النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
مخلدون﴾(١)، ﴿ويطوف عليهم غلمان لهم﴾(٢)، ولعلهم من مات من أولاد المشركين قبل
التكليف. ففي صحيح البخاري أنهم خدم أهل الجنة. والكأس: ما كان من الزجاجة فيه
خمر أو نحوه من الأنبذة، ولا يسمى كأساً إلا وفيه ذلك. وقد سمى الخمر نفسها كأساً،
تسمية للشيء باسم محله، قال الشاعر:
وأخرى تداويت منها بها
وكأس شربت على لذة
وقال ابن عباس، والضحاك، والأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر. وقيل: الكأس
هيئة مخصوصة في الأواني، وهو كل ما اتسع فمه ولم يكن له مقبض، ولا يراعى كونه
لخمر أو لا. ﴿من معين): أي من شراب معين، أو من ثمد معين، وهو الجاري على وجه
الأرض كما يجري الماء. و﴿بيضاء﴾: صفة للكأس أو للخمر. وقال الحسن: خمر الجنة
أشد بياضاً من اللبن. وفي قراءة عبد الله: صفراء، كما قال بعض المولدين:
لومسها حجر مسته سراء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
و﴿لذة﴾: صفة بالمصدر على سبيل المبالغة، أو على حذف، أي ذات لذة، أو على تأنيث
لذ بمعنى لذيذ. ﴿لا فيها غول﴾، قال ابن عباس، وقتادة: هو صداع في الرأس. وقال ابن
عباس أيضاً، ومجاهد، وابن زيد: وجع في البطن. انتهى. والاسم يشمل أنواع الفساد
الناشئة عن شرب الخمر، فينتفي جميعها من مغص، وصداع، وخمار، وعربدة، ولغو،
وتأثيم، ونحو ذلك. ولما كان السكر أعظم مفاسدها، أفرده بالذكر فقال؛ ﴿ولا هم عنها
ينزفون﴾. وقرأ الحرميان، والعربيان: بضم الياء وفتح الزاي هنا، وفي الواقعة: وبذهاب
العقل، فسره ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وحمزة، والكسائي: بكسرها فيهما؛ وعاصم:
بفتحها هنا وكسرها في الواقعة؛ وابن أبي إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي؛ وطلحة: بفتح
الياء وضم الزاي. قال ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد: ﴿قاصرات الطرف﴾: قصرن
الطرف على أزواجهن، لا يمتد طرفهن إلى أجنبي بقوله تعالى: ﴿عُرُباً﴾(٣)، وقال
الشاعر:
من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الخد منها لأثرا
والعين: جمع عيناء، وهي الواسعة العين في جمال. ﴿كأنهن بيض مكنون﴾: شبههن،
(١) سورة الإنسان: ١٩/٧٦.
(٢) سورة الطور: ٢٤/٥٢.
(٣) سورة الواقعة: ٣٧/٥٦.

١٠٢
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
قال الجمهور: ببيض النعام المكنون في عشه، وهو الأدحية ولونها بياض به صفرة حسنة،
وبها تشبه النساء فقال:
مضيئات الخدود
ومنه قول امرىء القيس :
تمتعت من لهو بها غير معجل
وبيضة خدر لا يرام خباؤها
غذاها نمير الماء غير المحلل
كبكر مغاناة البياض بصفرة
وقال السدي، وابن جبير: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة الداخل، وهو غرقىء
البيضة، وهو المكنون في كن، ورجحه الطبري وقال: وأما خارج قشر البيضة فليس
بمكنون. وعن ابن عباس، البيض المكنون: الجوهر المصون، واللفظ ينبو عن هذا
القول. وقالت فرقة: هو تشبيه عام جملة المرأة بجملة البيضة، أراد بذلك تناسب أجزاء
المرأة، وأن كل جزء منها نسبته في الجودة إلى نوعه نسبة الآخر من أجزائها إلى نوعه؛
فنسبة شعرها إلى عينها مستوية، إذ هما غاية في نوعها، والبيضة أشد الأشياء تناسب
أجزاء، لأنها من حيث حسنها في النظر واحد، كما قال بعض الأدباء يتغزل:
بهن اختلافاً بل أتين على قدر
تناسبت الأعضاء فيه فلاترى
وتساؤلهم في الجنة سؤال راحة وتنعم، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا والإيمان وثمرته.
و﴿فأقبل﴾: معطوف على ﴿يطاف عليهم﴾، والمعنى: يشربون فيتحدثون على الشراب،
كعادة الشراب في الدنيا.
قال الشاعر:
ـا بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام
وجيء به ماضياً لصدق الإخبار به، فكأنه قد وقع. ثم حكى تعالى عن بعضهم ما حكى،
يتذكر بذلك نعمه تعالى عليه، حيث هداه إلى الإيمان واعتقاد وقوع البعث والثواب
والعقاب، وهو مثال للتحفظ من قرناء السوء والبعد منهم. قال ابن عباس وغيره: كان هذا
القائل وقرينه من البشر. وقالت فرقة: هما اللذان في قوله: ﴿ليتني لم أتخذ فلاناً
خليلاً﴾(١). وقال مجاهد: كان إنسياً وجنياً من الشياطين الكفرة. وقرأ الجمهور: ﴿من
(١) سورة الفرقان: ٢٨/٢٥.

١٠٣
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
المصدقين﴾، بتخفيف الصاد، من التصديق؛ وفرقة: بشدها، من التصدق. قال قرة بن
ثعلبة النهراني: كانا شريكين بثمانية آلاف درهم، يعبد الله أحدهما، ويقصر في التجارة
والنظر؛ والآخر كان مقبلاً على ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، فكلما اشترى داراً أو
جارية أو بستاناً ونحوه، عرضه على المؤمن وفخر عليه، فيتصدق المؤمن بنحو من ذلك
ليشتري به في الجنة، فكان من أمرهما في الآخرة ما قصه الله. وقال الزمخشري: نزلت
في رجل تصدق بماله لوجه الله، فاحتاج، فاستجدى بعض إخوانه، فقال: وأين مالك؟
فقال: تصدقت به ليعوضني الله في الآخرة خيراً منه، فقال: ﴿أثنك لمن المصدقين﴾ بيوم
الدين، أو من المتصدقين لطلب الثواب؟ والله لا أعطيك شيئاً.
﴿أئنا لمدينون﴾، قال ابن عباس، وقتادة والسدي: لمجازون محاسبون؛ وقيل:
لمسوسون مديونون. يقال: دانه: ساسه، ومنه الحديث: ((العاقل من دان نفسه)). والظاهر
أن الضمير في ﴿قال هل أنتم﴾ عائد على قائل في قوله: ﴿قال قائل﴾. قيل: وفي الكلام
حذف تقديره: فقال لهذا القائل حاضروه من الملائكة: إن قرينك هذا في جهنم يعذب،
فقال عند ذلك: ﴿هل أنتم مطلعون﴾. والخطاب في ﴿هل أنتم مطلعون﴾ يجوز أن يكون
للملائكة، وأن يكون لرفقائه في الجنة الذين كان هو وإياهم يتساءلون، أو لخدمته، وهذا
هو الظاهر. لما كان قرينه ينكر البعث، علم أنه في النار فقال: ﴿هل أنتم مطلعون﴾ إلى
النار لأريكم ذلك القرين؟ وعلى هذا القول لا يحتاج الكلام إلى حذف، ولا لقول
الملائكة: إن قرينك في جهنم يعذب. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل
النار. وقيل: القائل ﴿هل أنتم مطلعون﴾ الله تعالى. وقيل: بعض الملائكة يقول لأهل
الجنة: بل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. وقرأ الجمهور:
﴿مطلعون﴾، بتشديد الطاء المفتوحة وفتح النون، واطلع بشد الطاء فعلاً ماضياً. وقرأ أبو
عمرو في رواية حسين الجعفي: مطلعون، بإسكان الطاء وفتح النون، فأطلع بضم الهمزة
وسكون الطاء وكسر اللام فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، وهي قراءة ابن عباس وابن محيصن
وعمار بن أبي عمار وأبي سراج. وقرىء: فأطلع، مشدداً مضارعاً منصوباً على جواب
الاستفهام. وقرىء: مطلعون، بالتخفيف، فاطلع مخففاً فعلًا ماضياً، وفأطلع مخففاً
مضارعاً منصوباً. وقرأ أبو البرهسم، وعماربن أبي عمار فيما ذكره خلف عن عمار:
مطلعون، بتخفيف الطاء وكسر النون، فاطلع ماضياً مبنياً للمفعول؛ ورد هذه القراءة أبو
حاتم وغيره. لجمعها بين نون الجمع وياء المتكلم. والوجه مطلعي، كما قال، أو مخرجي

