النص المفهرس
صفحات 401-420
٠ ٤٠١ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩. سليمان؛ أو كريم حسن الخلق، قاله مقاتل. ﴿أن أدوا إليّ عباد الله﴾ يحتمل أن تكون أن تفسيرية، لأنه تقدم ما يدل على معنى القول، وهو رسول كريم، وأن تكون أن مخففة من الثقيلة أو الناصبة للمضارع، فإنها توصل بالأمر. قال ابن عباس: أن أدوا إليّ الطاعة يا عباد الله: أي اتبعوني على ما أدعوكم إليه من الإيمان. وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل، كم قال: فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. فعلى قول ابن عباس: عباد الله: منادى، ومفعول أدوا محذوف؛ وعلى قول مجاهد ومن ذكر معه: عباد الله: مفعول أدوا. ﴿إني لكم رسول أمين﴾: أي غير متهم، قد ائتمنني الله على وحيه ورسالته. ﴿وأن لا تعلوا على الله﴾: أي لا تستكبروا على عبادة الله، قاله يحيى بن سلام. قال ابن جريح: لا تعظموا على الله. قيل: والفرق بينهما أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر، ذكره الماوردي، وأن هنا كان السابق في أوجهها الثلاثة. ﴿إني آتيكم بسلطان مبين﴾: أي بحجة واضحة في نفسها، وموضحة صدق دعواي. وقرأ الجمهور: إني، بكسر الهمزة، على سبيل الإخبار؛ وقرأت فرقة: بفتح الهمزة. والمعنى: لا تعلوا على الله من أجل أني آتيكم، فهذا توبيخ لهم، كما تقول: أتغضب إن قال لك الحق؟ ﴿وإني عذت﴾: أي استجرت ﴿بربي وربكم أن ترجمون﴾: كانوا قد توعدوه بالقتل، فاستعاذ من ذلك. وقرىء: عدت، بالإدغام. قال قتادة وغيره: الرجم هنا بالحجارة. وقال ابن عباس، وأبو صالح: بالشتم؛ وقول قتادة أظهر، لأنه قد وقع منهم في حقه ألفاظ لا تناسب؛ وهذه المعاذة كانت قبل أن يخبره تعالى بقوله: ﴿فلا يصلون إليكما﴾(١). وإن لم تؤمنوا إلي : أي تصدقوا، فاعتزلون: أي كونوا بمعزل، وهذه مشاركة حسنة. ﴿فدعا ربه﴾: أني مغلوب فانتصر، ﴿أن هؤلاء﴾: لفظ تحقير لهم. وقرأ الجمهور: أن هؤلاء، بفتح الهمزة، أي بأن هؤلاء. وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والحسن في رواية، وزيد بن علي: بكسرها. ﴿فأسر بعبادي﴾: في الكلام حذف، أي فانتقم منهم، فقال له الله: أسر بعبادي، وهم بنوا إسرائيل ومن آمن به من القبط. وقال الزمخشري: فيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء، فقال: أسر بعبادي، وأن يكون جواباً بالشرط محذوف؛ كأنه قيل: قال إن كان الأمر كما تقول، فأسر بعبادي. انتهى. وكثيراً ما يجيز هذا الرجل (١) سورة القصص: ٣٥/٢٨. تفسير البحر المحيط ج٩ م٢٦ ٤٠٢ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩ حذف الشرط وإبقاء جوابه، وهو لا يجوز إلا لدليل واضح؛ كأن يتقدمه الأمر وما أشبهه مما ذكر في النحو، على خلاف في ذلك. ﴿إنكم متبعون﴾: أي يتبعكم فرعون وجنوده، فتنجون ويغرق المتبعون. ﴿واترك البحر رهواً﴾: قال ابن عباس: ساكناً كما أجراه. وقال مجاهد وعكرمة: ببساً من قوله: ﴿فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً﴾(١). وقال الضحاك: دمثاً ليناً. وقال عكرمة: جدداً. وقال ابن زيد: سهلاً. وقال مجاهد أيضاً: منفرداً. قال قتادة: أراد موسى أن يضرب البحر بعصاه، لما قطعه، حتى يلتئم؛ وخاف أن يتبعه فرعون، فقيل: لمه هذا؟ ﴿إنهم جند مغرقون﴾: أي فيه، لأنهم إذا رأوه ساكناً على حالته حين دخل فيه موسى وبنوا إسرائيل، أو مفتوحاً طريقاً يبساً، دخلوا فيه، فيطبقه الله عليهم. ﴿كم تركوا﴾: أي كثيراً تركوا. ﴿من جنات وعيون﴾: تقدم تفسيرهما في الشعراء. وقرأ الجمهور: ﴿ومقام﴾، بفتح الميم. قال ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير: أراد المقام. وقرأ ابن هرمز، وقتادة، وابن السميفع، ونافع: في رواية خارجة بضمها. قال قتادة: أراد المواضع الحسان من المجالس والمساكن وغيرها. ﴿ونعمة﴾، بفتح النون: نضارة العيش ولذاذة الحياة. وقرأ أبو رجاء: ﴿ونعمة﴾، بالنصب، عطفاً على كم ﴿كانوا فيها فاكهين﴾. قرأ الجمهور: بألف، أي طيبي الأنفس وأصحاب فاكهة، كلابن، وتامر، وأبو رجاء، والحسن: بغير ألف. والفكه يستعمل كثيراً في المستخف المستهزىء، فكأنهم كانوا مستخفين بشكل النعمة التي كانوا فيها. وقال الجوهري: فكه الرجل، بالكسر، فهو فكه إذا كان مزاحاً، والفكه أيضاً الأشر. وقال القشيري: فاكهين: لاهين كذلك. وقال الزجاج: والمعنى: الأمر كذلك، فيوقف على كذلك؛ والكاف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف؛ وقيل: الكاف في موضع نصب، أي يفعل فعلاً كذلك، لمن يريد إهلاكه. وقال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني. وقال الحوفي: أهلكنا إهلاكاً، وانتقمنا انتقاماً كذلك. وقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، ﴿وأورثنا قوماً آخرين﴾ ليسوا منهم، وهم بنوا إسرائيل. كانوا مستعبدين في يد القبط، فأهلك الله تعالى القبط على أيديهم وأورثهم ملكهم. وقال قتادة، وقال الحسن: إن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون، وضعف قول قتادة بأنه لم يرو في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في شيء من ذلك الزمان، ولا ملكوها قط؛ إلا أن يريد قتادة أنهم ورثوا نوعها في بلاد الشام. انتهى. ولا اعتبار بالتواريخ، فالكذب فيها (١) سورة طه: ٧٧/٢٠. ٤٠٣ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩ كثير، وكلام الله صدق. قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾(١) وقيل: قوماً آخرين ممن ملك مصر بعد القبط من غير بني إسرائيل. ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾: استعارة لتحقير أمرهم، وأنه لم يتغير عن هلاكهم شيء. ويقال في التعظيم: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس. وقال زيد بن مفرغ : والبرق يلمع في غمامه الريح تبكي شجوه وقال جرير: تبكي عليك نجوم الليل والقمرا فالشمس طالعة ليست بكاسفة وقال النابغة : وحوران منه خاشع متضائل بکی حادث الجولان من فقد ربه وقال جرير: سور المدينة والجبال الخشع الزهو تواضعت لما أتى ويقول في التحقير: مات فلان، فما خشعت الجبال. ونسبة هذه الأشياء لما لا يعقل ولا يصير ذلك منه حقيقة، عبارة عن تأثر الناس له، أو عن عدمه. وقيل: هو على حذف مضاف، أي: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الملائكة وأهل الأرض، وهم المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين. روي ذلك عن الحسن. وما روي عن علي، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير: إن المؤمن إذا مات، بكى عليه من الأرض موضع عبادته أربعين صباحاً، وبكى عليه السماء موضع صعود عمله. قالوا: فلم يكن في قوم فرعون من هذه حاله تمثيل. ﴿وما كانوا منظرين﴾: أي مؤخرين عن العذاب لما حان وقت هلاكهم، بل عجل الله لهم ذلك في الدنيا. ﴿ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين، من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين، ولقد اخترناهم على علم على العالمين، وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين، إن هؤلاء ليقولون، إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين، فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين، وما خلقنا (١) سورة الشعراء: ٥٩/٢٦. ٤٠٤ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩ السموات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون، إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون، إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم، إن شجرة الزقوم، طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون، كغلي الحميم، خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنك أنت العزيز الكريم، إن هذا ما كنتم به تمترون، إن المتقين في مقام أمين، في جنات وعيون، يلبسون من سندس وإستبرق متقابلین، كذلك وزوجناهم بحور عين، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين، لا يذقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم، فضلاً من ربك ذلك هو الفوز العظيم، فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون، فارتقب إنهم مرتقبون﴾. لما ذكر تعالى إهلاك فرعون وقومه، ذكر إحسانه لبني إسرائيل؛ فبدأ بدفع الضرر عنهم، وهو نجاتهم مما كانوا فيه من العذاب. ثم ذكر اتصال النفع لهم، من اختيارهم على العالمين، وإيتائهم الآيات والعذاب المهين: قتل أبنائهم، واستخدامهم في الأعمال الشاقة. وقرأ عبد الله: ﴿من العذاب المهين﴾: وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كبقلة الحمقاء. و﴿من فرعون﴾: بدل ﴿من العذاب﴾، على حذف مضاف، أي من عذاب فرعون. أولاً حذف جعل فرعون نفسه هو العذاب مبالغة. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي كائناً وصادراً من فرعون. وقرأ ابن عباس: ﴿من فرعون﴾، من: استفهام مبتدأ، وفرعون خبره. لما وصف فرعون بالشدة والفظاعة قال: من فرعون؟ على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟ ثم عرف حاله في ذلك بقوله: ﴿إنه كان عالياً من المسرفين): أي مرتفعاً على العالم، أو متكبراً مسرفاً من المسرفين. ﴿ولقد اخترناهم﴾: أي اصطفيناهم وشرفناهم. ﴿على علم﴾ علم مصدر لم يذكر فاعله، فقيل: على علم منهم، وفضل فيهم، فاخترناهم للنبوات والرسالات. وقيل: على علم منا، أي عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا. وقيل: على علم منا بما يصدر من العدل والإحسان والعلم والإيمان، بأنهم يزيفون، وتفرط منهم الهنات في بعض الأموال. وقيل: اخترناهم بهذا الانجاء وهذه النعم على سابق علم لنا فيهم، وخصصناهم بذلك دون العالم. ﴿على العالمين﴾: أي عالمي زمانهم، لأن أمة محمد صلّ مفضلة عليهم. وقيل: على العالمين عام لكثرة الأنبياء فيهم، وهذا خاص بهم ليس لغيرهم. وكان الاختيار من هذه الجهة، لأن أمة محمد أفضل. وعلى، في قوله: ﴿على علم﴾، ليس ٤٠٥ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩. معناها معنى على في قوله: ﴿على العالمين﴾، ولذلك تعلقا بفعل واحد لما اختلف المدلول، كقوله : عليّ وآلت حلفة لم يحلل ويوماً على ظهر الكتيب تعذرت فعلى علم: حال، إما من الفاعل، أو من المفعول. وعلى ظهر: حال من الفاعل في تعذرت، والعامل في ذي الحال. ﴿وآتيناهم من الآيات﴾: أي المعجزات الظاهرة في قوم فرعون، وما ابتلوا به؛ وفي بني إسرائيل مما أنعم به عليهم من تظليل الغمام والمنّ والسلوى، وغير ذلك مما لم يظهرها لغيرهم. ﴿ما فيه بلاء﴾: أي اختبار بالنعم ظاهر، أو الابتلاء بالنعم كقوله: ﴿ونبلكم بالشر والخير﴾(١). ﴿إن هؤلاء﴾: يعني قريشاً، وفي اسم الإشارة تحقير لهم. ﴿ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى): أي ما الموتة إلا محصورة في موتتنا الأولى. وكان قد قال تعالى: ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾(٢)، فذكر موتتين، أولى وثانية، فأنكروا هم أن يكون لهم موتة ثانية. والمعنى: ما آخر أمرنا ومنتهى وجودنا إلا عند موتتنا. فيتضمن قولهم هذا إنكار البعث، ثم صرحوا بما تضمنه قولهم، فقالوا: ﴿وما نحن بمنشرين): أي بمبعوثين بحياة دائمة يقع فيها حساب وثواب وعقاب؛ وكان قولهم ذلك في معنى قولهم: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾(٣). ﴿فأتوا بآبائنا﴾: خطاب لرسول الله وَير، وللمؤمنين الذين كانوا يعدونهم بالبعث، أي إن صدقتم فيما تقولون، فأحيوا لنا من مات من أبنائنا، بسؤالكم ربكم، حتى يكون ذلك دليلاً على البعث في الآخرة. قيل: طلبوا من الرسول أن يدعوا الله فيحيي لهم قصي بن كلاب، ليشاوروه في صحة النبوة والبعث، إذ كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل. ﴿أهم﴾: أي قريش، ﴿خير أم قوم تبع﴾؟ الظاهر أن تبعاً هو شخص معروف، وقع التفاضل بين قومه وقوم الرسول عليه الصلاة والسلام. وإن كان لفظ تبع يطلق على كل من ملك العرب، كما يطلق كسرى على من ملك الفرس، وقيصر على من ملك الروم؛ قيل: واسمه أسعد الحميري، وكني أبا كرب؛ وذكر أبو حاتم الرياشي أنه آمن بالنبي ◌َّ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة. وروي أنه لما آمن بالمدينة، كتب كتاباً ونظم شعراً. أما الشعر فهو: (١) سورة الأنبياء: ٣٥/٢١. (٢) سورة البقرة: ٢٨/٢. (٣) سورة الأنعام: ٢٩/٦. ٤٠٦ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩ رسول من الله باري النسم شهدت على أحمد أنه لكنت وزيراً له وابن عم فلو مد عمري إلى عمره وأما الكتاب، فروى ابن اسحاق وغيره أنه كان فيه: أما بعد، فإني آمنت بك، وبكتابك الذي أنزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتك فيها ونعمت، وإن لم أدركك، فاشفع لي، ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين، وتابعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام. ثم ختم الكتاب ونقش عليه: لله الأمر من قبل ومن بعد. وكتب عنوانه: إلى محمد بن عبد الله، نبي الله ورسوله، خاتم النبيين، ورسول رب العالمين ◌َ، من تبع الأول. ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب، خالد بن زيد، فلم يزل عنده حتى بعث النبي بَير، وكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر، حتى أدّوه للنبي حضّر. وعن ابن عباس: كان تبع نبياً، وعنه لما أقبل تبع من الشرق، بعد أن حير الحيرة وسمرقند، قصد المدينة، وكان قد خلف بها حين سافر ابناً، فقتل غيلة، فأجمع على خرابها واستئصال أهلها. فجمعوا له الأنصار، وخرجوا لقتاله، وكانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل. فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام، إذ جاءه كعب وأسد، ابنا عم من قريظة جيران، وأخبراه أنه يحال بينك وبين ما تريد، فإنها مهاجر نبي من قريش اسمه محمد، ومولده بمكة، فثناه قولهما عما كان يريد. ثم دعواه إلى دينهما، فاتبعهما وأكرمهما. وانصرفوا عن المدينة، ومعهم نفر من اليهود، فقال له في الطريق نفر من هذيل: يدلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة بمكة، وأرادت هذيل هلاكه، لأنهم عرفوا أنه ما أراده أحد بسوء إلا هلك. فذكر ذلك للحبرين، فقالوا: ما نعلم لله بيتاً في الأرض غير هذا، فاتخذه مسجداً، وانسك عنده، واحلق رأسك، وما أراد القوم إلا هلاكك. فأكرمه وكساه، وهو أول من كسا البيت؛ وقطع أيدي أولئك النفر من هذيل وأرجلهم، وسمر أعينهم وصلبهم. وقال قوم: ليس المراد بتبع رجلاً واحداً، إنما المراد ملوك اليمن، وكانوا يسمون التتابعة. والذي يظهر أنه أراد واحداً من هؤلاء، تعرفه العرب بهذا الاسم أكثر من معرفة غيره به. وفي الحديث: ((لا تسبوا تبعاً فإنه كان مؤمناً))، فهذا يدل على أنه واحد بعينه. قال الجوهري: التتابعة ملوك اليمن، والتبع: الظل، والتبع: ضرب من الطير. وقال أبو القاسم السهيلي: تبع لكل ملك اليمن، والشحر حضرموت، وملك اليمن وحده لا يسمى تبعاً، ٤٠٧ سورة الدخان / الآيات : ١ - ٥٩ قاله المسعودي. والخيرية الواقعة فيها التفاضل، وكلا الصنفين لا خير فيهم، هي بالنسبة للقوة والمنعة، كما قال: ﴿أكفاركم خير من أولئكم﴾(١)؟ بعد ذكر آل فرعون في تفسير ابن عباس: أهم أشد أم قوم تبع؟ وإضافة قوم إلى تبع دليل على أنه لم يكن مذهبهم. ﴿أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين﴾: إخبار عما فعل تعالى بهم، وتنبيه على أن علة الإهلاك هي الإجرام، وفي ذلك وعيد لقريش، وتهديد أن يفعل بهم ما فعل بقوم تبع ومن قبلهم من مكذبي الرسل لإجرامهم، ثم ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث، وهو خلق العالم بالحق. وقرأ الجمهور: ﴿وما بينهما﴾ من الجنسين، وعبيد بن عميس: وما بينهن لاعبين. قال مقاتل: عابئين. ﴿ما خلقناهما إلا بالحق): أي بالعدل، يجازي المحسن والمسيء بما أراد تعالى من ثواب وعقاب. ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ أنه تعالى خلق ذلك، فهم لا يخافون عقاباً ولا يرجون ثواباً. وقرىء: ميقاتهم، بالنصب، على أنه اسم إن، والخبر يوم الفصل، أي: إن يوم الفصل ميعادهم وجزاؤهم، ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً﴾ يعم جميع الموالي من القرابة والعتاقة والصلة شيئاً من إغناء، أي قليلاً منه: ﴿ولا هم ينصرون﴾: جمع، لأن عن مولى في سياق النفي فيعم، فعاد على المعنى، لا على اللفظ. ﴿إلا من رحم الله﴾، قال الكسائي: من رحم: منصوب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من رحمه الله لا ينالهم ما يحتاجون فيه من لعنهم من المخلوقين. قيل: ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. وقال الحوفي: ويجوز أن يكون بدلاً من مولى المرفوع، ويكون يغني بمعنى ينفع. وقال الزمخشري: ﴿من رحم الله﴾، في محل الرفع على البدل من الواو في ﴿ينصرون﴾، أي لا يمنع من العذاب إلا من رحم الله؛ وقاله الحوفي قبله. ﴿إنه هو العزيز الرحيم): لا ينصر من عصاه، الرحيم لمن أطاعه ومن عفا عنه. ﴿إن شجرة الزقوم﴾: قرىء بكسر الشين، وتقدم الكلام فيها في سورة الصافات. ﴿طعام الأثيم): صفة مبالغة، وهو الكثير الآثام، ويقال له: أثوم، صفة مبالغة أيضاً، وفسر بالمشرك. وقال يحيى بن سلام: المكتسب للإثم. وعن ابن زيدان: الأثيم هنا هو أبو جهل، وقيل: الوليد. ﴿كالمهل﴾: هو دردي الزيت، أو مذاب الفضة، أو مذاب (١) سورة القمر: ٤٣/٥٤. ٤٠٨ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩ النحاس، أو عكر القطران، أو الصديد؛ أولها لابن عمر وابن عباس، وآخرها لابن عباس. وقال الحسن: كالمهل، بفتح الميم: لغة فيه. وعن ابن مسعود، وابن عباس أيضاً: المهل: ما أذيب من ذهب، أو فضة، أو حديد، أو رصاص. وقرأ مجاهد، وقتادة، والحسن، والابنان، وحفص: يغلي، بالياء، أي الطعام. وعمرو بن ميمون، وأبو رزين، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وابن محيصن، وطلحة، والحسن: في رواية، وباقي السبعة: تغلي بالتاء، أي الشجرة. ﴿كغلي الحميم﴾: وهو الماء المسخن الذي يتطاير من غليانه. ﴿خذوه فاعتلوه﴾، يقال للزبانية: خذوه فاعتلوه، أي سوقوه بعنف وجذب. وقال الأعمش: معنى اعتلوه: اقصفوه كما يقصف الحطب إلى سواء الجحيم. قال ابن عباس: وسطها. وقال الحسن: معظمها. وقرأ الجمهور: فاعتلوه، بكسر التاء، وزيد بن علي، والابنان، ونافع: بضمها؛ والخلاف عن الحسن، وقتادة، والأعرج، وأبي عمرو. ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم﴾: وفي الحج يصيب من فوق رؤوسهم الحميم، والمصبوب في الحقيقة هو الحميم، فتارة اعتبرت الحقيقة، وتارة اعتبرت الاستعارة، لأنه أذم من الحميم، فقد صب ما تولد عنه من الآلام والعذاب، فعبر بالمسبب عن السبب، لأن العذاب هو المسبب عن الحميم، ولفظة العذاب أهول وأهيب. ﴿ذق﴾: أي العذاب، ﴿إنك أنت العزيز الكريم﴾، وهذا على سبيل التهكم والهزء لمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. وعن قتادة، أنه لما نزلت: ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم﴾، قال أبو جهل: أتهددني يا محمد؟ وإن ما بين لابتيها أعز مني ولا أكرم، فنزلت هذه الآية، وفي آخرها: ﴿ذق إنك أنت العزيز الکریم﴾، أي على قولك، وهذا کما قال جرير: من كان موعظة يا زهرة اليمن ألم تكن في رسوم قد رسمت بها يقولها لشاعر سمى نفسه به في قوله: أبلغ کلیباً وأبلغ عنك شاعرها إني الأعز وإني زهرة اليمن فجاء به جرير على جهة الهزء. وقرىء: إنك، بكسر الهمزة. وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب على المنبر، والكسائي بفتحها. ﴿إن هذا﴾: أي الأمر، أو العذاب، ﴿ما كنتم به تمترون﴾: أي تشكون. ولما ذكر حال الكفار أعقبه بحال المؤمنين فقال: ﴿إن المتقين في مقام أمين﴾. وقرأ عبد الله بن عمر، وزيد بن علي، وأبو جعفر، وشيبة، والأعرج، والحسن، وقتادة، ونافع، وابن عامر: في مقام، بضم الميم؛ وأبو رجاء، ٤٠٩ سورة الدخان / الآيات: ١ - ٥٩. وعيسى، ويحيى، والأعمش، وباقي السبعة: بفتحها؛ ووصف المقام بالأمين، أي يؤمن فيه من الغير، فكأنه فعيل بمعنى مفعول، أي مأمون فيه، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري : الأمين، من قولك: أمن الرجل أمانة، فهو أمين، وهو ضد الخائن؛ فوصف به المكان استعارة، لأن المكان المخيف كان يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. وتقدم شرح السندس والإستبرق. وقرأ ابن محيصن: ﴿واستبرق﴾، جعله فعلاً ماضياً. ﴿متقابلين﴾: وصف لمجالس أهل الجنة، لا يستدبر بعضهم بعضاً في المجالس. ﴿كذلك﴾: أي الأمر كذلك. وقرأ الجمهور: ﴿بحور﴾ منوناً، وعكرمة: بغير تنوين، لأن العين تقسمن إلى حور وغير حور، فهؤلاء من حور العين، لا من شهلن مثلاً. ﴿يدعون فيها﴾: أي الخدم والمتصرفين عليهم، ﴿بكل فاكهة﴾ أرادوا إحضارها لديهم، ﴿آمنين﴾ من الأمراض والتخم . ﴿لا يذوقون فيها الموت﴾. وقرأ عبيد بن عمير: لا يذاقون، مبنياً للمفعول. ﴿إلا الموتة الأولى﴾: هذا استثناء منقطع، أي لكن الموتة الأولى ذاقوها في الدنيا، وذلك تنبيه على ما أنعم به عليهم من الخلود السرمدي، وتذكير لهم بمفارقة الدنيا الفانية إلى هذه الدار الباقية. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي؟ قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إلا الموتة الأولى﴾ موضع ذلك، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها. وقال ابن عطية: قدر قوم إلّ بسوى، وضعف ذلك الطبري وقدرها ببعد، وليس تضعيفه بصحيح، بل يصح المعنى بسوى ويتسق. وأما معنى الآية، فتبين أنه نفى عنهم ذوق الموت، وأنه لا ينالهم من ذلك غير ما تقدم في الدنيا. وقرأ أبو حيوة: ﴿ووقاهم﴾، مشدداً بالقاف، والضمير في ﴿يسرناه﴾ عائد على القرآن؛ و﴿بلسانك﴾: بلغتك، وهي لغة لعرب. ٤١٠ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ شُورَةُ الجَائِيَّةِ آياتها ترتيبها ٤٥ ◌ِلَهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ ريس حَمّ ◌َاتَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ ﴿ إِنَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ ٤ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبْتُ مِنْ دَابَةٍ ◌َتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ( السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِءَايَتٌ لِّقَوْمِ يَعْقِلُونَ ﴾َّ تِلْكَءَايَتُ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاءٍ أَثِمٍ اَللَّهِنَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِ فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ- يُؤْمِنُونَ ﴾ ٧ يَسْمَعُ ءَتِ اٌلَّهِتُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّيُصِرُ مُسْتَكْبِرًا كَن ◌َّْتَسْمَعْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيِ ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ مِن وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِى عَنْهُمْ مَّا ءَايَتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُوَا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌّ ل هَذَا هُدَّىٌّ وَالَّذِينَ ١٠ كَبُواْ شَيْئًا وَلَا مَا الَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلَكُ كَفَرُواإِنَايَتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِجْزِأَلِيهُ ( وَسَخََّلَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِنَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْنَشْكُرُونَ ج قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُ واْ لِلَّذِينَ لَا جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [® ط./٠ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ١٤ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ وَلَقَدْءَانَيْنَا بَنِي إِسْرَّهِ يلَ اُلْكِتَبَ وَالْحُكْرَ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ وَالنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ الطَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَءَاتَيْنَهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا أَخْتَلَفُوْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَرًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٤١١ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ ثُمَ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَّبِعُهَا اٌلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٣) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ ﴿هَذَا بَصَّبِرُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّبِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ أَفَرَءَيْتَ مَنِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ اَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً فَمَنْ ﴿ وَ قَالُواْمَا هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٢٣ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ٢٤ الذَّهْرُ وَمَالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ قُلِ اَللَّهُ يُحْبِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمٍ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْبِتَابَبِنَآ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ اٌلْقِيَمَةِ لَأَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴿ وَتَرَى كُلّ أُمَّةٍ جَائِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْ عَّ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَتُجْزَوْنَ مَا ٢٩ كُ تَعْمَلُونَ ﴿هَذَاكِنَبُنَ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّاكُنَا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُهُمْ فِى رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْمُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْفَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُمْ قَوْمَا تُجْرِمِينَ ﴿ وَإِذَا ٣٠ قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اُلَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَهَا قُلْتُم مَّانَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنًا وَمَا نَحْنُ وَقِيلَ الْيَوْمَ ٣٣ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴿ وَبَدَالَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِ يَسْتَهْزِءُونَ نَفْسَنَكُمْ كَنَسِيْتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُوَمَا لَكُ مِّن نَّصِرِينَ ٣٤ ذَلِّكُمْ بِأَنَّكُاْتَّخَذْ تُمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَأَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ [٢٥] فَلَّهِ ٤١٢ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ الْحَمْدُرَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِ اُلْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٣٧ ﴿حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم یعقلون، تلك آيات الله نتلوها علیك بالحق فیأي حدیث بعد الله وآیاته یؤمنون، ویل لکل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم، وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين، من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم، هذا هدَّى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم، الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون، من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون، ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين، وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾. هذه السورة مكية، قال ابن عطية: بلا خلاف، وذكر الماوردي: ﴿إلا قل للذين آمنوا يغفروا﴾ الآية، فمدنية نزلت في عمر بن الخطاب. قال ابن عباس، وقتادة، وقال النحاس، والمهدوي، عن ابن عباس: نزلت في عمر: شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به، فنزلت. ومناسبة أولها لآخر ما قبلها في غاية الوضوح. قال: ﴿فإنما يسرناه بلسانك﴾(١)، وقال: ﴿حمّ تنزيل الكتاب﴾، وتقدم الكلام على ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾(٢)، أول الزمر. وقال أبو عبد الله الرازي: وقوله: ﴿العزيز الحكيم)، يجوز جعله صفة الله، فيكون ذلك حقيقة؛ ﴿وإن جعلناه﴾ صفة للكتاب، كان ذلك مجازاً؛ والحقيقة أولى من المجاز، مع أن زيادة القرب توجب الرجحان. انتهى. وهذا الذي ردّد في قوله: ﴿وإن جعلناه﴾ صفة للكتاب لا يجوز. لو كان صفة للكتاب لوليه، فكان يكون (١) سورة الدخان: ٥٨/٤٤. (٢) سورة الزمر: ١/٣٩. ٤١٣ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ التركيب: تنزيل الكتاب العزيز الحكيم من الله، لأن من الله، إما أن يكون متعلقاً بتنزيل، وتنزيل خبر لحم، أو لمبتدأ محذوف، فلا يجوز الفصل به بين الصفة والموصوف، لا يجوز أعجبني ضرب زيد سوط الفاضل؛ أو في موضع الخبر، وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل بين الصفة والموصوف أيضاً، لا يجوز ضرب زيد شديد الفاضل، والتركيب الصحيح في نحو هذا أن يلي الصفة موصوفها. ﴿إن في السموات والأرض﴾، احتمل أن يريد: في خلق السموات، كقوله: ﴿وفي خلقكم﴾، والظاهر أنه لا يراد التخصيص بالخلق، بل في السموات والأرض على الإطلاق والعموم، أي في أي شيء نظرت منهما من خلق وغيره، من تسخير وتنوير وغيرهما، ﴿لآيات﴾: لم يأت بالآيات مفصلة، بل أتى بها مجملة، إحالة على غوامض يثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع. وجعلها ﴿للمؤمنين﴾، إذ في ضمن الإيمان العقل والتصديق. ﴿وما يبث من دابة﴾، أي في غير جنسكم، وهو معطوف على: ﴿وفي خلقكم). ومن أجاز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، أجاز في ﴿وما يبث﴾ أن يكون معطوفاً على الضمير ﴿وفي خلقكم﴾، وهو مذهب الكوفيين، ويونس، والأخفش؛ وهو الصحيح، واختاره الأستاذ أبو علي الشلوبين. وقال الزمخشري: يقبح العطف عليه، وهذا تفريع على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، قال: وكذلك أن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد. انتهى. وهذا يجيزه الجرمي والزيباري في الكلام، وقال: ﴿لقوم يوقنون): وهم الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين. ﴿واختلاف الليل والنهار): تقدم الكلام على نظيره في سورة البقرة. وقرأ الجمهور: آيات، جمعاً بالرفع فيهما؛ والأعمش، والجحدري، وحمزة، والكسائي، ويعقوب: بالنصب فيهما؛ وزيد بن علي؛ برفعهما على