النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ٢ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ سوء. والظاهِر أنه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات، لما يتجدد فيها من النعم. ويحتمل أن . یکون كناية عن استغراق زمان العبد، وهو أن یکون ذاكراً ربه، واصفه بما یجب له علی کل حال. وقال الزمخشري: لما ذكر الوعد والوعيد، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد. وقيل: المراد هنا بالتسبيح: الصلاة. فعن ابن عباس وقتادة: المغرب والصبح والعصر والظهر، وأما العشاء ففي قوله: ﴿وَزُلَفاً من الليل﴾(١). وعن ابن عباس: الخمس، وجعل ﴿حين تمسون﴾ شاملاً للمغرب والعشاء. ﴿وله الحمد في السموات والأرض﴾: اعتراض بين الوقتين، ومعناه: أن الحمد واجب على أهل السموات وأهل الأرض، وكان الحسن يذهب إلى أن هذه الآية مدنية، لأنه كان يقول: فرضت الخمس بالمدينة. وقال الأكثرون: بل فرضت بمكة؛ وفي التحرير، اتفق المفسرون على أن الخمس داخلة في هذه الآية. وعن ابن عباس: ما ذكرت الخمس إلا فيها، وقدم الإمساء على الإصباح، كما قدم ف قول ﴿يولج الليلٍ في النهار﴾، والظلمات على النور، وقابل بالعشي الإمساء. وبالإظهار الإصباح، لأن كلّ منهما يعقب بما يقابله، فالعشي يعقبه الإمساء، والإصباح يعقبه الإظهار. ولما لم يتصرف من العشي فعل، لا يقال أعشى، كما يقال أمسى وأصبح وأظهر، جاء التركيب ﴿وعشياً﴾: وقرأ عكرمة: حيناً تمسون وحيناً تصبحون، بتنوين حين، والجملة صفة حذف منها العائد تقديره: تمسون فيه وتصبحون فيه. ولما ذكر الإبداء والإعادة، ناسب ذكره: ﴿يخرج الحي من الميت﴾، وتقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران. ﴿وكذلك﴾: أي مثل ذلك الإخراج، والمعنى: تساوي الإبداء والإعادة في حقه تعالى. وقرأ الجمهور: ﴿تخرجون﴾، بالتاء المضمومة، مبنياً للمفعول؛ وابن وثاب وطلحة والأعمش: بفتح تاء الخطاب وضم الراء. ثم ذكر تعالى آياته من بدء خلق الإنسان، آية آية، إلى حين بعثه من القبر فقال: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب﴾: جعل خلقهم من تراب، حيث كان خلق أباهم آدم من تراب. و﴿تنتشرون﴾: تتصرفون في أغراضكم بثم المقتضية المهلة والتراخي. ونبه تعالى على عظيم قدرته بخلق الإنسان من تراب، وهو أبعد الأشياء عن درجة الإحياء، لأنه بارد يابس، والحياة بالحرارة والرطوبة، وكذا الروح نير وثقيل، والروح خفيف وساكن، والحيوان متحرك إلى الجهات الست، فالتراب أبعد من قبول الحياة من سائر الأجسام. (١) سورة هود: ١١٤/١١. (٢) سورة آل عمران: ٢٧/٣، وسورة الحج: ٦١/٢٢. ٣٨٢ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ ﴿من أنفسكم﴾: فيها قولاً ﴿وخلق منها زوجها﴾(١). أما كون حواء خلقت من ضلع آدم، وأما من جنسكم ونوعكم. وعلل خلق الأزواج بالسكون إليها، وهو الإلف. فمتى كان من الجنس، كان بينهما تألف، بخلاف الجنسين، فإنه يكون بينهما التنافر، وهذه الحكمة في بعث الرسل من جنس بني آدم. ويقال: سكن إليه: مال، ومنه السكن: فعل بمعنى مفعول. ﴿مودّة ورحمة﴾: أي بالأزواج، بعد أن لم يكن سابقة تعارف يوجب التواد. وقال مجاهد والحسن وعكرمة: المودة: النكاح، والرحمة: الولد، كنى بذلك عنهما. وقيل: مودّة للشابة، ورحمة للعجوز. وقيل: مودة للكبير، ورحمة للصغير. وقيل: هما اشتباك الرحم. وقيل: المودة من الله، والبغض من الشيطان. ﴿واختلاف ألسنتكم﴾: أي لغاتكم، فمن اطلع على لغات رأى من اختلاف تراكيبها أو قوانينها، مع اتحاد المدلول، عجائب وغرائب في المفردات والمركبات. وعن وهب: أن الألسنة اثنان وسبعون لساناً، في ولد حام سبعة عشر، وفي ولد سام تسعة عشر، وفي ولد يافث ستة وثلاثون. وقيل: المراد باللغات: الأصوات والنغم. وقال الزمخشري: الألسنة: اللذات وأجناس النطف وأشكاله. خالف عز وجل بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله. انتهى. ﴿وألوانكم﴾: السواد والبياض وغيرهما، والأنواع والضروب بتخطيط الصور، ولولا ذلك الاختلاف، لوقع الالتباس وتعطلت مصالح كثيرة من المعاملات وغيرها. وفيه آية بينة، حيث فرعوا من أصل واحد، وتباينوا في الأشكال على كثرتهم. وقرأ الجمهور: ﴿للعالمين﴾، بفتح اللام، لأنها في نفسها آية منصوبة للعالم. وقرأ حفص وحماد بن شعيب عن أبي بكر، وعلقمة عن عاصم، ويونس عن أبي عمرو: بكسر اللام، إذ المنتفع بها إنما هم أهل العلم، كقوله: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾(٢). والظاهر أن ﴿بالليل والنهار﴾ متعلق ﴿بمنامكم﴾، فامتن تعالى بذلك، لأن النهار قد يقام فيه، وخصوص من كان مشتغلاً في حوائجه بالليل. ﴿وابتغاؤكم من فضله﴾: أي فيهما، أي في الليل والنهار معاً، لأن بعض الناس قد يبتغي الفعل بالليل، كالمسافرين والحراس بالليل وغيرهم. وقال الزمخشري: هذا من باب اللف، وترتيبه: ﴿ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم﴾، ولأنه فصل بين الفريقين الأولين بالقرينين الآخرين لأنهما زمانان، والزمان (١) سورة النساء: ٤/. (٢) سورة العنكبوت: ٤٣/٢٩. ٣٨٣ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على ذلك، ويجوز أن يراد ﴿منامكم﴾ في الزمانين، ﴿وابتغاؤكم من فضله﴾ فيهما. والظاهر هو الأول لتكرره في القرآن، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن. وقال ابن عطية: وقال بعض المفسرين: في الكلام تقديم وتأخير، وهذا ضعيف، وإنما أراد أن ترتب النوم في الليل والابتغاء للنهار، ولفظ الآية لا يعطي ذلك. ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً﴾: إما أن يتعلق من آياته بيريكم، فيكون في موضع نصب، ومن لابتداء الغاية، أو يكون يريكم على إضمار أن، كما قال: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى برفع أحضر، والتقدير أن أحضر، فلما حذف أن، ارتفع الفعل، وليس هذا من المواضع التي يحذف منها أن قياساً، أو على إنزال الفعل منزلة المصدر من غير ما یسبکه له، كما قال الخليل في قول: أريد لأنسی حبها أي أرادني لأنسى حبها، فيكون التقدير في هذين الوجهين: ومن آياته إراءته إياكم البرق، فمن آياته في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ. وقال الرماني: يحتمل أن يكون التقدير: ومن آياته يريكم البرق بها، وحذف لدلالة من عليها، كما قال الشاعر: أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وما الدهر إلا تارتان فمنهما أي: فمنهما تارة أموت، ومن على هذه الأوجه الثلاثة للتبعيض. وانتصب ﴿خوفاً وطمعاً﴾ على أنهما مصدران في موضع الحال، أي خائفين وطامعين. وقيل: مفعول من أجله. وقال الزجاج: وأجازه الزمخشري على تقدير إرادة خوف وطمع، فيتحد الفاعل في العامل والمحذوف، ولا يصح أن يكون العامل يريكم، لاختلاف الفاعل في العامل والمصدر. وقال الزمخشري: المفعولون فاعلون في المعنى، لأنهم راؤون مكانه، فكأنه قيل: لجعلكم رائين البرق خوفاً وطمعاً. انتهى. وكونه فاعلاً، قيل: همزة التعدية لا تثبت له حكمه بعدها، على أن المسألة فيها خلاف مذهب الجمهور: اشتراط اتحاد الفاعل، ومن النحويين من لا يشترطه. ولو قيل: على مذهب من يشترطه. أن التقدير: يريكم البرق فترونه خوفاً وطمعاً، فحذف العامل للدلالة، لكان إعراباً سائغاً واتحد فيها الفاعل. وقال الضحاك: خوفاً من صواعقه، وطمعاً في مطره. وقال قتادة: خوفاً للمسافر، ولمعاً للمقيم. وقيل: خوفاً أن يكون خلباً، وطمعاً أن يكون ماطراً. وقال الشاعر: ٣٨٤ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ إن خير البرق ما الغيث معه لا يكن برقك برقاً خلباً وقال ابن سلام: خوفاً من البرد أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر أن يحييه. ﴿ومن آياته أن تقوم﴾: أن تثبت وتمسك، مثل: وإذا أظلم عليهم قاموا: أي ثبتوا بأمره، أي بإرادته. وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة جواب الشرط، والمعنى: أنه لا يتأخر طرفة عين خروجكم عن دعائه، كما يجيب الداعي المطيع مدعوه، كما قال الشاعر: دعوت كليباً دعوة فكأنما دعوت قرين الطود أو هو أسرع قرين الطود: الصدا، أو الحجران أيد هذا. والطود: الجبل. و﴿الدعوة﴾: البعث من القبور، و﴿من الأرض﴾ يتعلق بدعاكم، ودعوة): أي مرة، فلا يحتاج إلى تكرير دعاءكم لسرعة الإجابة. وقيل: ﴿من الأرض) صفة لدعوة. وقال ابن عطية: ومن عندي هنا لأنتهاء الغاية، كما يقول: دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل. انتهى. وكون