما بعدها، وتقدمت القراءتان في نحو: ﴿ليحزن﴾. وقرىء: بفتح الياء والزاي، فيكون ﴿الذين﴾ فاعلاً، وفي القراءتين مفعولاً. ولما نهى تعالى المؤمنين عن ما هو سبب للتباغض والتنافر، أمرهم بما هو سبب للتواد والتقارب، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية. قال مجاهد وقتادة والضحاك: كانوا يتنافسون في مجلس الرسول والتر، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض. وقال ابن عباس: المراد مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان الصحابة يتشاحون على الصف الأول، فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة، فنزلت. وقرأ الجمهور: ﴿تفسحوا﴾؛ وداود بن أبي هند وقتادة وعيسى: تفاسحوا. والجمهور: في المجلس؛ وعاصم وقتادة وعيسى: ﴿في المجالس﴾. وقرىء: في المجلس بفتح اللام، وهو الجلوس، أي توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه. والظاهر أن الحكم مطرد في المجالس التي للطاعات، وإن كان السبب مجلس الرسول. وقيل: الآية مخصوصة بمجلس الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذا مجالس العلم؛ ويؤيده قراءة من قرأ ﴿في المجالس﴾، ويتأول الجمع على أن لكل أحد مجلساً في بيت الرسول ضله. وانجزم ﴿يفسح الله﴾ على جواب الأمر في رحمته، أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في قلوبكم، أو في الدنيا والآخرة، أقوال. ﴿وإذا قيل انشزوا﴾: أي انهضوا في المجلس للتفسح، لأن مريد التوسعة على ١٢٨ - سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ الوارد يرتفع إلى فوق فيتسع الموضع. أمروا أولاً بالتفسح، ثم ثانياً بامتثال الأمر فيه إذا ائتمروا. وقال الحسن وقتادة والضحاك: معناه: إذا دعوا إلى قتال وصلاة أو طاعة نهضوا. وقيل: إذا دعوا إلى القيام عن مجلس الرسول ﴿ نهضوا، إذ كان عليه الصلاة والسلام أحياناً يؤثر الانفراد في أمر الإسلام. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج وابن عامر ونافع وحفص: بضم السين في اللفظين؛ والحسن والأعمش وطلحة وباقي السبعة: بكسرها. والظاهر أن قوله: ﴿والذين أوتوا العلم﴾ معطوف على ﴿الذين آمنوا﴾، والعطف مشعر بالتغاير، وهو من عطف الصفات، والمعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات، فالوصفان لذات واحدة. وقال ابن مسعود وغيره: تم الكلام عند قوله: ﴿منكم﴾، وانتصب ﴿والذين أوتوا العلم﴾ بفعل مضمر تقديره: ويخص الذين أوتوا العلم درجات، فللمؤمنين رفع، وللعلماء درجات. وقرأ عياش عن أبي عمرو خبير بما يعملون بالياء من تحت، والجمهور بالتاء. قوله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم، أأشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون، ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون، أعدّ الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانوا يعملون، اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قويّ عزیز، لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ . ﴿بين يدي نجواكم﴾: استعارة، والمعنى: قبل نجواكم. وعن ابن عباس وقتادة: أن قوماً من المؤمنين وأغفالهم كثرت مناجاتهم للرسول عليه الصلاة والسلام في غير جاحة إلا ١٢٩ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ لتظهر منزلتهم، وكان ◌َلر سمحاً لا يرد أحداً، فنزلت مشددة عليهم أمر المناجاة. وهذا الحكم قيل: نسخ قبل العمل به. وقال قتادة: عمل به ساعة من نهار. وقال مقاتل: عشرة أيام. وقال عليّ، كرم الله وجهه: ما عمل به أحد غيري، أردت المناجاة ولي دينار، فصرفته بعشرة دراهم، وناجيت عشر مرار، أتصدق في كل مرة بدرهم، ثم ظهرت مشقة ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة. وقرىء: صدقات بالجمع. وقال ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها. وقيل: بآية الزكاة. ﴿أأشفقتم): أخفتم من ذهاب المال في الصدقة، أو من العجز عن وجودها تتصدقون به؟ ﴿فإذا لم تفعلوا﴾: ما أمرتم به، ﴿وتاب الله عليكم): عذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوا، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وأفعال الطاعات. ﴿الذين تولوا﴾: هم المنافقون، والمغضوب عليهم: هم اليهود، عن السدي ومقاتل، أنه وسلم قال لأصحابه: ((يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان))، فدخل عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أزرق أسمر قصيراً، خفيف اللحية، فقال عليه الصلاة والسلام: ((علام تشتمني أنت وأصحابك))؟ فحلف بالله ما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام له: ((فعلت))، فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت. والضمير في ﴿ما هم﴾ عائد على ﴿الذين تولوا﴾، وهم المنافقون: أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، ﴿ولا منهم): أي ليسوا من الذين تولوهم، وهم اليهود. وما هم استئناف إخبار بأنهم مذبذبون، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع الكفار بقلبه)). وقال ابن عطية: يحتمل تأويلاً آخر، وهو أن يكون قوله: ﴿ما هم﴾ يريد به اليهود، وقوله: ﴿ولا منهم) يريد به المنافقين، فيجيء فعل المنافقين على هذا التأويل أحسن، لأنهم تولوا مغضوباً عليهم، ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم، ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صواباً. انتهى. والظاهر التأويل الأول، لأن الذين تولوا هم المحدث عنهم. والضمير في ﴿ويحلفون﴾ عائد عليهم، فتتناسق الضمائر لهم ولا تختلف. وعلى هذا التأويل يكون ﴿ما هم﴾ استئنافاً، وجاز أن يكون حالاً من ضمير ﴿تولوا﴾. وعلى احتمال ابن عطية، يكون ﴿ما هم﴾ صفة لقوم. ﴿ويحلفون على الكذب﴾، إما أنهم ما سبوا، كما روي في سبب النزول، أو على أنهم مسلمون. والكذب هو ما ادعوه من الإسلام. ﴿وهم يعلمون﴾: جملة حالية يقبح عليهم، إذ حلفوا على خلاف ما أبطنوا، فالمعنى: وهم عالمون متعمدون له. والعذاب الشديد: تفسير البحر المحيط ج١٠ م٩ ١٣٠ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ المعد لهم في الآخرة. وقرأ الجمهور: ﴿أيمانهم) جمع يمين؛ والحسن: إيمانهم، بكسر الهمزة: أي ما يظهرون من الإيمان، ﴿جنة): أي ما يتسترون به ويتقون المحدود، وهو الترس، ﴿فصدوا﴾: أي أعرضوا، أو صدوا الناس عن الإسلام، إذ كانوا يثبطون من لقوا عن الإسلام ويضعفون أمر الإيمان وأهله، أو صدوا المسلمين عن قتلهم بإظهار الإيمان، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لكن ما أظهروه من الإسلام صدوا به المسلمين عن قتلهم. ﴿لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾: تقدم الكلام على هذه الجملة في أوائل آل عمران. ﴿فيحلفون له﴾: أي الله تعالى. ألا ترى إلى قولهم: ﴿والله ربنا ما كنا مشرکین﴾(١)؟ ﴿كما يحلفون لكم﴾ أنهم مؤمنون، وليسوا بمؤمنين. والعجب منهم، كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على عالم الغيب والشهادة، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم؟ والمقصود أنهم مقیمون على الكذب، قد تعودوه حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا، ﴿ويحسبون أنهم على شيءٍ﴾: أي شيء نافع لهم. ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾: أي أحاط بهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم واستولى عليها، وتقدمت هذه المادة في قوله تعالى: ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾ (٢) في النساء، وأنها من حاذ الحمار العانة إذا ساقها، وجمعها غالباً لها، ومنه كان أحوذياً نسيج وحده. وقرأ عمر: استحاذ، أخرجه على الأصل والقياس، واستحوذ شاذ في القياس فصيح في الاستعمال. ﴿فأنساهم ذكر الله﴾: فهم لا يذكرونه، لا بقلوبهم ولا بألسنتهم؛ و﴿حزب الشيطان): جنده، قاله أبو عبيدة. ﴿أولئك في الأذلين﴾: هي أفعل التفضيل، أي في جملة من هو أذل خلق الله تعالى، لا ترى أحداً أذل منهم. وعن مقاتل: لما فتح الله مكة للمؤمنين، والطائف وخيبر وما حولهم، قالوا: نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي: أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾: ﴿كتب): أي في اللوح المحفوظ، أو قضى. وقال قتادة: بمعنى قال، ﴿ورسلي﴾: أي من بعثت منهم بالحرب ومن بعثت منهم بالحجة. ﴿إن الله قوي﴾: ينصر حزبه، ﴿عزيز): يمنعه