١٠٤
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
هم، ووجهها أبو الفتح على تنزيل اسم الفاعل منزلة المضارع، وأنشد الطبري على هذا
قول الشاعر:
وما أدري وظني كل ظن أمسلمني إلى قومي شراحي
قال الفراء: يريد شراحيل. وقال الزمخشري: يريد مطلعون إياي، فوضع المتصل
موضع المنفصل كقوله :
هم الفاعلون الخير والآمرونه
أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كأنه قال: تطلعون، وهو ضعيف
لا يقع إلا في الشعر. انتهى. والتخريج الثاني تخريخ أبي الفتح، وتخريجه الأول
لا يجوز، لأنه ليس من مواضع الضمير المنفصل، فيكون المتصل وضع موضعه، لا يجوز
هند زيد ضارب إياها، ولا زيد ضارب إياي، وكلام الزمخشري يدل على جوازه، فالأولى
تخريج أبي الفتح، وقد جاء منه:
أمسلمني إلى قومي شراحي
وقول الآخر:
وليس حاملني إلا ابن خَمال
فهل فتى من سراة القوم يحملني
وقال الآخر:
ولیس بمعييني
فهذه أبيات ثبت التنوين فيها مع ياء المتكلم، فكذلك ثبتت نون الجمع معها إجراء
للنون مجرى التنوين، لاجتماعهما في السقوط للإضافة. ويقال: طلع علينا فلان واطلع
بمعنى واحد. ومن قرأ: فاطلع مبنياً للمفعول، فضميره القائل الذي هو المفعول الذي لم
يسم فاعله، وهو متعد بالهمزة، إذ يقول: طلع زيد وأطلعه غيره. وقال صاحب اللوامح:
طلع واطلع، إذا بدا وظهر؛ واطلع اطلاعاً، إذا أقبل وجاء مبنياً، ومعنى ذلك: هل أنتم
مقبلون؟ فأقبل. وإن أقيم المصدر فيه مقام الفاعل بتقديره فاطلع الاطلاع، أو حرف الجر
المحذوف، أي فاطلع به، لأنه اطلع لازم، كما أن أقبل كذلك. انتهى. وقد ذكرنا أن أطلع
عدى بالهمزة من طلع اللازم، وأما قوله: أو حرف الجر المحذوف، أي فاطلع به، فهذا
لا يجوز، لأن مفعول ما لم يسم فاعله لا يجوز حذفه، لأنه نائب عن الفاعل. فكما أن

١٠٥
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
الفاعل لا يجوز حذفه دون عامله، فكذلك هذا. لو قلت: زيد ممدود أو مغضوب، تريد به
أو عليه، لم يجز. و﴿سواء الجحيم﴾: وسطها، تقول: تعبت حتى انقطع سوائي. قال ابن
عباس: سمي سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب، يعني سواء الجحيم.
وقال خليل العصري: رآه: تبدلت حاله، فلولا ما عرفه الله به لم يعرفه، قال له عند
ذلك: ﴿تالله إن كدت لتردين﴾: أي لتهلكني بإغوائك. وإن مخففة من الثقيلة، يلقي بها
القسم؛ وتالله قسم فيه التعجب من سلامته منه إذا كان قرينه قارب أن يرديه. ﴿ولولا نعمة
ربي﴾: وهي توفيقه للإيمان والبعد من قرين السوء، ﴿لكنت من المحضرين﴾ للعذاب،
كما أحضرته أنت. ﴿أفما نحن بميتين﴾، قرأ زيد بن عليّ: بمائتين، والظاهر أنه من كلام
القائل: يسمع قرينه على جهة التوبيخ له، أي لسنا أهل الجنة بميتين، لكن الموتة الأولى
كانت لنا في الدنيا، بخلاف أهل النار، فإنهم في كل ساعة يتمنون فيها الموت.
﴿وما نحن بمعذبين﴾، كحال أهل النار، بل نحن منعمون دائماً. ويكون في خطابه
ذلك منكلاً له،مقرعاً محزناً له بما أنعم الله به عليه من دخول الجنة ،معلماً له بتباين حاله في
الآخرة بحاله. كما كانتا تتباينان في الدنيا من أنه ليس بعد الموت جزاء ظهر له خلافه،
يعذب بكفره بالله وإنكار البعث. ويجوز أن يكون خطاباً من القائل لرفقائه، لما رأى ما نزل
بقرينه، وقفهم على نعمه تعالى في ديمومة خلودهم في الجنة ونعيمهم فيها. ويتصل قوله:
﴿إن هذا﴾ إلى قوله: ﴿العاملون﴾ بهذا التأويل أيضاً، لا واضحاً خطاباً لرفقائه. ويجوز
أن يكون تم كلامه عند قوله: ﴿لتردين﴾،ويكون ﴿أفما نحن﴾ إلى ﴿بمعذبين) من كلامه
وكلام رفقائه، وكذلك ﴿إن هذا﴾ إلى ﴿العاملون﴾: أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه من
النعيم والنجاة من النار. وقيل: هو من قول الله تعالى، تقريراً لقولهم وتصديقاً له وخطاباً
لرسول الله وأمّته، ويقوي هذا قوله: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾، والآخرة ليست بدار
عمل، ولا يناسب ذلك قول المؤمن في الآخرة إلا على تجوز، كأنه يقول: لمثل هذا ينبغي
أن يعمل العاملون. وقال الزمخشري: الذي عطف عليه الفاء محذوف معناه: أنحن
مخلدون؟ أي منعمون، فما نحن بميتين ولا معذبين. انتهى. وتقدم من مذهبه أنه إذا
تقدمت همزة الاستفهام، وجاء بعدها حرف العطف بضمير ما، يصح به إقرار الهمزة
والحرف في محليهما اللذين وقعا فيهما، ومذهب الجماعة أن حرف العطف هو المقدم في
التقدير، والهمزة بعده، ولكنه لما كانت الهمزة لها صدر الكلام قدمت، فالتقدير عند
الجماعة. فأما وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة، وتقدم الكلام معه في ذلك.