من الأنتهاء الغاية قول مردود عند أصحابنا. وعن نافع ويعقوب: أنهما وقفا على دعوة، وابتدآ من الأرض. ﴿إذا أنتم تخرجون﴾ علقاً من الأرض بتخرجون، وهذا لا يجوز، لأن فيه الفصل بين الشرط وجوابه، بالوقف على دعوة فيه إعمال ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها، وهو لا يجوز. وقال الزمخشري: وقوله: ﴿إذا دعاكم﴾ بمنزلة قوله: ﴿يريكم﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة: يا أهل القبور أخرجوا، وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بثم، بياناً لعظيم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر. انتهى. وقرأ حمزة والكسائي: تخرجون، بفتح التاء وضم الراء؛ وباقي السبعة: بضمها وفتح الراء. وبدأ أولاً من الآيات بالنشأة الأولى، وهي خلق الإنسان من التراب، ثم كونه بشراً منتشراً، وهو خلق حي من جماد، ثم أتبعه بأن خلق له من نفسه زوجاً، وجعل بينهما تواد، وذلك خلق حي من عضو حي. وقال: ﴿لقوم يتفكرون﴾، لأن ذلك لا يدرك إلا بالفكر في تأليف بين شيئين لم يكن بينهما تعارف، ثم أتبعه بما هو مشاهد للعالم كلهم، وهو خلق السموات والأرض، واختلاف اللغات والأولوان، والاختلاف من لوازم الإنسان لا يفارقه. وقال: ﴿للعالمين﴾، لأنها آية مكشوفة للعالم، ثم أتبعه بالمنام والابتغاء، وهما من الأمور ٣٨٥ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ المفارقة في بعض الأوقات، بخلاف اختلاف الألسنة والألوان. وقال: ﴿لقوم يسمعون﴾، لأنه لما كان من أفعال العبادة قد يتوهم أنه لا يحتاج إلى مرشد، فنبه على السماع، وجعل البال من كلام المرشد. ولما ذكر عرضيات الأنفس اللازمة والمفارقة، ذكر عرضيات الآفاق المفارقة من إراءة البرق وإنزال المطر، وقدمها على ما هو من الأرض، وهو الإتيان والإحياء، كما قدم السموات على الأرض، وقدم البرق على الإنزال، لأنه كالمبشر يجيء بين يدي القادم. والأعراب لا يعلمون البلاد المعشبة، إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب إلى جانب. وقال: ﴿لقوم يعقلون﴾، لأن البرق والإنزال ليس أمراً عادياً فيتوهم أنه طبيعة، إذ يقع ذلك ببلدة دون أخرى، ووقتاً دون وقت، وقوياً وضعيفاً، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال: هو آية لمن عقل بأن لم يتفكر تفكراً تاماً . ثم ختم هذه الآيات بقيام السموات الأرض، وذلك من العوارض اللازمة، فإن كلّاً من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها من غير عمد. ثم أتبع ذلك بالنشأة الأخرى، وهي الخروج من الأرض، وذكر تعالى من كل باب أمرين: من الأنفس خلفكم وخلق لكم، ومن الآفاق السماء والأرض، ومن لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان، ومن خواصه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر، ومن لوازمه قيام السماء وقيام الأرض. ﴿وله من في السموات والأرض كل له قانتون، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين، فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون﴾. ﴿من في السموات والأرض»: عام في كونهم تحت ملكه وقهره. وقال الحسن: ﴿قانتون﴾: قائمون بالشهادة على وحدانيته، كما قال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير البحر المحيط چ٨ م٢٥ ٣٨٦ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ وقال ابن عباس: مطيعون، أي في تصريفه، لا يمتنع عنه شيء يريد فعله بهم، من حياة وموت وصحة ومرض، فهي طاعة الإرادة لا طاعة العبادة. وقيل: قائمون يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين. وإذا حمل القنوت على الإخلاص، كما قال ابن جبير، أو على الإقرار بالعبودية، أو قانتون من ملك ومؤمن، لأن كل عام مخصوص. ﴿وهو أهون عليه﴾: أي والعود أهون عليه، وليست أهون أفعل تفضيل، لأنه تفاوت عند الله في النشأتين: الإبداء والإعادة، فلذلك تأوله ابن عباس والربيع بن خيثم على أنه بمعنى هين، وكذا هو في مصحف عبد الله. والضمير في عليه عائد على الله. وقيل: أهون للتفضيل، وذلك بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر في المشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون من البداءة، للاستغناء عن الروية التي كانت في البداءة؛ وهذا، وإن كان الاثنان عنده تعالى من اليسر في حيز واحد. وقيل: الضمير في عليه عائد على الخلق، أي والعود أهون على الخلق: بمعنى أسرع، لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن يصير إنساناً، والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات في الأطوار، إنما يدعوه الله فيخرج، فكأنه قال: وهو أيسر عليه، أي أقصر مدة وأقل انتقالاً. وقيل: المعنى وهو أهون على المخلوق، أي يعيد شيئاً بعد إنشائه، فهذا عرف المخلوقين، فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق؟ قال ابن عطية: والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾، كما جاء بلفظ فيه استعاذة واستشهاد بالمخلوق على الخالق، وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم، خلص جانب العظمة، بأن جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به، فكيف ولا تمثال مع شيء؟ انتهى. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله: ﴿وهو أهون عليه﴾، وقدمت في قوله: ﴿هو علي هين﴾(١)؟ قلت: هنالك قصد الاختصاص، وهو تجبره، فقيل: وهو علي هين، وإن كان مستصعباً عندك، وإن تولد بين هرم وعاقر. وأما هنا فلا معنى للاختصاص، كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء؟ فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. انتهى. ومبنى كلامه على أن تقديم المعمول يؤذن بالاختصاص، وقد تكلمنا معه في ذلك، ولم نسلمه في قوله: ﴿إياك نعبد﴾(٢). ﴿وله المثل الأعلى﴾، قيل: هو متعلق بما قبله، قاله الزجاج، وهو قوله: ﴿وهو أهون﴾؛ قد ضربه لكم مثلاً فيما يسهل أو يصعب. وقيل: بما بعده من قوله: ﴿ضرب لكم (٢) سورة الفاتحة: ٥/١. (١) سورة مريم: ٩/١٩. ٣٨٧ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ مثلاً من أنفسكم﴾. وقيل: المثل: الوصف الأرفع الأعلى الذي ليس لغيره مثله، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما. ﴿وهو العزيز﴾: أي القاهر لكل شيء، الحكيم الذي أفعاله على مقتضى حكمته. وعن مجاهد: المثل الأعلى قوله: ﴿لا إله إلّ الله﴾(١)، وله الوصف بالوحدانية، ويؤيده قوله: ﴿ضرب لكم﴾. وقال ابن عباس وغيره: بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله، بضربه هذا المثل، ومعناه: أنكم أيها الناس، إذا كان لكم عبيد تملكونهم، فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهم أموركم، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة، وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسمونكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض؛ فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته وتثبتون في جانبه ما لا يليق عندكم بجوانبكم؟ وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير. وقال السدي: كانوا يورثون آلهتهم، فنزلت. وقيل: لما نزلت، قال أهل مكة: لا يكون ذلك أبداً، فقال رسول الله وَله: ((فلم يجوز لربكم))؟ ومن في: ﴿من أنفسكم) لابتداء الغاية، كأنه قال: أخذ مثلاً، وافترى من أقرب شيء منكم، وهو أنفسكم، ولا يبعد. ومن في: ﴿مما ملكت﴾ للتبعيض، ومن في: ﴿من شركاء﴾ زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. يقول: ليس يرضى أحد منكم أن يشركه عبده في ماله وزوجته وما يختص به حتى يكون مثله، فكيف ترضون شريكاً لله، وهو رب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد؟ وقال أبو عبد الله الرازي: وبين المثل والممثل به مشابهة ومخالفه. فالمشابهة معلومة، والمخالفة من وجوه: قوله: ﴿من أنفسكم): أي من نسلكم، مع حقارة الأنفس ونقصها وعجزها، وقاس نفسه عليكم مع عظمتها وجلالتها وقدرتها. وقوله: ﴿مما ملكت أيمانكم): أي عبيدكم، والملك ما قبل النقل بالبيع، والزوال بالعتق، ومملوكه تعالى لا خروج له عن الملك. فإذا لم يجز أن يشرككم مملوككم، وهو مثلكم من جميع الوجوه ومثلكم في الآدمية، حالة الرق، فكيف يشرك الله مملوكه من جميع الوجوه المباين له بالكلية؟ وقوله: ﴿فيما رزقناكم﴾: يعني أن الميسر لكم في الحقيقة إنما هو الله ومن رزقه حقيقة، فإذا لم يجز أن يشرككم فيما هو لكم من حيث الاسم، فكيف يكون له تعالى (١) سورة الصافات: ٣٥/٣٧. ٣٨٨ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ شريك فيما له من جهة الحقيقة؟ انتهى، وفيه بعض تلخيص. و﴿شركاء﴾ في موضع رفع بالابتداء، و﴿فيما رزقناكم﴾ متعلق به، و﴿لكم) الخبر، و﴿مما ملكت﴾ في موضع الحال، لأنه نعت نكرة تقدم عليها وانتصب على الحال، والعامل فيها العامل في الجار والمجرور، والواقع خبراً، وهو مقدر بعد المبتدأ. وما في ﴿رزقناكم﴾ واقعة على النوع، والتقدير: هل شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم كائنون لكم؟ ويجوز أن يتعلق لكم بشركاء، ويكون مما رزقناكم في موضع الخبر، كما تقول: لزيد في المدينة مبغض، فلزيد متعلق بمبغض الذي هو مبتدأ، وفي المدينة الخبر، و﴿فأنتم فيه سواء﴾ جملة في موضع الجواب للاستفهام المضمن معنى النفي، وفيه متعلق بسواء، و﴿تخافونهم﴾ خبر ثان لأنتم، والتقدير: فأنتم مستوون معهم فيما رزقناكم، تخافونهم كما يخاف بعضكم بعضاً أيها السادة. والمقصود نفي الشركة والإستواء والخوف، وليس النفي منسحباً علی الجواب وما بعده فقط، کأحد وجهي ما تأتینا فتحدثنا، أي ما تأتينا فتحدثنا، إنما تأتي ولا تحدث، بل هو على الوجه الآخر، أي ما تأتينا فكيف تحدثنا؟ أي ليس منك إتيان فلا يكون حديث. وكذلك هذا ليس لهم شريك، فلا استواء ولا خوف. وقرأ الجمهور: أنفسكم، بالنصب، أضيف المصدر إلى الفاعل؛ وابن أبي عبيدة: بالرفع، أضيف المصدر للمفعول، وهما وجهان حسنان، ولا قبح في إضافة المصدر إلى المفعول مع وجود الفاعل. ﴿كذلك﴾: أي مثل ذلك التفصيل، ﴿نفصل الآيات): أي نبينها، لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها، لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها. ألا ترى كيف صور الشرك بالصورة المشوهة؟ وقرأ الجمهور: نفصل، بالنون، حملاً على رزقناكم؛ وعباس عن ابن عمر: بياء الغيبة، رعياً لضرب، إذ هو مسند للغائب. وذكر بعض العلماء في هذه الآية دليلاً على صحة أصل الشركة بين المخلوقين، لافتقار بعضهم إلى بعض، كأنه يقول: الممتنع والمستقبح شركة العبيد لساداتهم؛ أما شركة السادات بعضهم لبعض فلا يمتنع ولا يستقبح. والإضراب بيل في قوله: ﴿بل اتبع﴾ جاء على ما تضمنته الآية، إذ المعنى: ليس لهم حجة ولا معذرة فیما فعلوا من إشراكهم بالله، بل ذلك بمجرد هوی بغير علم، لأنه قد يكون هوى للإنسان، وهو يعلم. و﴿الذين ظلموا﴾: هم المشركون، اتبعوا أهواءهم جاهلين هائمين على أوجههم، لا يرغمهم عن هواهم علم، إذ هم خالون من العلم الذي قد يردع متبع الهوى. ﴿فمن يهدي من أضل الله﴾: أي لا أحد يهدي من أضله الله، أي ٣٨٩ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ هؤلاء ممن أضلهم الله، فلا هادي لهم. وقال الزمخشري: من أضل الله: من خذله الله ولم يلطف به، لعلمه أنه ممن لا لطف له ممن يقدر على هداية مثله. ﴿وما لهم من ناصرين﴾: دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. ﴿فأقم وجهك للدين﴾: فقوم وجهك له وعدله غير ملتفت، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه. فإن من اهتم بالشيء، عقد عليه طرفه وقوم له وجهه مقبلاً به عليه، والدين دين الإسلام. وذكر الوجه، لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه. و﴿حنيفاً﴾: حال من الضمير في أقم، أو من الوجه، أو من الدين، ومعناه: مائلاً عن الأديان المحرفة المنسوخة. ﴿فطرة الله﴾: منصوب على المصدر، كقوله: ﴿صبغة الله﴾(١)، وقيل: منصوب بإضمار فعل تقديره: التزم فطرة الله. وقال الزمخشري: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله. وإنما أضمرت على خطاب الجماعة لقوله: ﴿منيبين إليه﴾، ومنيبين حال من الضمير في الزموا. وقوله: ﴿وأقيموا﴾، ﴿ولا تكونوا﴾، معطوف على هذا المضمر. انتهى. وقيل: ﴿فأقم وجهك﴾، المراد به: فأقيموا وجوهكم، وليس مخصوصاً بالرسول وحده، وكأنه خطاب لمفرد أريد به الجمع، أي: فأقم أيها المخاطب، ثم جمع على المعنى، لأنه لا يراد به مخاطب واحد. فإذا كان هذا، فقوله: ﴿منيبين﴾، ﴿وأقيموا﴾، ﴿ولا تكونوا﴾ ملحوظ فيه معنى الجمع. وقول الزمخشري: أو عليكم فطرة الله لا