من أن يذل. (١) سورة الأنعام: ٢٣/٦. (٢) سورة النساء: ١٤١/٤. ١٣١ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ ﴿لا تجد قوماً﴾، قال الزمخشري، من باب التخييل: خيل أن من الممتنع المحال أن تجد قوماً مؤمنين يوادون المشركين، والغرض منه أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع، ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتصلب في مجانبة أعداء الله. وزاد ذلك تأكيداً بقوله: ﴿ولو كانوا آباءهم﴾. انتهى. وبدأ بالآباء لأنهم الواجب على الأولاد طاعتهم، فنهاهم عن موادتهم. وقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾(١)، ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ثم أتى ثالثاً بالإخوان لأنهم بهم التعاضد، كما قيل: أخاك أخاك إن من لا أخاً له كساع إلى الهيجا بغير سلاح ثم رابعاً بالعشيرة، لأن بها التناصر، وبهم المقاتلة والتغلب والتسرع إلى ما دعوا إليه، كما قال: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا وقرأ الجمهور: ﴿كتب﴾ مبنياً للفاعل، ﴿في قلوبهم الإيمان﴾ نصباً، أي كتب الله. وأبو حيوة والمفضل عن عاصم: كتب مبنياً للمفعول، والإيمان رفع. والجمهور: ﴿أو عشيرتهم﴾ على الإفراد؛ وأبو رجاء: على الجمع، والمعنى: أثبت الإيمان في قلوبهم وأيدهم بروح منه تعالى، وهو الهدى والنور واللطف. وقيل: الروح: القرآن. وقيل: جبريل يوم بدر. وقيل: الضمير في منه عائد على الإيمان، والإنسان في نفسه روح يحيا به المؤمن، والإشارة بأولئك كتب إلى الذين لا يوادّون من حاد الله ورسوله. قيل: والآية نزلت في أبي حاطب بن أبي بلتعة. وقيل: الظاهر أنها متصلة بالآي التي في المنافقين الموالين لليهود. وقيل: نزلت في ابن أبيّ وأبي بكر الصديق، رضى الله تعالى عنه، كان منه سب للرسول و﴿، فصكه أبو بكر صكة سقط منها، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((أوفعلته))؟ قال: نعم، قال: ((لا تعد))، قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته. وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وفي مصعب بن عمير قتل أخاه بن عمير يوم أحد. وقال ابن شوذب: يوم (١) سورة لقمان: ١٥/٣١. ١ ١٣٢ سورة المجادلة / الآيات: ١ - ٢٢ بدر، وفي عمر قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، وفي عليّ وحمزة وعبيد بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة يوم بدر. وقال الواقدي في قصة أبي عبيدة أنه قتل أباه، قال: كذلك يقول أهل الشام، وقد سألت رجالاً من بني فهر فقالوا: توفي أبوه قبل الإسلام. انتهى، يعنون في الجاهلية قبل ظهور الإسلام. وقد رتب المفسرون. ﴿ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ على قصة أبي عبيدة وأبي بكر ومصعب وعمر وعليّ وحمزة وعبيد مع أقربائهم، والله تعالى أعلم. ١٣٣ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ آياتها شُورَةُ الجُشْر يُسْـ هُوَالَّذِىّ أَخْرَجَ ١ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن ◌ِيَرِهِمٍ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُوا أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُوْنُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيَدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ◌ّوَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأُ وَلَهُمْ فِ آْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿ ذَلِكَ بِأَهُمْ شَاقُواْ مَاقَطَعْتُممِّن لِينَةِ أَوْ ٤ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآَقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( } وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى ٥ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أَصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَارِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن مَّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ٦ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَلِذِىِ الْقُرْبَ وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِكَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا ءَاشَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنَّهُ فَانَهُواْ وَأَنَّقُواْاللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْمِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴿َ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَالدَّارَ وَآلْإِيمَانَ ١٣٤ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَبِّكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوُ بِنَاغِلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ ◌َ أَمْ قَإِلَى الَّذِينَ نَا فَقُوْ يَقُولُونَ لإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ ١٠ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًّا وَإِنِ قُوتِلْتُمْ لَنَنَصُرَّتَّكُمْ وَاللَّهُ لَنْهَدُ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَبِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخُْونَ مَعَهُمْ وَلَبِن قُوْقِلُواْ لَا يَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَّ الْأَدْبَرَ ثُمَّلَا يُصَرُونَ ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿ لَا يُقَائِلُونَكُمْ حَمِيعًا إِلَّا فِى قُرَى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُّرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ◌َ كَعَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيبَّاذَا قُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ١٤ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنَّ بَرِىٌّ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَا مِّنِكَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَلَمِينَ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا وَذَلِكَ جَزَّ ؤُاْ اْلظَّالِمِينَ وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ ١٨ قَدَمَتْ لِغَدٍ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ لَا يَسْتَوِىَّ أَصْحَبُ الثَّارِ وَأَصْحَبُ ١٩ فَأَنْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلِ لَّرَ أَيْتَهُ. ٢٠ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِهُمُ الْفَآيِزُونَ خَشِعًا مُتَصَدِّ عًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِ بُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَاللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ (٢١) سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ ١٣٥ هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ ج هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ أُلْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ اَلْمُصَوّرِّ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّعُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ اللينة، قال الأخفش: كأنه لون من النخيل، أي ضرب منه، وأصلها لونة، قلبوا الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وأنشد: بفراق الأحباب من فوق لينه قد شجاني الأصحاب لما تغنوا انتھی. وجمعها لین، کتمرة وتمر، وقد کسروه علی لیان، وتکسیر ما بينه وبين واحده هاء التأنيث شاذ، کرطبة ورطب، شذوا فيه فقالوا: أرطاب وقال الشاعر: أضرم فيها الغوى السعر وسالفة كسحقوق الليان وقال أبو الحجاج الأعلم: الليان جمع لينة، وهي النخلة. انتهى، وتأتي أقوال المفسرين في اللينة. أوجف البعير: حمله على الوجيف، وهو السير السريع. تقول: وجف البعير يجف وجفاً ووجيفاً ووجفاناً قال العجاج: ناج طواه الأين مما وجفا وقال نصیب: إليك ولولا أنت لم يوجف الركب ألا رب ركب قد قطعت وجیفهم ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب، ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين، وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكنّ الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير، ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾. ١٣٦ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ هذه السورة مدنية. وقيل: نزلت في بني النضير، وتعد من المدينة لتدانيها منها. وكان بنو النضير صالحوا رسول الله وَّله، على أن لا يكونوا عليه ولا له. فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة، لا ترد له راية. فلما هزم المسلمون يوم أحد، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأخبر جبريل الرسول ( بذلك، فأمر بقتل كعب، فقتله محمد بن مسلمة غيلة، وكان أخاه من الرضاعة. وكان النبي وب ير قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية المسلمين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، منصرفه من بئر معونة؛ فهموا بطرح الحجر على رسول الله وَلخير، فعصمه الله تعالى. فلما قتل كعب، أمر عليه الصلاة والسلام بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها الزهرة. فساروا، وهو عليه الصلاة والسلام على حمار مخطوم بليف، فوجدهم ينوحون على كعب، وقالوا: ذرنا نبكي شجونا ثم مر أمرك، فقال: ((اخرجوا من المدينة))، فقالوا: الموت أقرب لنا من ذلك، وتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج. ودس المنافق عبد الله بن أبيّ وأصحابه أن لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولنتصرنكم، وإن أخرجتم لنخرجن معكم. فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، ثم أجمعوا على الغدر برسول الله وير، فقالوا: اخرج في ثلاثين من أصحابك، ويخرج منا ثلاثون ليسمعوا منك، فإن صدقوا آمنا كلنا، ففعل، فقالوا: كيف نفهم ونحن ستون؟ اخرج في ثلاثة، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، ففعلوا، فاشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك. فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها، وكان مسلماً، فأخبرته بما أرادوا، فأسرع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فساره بخبرهم قبل أن يصل الرسول إليهم. فلما كان من الغد، غدا عليهم بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين، فطلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أحطب، فلحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وقبض أموالهم وسلاحهم، فوجد خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفاً. وكان ابن أبي قد قال لهم: معي ألفان من قومي وغيرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. فلما نازلهم رسول الله وير، اعتزلتهم قريظة وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان. ١٣٧ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ ومناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضاً، ذكر أيضاً ما حل باليهود من غضب الله عليهم وجلائهم، وإمكان الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام ممن حاد الله ورسوله ورام الغدر بالرسول عليه الصلاة والسلام وأظهر العداوة بحلفهم مع قریش. وتقدم الكلام في تسبيح الجمادات التي يشملها العموم المدلول عليه بما، ﴿من أهل الكتاب﴾: هم قريظة، وكانت قبيلة عظيمة توازن في القدر والمنزلة بني النضير، ويقال لهما الكاهنان، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون، نزلوا قريباً من المدينة في فتن بني إسرائيل، انتظاراً لمحمد ير، فكان من أمرهم ما قصه الله تعالى في كتابه. ﴿من ديارهم﴾: يتعلق بأخرج، و﴿من أهل الكتاب﴾ يتعلق بمحذوف، أي كائنين من أهل الكتاب. وصحت الإضافة إليهم لأنهم كانوا ببرية لا عمران فيها، فبنوا فيها وأنشأوا. واللام في ﴿لأول الحشر﴾ تتعلق بأخرج، وهي لام التوقيت، كقوله: ﴿لدلوك الشمس﴾(١)، والمعنى: عند أول الحشر، والحشر: الجمع للتوجيه إلى ناحية مّا. والجمهور: إلى أن هؤلاء الذين أخرجوا هم بنو النضير. وقال الحسن: هم بنو قريظة؛ ورد هذا بأن بني قريظة ما حشروا ولا أجلوا وإنما قتلوا، وهذا الحشر هو بالنسبة لإخراج بني النضير. وقيل الحشر هو حشر رسول الله وّي الكتائب لقتالهم، وهو أول حشر منه لهم، وأول قتال قاتلهم. وأول يقتضي ثانياً، فقيل: الأول حشرهم للجلاء، والثاني حشر عمر لأهل خيبر وجلاؤهم. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بجلاء أهل خيبر بقوله وَّيه: ((لا يبقين دينان في جزيرة)). وقال الحسن: أراد حشر القيامة، أي هذا أوله، والقيام من القبور آخره. وقال عكرمة والزهري: المعنى: الأول موضع الحشر، وهو الشام. وفي الحديث، أنه عليه الصلاة والسلام قال لبني النضير: ((اخرجوا))، قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر)). وقيل: الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وهذا الجلاء كان في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد نسخ، فلا بد من القتل والسبي أو ضرب الجزية. ﴿ما ظننتم أن يخرجوا﴾، لعظم أمرهم ومنعتهم وقوتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعددهم. ﴿وظنوا أنهم﴾ تمنعهم حصونهم من حرب الله وبأسه. ولما كان ظن المؤمنين منفياً هنا، أجري مجرى نفي الرجاء والطمع، فتسلط على أن الناصبة للفعل، كما (١) سورة الإسراء: ١٧ /٧٨. ١٣٨ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ يتسلط الرجاء والطمع. ولما كان ظن اليهود قوياً جداً يكاد أن يلحق بالعلم تسلط على أن المشددة، وهي التي يصحبها غالباً فعل التحقيق، كعلمت وتحققت وأيقنت، وحصونهم الوصم والميضاة والسلاليم والكثيبة. وقال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في انفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. انتهى، يعني أن حصونهم هو المبتدأ، ومانعتهم الخبر، ولا يتعين هذا، بل الراجح أن يكون حصونهم فاعلة بمانعتهم، لأن في توجيهه تقديماً وتأخيراً، وفي إجازة مثله من نحو: قائم زيد، على الابتداء، والخبر خلاف؛ ومذهب أهل الكوفة منعه. ﴿فأتاهم الله﴾: أي بأسه، ﴿من حيث لم يحتسبوا﴾: أي لم يكن في حسابهم، وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف، قاله السدي وأبو صالح وابن جريج، وذلك مما أضعف قوتهم. ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾، فسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة حتى نزلوا على حكم رسول الله ولاير، ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾، قال قتادة: خرب المؤمنون من خارج ليدخلوا، وخربوا هم من داخل ونحوه. قال الضحاك والزجاج وغيرهما: كانوا كلما خرب المسلمون من حصونهم، هدموا هم من البيوت، خربوا الحصن. وقال الزهري وغيره: كانوا، لما أبيح لهم ما تستقل به الإبل، لا يدعون خشبة حسنة ولا سارية إلا قلعوها وخربوا البيوت عنها، فیکون قوله: ﴿وأيدي المؤمنین﴾ إسناد التخریب إليها من حیث کان المؤمنون محاصرتهم إياهم داعية إلى ذلك. وقيل: شحوا على بقائها سليمة، فخربوها إفساداً. وقرأ قتادة والجحدري ومجاهد وأبو حيوة وعيسى وأبو عمرو: يخربون مشدّداً؛ وباقي السبعة مخففاً، والقراءتان بمعنى واحد عدى خرب اللازم بالتضعيف وبالهمزة. وقال صاحب الكامل في القراءات؛ التشديد الاختيار على التكثير. وقال أبو عمروبن العلاء: خرب بمعنى هدم وأفسد، وأخرب: ترك الموضع خراباً وذهب عنه. ﴿فاعتبروا﴾: تفطنوا لما دبر الله من إخراجهم بتسليط المؤمنين عليهم من غير قتال. وقيل: وعد رسول الله ◌َّ﴿ المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فقال: فكان كما قال؛ ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا﴾: أي لولا أنه تعالى قضى أنه سيجليهم من ديارهم ويبقون مدة يؤمن بعضهم ويولد لبعضهم من يؤمن، ١٣٩ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم بني قريظة. وكان بنو النضير من الجيش الذين عصوا موسى في كونهم لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق، تركوه لجماله وعقله. وقال موسى عليه السلام: لا تستحيوا منهم أحداً. فلما رجعوا إلى الشام، وجدوا موسى عليه السلام قد مات. فقال لهم بنو إسرائيل: أننم عصاة، والله لا دخلتم علينا بلادنا، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه، فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجلاه بخت نصر على أهل الشام. وكان الله قد كتب على بني إسرائيل جلاء، فنالهم هذا الجلاء على يد محمد رَ*، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالسيف والقتل، كأهل بدر وغيرهم. ويقال: جلا القوم عن منازلهم وأجلاهم