١٠٦
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم، إنا جعلناها فتنة للظالمين، إنها شجرة تخرج في
أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، ثم
إن لهم عليها لشوباً من حميم، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم، إنهم ألفوا آباءهم ضالين،
فهم على آثارهم يهرعون، ولقد ضلّ قبلهم أكثر الأولين، ولقد أرسلنا فيهم منذرين،
فانظر كيف كان عاقبة المنذرين، إلا عباد الله المخلصين، ولقد نادانا نوح فلنعم المجیبون،
ونجيناه وأهله من الكرب العظيم، وجعلنا ذريته هم الباقين، وتركنا عليه في الآخرين،
سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ثم
أغرقنا الآخرين﴾.
لما انقضت قصة المؤمن وقرينه، وكان ذلك على سبيل الاستطراد من شيء إلى
شيء، عاد إلى ذكر الجنة والرزق الذي أعده الله فيها لأهلها فقال: أذلك الرزق ﴿خير
نزلاً﴾؟ والنزول ما يعد للأضياف، وعادل بين ذلك الرزق وبين ﴿شجرة الزقوم﴾ .
فلاستواء الرزق المعلوم يحصل به اللذة والسرور، وشجرة الزقوم يحصل بها الألم والغم،
فلا اشتراك بينهما في الخيرية. والمراد تقرير قريش والكفار وتوقيفهم على شيئين، أحدهما
فاسد. ولو كان الكلام استفهاماً حقيقة لم يجز، إذ لا يتوهم أحد أن في شجرة الزقوم خيراً
حتى يعادل بينهما وبين رزق الجنة. ولكن المؤمن، لما اختار ما أدّى إلى رزق الجنة،
والكافر اختار ما أدّى إلى شجرة الزقوم، قيل ذلك توبيخاً للكافرين وتوقيفاً على سوء
اختيارهم. ﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين﴾، قال قتادة، ومجاهد، والسدي: أبو جهل
ونظراؤه، لما نزلت قال للكفار، يخبر محمد عن النار أنها تنبت الأشجار، وهي تأكلها
وتذهبها، ففتنوا بذلك أنفسهم وجملة أتباعهم. وقال أبو جهل: إنما الزقوم: التمر بالزبد،
ونحن نتزقمه. وقيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. واستعير الطلع،
وهي النخلة، لما تحمل هذه الشجرة، وشبه طلعها بثمر شجرة معروفة يقال لثمرها رؤوس
الشياطين، وهي بناحية اليمن يقال لها الاستن، وذكرها النابغة في قوله:
مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما
تحيد من استن سود أسافله
وهو شجر خشن مر منكر الصورة، سمت ثمره العرب بذلك تشبهاً برؤوس
الشياطين، ثم صار أصلاً يشبه به. وقيل: هو شجرة يقال لها الصوم، ذكرها ساعدة بن
حوبة الهذلي في قوله:

١٠٧
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
موكل بشدوف الصوم يرقبها من المناظر مخطوف الحشازرم
وقيل: الشياطين صنف من الحيات ذوات أعراف، ومنه:
عجيز تحلف حين أحلف
كمثل شيطان الحماط أعرف
وقيل: شبه بما اشتهر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها، وإن كانت غير
مرئية، ولذلك يصورون الشيطان في أقبح الصور. وإذا رأوا أشعث منتفش الشعر قالوا:
كأنه وجه شيطان، وكأن رأسه رأس شيطان، وهذه بخلاف الملك، يشبهون به الصورة
الحسنة. وكما شبه امرؤ القيس المسنونة الزرق بأنياب الغول في قوله:
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وإن كان لم يشاهد تلك الأنياب، وهذا كله تشبيه تخييلي. والضمير في منها يعود
على الشجرة، أي من طلعها. وقرأ الجمهور: ﴿الشوباً﴾ بفتح الشين؛ وشيبان النحوي:
بضمها. وقال الزجاج: الفتح للمصدر والضم للاسم، يعني أنه فعل بمعنى مفعول، أي
مشوب، كالنقص بمعنى المنقوص. وفسر بالخلط والحميم الماء السخن جداً، وقيل: يراد
به هنا شرابهم الذي هو طينة الخبال صديدهم وما ساح منهم. ولما ذكر أنهم يملّاون
بطونهم من شجرة الزقوم للجوع الذي يلحقهم، أو لإكراههم على الأكل وملء البطون زيادة
في عذابهم، ذكر ما يسقون لغلبة العطش، وهو ما يمزج لهم من الحميم. ولما كان الأكل
يعتقبه ملء البطن، كان العطف بالفاء في قوله. ﴿فمالئون﴾. ولما كان الشرب يكثر
تراخيه عن الأكل، أتى بلفظ ثم المقتضية المهلة، أو لما امتلأت بطونهم من ثمرة الشجرة،
وهو حار، أحرق بطونهم وعطشهم، فأخر سقيهم زماناً ليزدادوا بالعطش عذاباً إلى
عذابهم، ثم سقوا ما هو أحر وآلم وأكره.
﴿ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾: لما ذهب بهم من منازلهم التي أسكنوها في النار
إلى شجرة الزقوم للأكل والتملؤ منها والسقي من الحميم ونواحي رجوعهم إلى منازلهم،
دخلت ثم للدلالة على ذلك، والرجوع دليل على الانتقال في وقت الأكل والشرب إلى مكان
غير مكانهما، ثم ذكر تعالى حالهم في تقليد آبائهم. والضمير لقريش، وأن ذلك التقليد
كان سبباً لاستحقاقهم تلك الشدائد، أي وجدوا آباءهم ضالين، فاتبعوهم على ضلالتهم،
مسرعين في ذلك لا يثبطهم شيء. ثم أخبر بضلال أكثر من تقدم من الأمم، هذا وما خلت
أزمانهم من إرسال الرسل، وإنذارهم عواقب التكذيب. وفي قوله: ﴿فانظر﴾ ما يقتضي

