النص المفهرس
صفحات 1-20
البحر المحيط في التّفسِير لمحَمّد بن يوسف الشهير بُأبي حيَّان الأندلسي الغرنَافي ٦٥٤ - ٧٥٤ هـ الجزء التاسع طبعَة جَديدَة بعناية الشَيخ عرفات العَشا حسونة مَرَاجعَة صدّقّ محمد حمّل دار الفكر للطباعة والنشر وَالتوزيع Tous droits de traduction, d'adaptation el de reproduction par tous procédés réservés pour tous pays pour "Dor FI-Fikr · Beyrouth - Liban". Toute reproduction ou représentation intégrale ou partielle, par quelque procédé que ce soit, des pages publiées dans le présent ouvrage, faite sans autorisation écrite de l'éditeur est illicite et constitue une contrefaçon. Seules sont autorisées, d'une part, les reproductions strictement réservées à l'usage privé du copiste et non destinées à une utilisation collective, et, d'autre part, les analyses et les courtes citations dans un but d'exemple et d'illustration justifiées par le caractère scientifique ou d'information de l'œuvre dans laquelle elles sont incorporée. Pour plus d'informations, s'adresser à l'éditeur dont l'adresse mentionné. جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر ش.م.ل . بيروت لبنان، ولا يُسمح بنسخ أو تصوير أو خزن أو بث أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل من الأشكال بدون الحصول مسبقاً على إن خطي من الناشر. يُستثنى من هذا الاستنساخ بهدف الدراسة الخاصة أو إجراء الأبحاث أو المراجعة على أن يشار عند الاستشهاد بذلك إلى المرجعية وفي حدود القانون اللبناني لحماية حقوق النشر والتصاميم. وتوجّه الاستفسارات إلى الناشر على العنوان المذكور. All rights reserved for "Dar El-Fikr SA.1." Beirut. Lebanon. No parts of this publication may be reproduced, stored in a retrieval system, or transmitted, in any form or by any means, electronic, mechamcal. photocopying, recording, or otherwise, without the prior permission in writing of "Dar El-Fikr S.A.I .. " Beirut- Lebanon Exceptions are allowed in respect of any fair dealing for the purpose of research or private shuty, or criticism or review, as permilled under the Copyright, Designs and Patents Act. Enquiries, concerning reproduction outside theo forme should be sent to the publisher at the address shown. ١٤٣١ - ١٤٣٢ هـ ٢٠١٠ E-mail: info@darifikr.com Email: darlfikr@cyberia.net.lb Home Page: www.darlfikr.com Home Page: www.darifikr.com.lb الفكر حَارة حريْكِ - شَارع عَبْد النورُ - برقيًا: فكسين - صَبٍ: ١١/٧٠٦١ تلفون : ٥٥٩٩٠٠ - ٥٥٩٩٠١ - ٥٥٩٩٠٢ - ٥٥٩٩٠٣ فاكس : ٠٠٩٦١١٥٥٩٩٠٤ بَيْروت لبنان البَحُر المحيط في التّفسِير لمحتَعْد بن يُوسف الشَّهُيرِ بُأني حيَّان الأندلسِ الغِنَاهِي ٦٥٤ ٧٥٤٠هـ ٥ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ شُورَةٌ فَظِلْ تريبها آياتها ٤٥ ٣٥ ◌ِللَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ بِسْـ اُلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلَا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَثَ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ وَرُبَعَ يَزِيدٌ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءِ إِنَّالَه عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ () يَأَيُّهَا النَّاسُ أَذَكُرُواْ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَرِبُّ الْحَكِيمُ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرٌلَّهِيَرْ زُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَّ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ ﴿ وَإِنِ يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يَأَيُّهَ النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّتَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ( الَّذِينَ كَفَرُوْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ لَهُمُ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّكَبِيُ ﴿أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُسُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّاً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ فَلَا نَذْهَبْ ! وَاللَّهُالَّذِيِّ أَرْسَلَ الرَّحَ فَتُثِيرُ سَابًا نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ إِنَّاللَّهَ عَلِيٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ غَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَاِهِالْأَرْضَ بَعْدَ مَوْهَا كَذَلِكَ الُّْشُورُ ( فَلَِّالْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن ١٠ السَّتِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيَةٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَيُورُ تُطْفَةٍ ثُمَّجَعَلَكُمْأَزْوَجَأْ وَمَا تَّحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرِ ٦ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا وَلَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهٍِ إِلَّ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِعٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلِعٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلِ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْغُوْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢ يُوِيُ اَلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِيعُ النَّهَارَ فِىِ الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَقَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿ إِن تَدْعُوهُمْلَا يَسْمَعُواْدُعَاءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْمَا اسْتَجَابُواْ * يََّيُّهَا النَّاسُ ١٤ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْحِكُمْ وَلَا يُنَِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ! إِن يَشَأْيُ هِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ ١٥ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى وَإِن تَدْعُ مُتْقَلَةٌ إِلَى ٧ جَدِيدٍ () وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ! حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَيٌ إِنَّمَا نُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ بِالْغَيْبِ وَمَايَسْتَوِى ١٨ وَقَامُواْالصَّلَوَةٌ وَمَنْ تَزَّكَى فَإِنَّمَا يَتَزَّكَ لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَهِ الْمَصِيرُ! اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (® وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَ النُّورُ بَّ وَلَ الظِّلُّ وَلَ الْحُرُورُ لَّ وَمَا يَسْتَوِى إِنْ أَنْتَ إِلَّا اُلْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَتُّ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِىِ الْقُبُورِ الثَّـ نَذِيُ ﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةِ إِلَّا خَلَفِيَهَا نَذِيرٌ (® وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبِهِمْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَبِالزُّبْرِ وَ بِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ هَاثُمَّأَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ ﴿ أَلَمْتَرَ أَنَّاللَّهُأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَابِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيِضُ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهَا وَغَبِيبُ سُودٌ ﴿﴿ وَ مِنَ النَّاسِ وَالذَّوَابِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفَ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِالْعُلَمَوْاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ (٣) إِنَّالَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ ٧ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةَ لَّنْ تَبُّورَ الِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورُ شَكُورُ وَاُلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّةٍ إِنَّاللَّهَ بِعِبَادِهِ، ٣٠ وم ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اُلْكَبِيرُ ثَاجَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا مُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤْ وَلِبَاسُهُمْ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىَ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّإِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (٣٣ فِهَاحَرِيرٌ ٣٥ الَّذِىّ أَحَلَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُنَافِيهَا لُغُوبٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ لَهُمْ نَارُجَهَنَّمَ لَاأَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمِمِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ )) وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِمَا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَايَتَذَ كَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِمُ غَيْبٍ السَّمَوَتِ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيِفَ فِى الْأَرْضِ فَنْ كَفَرَ ٣٨ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ! فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَلَا يَزِيدُ الْكَفِنَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ إِلَّ مَقْنًا وَلَيَزِيدُ الْكَفِرِينَ كُفْرُهُ إِلَّا خَسَارًا ﴿ قُلْ أَرَءَ يُمْ شُرَّكََّ كُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْلَهُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَتِ أَمْ ءَتَيْنَهُمْ كِتَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتِ مِنْهُ بَلٌّ إِنِ يَعِدُ الظَّالِمُونَ ﴿ إِنَّاللَّهَيُمْسُِكِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَاً وَلَيِنِ زَالَتَآ ٤٠ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ! إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (﴾ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَكِنِ جَ هُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّأَهْدَى مِنْ إِحْدَى أَلْأُمَمِّ فَلَمَّا جَآءَ هُمْنَذِرٌ مَازَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ٨ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ اسْتِكْبَارَا فِ الْأَرْضِ وَمَكْرَ السٍَِّ وَلَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِئُ إِلَّ بِأَهْلِ، فَهَلْ ٤٢ يَنْظُرُونَ إِلَّسُنَّتَ الأَوَِّينَّ فَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الَّهِ تَبْدِيلًاً وَلَن ◌َجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِتَحْوِيلاً (٤٣ أَوَلَمْ يَسِبْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّمِنْهُمْقُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ٤٤ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَاتَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجْلِ مُسَمَّى فَإِذَاجَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ٤٥ القمطير: المشهور أنه القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة، ويأتي ما قال المفسرون. الجدد: جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل، كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً. وقال الزمخشري: والجدد: الخطط والطرائق. وقال لبيد: أو مذهب جدد على الواحد، ويقال: جدة الحمار للخطة السوداء التي على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه. انتهى. وقال الشاعر: کساءین یجري بینھن دلیص كأن مبرات وجدة ظهره الجدة: الخط الذي في وسط ظهره، يصف حمار وحش. الغربيب: الشديد السواد. لغب يلغب لغوباً: أعيا. ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون، وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور، يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾. ٩ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ هذه السورة مكية. ولما ذكر تعالى في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين أعداء المؤمنين، وأنزلهم منازل العذاب، تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه ووصفه بعظيم آلائه، كما في قوله: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾(١). وقرأ الضحاك والزهري: فطر، جعله فعلاً ماضياً ونصب ما بعده. قال أبو الفضل الرازي: فأما على إضمار الذي فيكون نعتاً لله عز وجل، وأما بتقدير قد فيما قبله فيكون بمعنى الحال. انتهى. وحذف الموصول الاسمي لا يجوز عند البصريين، وأما الحال فيكون حالاً محكية، والأحسن عندي أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو فطر، وتقدم شرح ﴿فاطر السموات والأرض﴾، وأن المعنى خالقها بعد أن لم تكن، والسموات والأرض عبارة عن العالم. وقال أبو عبد الله الرازي: الحمد يكون في غالب الأمر على النعمة، ونعم الله عاجلة، و﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾(٢)، إشارة إلى أن النعمة العاجلة ودليله: ﴿هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً﴾(٣)، و﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾(٤)، إشارة إليها أيضاً، وهي الاتقاء، فإن الاتقاء والصلاح بالشرع والكتاب. والحمد في سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر، ودليله: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾(٥) منها، وقوله: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة﴾(٦)، وهنا إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، دليله: ﴿وتتلقاهم الملائكة﴾(٧). ففاطر السموات والأرض شاقهما لنزول الأرواح من السماء، وخروج الأجساد من الأرض دليله: ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة﴾: أي في ذلك اليوم. فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن كما فعل بأشياعهم من قبل بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب. ولما ذكر حالهم ذكر حال المؤمن وبشره بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وأنه يفتح لهم أبواب الرحمة . وقرأ الحسن: جاعل بالرفع، أي هو جاعل؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو: وجاعل رفعاً بغير تنوين، الملائكة نصباً، حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن يعمر، (١) سورة الأنعام: ٤٥/٦. (٢) سورة الأنعام: ١/٦. (٣) سورة الأنعام: ٢/٦. (٤) سورة الكهف: ١٨ /١. (٥) سورة سبأ: ٢/٣٤، وسورة الحديد: ٤/٥٧. (٦) سورة سبأ: ٣/٣٤. (٧) سورة الأنبياء: ١٠٣/٢١. ١٠ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ وخليد بن نشيط: جعل فعلاً ماضياً، الملائكة نصباً، وذلك بعد قراءته فاطر بألف، والجر كقراءة من قرأ: ﴿فالق الأصباح وجعل الليل سكناً﴾(١). وقرأ الحسن، وحميد بن قيس: رسلاً بإسكان السين، وهي لغة تميم. وقال الزمخشري: وقرىء الذي فطر السموات والأرض وجعل الملائكة. فمن قرأ: فطر وجعل، فينبغي أن تكون هذه الجمل إخباراً من العبد إلى ما أسداه إلينا من النعم، كما تقول: الفضل لزيد أحسن إلينا بكذا خولنا كذا، يكون ذلك جهة بيان لفعله الجميل، كذلك يكون في قوله: فطر، جعل، لأن في ذلك نعماً لا تحصى. ومن قرأ: وجاعل، فالأظهر أنهما اسما فاعل بمعنى المضي، فيكونان صفة لله، ويجيء الخلاف في نصب رسلاً. فمذهب السيرافي أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان ماضياً لما لم يمكن إضافته إلى اسمين نصب الثاني. ومذهب أبي علي أنه منصوب بإضمار فعل، والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو. وأما من نصب الملائكة فيتخرج على مذهب الكسائي وهشام في جواز إعمال الماضي النصب، ويكون إذ ذاك إعرابه بدلاً . وقيل: هو مستقبل تقديره: يجعل الملائكة رسلاً، ويكون أيضاً إعرابه بدلاً. ومعنى رسلاً بالوحي وغيره من أوامره، ولا يريد جميع الملائكة لأنهم ليسوا كلهم رسلاً. فمن الرسل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، والملائكة المتعاقبون، والملائكة المسددون حكام العدل وغيرهم، كالملك الذي أرسله الله إلى الأعمى والأبرص والاقرع. و﴿أجنحة﴾ جمع جناح، صيغة جمع القلة، وقياس جمع الكثرة فيه جنح على وزن فعل، فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملاً في القليل والكثير. وتقدم الكلام على مثنى وثلاث ورباع في أول النساء مشبعاً، ولكن المفسرون تعرضوا لكلام فيه هنا، فقال الزمخشري: مثنى وثلاث ورباع صفات الأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرار العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الإعداد من صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعن تكرير إلى غير تكرير. وأما بالوصفية، فلا تقترن الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول بنسوة أربع وبرجال ثلاثة فلا يعرج عليها؟ انتهى. فجعل المانع للصرف هو تكرار العدل فيها، والمشهور أنها امتنعت من الصرف للصفة والعدل. وأما قوله: ألا تراك، فإنه قاس الصفة في هذا المعدول على الصفة في أفعل وفي ثلاثة، وليس بصحيح، لأن مطلق الصفة لم يعدوه علة، بل اشترطوا فيه. فليس الشرط موجوداً في أربع، لأن شرطه أن لا يقبل تاء التأنيث. وليس شرطه في ثلاثة موجوداً، لأنه لم يجعل علة (١) سورة الأنعام: ٩٦/٦. ١١ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ مع التأنيث. فقياس الزمخشري قياس فاسد، إذ غفل عن شرط كون الصفة علة. وقال ابن عطية: عدلت عن حال التنكير، فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل: للعدل والصفة. انتهى. وهذا الثاني هو المشهور، والأول قول لبعض الكوفيين. والظاهر أن الملك الواحد من صنف له جناحان، وآخر ثلاثة، وآخر أربعة، وآخر أكثر من ذلك، لما روي أن لجبريل ستمائة جناح، منها اثنان يبلغ بهما المشرق إلى المغرب. قال قتادة: وأخذ الزمخشري يتكلم على كيفية هذه الأجنحة، وعلى صورة الثلاثة بما لا يجدي قائلاً: يطالع ذلك في كتابه. وقالت فرقة: المعنى أن في كل جانب من الملك جناحان، ولبعضهم ثلاثة، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لواحد، لما اعتدلت في معتاد ما رأينا نحن من الأجنحة. وقيل: بل هي ثلاثة لواحد، كما يوجد لبعض الحيوانات. والظاهر أن المراد من الأجنحة ما وضعت له في اللغة. وقال أبو عبد الله الرازي: يزيل بحثه في قوله: ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾، وهو الذي حكينا عنه أن قوله: ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾، أقل ما يكون لذي الجناح، إشارة إلى الجهة، وبيانه أن الله ليس شيء فوقه، وكل شيء تحت قدرته ونعمته، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما أخذوه بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾(١)، وقوله: ﴿علمه شديد القوى﴾(٢)، وقال تعالى في حقهم: ﴿فالمدبرات أمراً﴾(٣)، فهما جناحان، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة، وفيهم من يفعله لا بواسطة. فالفاعل بواسطة فيهم من له ثلاث جهات، ومنهم من له أربع جهات وأكثر. انتهى. وبحثه في هذه، وفي ﴿فاطر السموات والأرض﴾ بحث عجيب، وليس على طريقة فهم العرب من مدلولات الألفاظ التي حملها ما حمل. والظاهر أن مثنى وما بعده من صفات الأجنحة، وقيل: ﴿أولي أجنحة﴾ معترض، ﴿ومثنى) حال، والعامل فعل محذوف يدل عليه ﴿رسلاً﴾، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع. قيل: وإنما جعلهم أولي أجنحة، لأنه لما جعلهم رسلاً، جعل لهم أجنحة ليكون أسرع لنفاد الأمر وسرعة إنفاذ القضاء. فإن المسافة التي بين السماء والأرض لا تقطع بالأقدام إلا في سنين، فجعلت لهم الأجنحة حتى ينالوا المكان البعيد في الوقت القريب كالطير. (١) سورة الشعراء: ١٩٣/٢٦ - ١٩٤. (٢) سورة النجم: ٥/٥٣. (٣) سورة النازعات: ٥/٧٩. ١٢ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾: تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب من خبر الملائكة أولي أجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله، فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، والظاهر عموم الخلق. وقال الفراء: هذا في الأجنحة التي للملائكة، أي يزيد في خلق الملائكة الأجنحة. وقالوا: في هذه الزيادة الخلق الحسن، أو حسن الصوت، أو حسن الخط، أو الملاحة في العينين أو الأنف، أو خفة الروح، أو الحسن، أو جعودة الشعر، أو العقل، أو العلم، أو الصنعة، أو العفة في الفقراء، والحلاوة في الفم، وهذه الأقوال على سبيل التمثيل لا الحصر. والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، وقد شرحوا هذه الزيادة بالأشياء المستحسنة، وما يشاء عام لا يخص مستحسناً دون غيره. وختم الآية بالقدرة على كل شيء يدل على ذلك، والفتح