التوحيد. وقرأ أبي، وعبد الله: لآيات فيهما، كالأولى. فأما: ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ رفعاً ونصباً، فاستدل به وشبهه مما جاء في كلام الأخفش، ومن أخذ بمذهبه على عطف معمولي عاملين بالواو، وهي مسألة فيها أربعة مذاهب، ذكرناها في (كتاب التذييل والتكميل لشرح التسهيل). فأما ما يخص هذه الآية، فمن نصب آيات بالواو عطفت، واختلاف على المجرور بفي قبله وهو: ﴿وفي خلقكم وما يبث﴾، وعطف آيات على آيات، ومن رفع فكذلك، والعاملان أولاهما إن وفي، وثانيهما الابتداء وفي. وقال الزمخشري: أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر، واختلاف الليل والنهار والنصب في آيات، وإذا رفعت والعاملان الابتداء، وفي عملت ٤١٤ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ الرفع للواو ليس بصحيح، لأن الصحيح من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل؛ ومن منع العطف على مذهب الأخفش، أضمر حرف الجر فقدر. وفي اختلاف، فالعمل للحرف مضمراً، ونابت الواو مناب عامل واحد؛ ويدل على أن في مقدرة قراءة عبد الله: وفي اختلاف، مصرحاً وحسن حذف في تقدمها في قوله: ﴿وفي خلقكم﴾؛ وخرج أيضاً النصب في آيات على التوكيد لآيات المتقدمة، ولإضمار حرف في وقرىء واختلاف بالرفع على خبر مبتدأ محذوف، أي هي آيات ولإضمار حرف أيضاً. وقرأ: واختلاف الليل والنهار آية بالرفع في اختلاف، وفي آية موحدة؛ وكذلك ﴿وما يبث من دابة﴾. وقرأ زيد بن علي، وطلحة، وعيسى: ﴿وتصريف الرياح﴾. وقال الزمخشري: والمعنى أن المنصفين من العباد، إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقروا. فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس. فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت، كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم. وقال أبو عبد الله الرازي: ذكر في البقرة ثمانية دلائل، وهنا ستة؛ لم يذكر الفلك والسحاب، والسبب في ذلك أن مدار الحركة للفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح؛ وهناك جعل مقطع الثمانية واحداً، وهنا رتبها على مقاطع ثلاثة: يؤمنون، يوقنون، يعقلون. قال: وأظن سبب هذا الترتيب: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾(١)، فافهموا هذه الدلائل؛ فإن لم تكونوا مؤمنين ولا موقنين، فلا أقل أن تكونوا من العاقلين، فاجتهدوا. وقال هناك: ﴿إِن في خلق السموات﴾(٢)، وهنا: ﴿في السموات﴾، فدل على أن الخلق غير المخلوق، وهو الصحيح عند أصحابنا، ولا تفارق بين أن يقال: في السموات، وفي خلق السموات. انتهى، وفيه تلخيص وتقديم وتأخير. ﴿تلك آيات الله﴾: أي تلك الآيات، وهي الدلائل المذكورة؛ ﴿نتلوها﴾: أي نسردها عليك ملتبسة بالحق، ونتلوها في موضع الحال، أي متلوة. قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة ونحوه، وهذا بعلي شيخاً. انتهى، وليس نحوه، (١) سورة البقرة: ٩١/٢، وفي وغيرها من الآيات. (٢) سورة البقرة: ١٦٤/٢، وفي غيرها من الآيات، ٤١٥ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ لأن في وهذا حرف تنبيه. وقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه، أي تنبه. وأما تلك، فليس فيها حرف تنبيه عاملاً بما فيه من معنى التنبيه، لأن الحرف قد يعمل في الحال: تنبه لزيد في حال شيخه وفي حال قيامه: وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه، فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه، إن كان هناك. وقال ابن عطية: نتلوها، فيه حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة بها. ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذه المعاني، فلا يكون في نتلوها حذف مضاف. انتهى. ونتلوها معناه: يأمر الملك أن نتلوها. وقرىء: يتلوها، بياء الغيبة، عائداً على الله؛ وبالحق: بالصدق، لأن صحتها معلومة بالدلائل العقلية. ﴿فبأي حديث) الآية، فيه تقريع وتوبيخ وتهديد؛ ﴿بعد الله﴾: أي بعد حديث الله، وهو كتابه وكلامه، كقوله: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً﴾(١)؛ وقال: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾(٢)؛ أي بعد حديث الله وكلامه. وقال الضحاك: بعد توحيد الله. وقال الزمخشري: بعد الله وآياته، أي بعد آيات الله، كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون: أعجبني كرم زيد. انتهى. وهذا ليس بشيء، لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة؛ والعطف والمراد غير العطف من إخراجه إلى باب البدل، لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في : أعجبني زيد كرمه، بغير واو على البدل؛ وهذا قلب لحقائق النحو. وإنما المعنى في: أعجبني زيد وكرمه، أن ذات زيد أعجبته، وأعجبه كرمه؛ فهما إعجابان لا إعجاب واحد، وقد رددنا عليه مثل قوله هذا فيما تقدم. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، وشيبة، وقتادة، والحرميان، وأبو عمرو، وعاصم في رواية: يؤمنون، بالياء من تحت؛ والأعمش، وباقي السبعة: بتاء الخطاب؛ وطلحة: توقنون بالتاء من فوق، والقاف من الإيقان . ﴿ويل لكل أفاك أثيم﴾، قيل: نزلت في أبي جهل؛ وقيل: في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. والآية عامة فيمن كان مضاراً لدين الله؛ وأفاك أثيم، صفتا مبالغة؛ وألفاظ هذه الآية تقدم الكلام عليها. وقرأ الجمهور: علم؛ وقتادة ومطر الوراق: بضم العين وشد اللام؛ مبنياً للمفعول، أي (١) سورة الزمر: ٢٣/٣٩. (٢) سورة المرسلات: ٥٠/٧٧. ٤١٦ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ عرف. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى: ثم، في قوله: ﴿ثم يصر مستكبراً﴾؟ قلت: كمعناه في قول القائل: يرى غمرات الموت ثم يزورها وذلك بأن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار منها، وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد. فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدم عليها، بعدما رآها وعاينها، شيء يستبعد في العادة والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة القاطعة بالحق، من تليت عليه وسمعها، كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها. ﴿اتخذها هزواً﴾، ولم يقل: اتخذه، إشعاراً بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله على محمد وَليزر، خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه. وقال الزمخشري: ويحتمل ﴿وإذا علم من آياتنا شيئاً﴾، يمكن أن يتشبث به المعاند ويجعله محملاً يتسلق به على الطعن والغميزة، افترصه واتخذ آيات الله هزواً، وذلك نحو افتراص ابن الزبعري قوله عز وجل: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾(١)، ومغالطته رسول الله صل﴿ وقوله: خصمتك؛ ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء، لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية: الله والقائم المهدي يكفيها نفسي بشيء من الدنيا معلقة حيث أراد عتبة. انتهى. وعتبة جارية كان أبو العتاهية يهواها وينتسب بها. والإشارة بأولئك إلى كل أفاك، لشموله الأفاكين. حمل أولاً على لفظ كل، وأفرد على المعنى فجمع، كقوله: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾(٢). ﴿من ورائهم جهنم): أي من قدامهم، والوراء: ما توارى من خلف وأمام. ﴿ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً﴾ من الأموال في متاجرهم، ﴿ولا ما اتخذوا من دون الله﴾ من الأوثان. ﴿هذا﴾، أي القرآن، ﴿هدَّى﴾، أي بالغ في الهداية، كقولك: هذا رجل، أي كامل في الرجولية. وقرأ طلحة، وابن محيصن، وأهل مكة، وابن كثير، وحفص: ﴿أليم)، بالرفع نعتاً لعذاب؛ والحسن، وأبو جعفر، وشيبة، وعيسى، والأعمش، وباقي السبعة: بالجر نعتاً لرجز. ﴿الله الذي سخر﴾ الآية: آية اعتبار في تسخير هذا المخلوق العظيم، والسفن الجارية فيه بهذا المخلوق الحقير، وهو الإنسان. ﴿بأمره): أي بقدرته. أناب الأمر مناب (١) سورة الأنبياء: ٩٨/٢١. (٢) سورة المؤمنون: ٥٣/٢٣. ٤١٧ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ القدرة، كأنه يأمر السفن أن تجري. ﴿من فضله﴾ بالتجارة وبالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراج اللحم الطري. ﴿ما في السموات﴾ من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والهواء، والأملاك الموكلة بهذا كله. ﴿وما في الأرض﴾ من البهائم والمياه والجبال والنبات. وقرأ الجمهور: ﴿منه﴾، وابن عباس: بكسر الميم وشد النون ونصب التاء على المصدر. قال أبو حاتم: نسبة هذه القراءة إلى ابن عباس ظلم. وحكاها أبو الفتح، عن ابن عباس، وعبد الله بن عمر، والجحدري، وعبد الله بن عبيد بن عمیر، وحكاها أيضاً عن هؤلاء الأربعة صاحب اللوامح، وحكاها ابن خالويه، عن ابن عباس، وعبيد بن عمير. وقرأ سلمة بن محارب كذلك، إلا أنه ضم التاء، أي هو منة، وعنه أيضاً فتح الميم وشد النون، وهاء الكناية عائد على الله، وهو فاعل سخر على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك، أو هو منه. والمعنى، على قراءة الجمهور: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة عنده، إذ هو موجدها بقدرته وحكمته، ثم سخرها لخلقه. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون يعني منه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي جميعاً منة، وأن يكون: وما في الأرض، مبتدأ، ومنه خبره. انتهى. ولا يجوز هذان الوجهان إلا على قول الأخفش، لأن جميعاً إذ ذاك حال، والعامل فيها معنوي، وهو الجار والمجرور؛ فهو نظير: زيد قائماً في الدار، ولا يجوز على مذهب الجمهور. ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾: نزلت في صدر الإسلام. أمر المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفار، وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يصبرون لهم، قاله السدّي ومحمد بن كعب، قيل: وهي محكمة، والأكثر على أنها منسوخة بآية السيف. يغفروا، في جزمه أوجه للنحاة، تقدّمت في: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾(١) في سورة إبراهيم. ﴿لا يرجون أيام الله﴾: أي وقائعه بأعدائه ونقمته منهم. وقال مجاهد: وقيل أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز. قيل: نزلت قبل آية القتال ثم نسخ حكمها. وتقدم قول ابن عباس أنها نزلت في عمر بن الخطاب؛ قيل: سبه رجل من الكفار، فهم أن يبطش به، وقرأ الجمهور: ليجزي الله، وزيد بن عليّ، وأبو عبد الرحمن، والأعمش، وأبو علية، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالنون؛ وشيبة، وأبو جعفر: بخلاف عنه بالياء مبنياً للمفعول. وقد روي ذلك عن عاصم، وفيه حجة لمن أجاز بناء الفعل للمفعول، على أن يقام المجرور، وهو بما، (١) سورة إبراهيم: ٣١/١٤. تفسير البحر المحيط ج٩ م٢٧ ٤١٨. ٠ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ وينصب المفعول به الصريح، وهو قوماً؛ ونظيره: ضرب بسوط زيداً؛ ولا يجيز ذلك الجمهور. وخرجت هذه القراءة على أن يكون بنى الفعل للمصدر، أي وليجزي الجزاء قوماً. وهذا أيضاً لا يجوز عند الجمهور، لكن يتأول على أن ينصب بفعل محذوف تقديره يجزي قوماً، فيكون جملتان، إحداهما: ليجزي الجزاء قوماً، والأخرى: يجزيه قوماً؛ وقوماً هنا يعني به الغافرين، ونكره على معنى التعظيم لشأنهم، كأنه قيل: قوماً، أي قوم من شأنهم التجاوز عن السيئات والصفح عن المؤذيات وتحمل الوحشة. وقيل: هم الذين لا يرجون أيام الله، أي بما كانوا يكسبون من الإثم، كأنه قيل: لم تكافئوهم أنتم حتى نکافئهم نحن. ﴿من عمل صالحاً﴾ كهؤلاء الغافرين، ﴿ومن أساء﴾ كهؤلاء الكفار، وأتى باللام في فلنفسه، لأن المحاب والحظوظ تستعمل فيها على الدالة على العلو والقهر، كما تقول: الأمور لزيد متأتية وعلى عمرو مستصعبة. والكتاب: التوراة، والحكم: القضاء، وفصل الأمور لأن الملك كان فيهم. قيل: والحكم: الفقه. ويقال: لم يتسع فقه الأحكام على نبي، كما اتسع على لسان موسى من الطيبات المستلذات الحلال، وبذلك تتم النعمة، وذلك المن والسلوى وطيبات الشام، إذ هي الأرض المباركة. بينات: أي دلائل واضحة من الأمر، أي من الوحي الذي فصلت به الأمور. وعن ابن عباس: من الأمر، أي من أمر النبي ◌َّة، وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب. وقيل معجزات موسى. ﴿فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم﴾: تقدم تفسيره في الشورى. ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين، هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون. أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون، وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتُجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. قل الله یحییکم ثم یمیتکم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فیه ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. : ٤١٩ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ لما ذكر تعالى إنعامه على بني إسرائيل واختلافهم بعد ذلك، ذكر حال نبيه عليه الصلاة والسلام وما منّ به عليه من اصطفائه فقال: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء﴾. قال قتادة: الشريعة: الأمر، والنهي، والحدود، والفرائض. وقال مقاتل: البينة، لأنها طريق إلى الحق. وقال الكلبي: السنة، لأنه كان يستن بطريقة من قبله من الأنبياء. وقال ابن زيد: الدّين، لأنه طريق إلى النجاة. والشريعة في كلام العرب: الموضع الذي يرد فيه الناس في الأنهار والمياه، ومنه قول الشاعر: رب الثياب خفي الشخص منسرب وفي الشرائع من جيلان مقتنص فشريعة الدّين من ذلك، من حيث يرد الناس أمر الله ورحمته والقرب منه، من الأمور التي من دين الله الذي بعثه في عباده في الزمان السالف؛ أو يكون مصدر أمر، أي من الأمر والنهي، وسمي النهي أمراً. ﴿أهواء الذين لا يعلمون﴾، قيل: جهال قريظة والنضير. وقيل: رؤساء قريش، حين قالوا: أرجع إلى دين آبائك. ﴿هذا بصائر): أي هذا القرآن؛ جعل ما نافية من معالم الدين، بصائر للقلوب، كما جعل روحاً وحياة. وقرىء: هذى، أي هذه الآيات. ﴿أم حسب﴾: أم منقطعة تتقدر ببل والهمزة، وهو استفهام إنكار. وقال الكلبي: نزلت في عليّ، وحمزة، وعبيدة بن الحرث، وفي عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة. قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولئن كان ما تقولون حقاً، لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة؛ كما هو أفضل في الدنيا. واجترحوا: اكتسبوا، والسيئات: هنا سيئات الكفر؛ ونجعلهم: نصيرهم، والمفعول الثاني هو كالذين، وبه تمام المعنى. وقرأ الجمهور: سواء بالرفع، ومماتهم بالرفع أيضاً؛ وأعربوا سواء: مبتدأ، وخبره ما بعده، ولا مسوغ لجواز الابتداء به، بل هو خبر مقدم، وما بعده المبتدأ. والجملة خبر مستأنف؛ واحتمل الضمير في ﴿محياهم ومماتهم﴾ أن يعود على ﴿الذين اجترحوا﴾، أخبر أن حالهم في الزمانين سواء، وأن يعود على المجترحين والصالحين بمعنى: أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء في إهانتهم عند الله وعدم كرامتهم عليه، ويكون اللفظ قد لف هذا المعنى، وذهن السامع يفرقه، إذ قد تقدم إبعاد الله أن يجعل هؤلاء كهؤلاء. قال أبو الدرداء: يبعث الناس على ما ماتوا عليه. وقال مجاهد: المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً . وقال ابن عطية: مقتضى هذا الكلام أنه لفظ الآية؛ ويظهر لي أن قوله: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾ داخل في المحسنة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول أيضاً ٠ ٠ .. ٤٢٠ سورة الجاثية / الآيات: ١ - ٣٧ أجود. انتهى. ولم يبين كيفية تشبث الجملة بما قبلها حتى يدخل في المحسنة. وقال الزمخشري: والجملة التي هي: سواء محياهم ومماتهم، بدل من الكاف، لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً؛ فكانت في حكم المفرد. ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديداً؟ كما تقول: ظننت زيد أبوه منطلق. انتهى. وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري، من إبدال الجملة من المفرد، قد أجازه أبو الفتح، واختاره ابن مالك، وأورد على ذلك شواهد على زعمه، ولا يتعين فيها البدل. وقال بعض أصحابنا، وهو الإمام العالم ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عليّ الإشبيلي، ويعرف بابن العلج، وكان ممن أقام باليمن وصنف بها، قال في كتابه (البسيط في النحو): ولا يصح أن يكون جملة معمولة للأول في موضع البدل، كما كان في النعت، لأنها تقدر تقدير المشتق تقدير الجامد، فيكون بدلاً، فيجتمع فيه تجوز أن، ولأن البدل يعمل فيه العامل الأول، فيصح أن يكون فاعلاً، والجملة لا تكون في موضع الفاعل بغير سائغ، لأنها لا تضمر، فإن كانت غير معمولة، فهل تكون جملة؟ لا يبعد عندي جوازها، كما يتبع في العطف الجملة للجملة، ولتأكيد الجملة التأكيد اللفظي. انتهى. وتبين من كلام هذا الإمام، أنه لا يجوز أن تكون الجملة بدلاً من المفرد، وأما تجويز الزمخشري أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم، فيظهر لي أنه لا يجوز؛ لأنها بمعنى التصيير. لا يجوز صيرت زيداً أبوه قائم، ولا صيرت زيداً غلامه منطلق، لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات، أو من وصف في الذات إلى وصف فيها. وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً، ليس فيها انتقال مما ذكرنا، فلا يجوز والذي يظهر لي أنه إذا قلنا بتشبث الجملة بما قبلها، أن تكون الجملة في موضع الحال، والتقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء محياهم ومماتهم؟ ليسوا كذلك، بل هم مفترقون، أي افتراق في الحالتين، وتكون هذه الحال مبينة ما انبهم في المثلية الدال عليها الكاف، التي هي في موضع المفعول الثاني. وقرأ زيد بن علي، وحمزة، والكسائي، وحفص: سواء بالنصب، وما بعده مرفوع على الفاعلية، أجرى سواء مجرى مستوياً، كما قالوا: مررت برجل سواء هو والعدم. وجوز في انتصاب سواء وجهين: أحدهما: أن يكون منصوباً على الحال، وكالذين المفعول الثاني، والعكس. وقرأ الأعمش: سواء بالنصب، محياهم ومماتهم بالنصب أيضاً، وخرج على أن يكون محياهم ومماتهم ظرفي زمان، والعامل، إما أن نجعلهم، وإما سواء، وانتصب على البدل من