١٠٨ -
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
إهلاكهم وسوء عاقبتهم، واستثنى المخلصين من عباده، وهم الأقل المقابل لقوله: ﴿أكثر
الأولين﴾، والمعنى: إلا عباد الله، فإنهم نجوا. ولما ذكر ضلال الأولين، وذكر أولهم
شهرة، وهم قوم نوح، عليه السلام، تضمن أشياء منها: الدعاء على قومه، وسؤاله النجاة،
وطلب النصرة. وأجابه تعالى في كل ذلك إجابة بلغ بها مراده. واللام في ﴿فلنعم﴾ جواب
قسم کقوله:
يميناً لنعم السيدان وجدتما
والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: فلنعم المجيبون نحن، وجاء بصيغة الجمع
العظمة والكبرياء لقوله: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾(١) و﴿الكرب العظيم﴾، قال السدي:
الغرق، ومنه تكذيب الكفرة وركوب الماء، وهوله، وهم فصل متعين للفصلية لا يحتمل
غيره. قال ابن عباس، وقتادة: أهل الأرض كلهم من ذرية نوح. وفي الحديث: ((أنه عليه
السلام قرأ ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين) فقال: سام وحام ويافث)). وقال الطبري: العرب
من أولاد سام، والسودان من أولاد حام، والترك وغيرهم من أولاد يافث. وقالت فرقة: أبقى
الله ذرية نوح ومد في نسله، وليس الناس منحصرين في نسله، بل في الأمم من لا يرجع
إليه.
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾: أي في الباقين غابر الدهر؛ ومفعول تركنا محذوف
تقديره ثناء حسناً جميلاً في آخر الدهر، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي،
وسلام: رفع بالابتداء مستأنف، سلم الله عليه ليقتدي بذلك البشر، فلا يذكره أحد من
العالمين بسوء. سلم تعالى عليه جزاء على ما صبر طويلاً، من أقوال الكفرة وإذايتهم له .
وقال الزمخشري: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾، هذه الكلمة، وهي ﴿سلام على نوح في
العالمين﴾ يعني: يسلمون عليه تسليماً، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك:
قرأت سورة أنزلناها. انتهى. وهذا قول الفراء وغيره من الكوفيين، وهذا هو المتروك عليه،
وكأنه قال: وتركنا على نوح تسليماً يسلم به عليه إلى يوم القيامة. انتهى. وفي قراءة
عبد الله: سلاماً بالنصب، ومعنى في العالمين: ثبوت هذه التحية مثبوتة فيهم جميعاً،
مدامة عليه في الملائكة، والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. ثم علل هذه التحية بأنه كان
محسناً، ثم علل إحسانه بكونه مؤمناً، فدل على جلالة الإيمان ومحله عند الله.
(١) سورة المرسلات: ٢٣/٧٧.

١٠٩
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
أغرقنا الآخرين﴾: أي من كان مكذباً له من قومه، لما ذكر تحياته ونجاة أهله، إذ كانوا
مؤمنين، ذكر هلاك غيرهم بالغرق.
﴿وإن من شيعته لإبراهيم، إذ جاء ربه بقلب سليم، إذ قال لأبيه وقومه ماذا
تعبدون، أثفكاً آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين، فنظر نظرة في النجوم،
فقال إني سقيم، فتولوا عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون،
فراغ عليهم ضرباً باليمين، فأقبلوا إليه يزفون، قال أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما
تعملون، قالوا ابنواله بنياناً فألقوه في الجحيم، فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين﴾.
والظاهر عود الضمير في ﴿من شيعته﴾ على نوح، قاله ابن عباس، ومجاهد،
وقتادة، والسدي، أي ممن شايعه في أصول الدين والتوحيد، وان اختلفت شرائعهما، أو
اتفق أكثرهما، أو ممن شايعه في التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. وكان بين نوح
وإبراهيم ألفا سنة وستمائة وأربعون سنة، وبينهما من الأنبياء هود وصالح، عليهما السلام.
وقال الفراء: الضمير في ﴿من شيعته﴾ يعود على محمد طاهر والأعرف أن المتأخر في الزمان
هو شيعة للمتقدم، وجاء عكس ذلك في قول الكميت:
وما لي إلا آل أحمد شيعة. وما لي إلا مشعب الحقْ مشعب
جعلهم شيعة لنفسه. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق الظرف؟ قلت: بما في الشيعة
من معنى المشايعة، يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم
لإبراهيم، أو بمحذوف، وهو اذكر. انتهى. أما التخريج الأول فلا يجوز، لأن فيه الفصل
بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو قوله: ﴿لإبراهيم﴾، لأنه أجنبي من شيعته ومن إذ،
وزاد المنع، إذ قدره ممن شايعه حين جاء لإبراهيم. وأيضاً فلام التوكيد يمنع أن يعمل ما
قبلها فيما بعدها. لو قلت: إن ضارباً لقادم علينا زيداً، وتقديره: إن ضارباً زيداً لقادم علينا،
لم يجز. وأما تقديره اذكر، فهو المعهود عند المعربين. ومجيئه ربه بقلب سليم: إخلاصه
الدين لله، وسلامة قلبه: براءته من الشرك والشك والنقائص التي تعتري القلوب من الغل
والحسد والخبث والمكر والكبر ونحوها. قال عروة بن الزبير: لم يلعن شيئاً قط. وقيل:
سليم من الشرك ولا معنى للتخصيص. وأجازوا في نصب ﴿أثفكاً﴾ وجوهاً: أحدها: أن
يكون مفعولاً بتريدون، والتهديد لأمته، وهو استفهام تقرير، ولم يذكر ابن عطية غير هذا
الوجه، وذكره الزمخشري قال: فسر الإفك بقوله: آلهة من دون الله، على أنها إفك في

١١٠-
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
أنفسهم. والثاني: أن يكون مفعولاً من أجله، أي تريدون آلهة من دون الله إفكاً، وآلهة مفعول
به، وقدمه عناية به، وقدم المفعول له علی المفعول به، لأنه کان الأهم عنده أن یکافحهم بأنهم
على إفك وباطل في شركهم، وبدأ بهذا الوجه الزمخشري. والثالث: أن يكون حالاً، أي
أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ قاله الزمخشري،وجعل المصدر حالاً لا يطرد إلا مع أما في
نحو: أما علماً فعالم.
﴿فما ظنكم برب العالمين): استفهام توبيخ وتحذير وتوعد، أي: أي شيء ظنكم بمن
هو يستحق لأن تعبدوه، إذ هورب العالمين حتى تركتم عبادته وعدلتم به الأصنام؟ أي : أيّ شيء
ظنكم بفعله معکم من عقابکم، إذ قد عبدتم غيره؟ کما تقول: أسأت آل فلان، فما ظنك به أن
يوقع بك خيراً ما أسأت إليه؟ ولما وبخهم على عبادة غير الله، أراد أن يريهم أن
أصنامهم لا تنفع ولا تضر، فعهد إلى ما يجعله منفرداً بها حتى يكسرها ويبين لهم حالها
وعجزها. ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾، والظاهر أنه أراد علم الكواكب، وما يعزى إليها من
التأثيرات التي جعلها الله لها. والظاهر أن نظره كان فيها، أي في علمها، أو في كتابها
الذي اشتمل على أحوالها وأحكامها. قيل: وكانوا يعانون ذلك، فأتاهم من الجهة التي
يعانونها، وأوهمهم بأنه استدل بأمارة في علم النجوم أنه سقيم، أي يشارف السقم. قيل:
وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم إذ ذاك، وخافوا العدوى وهربوا منه إلى عيدهم،
ولذلك قال: ﴿فتولوا عنه مدبرين﴾، قال معناه ابن عباس، وتركوه في بيت الأصنام ففعل
ما فعل. وقيل: كانوا أهل رعاية وفلاحة، وكانوا يحتاجون إلى علم النجوم. وقيل: أرسل
إليهم ملكهم أن غداً عيدنا، فاحضر معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي.
وقيل: معنى ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾، أي فيما نجم إليه من أمور قومه وحاله معهم،
ومعنى: ﴿فتولوا عنه مدبرين﴾، أي لكفرهم به واحتقارهم له، وقوله: ﴿إِني سقيم﴾، من
المعاريض، عرض أنه يسقم في المآل، أي يشارف السقم. قيل: وهو الطاعون، وكان
أغلب، وفهموا منه أنه ملتبس بالسقم، وابن آدم لا بد أن يسقم، والمثل: كفى بالسلامة
داء. قال الشاعر:
ليصحني فإذا السلامة داء
فدعوت ربي بالسلامة جاهداً
ومات رجل فجأة، فاكتنف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابي:
أصحيح من الموت في عنقه؟ ﴿فراغ إلى آلهتهم﴾: أي أصنامهم التي هي في زعمهم
١