والإرسال استعارة للإطلاق، ﴿فلا مرسل له﴾ مكان لا فاتح له، والمعنى: أي شيء يطلق الله . ﴿من رحمة﴾: أي نعمة ورزق، أو مطر، أو صحة، أو أمن، أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها. وما روي عن المفسرين المتقدمين من تفسير رحمة بشيء معين فليس على الحصر منه، إنما هو مثال. قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا يقدر أحد على إمساكها وحبسها، وأي شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. انتهى. والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة لبيان ذلك العام من أي صنف هو، وهو مما اجتزىء فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط، وتقديره: من الرحمات، ومن في موضع الحال، أي كائناً من الرحمات، ولا يكون في موضع الصفة، لأن اسم الشرط لا يوصف. والظاهر أن قوله: ﴿وما يمسك﴾ عام في الرحمة وفي غيرها، لأنه لم يذكر له تبيين، فهو باق على العموم في كل ما يمسك. فإن كان تفسيره ﴿من رحمة﴾، وحذفت لدلالة الأول عليه، فيكون تذكير الضمير في ﴿فلا مرسل له من بعده﴾ حملاً على لفظ ما، وأنث في ﴿ممسك لها﴾ على معنى ما، لأن معناها الرحمة. وقرىء: فلا مرسل لها، :أنيث الضمير، وهو دليل على أن التفسير هو ﴿من رحمة﴾، وحذف لدلالة ما قبله عليه. وعن ابن عباس: ﴿من رحمة﴾: من باب توبة، ﴿فلا ممسك لها﴾: أي يتوبون إن شاؤوا وإن أبوا، ﴿وما يمسك﴾: من باب، ﴿فلا مرسل له﴾ من بعده، فهم لا يتوبون. وعنه أيضاً: ﴿من رحمة﴾: من هداية. قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس؟ قلت: أراد بالتوبة: الهداية لها والتوفيق فيها، وهو الذي أراده ١٣ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ ابن عباس، إن قاله فمقبول، وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب فمردود، لأن الله تعالى يشاء التوبة أبداً، ولا يجوز عليه أن لا يشاء بها. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. ﴿من بعده): هو على حذف مضاف، أي من بعد إمساكه، كقوله: ﴿فمن يهديه من بعد الله﴾(١)، أي من بعد إضلال الله إياه، لأن قبله وأضله الله علی علم، كقوله: ﴿ومن يضلل الله فلا هادي له﴾(٢)، وقدره الزمخشري من بعد هداية الله، وهو تقدير فاسد لا يناسب الآية، جرى فيه على طريقة الاعتزال. ﴿وهو العزيز﴾ الغالب القادر على الإرسال والإمساك، ﴿الحكيم﴾ الذي يرسل ويمسك ما اقتضته حكمته. ﴿يا أيها الناس﴾: خطاب لقريش، وهو متجه لكل مؤمن وكافر، ولا سيما من عبد غير الله، وذكرهم بنعمه في إيجادهم. و﴿اذكروا﴾: ليس أمراً بذكر اللسان، ولكن به وبالقلب وبحفظ النعمة من كفرانها وشكرها، كقولك لمن أنعمت عليه: اذكر أياديّ عندك، تريد حفظها وشكرها، والجميع مغمورون في نعمة الله. فالخطاب عام اللفظ، وإن كان نزل ذلك بسبب قريش، ثم استفهم على جهة التقرير. ﴿هل من خالق غير الله﴾: أي فلا إله إلا الخالق، ما تعبدون أنتم من الأصنام. وقرأ ابن وثاب، وشقيق، وأبو جعفر، وزيد بن علي، وحمزة، والكسائي: غير بالخفض، نعتاً على اللفظ، ﴿ومن خالق﴾ مبتدأ. و﴿يرزقكم﴾: جوزوا أن يكون خبراً للمبتدأ، وإن يكون صفته، وأن يكون مستأنفاً، والخبر على هذين الوجهين محذوف تقديره لكم. وقرأ شيبة، وعيسى، والحسن، وباقي السبعة: ﴿غير﴾ بالرفع، وجوزوا أن يكون نعتً على الموضع، كما كان الخبر نعتاً على اللفظ، وهذا أظهر لتوافق القراءتين؛ وأن يكون خبراً للمبتدأ، وأن يكون فاعلاً باسم الفاعل الذي هو خالق، لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، فحسن إعماله، كقولك: أقائم زيد في أحد وجهيه؟ وفي هذا نظر، وهو أن اسم الفاعل، أو ما جرى مجراه، إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجرى مجرى الفعل، فرفع ما بعده، هل يجوز أن تدخل عليه من التي للاستغراق فتقول: هل من قائم الزيدون؟ كما تقول: هل قائم الزيدون؟ والظاهر أنه لا يجوز. ألا ترى أنه إذا جرى مجرى الفعل، لا يكون فيه عموم خلافه إذا أدخلت عليه من، ولا أحفظ مثله في لسان العرب، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلام العرب؟ وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي: غير بالنصب على الاستثناء، والخبر إما يرزقكم وإما محذوف، ويرزقكم مستأنف؛ وإذا كان يرزقكم مستأنفاً، كان أولى لانتفاء (١) سورة الجاثية: ٢٣/٤٥. (٢) سورة الأعراف: ١٨٦/٧. ١٤ - - سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ صدق خالق على غير الله، بخلاف كونه صفة، فإن الصفة تقيد، فيكون ثم خالق غير الله، لكنه ليس برازق. ومعنى ﴿من السماء﴾: بالمطر، ﴿والأرض﴾: بالنبات، ﴿لا إله إلا هو﴾: جملة مستقلة لا موضع لها من الإعراب. ﴿فأنى يؤفكون﴾: أي كيف يصرفون على التوحيد إلى الشرك، وأن يكذبوك إلى الأمور، تقدم الكلام على ذلك. ﴿إن وعد الله حق﴾: شامل لجميع ما وعد من ثواب وعقاب وغير ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿الغرور﴾ بفتح الغين، وفسره ابن عباس بالشيطان. وقرأ أبو حيوة، وأبو السمال: بضمها جمع غار، أو مصدراً، كقوله: ﴿فدلاهما بغرور﴾(١)، وتقدم الكلام على ذلك في آخر لقمان. ﴿إن الشيطان لكم عدو﴾: عداوته سبقت لأبينا آدم، وأي عداوة أعظم من أن يقول في بنيه: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾(٢)، ﴿ولأضلنهم﴾(٣)؟ ﴿فاتخذوه عدواً﴾: أي بالمقاطعة والمخالفة باتباع الشرع. ثم بين أن مقصوده في دعاء حزبه إنما هو تعذيبهم في النار، يشترك هو وهم في العذاب، فهو حريص على ذلك أشد الحرص حتى يبين صدق قوله في: ﴿فلاغوينهم﴾، ﴿ولأضلنهم﴾، لأن الاشتراك فيما يسوء مما قد يتسلى به بخلاف المنفرد بالعذاب. ثم ذكر الفريقين، وما أعدّ لهما من العقاب والثواب. وبدأ بالكفار المجاورة قوله: ﴿إنما يدعو حزبه﴾، فاتبع خبر الكافر بحاله في الآخرة. قال ابن عطية: واللام في ليكون لام الصيرورة، لأنه لم يدعهم إلى السعير، إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك. انتهى. ونقول: هو مما عبر فيه عن السبب بما تسبب عنه دعاؤهم إلى الكفر، وتسبب عنه العذاب. و﴿الذين كفروا﴾، ﴿والذين آمنوا﴾. مبتدآن، وجوز بعضهم في ﴿الذين كفروا﴾ أن يكون في موضع خفض بدلاً ﴿من أصحاب السعير﴾، أو صفة، وفي موضع نصب بدلاً من ﴿حزبه﴾، وفي موضع رفع بدلاً من ضمير ﴿ليكونوا﴾، وهذا كله بمعزل من فصاحة التقسيم وجزالة التركيب. ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً﴾: أي فرأى سوء عمله حسناً، ومن مبتدأ موصول، وخبره محذوف. فالذي يقتضيه النظر أن يكون التقدير: كمن لم يزين له، كقوله: ﴿أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله﴾(٤)، ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾(٥)، ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾(٦)، ثم قال: ﴿كمن مثله في (١) سورة الأعراف: ٢٢/٧ . (٢) سورة الحجر: ٣٩/١٥. (٣) سورة النساء: ١١٩/٤. (٤) سورة محمد: ٤٧ /١٤. (٥) سورة الرعد: ١٩/١٣. (٦) سورة الأنعام: ١٢٢/٦. ١٥ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ الظلمات﴾(١)، وقاله الكسائي، أي تقديره: تذهب نفسك عليهم حسرات الدلالة: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم﴾. وقيل: التقدير: فرآه حسناً، فأضله الله كمن هداه الله، فحذف ذلك لدلالة: ﴿فإن الله يضل من يشاء﴾، وذكر هذين الوجهين الزجاج. وشرح الزمخشري هنا ﴿يضل من يشاء﴾ على طريقته في غير موضع من كتابه، من أن الإضلال هو خذلانه وتخليته وشأنه، وأتى بألفاظ كثيرة في هذا المعنى. وقرأ الجمهور: ﴿أفمن زين﴾ مبيناً للمفعول سوء رفع. وقرأ عبيد بن عمير: زين له سوء، مبنياً للفاعل، ونصب سوء؛ وعنه أيضاً أسوأ على وزن أفعل منصوباً؛ وأسوأ عمله: هو الشرك. وقراءة طلحة: أمن بغير فاء، قال صاحب اللوامح: للاستخبار بمعنى العامة للتقرير، ويجوز أن يكون بمعنى حرف النداء، فحذف التمام كما حذف من المشهور الجواب. انتهى. ويعني بالجواب: خبر المبتدأ، وبالتمام: ما يؤدي لأجله، أي تفكر وارجع إلى الله، ﴿فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ تسلية للرسول عن كفر قومه، ووجوب التسليم لله في إضلاله من يشاء وهداية من يشاء . وقرأ الجمهور: ﴿فلا تذهب نفسك﴾، مبنياً للفاعل من ذهب، ونفسك فاعل. وقرأ أبو جعفر، وقتادة، وعيسى، والأشهب، وشيبة، وأبو حيوة، وحميد والأعمش، وابن محيصن: تذهب من أذهب، مسند الضمير المخاطب، نفسك: نصب، ورويت عن نافع: والحسرة هم النفس على فوات أمر. وانتصب ﴿حسرات﴾ على أنه مفعول من أجله، أي فلا تهلك نفسك للحسرات، وعليهم متعلق بتذهب، كما تقول: هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً، أو هو بيان للمتحسر عليه، ولا يتعلق بحسرات لأنه مصدر، فلا يتقدّم معموله. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون حالاً، كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير: حتى ذهبن كلاكلاً وصدرواً مشق الهواجر لحمهن مع السرى يريد: رجعن كلاكلا وصدوراً، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها، ومنه قوله : حسرات وذكرهم لي سقام فعلى إثرهم تساقط نفسي انتهى. وما ذكر من أن كلاكلاً وصدوراً حالان هو مذهب سيبويه. وقال المبرد: هو تمييز منقول من الفاعل، أي حتى ذهبت كلاكلها وصدورها. ثم توعدهم بالعقاب على سوء صنعهم فقال: ﴿إن الله عليم بما يصنعون﴾: أي فيجازيهم عليه. (١) سورة الأنعام: ١٢٢/٦. ١٦ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور، من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذین یمکرون السیئات لهم عذاب شديد ومکر أولئك هو ییور، والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير، وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾. لما ذكر أشياء من الأمور السماوية وإرسال الملائكة، ذكر أشياء من الأمور الأرضية: الرياح وإسالها، وفي هذا احتجاج على منكري البعث. دلهم على المثال الذي يعاينونه، وهو وإحياء الموتى سيان. وفي الحديث: ((أنه قيل لرسول الله وَلقر: كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بوادي أهلك محلاً، ثم مررت به يهتز خضراً؟ فقالوا: نعم، فقال: فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه)). قيل: ﴿أرسل﴾ في معنى يرسل، ولذلك عطف عليه ﴿فتثير﴾. وقيل: جيء بالمضارع حكاية حال يقع فيها إثارة الرياح السحاب، ويستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية، ومنه فتصبح الأرض مخضرة. قال الزمخشري: وكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز خصوصية بحال يستغرب، أو يتهم المخاطب، أو غير ذلك، كما قال تأبط شراً : بشهب كالصحيفة صحصحان بأني قد لقيت الغول تهوي صريعاً لليدين وللجران فأضربها بلاد هش فخرت لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي يشجع فيها ابن عمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياهم ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجب من جراءته على كل هول، وثباته عند كل شدّة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها. لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة وقيل: فسقنا وأحيينا، معدولاً بهما عن لفظ الغيبة ١٧ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. انتهى. وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه: أي أرسل بلفظ الماضي. لما أسند إلى الله وما يفعله تعالى بقوله: كن، لا يبقى زماناً ولا جزء زمان، فلم يأت بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه، ولأنه فرغ من كل شيء، فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة وإلى المواضع المعينة. ولما أسند الإثارة إلى الريح، وهي تؤلف في زمان، قال: ﴿فتثير﴾، وأسند ﴿أرسل﴾ إلى الغائب، وفي ﴿فسقناه﴾، و﴿فأحيينا﴾ إلى المتكلم، لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال، ثم لما عرف قال: أنا الذي عرفتني سقت السحاب فأحييت الأرض. ففي الأول تعريف بالفعل العجيب، وفي الثاني تذكير بالبعث. وفسقناه وفأحيينا بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرنا من الفرق بين فتثير وأرسل. انتهى. وهذا الذي ذكر من الفرق بين أرسل وفتثير لا يظهر. ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة الروم: ﴿ألله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً﴾(١)، وفي الأعراف: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته﴾(٢)، كيف جاء في الإرسال بالمضارع؟ وإنما هذا من التفنن في الكلام والتصرف في البلاغة. وأما الخروج من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه فهو من باب الالتفات، وكذلك ما في الأعراف ﴿سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات﴾(٣). وأما قوله: وما يفعله تعالى إلى آخره، وكل فعل، وإن كان أسند إلى غيره مجازاً، فهو فعله حقيقة، فلا فرق بين ما يسنده إلى ذاته، وبين ما يسند إلى غيره، لأن جميع ذلك هو إيجاده وخلقه. والنشور، مصدر نشر: الميت إذا حيي، قال الأعشى : يا عجباً للميت الناشر حتى يقول الناس مما رأوا والنشر: مبتدأ، والجار والمجرور قبله في موضع الجر، والتشبيه وقع لجهات لما قبلت الأرض الميتة الحياة اللائقة بها، كذلك الأعضاء تقبل الحياة. أو كما أن الريح يجمع قطع السحاب، كذلك تجمع أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء؛ أو كما يسوق الرياح والسحاب إلى البلد الميت، يسوق الروح والحياة إلى البدن. ﴿من كان يريد العزة﴾: أي المغالبة، ﴿فالله العزة﴾: أي ليست لغيره، ولا تتم إلا به، والمغالب مغلوب. ونحا إليه مجاهد وقال: ﴿من كان يريد العزة﴾ بعبادة الأوثان، وهذا تمثيل لقوله: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً﴾ (٤). وقال قتادة: ﴿من كان يريد العزة﴾ وطريقها القويم (١) سورة الروم: ٤٨/٣٠. (٢) سورة الأعراف: ٥٧/٧. (٣) سورة الأعراف: ٥٧/٧. (٤) سورة مريم: ٨١/١٩. تفسير البحر المحيط ج٩ ٢٢ ١٨ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ ويحب نيلها، ﴿فللَّه العزة﴾: أي به وعن أمره، لا تنال عزته إلا بطاعته. وقال الفراء: من كان يريد علم العزة، ﴿فلله العزة﴾: أي هو المتصف بها. وقيل: ﴿من كان يريد العزة﴾: أي لا يعقبها ذلة، ويصار بها للذلة. وقال الزمخشري: كان الكافرون يتعززون بالأصنام، كما قال عز وجل: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً﴾(١). والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال: ﴿الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً﴾(٢)، فبين أن لا عزة إلا لله ولأوليائه وقال: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾(٣). انتهى. ولا تنافي بين قوله: ﴿فإن العزة لله جميعاً﴾(٤)، وإن كان الظاهر أنها له لا لغيره، وبين قوله ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾(٥) وإن كان يقتضي الاشتراك، لأن العزة في الحقيقة لله بالذات، وللرسول بواسطة قربه من الله، وللمؤمنين بواسطة الرسول. فالمحكوم عليه أولاً غير المحكوم عليه ثانياً. ومن إسم شرط، وجملة الجواب لا بد أن يكون فيها ضمير يعود على اسم الشرط إذا لم يكن ظرفاً، والجواب محذوف تقديره على حسب تلك الأقوال السّابقة. فعلى قول مجاهد: فهو مغلوب، وعلى قول قتادة: فيطلبها من الله، وعلى قول الفراء: فلينسب ذلك إلى الله، وعلى القول الرابع: فهو لا ينالها؛ وحذف الجواب استغناء عنه بقوله: ﴿فللَّه العزة جميعاً﴾، لدلالته عليه. والظاهر من هذه الأقوال قول قتادة: فليطلبها من العزة له يتصرف فيها كما يريد، كما قال تعالى: ﴿وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾(٦)، وانتصب جميعاً على المراد، والمراد عزة الدنيا وعزة الآخرة. و﴿الكلم الطيب﴾: التوحيد والتحميد وذكر الله ونحو ذلك. وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: ثناء بالخير على صالحي المؤمنين. وقال كعب: إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل بذكر صاحبها. وقرأ الجمهور: ﴿يصعد﴾، مبنياً للفاعل من صعد؛ ﴿الكلم الطيب﴾: مرفوعاً، فالكلم جمع كلمة. وقرأ علي، وابن مسعود، والسلمي، وإبراهيم: يصعد من