يجوز، لأن فيه حذف كلمة الإغراء، ولا يجوز حذفها، لأنه قد حذف الفعل وعوض عليك منه. فلو جاز حذفه لكان إجحافاً، إذ فيه حذف العوض والمعوض منه. والفطرة، قيل: دين الإسلام، والناس مخصوصون بالمؤمنين. وقيل: العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم نسماً من ظهره ورجح الحذاق. إنها القابلية التي في الطفل للنظر في مصنوعات الله، والاستدلال بها على موجده، فیؤمن به ويتبع شرائعه، لكن قد تعرض له عوارض تصرفه عن ذلك، كتهويد أبويه له، وتنصيرهما، وإغواء شياطين الإنس والجن. ﴿لا تبديل لخلق الله﴾: أي لا تبديل لهذه القابلية من جهة الخالق. وقال مجاهد، وابن جبير، والضحاك، والنخعي، وابن زيد: لا تبديل لدين الله، والمعنى: لمعتقدات الأديان، إذ هي متفقة في ذلك. وقال الزمخشري: أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو (١) سورة البقرة: ١٣٨/٢. ٣٩٠ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ تغير. وقال ابن عباس: لا تبديل لقضاء الله بسعادتهم وشقاوتهم، وقيل: هو نفي معناه: النهي، أي لا تبدلوا ذلك الدين. وقيل: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ بمعنى: الوحدانية مترشحة فيه، لا تغير لها، حتى لو سألته: من خلق السموات والأرض؟ تقول: الله. ويستغرب ما روي عن ابن عباس أن معنى ﴿لا تبديل لخلق الله﴾: النهي عن خصاء الفحول من الحيوان. وقول من ذهب إلى أن المعنى في هذه الجملة ألجأ على الكفرة، اعترض به أثناء الكلام، كأنه يقول: أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإن هؤلاء الكفرة ومن خلق الله لهم الكفر، و﴿لا تبديل لخلق الله﴾: أي أنهم لا يفلحون ذلك الذي أمرت بإقامة وجهك له، هو الدين المبالغ في الاستقامة. والقيم: بياء مبالغة، من القيام، بمعنى الاستقامة، ووزنه فعيل، أصله قيوم كيد، اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالكسون، فقلبت الواوياء، وأدغمت الياء فيها، وهو بناء مختص بالمعتل العين، لم يجىء منه في الصحيح إلا بيئس وصيقل علم لامرأة. ﴿منيبين﴾: حال من ﴿الناس﴾، ولا سيما إذا أريد بالناس: المؤمنون، أو من الضمير في: الزموا فطرة الله، وهو تقدير الزمخشري، أو من الضمير في: ﴿فأقم﴾، إذ المقصود: الرسول وأمته، وكأنه حذف معطوف، أي فأقم وجهك وأمتك. وكذا زعم الزجاج في: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾(١): أي يا أيها النبي والناس، ودل على ذلك مجيء الحال في ﴿منيبين﴾ جمعاً، وفي ﴿إذا طلقتم﴾ جاء الخطاب فيه وفي ما بعده. جمعاً، أو على خبر كان مضمرة، أي كونوا منيبين، ويدل عليه قوله بعد ﴿ولا تكونوا﴾، وهذه احتمالات منقولة كلها. ﴿من المشركين﴾: من اليهود والنصارى، قاله قتادة. وقال ابن زيد: هم اليهود؛ وعن أبي هريرة وعائشة: أنهم أهل القبلة، ولفظة الإشراك على هذا تجوز بأنهم صاروا في دينهم فرقاً. والظاهر أن المشركين: كل من أشرك، فيدخل فيهم أهل الكتاب وغيرهم. و﴿من الذين﴾: بدل من المشركين، ﴿فرقوا دينهم﴾: أي دين الإسلام وجعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم. ﴿وكانوا شيعاً﴾: كل فرقة تشايع إمامها الذي كان سبب ضلالها. ﴿كل حزب﴾: أي منهم فرح بمذهبه مفتون به. والظاهر أن ﴿كل حزب﴾ مبتدأ و﴿فرحون﴾ الخبر. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ﴿من الذين﴾ منقطعاً مما قبله ومعناه: من المفارقين دينهم. كل حزب فرحين بما لديهم، ولكنه رفع فرحون على الوصف لكل، كقوله: (١) سورة الطلاق: ١/٦٥. ٣٩١ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ وكل خليل غير هاضم نفسه انتهى. قدر أولاً فرحين مجرورة صفة لحزب، ثم قال: ولكنه رفع على الوصف لكل، لأنك إذا قلت: من قومك كل رجل صالح، جاز في صالح الخفض نعتً لرجل، وهو الأكثر، كقوله: جادت عليه كل عين ترة فتركن كل حديقة كالدرهم وجاز الرفع نعتاً لكل، كقوله: هوجاء ليس للبها دبر وعليه هبت كل معصفة برفع هوجاء صفة لكل. ﴿وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون، أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون، أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. الضر: الشدة، من فقر، أو مرض، أو