١١١
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
آلهة، كقوله: ﴿أين شركائي﴾(١)، وعرض الأكل عليها. واستفهامها عن النطق هو على
سبيل الهزء، لكونها منحطة عن رتبة عابديها، إذ هم يأكلون وينطقون. وروي أنهم كانوا
يضعون عندها طعاماً، ويعتقدون أنها تصيب منه شيئاً، وإنما يأكله خدمتها. ﴿فراغ عليهم
ضرباً باليمين﴾: أي أقبل عليهم مستخفياً ضارباً، فهو مصدر فى موضع الحال، أو
يضربهم ضرباً، فهو مصدر فعل محذوف، أو ضمن فراغ عليهم معنى ضربهم، وباليمين:
أي یمین یدیه. قال ابن عباس: لأنها أقوی یدیه أو بقوته، لأنه قيل: كان يجمع يديه في
الآلة التي يضربها بها وهي الفأس. وقيل: سبب الحلف الذي هو: ﴿وتالله لأكيدن
أصنامكم﴾(٢).
وقرأ الجمهور: ﴿يزفون﴾، بفتح الياء، من زف: أسرع، أو من زفاف العروس،
وهو التمهل في المشية، إذ كانوا في طمأنينة أن ينال أصنامهم شيء لعزتهم. وقرأ حمزة،
ومجاهد، وابن وثاب، والأعمش: بضم الياء، من أزف: دخل في الزفيف، فهي للتعدي،
قاله الأصمعي. وقرأ مجاهد أيضاً، وعبد الله بن يزيد، والضحاك، ويحيى بن
عبد الرحمن المقري، وابن أبي عبلة: يزفون مضارع زف بمعنى أسرع. وقال الكسائي،
والفراء: لا نعرفها بمعنى زف. وقال مجاهد: الوزيف: السيلان. وقرىء: يزفون مبنياً
للمفعول. وقرىء: يزفون بسكون الزاي، من زفاه إذا حداه، فكان بعضهم يزفو بعضاً
لتسارعهم إليه. وبين قوله: ﴿فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾ وبين قوله: ﴿فأقبلوا إليه
يزفون﴾ جمل محذوفة هي مذكورة في سورة اقترب، ولا تعارض بين قوله: ﴿فأقبلوا إليه
يزفون﴾ وبين سؤالهم ﴿من فعل هذا بآلهتنا﴾(٣)، وأخبار من عرض بأنه إبراهيم كان يذكر
أصنامهم، لأن هذا الإقبال كان يقتضي تلك الجمل المحذوفة، أي فأقبلوا إليه، أي إلى
الإنكار عليه في كسر أصنامهم وتأنيبه على ذلك. وليس هذا الإقبال من عندهم، بل بعد
مجيئهم من عندهم جرت تلك المفاوضات المذكورة في سورة اقترب.
واستسلف الزمخشري في كلامه أشياء لم تتضمنها الآيات، صارت الآيات عنده بها
كالمتناقضة. قال، حيث ذكر ههنا: إنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسر
أصنامهم، أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به. وذكرتم أنهم سألوا عن الكاسر حتى قيل:
(١) سورة النحل: ٢٧/١٦، وسورة القصص: ٦٢/٢٨، و٧٤، وسورة فصلت: ٤٧/٤١.
(٢) سورة الأنبياء: ٥٧/٢١.
(٣) سورة الأنبياء: ٥٩/٢١.

١١٢
سورة الصافات / الآيات: ١ - ٩٨
سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر. ففي إحداهما أنهم شاهدوه يكسرها، وفي
الآخرى أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر. انتهى. ما أبدى من التناقض، وليس في
الآيات ما يدل على أنهم أبصروه يكسرهم، فيكون فيه كالتناقض. ولما قرر أنه كالتناقض
قال: قلت فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفراً منهم دون
جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية من عندهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا
الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة، اشمأزوا من ذلك وسألوا من فعل
هذا بها؟ ثم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، ولكن على سبيل التورية والتعريض
بقولهم: سمعنا فتى يذكرهم لبعض الصوارف. والثاني: أن يكسرها ويذهب ولا يشعر
بذلك أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم، وسؤالهم عن الكاسر،
وقولهم: ﴿قالوا فأتوا به على أعين الناس﴾(١). انتهى. وهذا الوجه الثاني الذي ذكر هو
الصحيح.
﴿قال أتعبدون ما تنحتون﴾: استفهام توبيخ وإنكار عليهم، كيف هم يعبدون صوراً
صوّروها بأيديهم وشكلوها على ما يريدون من الأشكال؟ ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾:
الظاهر أن ما موصولة بمعنى الذي معطوفة على الضمير في خلقكم، أي أنشأ ذواتكم
وذوات ما تعملون من الأصنام، والعمل هنا هو التصوير والتشكيل، كما يقول: عمل
الصائغ الخلخال، وعمل الحداد القفل، والنجار الخزانة؛ ويحمل ذلك على أن ما بمعنى
الذي يتم الاحتجاج عليهم، بأن كلاً من الصنم وعابده هو مخلوق الله تعالى، والعابد هو
المصور ذلك المعبود، فكيف يعبد مخلوق مخلوقاً؟ وكلاهما خلق الله، وهو المنفرد بإنشاء
ذواتهما. والعابد مصور الصنم معبوده. و((ما)) في : ﴿وما تنحتون﴾ بمعنى تاذي، فكذلك في
﴿وما تعملون﴾، لأن نحتهم هو عملهم. وقيل: ما مصدرية، أي خلقكم وعملكم،
وجعلوا ذلك قاعدة على خلق الله أفعال العباد. وقد بدد الزمخشري تقابل هذه المقالة بما
يوقف عليه في كتابه. وقيل: ما استفهام إنكاري، أي: وأي شيء تعملون في عبادتكم
أصناماً تنحتونها؟ أي لا عمل لكم يعتبر. وقيل: ما نافية، أي وما أنتم تعملون شيئاً في
وقت خلقكم ولا تقدرون على شيء. وكون ما مصدرية واستفهامية ونعتاً، أقوال متعلقة
خارجة عن طريق البلاغة. ولما غلبهم إبراهيم، عليه السلام، بالحجة، مالوا إلى الغلبة
بقوة الشوكة والجمع فقالوا: ﴿ابنوا له بنياناً﴾، أي في موضع إيقاد النار. وقيل: هو
(١) سورة الأنبياء: ٦١/٢١.