أصعد، الكلام الطيب على البناء للمفعول. انتهى. وقرأ زيد بن علي: يصعد من صعد الكلام: رقي، وصعود الكلام إليه تعالى مجاز في الفاعل وفي المسمى إليه، لأنه تعالى ليس في جهة، ولأن الكلم ألفاظ لا توصف بالصعود، لأن الصعود من الاجرام يكون، وإنما ذلك كناية عن (١) سورة مريم: ٨١/١٩. (٢) سورة النساء: ١٣٩/٤. (٣) سورة المنافقون: ٨/٦٣. (٤) سورة النساء: ١٣٩/٤. (٥) سورة فاطر: ١٠/٣٥. (٦) سورة آل عمران: ٢٦/٣. ١٩ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ القبول، ووصفه بالكمال. كما يقال: علا كعبه وارتفاع شأنه، ومنه ترافعوا إلى الحاكم، ورفع الأمر إليه، وليس هناك علو في الجهة. وقرأ الجمهور: والعمل الصالح يرفعهما. فالعمل مبتدأ، ويرفعه الخبر، وفاعل يرفعه ضمير يعود على العمل الصالح، وضمير النصب يعود على الكلم، أي يرفع الكلم الطيب، قاله ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد والضحاك. وقال الحسن: يعرض القول على الفعل، فإن وافق القول الفعل قبل، وإن خالف رد. وعن ابن عباس نحوه، قال: إذ اذكر الله العبد وقال كلاماً طيباً وأدّى فرائضه، ارتفع قوله مع عمله؛ وإذا قال ولم يؤدّ فرائضه، رد قوله على عمله؛ وقيل: عمله أولى به. قال ابن عطية: وهذا قول يرده معتقد أهل السنة، ولا يصح عن ابن عباس. والحق أن القاضي لفرائضه إذ ذكر الله وقال كلاماً طيباً، فإنه مكتوب له متقبل، وله حسناته وعليه سيئاته، والله يتقبل من كل من اتقى الشرك. وقال أبو صالح، وشهر بن حوشب عكس هذا القول: ضمير الفاعل يعود على الكلم، وضمير النصب على العمل الصالح، أي يرفعه الكلم الطيب. وقال قتادة: إن الفاعل هو ضمير يعود على الله، والهاء للعمل الصالح، أي يرفعه الله إليه، أي يقبله. وقال ابن عطية: هذا أرجح الأقوال. وعن ابن عباس: والعمل الصالح يرفع عامله ويشرفه، فجعله على حذف مضاف. ويجوز عندي أن يكون العمل معطوفاً على الكلم الطيب، أي يصعدان إلى الله، ويرفعه استئناف إخبار، أي يرفعهما الله، ووحد الضمير لاشتراكهما في الصعود، والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة، فيكون لفظه مفرداً، والمراد به التثنية، فكأنه قيل: ليس صعودهما من ذاتهما، بل ذلك برفع الله إياهما. وقرأ عيس، وابن أبي عبلة: والعمل الصالح، بنصبهما على الاشتغال، فالفاعل ضمير الكلم أو ضمير الله، ومكر لازم، والسيئات نعت لمصدر محذوف، أي المكرات السيئات، أو المضاف إلى المصدر، أي أضاف المكر إلى السيئات، أو ضمن يمكرون معنى، يكتسبون، فنصب السيئات مفعولاً به. وإذا كانت السيئات نعتاً لمصدر، أو لمضاف لمصدر، فالظاهر أنه عنى به مكرات قريش في دار الندوة، إذ تذاكروا إحدى ثلاث مكرات، وهي المذكورة في الأنفال: إثباته، أو قتله، أو إخراجه؛ و﴿أولئك﴾ إشارة إلى الذين مكروا تلك المكرات. ﴿يبور﴾ أي يفسد ويهلك دون مكر الله بهم، إذ أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعاً وحقق فيهم قوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾(١)، وقوله: (١) سورة الأنفال: ٣٠/٨. ٢٠ سورة فاطر / الآيات: ١ - ٤٥ ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾(١)، وهو مبتدأ، ويبور خبره، والجملة خبر عن قوله: ﴿ومكر أولئك﴾. وأجاز الحوفى وأبو البقاء أن يكون هو فاصلة، ويبور خبر، ومكر أولئك والفاصلة لا يكون ما بعدها فعلاً، ولم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمناه إلا عبد القاهر الجرجاني في شرح الإيضاح له، فإنه اجاز في كان زيد هو يقوم أن يكون هو فصلاً وردّ ذلك علیه . ﴿والله خلقكم من تراب﴾: من حيث خلق أبينا آدم. ﴿ثم من نطفة): أي بالتناسل. ﴿ثم جعلكم أزواجاً﴾: أي أصنافاً ذكراناً وإناثاً، كما قال: ﴿أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً﴾(٢). وقال قتادة: قدّر بينكم الزوجية، وزوّج بعضكم بعضاً، ومن في ﴿من معمر﴾ زائدة، وسماه بما يؤول إليه، وهو الطويل العمر. والظاهر أن الضمير في ﴿من عمره﴾ عائد على معمر لفظاً ومعنى. وقال ابن عباس وغيره: يعود على معمر الذي هو اسم جنس، والمراد غير الذي يعمر، فالقول تضمن شخصين: يعمر أحدهما مائة سنة، وينقص من الآخر. وقال ابن عباس أيضاً، وابن جبير، وأبو مالك: المراد شخص واحد، أي يحصي ما مضى منه إذ مر حول كتب ذلك ثم حول، فهذا هو النقص، وقال الشاعر: مضى نفس منك انتقصت به جزءا حياتك أنفاس تعدّ فكلما وقال كعب الأحبار: معنى ﴿ولا ينقص من عمره﴾: لا يخترم بسببه قدرة الله، ولو شاء لآخر ذلك السبب. وروي أنه قال، لما طعن عمر رضي الله عنه: لودعا الله لزاد في أجله، فأنكر المسلمون عليه ذلك وقالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾(٣)، فاحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسك المعتزلة. وقرأ الجمهور: ولا ينقص، مبنياً للمفعول. وقرأ يعقوب، وسلام، وعبد الوارث، وهارون، كلاهما عن أبي عمرو: ولا ينقص، مبنياً للفاعل. وقرأ الحسن: ﴿من عمره إلا في كتاب﴾. قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. وقال الزمخشري: يجوز أن يراد كتاب الله علم الله، أو صحيفة الإنسان. انتهى. ﴿وما يستوي البحران﴾: هذه آية أخرى يستدل بها على كل عاقل أنه مما لا مدخل لصنم فيه. وتقدم شرح: ﴿هذا عذب فرات﴾، وشرح: ﴿وهذا ملح أجاج) في سورة (١) هذه السورة آية رقم ٤٣. (٢) سورة الشورى: ٥٠/٤٢. (٣) سورة الأعراف: ٣٤/٧.