قحط، أو غير ذلك؛ والرحمة: الخلاص من ذلك الضر. ﴿دعوا ربهم): أفردوه بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك الضر، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا هو تعالى، فلهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع، وإذا خلصهم من ذلك الضر، أشرك فريق ممن خلص، وهذا الفريق هم عبدة الأصنام. قال ابن عطية: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين، إذ جاءهم فرج بعد شدة، علقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، أو بغير ذلك، ففيه قلة شكر الله، ويسمى مجازاً. وقال أبو عبد الله الرازي: يقول: تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني وسبب الصنم الفلاني، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه يخلص بسبب فلان إذا كان ظاهراً، فإنه شرك خفي. انتهى. و﴿إِذا فريق﴾: جواب ﴿إذا أذاقهم)، الأولى شرطية، والثانية للمفاجأة، وتقدم نظيره، وجاء هنا فريق، لأن قوله: ﴿وإذا مس الناس﴾ عام للمؤمن والكافر، فلا يشرك إلا الكافر. ٣٩٢ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ وضر هنا مطلقٍ، وفي آخر العنكبوت ﴿إذا هم يشركون﴾(١) لأنه في مخصوصين من المشركين عباد الأصنام، والضر هناك معين، وهو ما يتخوف من ركوب البحر. ﴿إذا هم﴾: أي ركاب البحر عبدة الأصنام، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده. واللام في ﴿ليكفروا﴾ لام كي، أو لام الأمر للتهديد، وتقدم نظيره في آخر العنكبوت. وقرأ الجمهور: ﴿فتمتعوا فسوف تعلمون﴾، بالتاء فيهما. وقرأ أبو العالية: فيتمتعوا، بالياء، مبنياً للمفعول، وهو معطوف على ﴿ليكفروا﴾. فسوف يعلمون: بالياء، على التهديد لهم. وعن أبي العالية: فيتمتعوا، بياء قبل التاء، عطف أيضاً على ﴿ليكفروا﴾، أي لتطول أعمارهم على الكفر؛ وعنه وعن عبد الله: فليتمتعوا. وقال هارون في مصحف عبد الله: يمتعوا. ﴿أم أنزلنا﴾، أم: بمعنى بل، والهمزة للإضراب عن الكلام السابق، والهمزة للاستفهام عن الحجة استفهام إنكار وتوبيخ. والسلطان: البرهان، من كتاب أو نحوه. ﴿فهو يتكلم): أي يظهر مذهبهم وينطق بشركهم، والتكلم مجاز لقوله: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾(٢). وهو يتكلم: جواب للاستفهام الذي تضمنه أم، كأنه قال: بل أنزلنا عليهم سلطاناً، أي برهاناً شاهداً لكم بالشرك، فهو يشهد بصحة ذلك، وإن قدر ذا سلطان، أي ملكاً ذا برهان، كان التكلم حقيقة. ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة﴾: أي نعمة، من مطر، أو سعة، أو صحة. ﴿وإن تصبهم سيئة﴾: أي بلاء، من حدث، أو ضيق، أو مرض. ﴿بما قدمت أيديهم من﴾ المعاصي. ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾(٣)، ففي إصابة الرحمة فرحوا وذهلوا عن شكر من أسداها إليهم، وفي إصابة البلاء قنطوا ويئسوا وذهلوا عن الصبر، ونسوا ما أنعم به عليهم قبل إصابة البلاء. و﴿إذا هم﴾ جواب: ﴿وإن تصبهم﴾، يقوم مقام الفاء في الجملة الاسمية الواقعة جواباً للشرط. وحين ذكر إذاقة الرحمة، لم يذكر سببها، وهو زيادة الإحسان والتفضل. وحين ذكر إصابة السيئة، ذكر سببها، وهو العصيان، ليتحقق بدله. ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله، وهو أنه تعالى هو الباسط القابض، فينبغي أن لا يقنط، وأن يتلقى ما يرد من قبل الله بالصبر في البلاء، والشكر في النعماء، وأن يقلع عن المعصية التي أصابته السيئة بسببها، حتى تعود إليه رحمة ربه. (١) سورة العنكبوت: ٢٩ /٦٥. (٢) سورة الجاثية: ٤٥ /٢٩. (٣) سورة الرعد: ١٣ / ١١ . ٣٩٣ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ ومناسبة ﴿فآت ذا القربى﴾ لما قبله: أنه لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض، وجعل في ذلك آية للمؤمن، ثم نبه بالإحسان لمن به فاقة واحتياج، لأن من الإيمان الشفقة على خلق الله، فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق الله من المال، وصرفه إلى من يقرب منه من حج، وإلى غيره من مسكين وابن سبيل. وقال الحسن: هذا خطاب لكل سامع بصلة الرحم، ﴿والمسكين وابن السبيل﴾. وقيل: الرسول، عليه السلام. وذو القربى: بنو هاشم وبنو