١١٣
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
المنجنيق الذي رمي عنه. وأرادوا به كيداً، فأبطل الله مكرهم، وجعلهم الأخسرين
الأسفلين، وكذا عادة من غلب بالحجة رجع إلى الكيد.
وَقَالَ إِنِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِینِ
رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ
٩٩
(١٠٠)
٠١
فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّىَّ إِنَّ أَرَى فِىِ
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
اُلْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِّ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَإِبْرَهِيمُ
١٠٣
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ [®
١٠٢
إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِرِينَ
قَدْ صَدَقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
١٠٤
٠٩
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَوَّأَ
١٠٥
اَلْمُبِينُ ﴿ وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ (﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ
سَلَمُ عَلَىَ إِزَهِيمَ
(١٠٨
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيَّامِنَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ هَـ
١١٠
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
الصَّلِحِينَ [١] وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، مُبِينٌ
وَنَجَيْنَهُمَا وَقَوْمَهُ مَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وَلَقَدْ مَنَنَا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ فِّ
١١٣
وَهَدَيْنَهُمَا
١١٧
وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُوْ هُمُ الْغَلِينَ [٦] وَءَانَيْنَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ
أَسَلَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ لَـ
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ◌ََ
١٢٠
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ (٣) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ () وَ إِنَّ
إِلَيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [٣] إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا نَتَّقُونَ (١٦) أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
اْخَلِقِينَ (٣٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَابِكُمُ الْأَوَّلِينَ !
١٢٧
١٣
إنَّا
ءِ
سَلَمُّ عَلَىَّ إِلَ يَاسِينَ
١٢٩
وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِرِينَ
إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ اْلْمُرْسَلِينَ
١٣٢
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (٣٦َ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَالْمُؤْمِنِينَ (!
١٣٣
٦
إِلَّا عَجُوزًا فِى الْغَبِينَ
إِذْ نَخَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ لَ
وَإِنَّكُمْ
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ.
١٣٥
٣٩
لَمُونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (٨٧) وَ بِالَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ: [﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
تفسير البحر المحيط ج٨٢٩
:

١١٤
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿ فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (فَ)
١٤٤
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
مُلِيمٌ ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
١٤٣
(١) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ (٨) وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ
فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَسَقِيمٌ (
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِبِكَ الْبَنَاتُ
١٤٨
فَكَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَىحِينٍ
١٤٧
أَلْفٍأَوْیزِیدُونَ
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَنَّاوَهُمْ شَهِدُونَ
١٤٩
وَلَهُمُ الْبَنُونَ
أَلَا إِنَّهُم
١٥٠
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
١٥٢
وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
١٥١
مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ إ
﴿ فَأَتُواْبِكِنَبِكُمْإِن
١٥٦
◌َمْلَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ
أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ فِهـ
١٥٤
مَا لَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ
(١٥٣
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبَّا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
كُنُ صَدِقِينَ
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [َّ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٦) إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لَّ
بِفَاتِنِينَ (١٦) إِلَّا مَنْ هُوَصَالِ الْحَحِيمِ ®
١٦٣
: وَمَا مِنَّآ إلَّا لَهُ مَقَامُ مَّعْلُومُ
(١٦٤
وَإِنَّ لَنَحْنُ الصَّافُونَ
لَوْأَنَّ عِندَنَا ذِكْرًّاً مِّنَ اُلْأَوَّلِينَ ◌َجَلَكُنَا عِبَادَ
١٦٧
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (٦) وَإِن كَانُوْ لَيَقُولُونَ ®
١٧١
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
.١٧
اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿﴿ فَكَفَرُ وْبِهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ!
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ◌َِ
١٧٣
إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿٣٦) وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُمُ الْغَلِبُونَ
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ
١٧٤
١٧٦
يُبْصِرُونَ (١٥) أَفِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
} وَتَوَلَّ
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَنِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ لـ
١٧٨
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (8) سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
عَنْهُمْحَتَّىحِیٍ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿٨َ وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ
١٨٠
(١٨٢
تل الرجلُ الرجلَ: صرعه على شقه، وقيل: وضعه بقوة. وقال ساعدة بن حوية:
وتل.
تليلاً للجبين وللفم
والجبينان: ما اكتنف من هنا ومن هنا، وشذ جمع الجبين على أجبن، وقياسه في

١١٥
سورة الصافات / الآيات : ٩٩ - ١٨٢
القلة أجبنة، ككثيب وأكثبة، وفي الكثرة: جبنات وجبن، ككثبات وكثب. الذبح: اسم.
١
ما يذبح، كالرعي اسم ما يرعى. أبق: هرب. ساهم: قارع. المدحض: المقلوب ..
الحوت: معروف. ألام: أتى بما يلام عليه، قال الشاعر:
وكم من مليم لم يصب بملامة ومتبع بالذنب ليس له ذنب
العراء: الأرض الفيحاء لا شجر فيها ولا يعلم، قال الشاعر:
رفعت رجلًا لا أخاف عثارها ونبذت بالمين العراء ثيابي
اليقطين: يفعيل كاليفصيد، من قطن: أقام بالمكان، وهو بالمكان، وهو ما كان من الشجر
لا يقوم على ساق من عود، كشجر البطيخ والحنظل والقثاء. الساحة: الفناء، وجمعها
سوح، قال الشاعر:
فكان سيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوه بها واغبرت السوح
﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين، رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام
حليم، فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال
يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه ..
أن يا إبراهيم، قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين،
وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم، كذلك نجزي
المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين، وباركنا عليه
وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ .
لما سلمه الله منهم ومن النار التي ألقوه فيها، عزم على مفارقتهم، وعبر بالذهاب إلى
ربه عن هجرته إلى أرض الشام. كما قال: ﴿إنى مهاجر إلى ربي﴾(١)، ليتمكن من عبادة
ربه ويتضرع له من غير أن يلقى من يشوش عليه، فهاجر من أرض بابل، من مملكة نمرود،
إلى الشأم. وقيل: إلى أرض مصر. ويبعد قول من قال: ليس المراد بذهابه الهجرة، وإنما .
مراده لقاء الله بعد الإحراق، ظاناً منه أنه سيموت في النار، فقالها قبل أن يطرح في النار. و
وسيهدين): أي إلى الجنة، نحا إلى هذا قتادة، لأن قوله: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾
يدفع هذا القول، والمعتقد أنه يموت في النار لا يدعو بأن يهب الله له ولداً صالحاً.
﴿سيهدين﴾: يوفقني إلى ما فيه صلاحي. ﴿من الصالحين): أي ولداً يكون في عداد
(١) سورة العنكبوت: ٢٦/٢٩.