غيرهم. قيل: والفرق بين الجلاء والإخراج: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. وقال الماوردي: الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج قد يكون لواحد وجماعة. وقرأ الجمهور: الجلاء ممدوداً؛ والحسن بن صالح وأخوه علي بن صالح: مقصوراً؛ وطلحة: مهموزاً من غير ألف كالبنا. ﴿ولهم في الآخرة عذاب النار﴾: أي إن نجوا من عذاب الدنيا، لم ينجوا في الآخرة. وقرأ طلحة: ومن يشاقق بالإظهار، كالمتفق عليه في الأنفال؛ والجمهور؛ بالإدغام. كان بعض الصحابة قد شرع في بعض نخل بني النضير يقطع ويحرق، وذلك في صدر الحرب، فقالوا: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الإفساد؟ فكفوا عن ذلك، ونزل: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية رداً على بني النضير، وإخباراً أن ذلك بتسويغ الله وتمكينه ليخربكم به ويذلكم. واللينة والنخلة اسمان بمعنى واحد، قاله الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون. وقال الشاعر: على لينة سوقاً يهفو حيونها كان قيودي فوقها عش طائر وقال آخر: طراق الحوامي واقع فوق لينة يدي ليلة في ولشه يترقرق وقال ابن عباس وجماعة من أهل اللغة: هي النخلة ما لم تكن عجوة. وقال الثوري: الكريمة من النخل. وقال أبو عبيدة وسفيان: ما ثمرها لون، وهو نوع من التمر يقال له اللون. قال سفيان: هو شديد الصفرة يشف عن نواه فيرى من خارج. وقال أيضاً أبو عبيدة: اللين: ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا برني. وقال جعفر بن محمد: هي العجوة، وقيل: هي السيلان، وأنشد فيه: ١٤٠ سورة الحشر / الآيات: ١ - ٢٤ ثم حف النخيل بالآجام غرسوا لينة بمجرى معين وقيل: هي أغصان الأشجار للينها، فعلى هذا لا يكون أصل الياء الواو. وقيل: هي النخلة القصيرة. وقال الأصمعي: هي الدفل، وما شرطية منصوبة بقطعتم، ومن لينة تبيين الإبهام ما، وجواب الشرط ﴿فبإذن الله﴾: أي فقطعها أو تركها بإذن الله. وقرأ الجمهور؛ ﴿قائمة﴾، أنث قائمة، والضمير في ﴿تركتموها﴾ على معنى ما. وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي: قوماً على وزن فعل، كضرب جمع قائم. وقرىء: قائماً اسم فاعل، فذكر على لفظ ما، وأنث في على أصولها. وقرىء: أصلها بغير واو. ولما جلا بنو النضير عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم، طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر، فنزلت: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾: بين أن أموالهم فيء، لم يوجف عليها خيل ولا ركاب ولا قطعت مسافة، إنما كانوا ميلين من المدينة مشوا مشياً، ولم يركب إلا رسول الله وَّر. قال عمر بن الخطاب: كانت أموال بني النضير لرسول الله وَلقر خاصة، ينفق منها على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى. وقال الضحاك: كانت له عليه الصلاة والسلام، فآثر بها المهاجرين وقسمها عليهم، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة، أعطاهم لفقرهم. وما في قوله: ﴿وما آفاء الله على رسوله﴾ شرطية أو موصولة، وأفاء بمعنى: يفيء، ولا يكون ماضياً في اللفظ والمعنى، ولذلك صلة ما الموصولة إذا كانت الباء في خبرها، لأنها إذ ذاك شبهت باسم الشرط. فإن كانت الآية نزلت قبل جلائهم، كانت مخبرة بغيب، فوقع كما أخبرت؛ وإن كانت نزلت بعد حصول أموالهم للرسول وَال98، كان ذلك بياناً لما يستقبل، وحكم الماضي المتقدم حكمه. ومن في: ﴿من خيل﴾ زائدة في المفعول يدل عليه الاستغراق، والركاب: الإبل، سلط الله رسوله عليهم وعلى ما في أيديهم، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم. وقال بعض العلماء: كل ما وقع على الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة. ﴿ما آفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾، قال الزمخشري: لم يدخل العاطف على هذه الجملة، لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها. بين لرسول الله وَّر ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوم على الأقسام الخمسة. انتهى. وقال ابن عطية: أهل القرى المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عرينة، وحكمها مخالف