١١٦
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
الصالحين. ولفظ الهبة غلب في الولد، وإن كان قد جاء في الأخ، كقوله: ﴿ووهبنا له من
رحمتنا أخاه هارون نبياً﴾ (١). واشتملت البشارة على ذكورية المولود وبلوغه سن الحلم
ووصفه بالحلم، وأي حلم أعظم من قوله، وقد عرض عليه أبوه الذبح: ﴿ستجدني إن شاء
الله من الصابرين﴾؟
﴿فلما بلغ معه السعي﴾، بين هذه الجملة والتي قبلها محذوف تقديره: فولد له
وشب. ﴿فلما بلغ﴾: أي بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه. وقال ابن عباس،
ومجاهد، وابن زيد: والسعي هنا: العمل والعبادة والمعونة. وقال قتادة: السعي على
القدم، يريد سعياً متمكناً، وفيه قال الزمخشري: لا يصح تعلقه ببلغ به بلوغهما معاً حد
السعي ولا بالسعي، لأن أصله المصدر لا يتقدم عليه، فنفى أن يكون بياناً، كأنه لما قال:
﴿فلما بلغ معه السعي﴾، أي الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ فقال: مع
أبيه، والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس وأعطفهم عليه وعلى غيره وبما عنف
عليه في الاستسعاء، فلا يحتمله، لأنه لم يستحكم قوله، ولم يطلب عوده، وكان إذ ذاك
ابن ثلاث عشرة سنة. انتهى.
﴿قال يا بني﴾: نداء شفقة وترحم. ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك): أي بأمر من
الله، ويدل عليه: ﴿افعل ما تؤمر﴾. ورؤيا الأنبياء وحي كاليقظة، وذكره له الرؤيا تجسير
على احتمال تلك البلية العظيمة. وشاوره بقوله: ﴿فانظر ماذا ترى﴾، وإن كان حتماً من
الله ليعلم ما عنده من تلقي هذا الامتحان العظيم، ويصبره إن جزع، ويوطن نفسه على
ملاقاة هذا البلاء، وتسكن نفسه لما لا بد منه، إذ مفاجأة البلاء قبل الشعور به أصعب على
النفس، وكان ما رآه في المنام ولم يكن في اليقظة، كرؤيا يوسف عليه السلام، ورؤيا
رسول الله ﴿ دخول المسجد الحرام، ليدل على أن حالتي الأنبياء يقظة ومناماً سواء في
الصدق متظافرتان عليه. قيل: إنه حين بشرت الملائكة بغلام حليم قال: هو إذن ذبيح الله .
فلما بلغ حد السعي معه قيل له: أوف بنذرك. قيل: رأى ليلة التروية قائلاً يقول له: إن الله
يأمرك بذبح ابنك هذا. فلما أصبح، روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح. أمن الله هذا
الحلم، فمن ثم سمي يوم التروية. فلما أمسى، رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فمن ثم
سمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره، فسمي يوم النحر.
(١) سورة مريم: ٥٣/١٩.

٠١١٧
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
وقرأ الجمهور: ﴿ترى﴾، بفتح التاء والراء؛ وعبد الله، والأسود بن يزيد، وابن.
وثاب، وطلحة، والأعمش، ومجاهد، وحمزة، والكسائي: بضم التاء وكسر الراء؛
والضحاك، والأعمش أيضاً بضم التاء وفتح الراء. فالأول من الرأي، والثاني ماذا ترينيه وما
تبديه لأنظر فيه؟ والثالث ما الذي يخيل إليك ويوقع في قلبك؟ وانظر معلقة، وماذا
استفهام. فإن كانت ذا موصولة بمعنى الذي، فما مبتدأ، والفعل بعد ذا صلة. وإن كانت ذا .
مركبة، ففي موضع نصب بالفعل بعدها. والجملة، واسم الاستفهام الذي هو معمول للفعل
بعده في موضع نصب لأنظر. ولما كان خطاب الأب ﴿يا بنيّ﴾، على سبيل الترحم، قال: هو
﴿يا أبت﴾، على سبيل التعظيم والتوقير. ﴿افعل ما تؤمر): أي ما تؤمره، حذفه وهو منصوب،
وأصله ما تؤمر به، فحذف الحرف، واتصل الضمير منصوباً، فجاز حذفه لوجود شرائط الحذف
فيه. وقال الزمخشري: أو أمرك، على إضافة المصدر إلى المفعول الذي لم يسم فاعله، وفي
ذلك خلاف؛ هل يعتقد في المصدر العامل أن يجوز أن يبنى للمفعول، فيكون ما بعده مفعولاً لم
يسم فاعله، أم يكون ذلك؟ ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾: كلام من أوتي الحلم والصبر
والامتثال لأمر الله، والرضا بما أمر الله.
﴿فلما أسلما﴾: أي لأمر الله، ويقال: استسلم وسلم بمعناها. وقرأ الجمهور: أسلما.
وقرأ عبد الله، وعلي، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وجعفر بن محمد، والأعمش،
والثوري: سلما: أي فوضا إليه في قضائه وقدره. وقرىء: استسلما، ثلاث قراءآت. وقال قتادة
في أسلما: أسلم هذا ابنه، وأسلم هذا نفسه، فجعل أسلما متعدياً، وغيره جعله لازماً بمعنى :
انقادا لأمر الله وخضعا له. ﴿وتله للجبين﴾: أي أوقعه على أحد جنبيه في الأرض مباشراً الأمر
بصبر وجلد، وذلك عند الصخرة التي بمنى؛ وعن الحسن: في الموضع المشرف على مسجد
منى؛ وعن الضحاك: في المنحر الذي ينحر فيه اليوم. وجواب لما محذوف يقدر بعد ﴿وتله
للجبین﴾، أي أجزلنا أجرهما، قاله بعض البصریین؛ أو بعد ﴿الرؤيا﴾، أي كان ما كان مما
تنطبق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما الله على ما أنعم به إلى ألفاظ
كثيرة ذكرها الزمخشري على عادته في خطابته؛ أو قبل ﴿وتله﴾ تقديره: ﴿فلما أسلما وتله﴾.
قال ابن عطية: وهو قول الخلیل وسيبويه، وهو عندهم کقول امرىء القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
وقال الكوفيون: الجواب مثبت، وهو: ﴿وناديناه﴾ على زيادة الواو. وقالت فرقة: هو

١١٨
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
﴿وتله﴾ على زيادة الواو. وذكر الزمخشري في قصة إبراهيم وابنه، وما جرى بينهما من
الأقوال والأفعال فصولاً، الله أعلم بصحتها، يوقف عليها في كتابه. وأن مفسرة، أي ﴿قد
صدّقت﴾. وقرأ زيد بن علي: وناديناه قد صدقت، بحذف أن؛ وقرىء: صدقت،
بتخفيف الدال. وقرأ فياض: الريا، بكسر الراء والإدغام وتصديق الرؤيا. قال الزمخشري :
بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه، لكن الله
سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم. ألا ترى أنه
لا يسمى عاصياً ولا مفرطاً؟ بل يسمى مطيعاً ومجتهداً، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت
الأوداج وأنهرت الدم. وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل، ولا قبل أوان
الفعل في شيء، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه. وقال ابن عطية:
﴿قد صدقت﴾، يحتمل أن يريد بقلبك على معنى: كانت عندك رؤياك صادقة حقاً من الله
فعملت بحسبها حين آمنت بها، واعتقدت صدقها. ويحتمل أن يريد: صدقت بقلبك ما
حصل عن الرؤيا في نفسك، كأنه قال: قد وفيتها حقها من العمل. انتهى. ﴿إنا كذلك
نجزي المحسنين﴾: تعليل لتخويل ما خولهما الله من الفرج بعد الشدة، والظفر بالبغية بعد
الیاس.
﴿إن هذا﴾: أي ما أمر به إبراهيم من ذبح ابنه، ﴿لهو البلاء المبين﴾: أي الاختبار
البين الذي يتميز فيه المخلصون وغيرهم، أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب
منها. ﴿وفديناه بذبح﴾، قال ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان
يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل. وقال أيضاً هو والحسن: فدي بوعل أهبط عليه من
سرو. وقال الجمهور: كبش أبيض أقرن أقنى، ووصف بالعظم. قال مجاهد: لأنه متقبل
يقيناً. وقال عمروبن عبيد: لأنه جرت السنة به، وصار ديناً باقياً إلى آخر الدهر. وقال
الحسن بن الفضل: لأنه كان من عند الله. وقال أبو بكر الوراق: لأنه لم یکن عن نسل، بل
عن التكوين. وقال ابن عباس، وابن جبير: عظمته كونه من كباش الجنة، رعى فيها أربعين
خريفاً. وفي قوله: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ دليل على أن إبراهيم لم يذبح ابنه، وقد فدي.
وقالت فرقة: وقع الذبح وقام بعد ذلك. قال ابن عطية: وهذا كذب صراح. وقالت فرقة:
لم ير إبراهيم في منامه الإمرار بالشفرة فقط، فظن أنه ذبح مجهز، فنفذ لذلك. فلما وقع
الذي رآه وقع النسخ، قال: ولا اختلاف، فإن إبراهيم عليه السلام، أمّ الشفرة على حلق
ابنه فلم تقطع. انتهى. والذي دل عليه القرآن أنه ﴿تله للجبين﴾ فقط، ولم يأت في حديث

١١٩
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
صحيح أنه أمرّ الشفرة على حلق ابنه. ﴿وتركنا عليه﴾ إلى: ﴿المؤمنين﴾، تقدم تفسير
نظيره في آخر قصة نوح، قبل قصة إبراهيم هنا، وقال هنا کذلك دون إنا، اكتفاء بذکر ذلك
قبل وبعد.
﴿وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين﴾: الظاهر أن هذه بشارة غير تلك البشارة، وأن
الغلام الحليم المبشر به إبراهيم هو إسماعيل، وأنه هو الذبيح لا إسحاق؛ وهو قول ابن
عباس، وابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن كعب القرظي، والشعبي،
والحسن، ومجاهد، وجماعة من التابعين؛ واستدلوا بظاهر هذه الآيات وبقوله عليه
السلام: أنا ابن الذبيحين، وقول الأعرابي له: يا ابن الذبيحين، فتبسم عليه السلام، يعني
إسماعيل، وأباه عبد الله. وكان عبد المطلب نذر ذبح أحد ولده، فخرج السهم على
عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بها. وفيما أوحى الله
لموسى في حديث طويل. وأما إسماعيل، فإنه جاد بدم نفسه. وسأل عمر بن عبد العزيز
یهودیاً أسلم عن ذلك فقال: إن یهودیاً لیعلم، ولکهنم يحسدونکم معشر العرب، وکان قرنا
الكبش منوطين في الكعبة. وسأل الأصمعي أبا عمروبن العلاء عن الذبيح فقال:
يا أصمعي، أين عزب عنك عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وهو الذي بنى البيت مع
أبيه، والمنحر بمكة؟ انتهى. ووصفه تعالى بالصبر في قوله: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا
الكفل كل من الصابرين﴾(١)، وهو صبره على الذبح؛ وبصدق الوعد في قوله: ﴿إنه كان
صادق الوعد﴾(٢)، لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به. وذكر الطبري أن ابن
عباس قال: الذبيح إسماعيل، ويزعم اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود. ومن أقوى
ما يستدل به أن الله تعالى بشر إبراهيم بإسحاق، وولد إسحاق يعقوب. فلو كان الذبيح
إسحاق، لكان ذلك الإخبار غير مطابق للواقع، وهو محال في إخبار الله تعالى. وذهبت
جماعة إلى أن الذبيح هو إسحاق، منهم: العباس بن عبد المطلب، وابن مسعود، وعلي،
وعطاء، وعكرمة، وكعب، وعبيد بن عمير، وابن عباس في رواية، وكان أمر ذبحه بالشأم.
وقال عطاء ومقاتل: ببيت المقدس؛ وقيل: بالحجاز، جاء مع أبيه على البراق. وقال
عبيد بن عمير، وابن عباس في رواية: وكان أمر ذبحه بالشأم، كان بالمقام. وقال ابن
عباس: والبشارة في قوله: ﴿وبشرناه بإسحاق﴾، هي بشارة نبوته. وقالوا: أخبر تعالى عن
خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولداً، ثم أتبع تلك البشارة بغلام حليم،
(١) سورة الأنبياء: ٨٥/٢١.
(٢) سورة مريم: ٥٤/١٩.

١٢٠
سورة الصافات / الآيات: ٩٩ - ١٨٢
ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به، ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف، عليهما
السلام: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله إبن إبراهيم خليل الله. ومن جعل
الذبيح إسحاق، جعل هذه البشارة بشارة بنبوته، كما ذكرنا عن ابن عباس. وقالوا: لا يجوز
أن يبشره الله بولادته ونبوته معاً، لأن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه بأنه سيكون نبياً.
ومن جعله إسماعيل، جعل البشارة بولده إسحاق. وانتصب نبياً على الحال، وهي حال
مقدرة. فإن كان إسحاق هو الذبيح، وكانت هذه البشارة بولادة إسحاق، فقد جعل
الزمخشري ذلك محل سؤال. فإن قلت: فرق بين هذا وقوله: ﴿فادخلوها خالدين﴾(١)،
وذلك أن المدخول موجود مع وجود الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت مقدرين
للخلود، فكان مستقيماً. وليس كذلك المبشر به، فإنه معلوم وقت وجود البشارة، وعدم
المبشر به أوجب عدم حاله، لأن الحال حلية لا تقوم إلا بالمحلى. وهذا المبشر به الذي هو
إسحاق، حين وجد لم توجد النبوة أيضاً بوجوده، بل تراخت عنه مدة طويلة، فكيف يجعل
نبياً حالاً مقدرة؟ والحال صفة للفاعل والمفعول عند وجود الفعل منه أو به. فالخلود، وإن
لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم، لأن المعنى: مقدرين الخلود. وليس
كذلك النبوة، فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم إسحاق.
قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال أنه لا بد من تقدير
مضاف محذوف وذلك قوله: ﴿وبشرناه﴾ بوجود إسحاق نبياً، أي بأن يوجد مقدرة نبوته،
فالعامل في الحال الوجود، لا فعل البشارة؛ وبذلك يرجع نظير قوله تعالى: ﴿فادخلوها
خالدين﴾(١)، ﴿من الصالحين﴾(٢)، حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ، لأن
كل نبي لا بد أن يكون من الصالحين. انتهى.
﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، وبأن أخرجنا
أنبياء بني إسرائيل من صلبه. ﴿ومن ذريتهما محسن وظالم﴾: فيه وعيد لليهود ومن كان
من ذريتهما لم يؤمن بمحمد ◌ّير، وفيه دليل على أن البر قد يلد الفاجر، ولا يلحقه من ذلك
عيب ولا منقصة.
﴿ولقد مننا على موسى وهارون، ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم،
ونصرناهم فكانوا هم الغالبين، وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط
(١) سورة الزمر: ٧٣/٣٩.
(٢) سورة آل عمران: ٣٩/٣ وغيرها من السور.