المطلب، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء. وقال الحسن: حق المسكين وابن السبيل من الصدقة المسماة لهما. واحتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. أثبت تعالى لذي القربى حقاً، وللمسكين وابن السبيل حقهما. والسورة مكية، فالظاهر أن الحق ليس الزكاة، وإنما يصير حقاً بجهة الإحسان والمواساة. وللاهتمام بذي القربى، قدم على المسكين وابن السبيل، لأن بره صدقة وصلة. ﴿ذلك﴾: أي الإيتاء، ﴿خير): أي يضاعف لهم الأجر في الآخرة، وينمو ما لهم في الدنيا لوجه الله، أي التقرب إلى رضا الله لا يضره. ثم ذكر تعالى من يتصرف في ماله على غير الجهة المرضية فقال: ﴿وما آتيتم﴾ أكلة الربو، ليزيد ويزكو في المال، فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه لقوله: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾(١). قال السدّي: نزلت في ربا ثقيف، كانوا يعملون بالربا، ويعمله فيهم قريش. وقال ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وطاوس: هذه الآية نزلت في هبات، للثواب. وقال ابن عطية: وما جرى مجراهما مما يصنع للمجازاة، كالسلم وغيره، فهو وإن كان لا ثم فيه، فلا أجر فيه ولا زيادة عند اللّه. وقال ابن عباس أيضاً، والنخعي: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع به، فذلك النفع لهم. وقال الشعبي قريباً من هذا وهو: أن ما خدم به الإنسان غيره انتفع به، فذلك النفع لهم. وقال الشعبي أيضاً قريباً من هذا وهو: أن لا يربو عند الله، والظاهر القول الأول، وهو النهي عن الربا. وقرأ الجمهور: ﴿وما آتيتم﴾، الأول بمد الهمزة، أي وما أعطيتم؛ وابن كثير: بقصرها، أي وما جئتم. وقرأ الجمهور: ليربو، بالياء وإسناد الفعل إلى الربا؛ وابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبو رجاء، والشعبي، ونافع، وأبو حيوة: بالتاء مضمومة، وإسناد الفعل إليهم. وقرأ أبو مالك: ليربوها، بضمير المؤنث. (١) سورة البقرة: ٢٧٦/٢. ٣٩٤ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ والمضعف: ذو أضعاف في الأجر. قال الفراء: هم أصحاب المضاعفة، كما تقول: هو مسمن، أي صاحب إبل سمان، ومعطش: أي صاحب إبل عطشى. وقرأ أبي: ﴿المضعفون﴾، بفتح العين، اسم مفعول. وقال الزمخشري: ﴿فأولئك هم المضعفون﴾، التفات حسن، كأنه قال لملائكته وخواص خلقه: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم هم المضعفون، والمعنى : المضعفون به بدلالة أولئك هم المضعفون، والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وهذا أسهل مأخذاً، والأول أملأ بالفائدة: انتهى. وإنما احتاج إلى تقدير ما قدر، لأن اسم الشرط ليس بظرف، لا بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه يتم به الربط. ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون، قل سيروا في الأرض فانظر وا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين، فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدّعون، من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون، ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين﴾. کرر تعالی خطاب الكفار في أمر أوثانهم، فذکر أفعاله التي لا یمکن أن یدعی له فيها شريك، وهي الخلق والرزق والإماتة والإحياء، ثم استفهم على جهة التقرير لهم والتوبيخ، ثم نزه نفسه عن مقالتهم. و﴿الله الذي خلقكم﴾: مبتدأ وخبر. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ﴿الذي خلقكم﴾ صفة للمبتدأ، والخبر: ﴿هل من شركائكم﴾؛ وقوله: ﴿من ذلكم﴾ هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ لأن معناه: من أفعاله. انتهى. والذي ذكره النحویون أن اسم الإشارة يكون رابطاً إذا كان أشير به إلى المبتدأ. وأما ﴿ذلكم﴾ هنا فليس إشارة إلى المبتدأ، لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الربط بالمعنى، وخالفه الناس، وذلك في قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن﴾(١)، قال : التقدير يتربصن أزواجهم، فقدر الضمير بمضاف إلى ضمير الذين، فحصل به الربط، كذلك قدر الزمخشري ﴿من ذلكم﴾: من أفعاله المضاف إلى الضمير العائد على المبتدأ. وقال الزمخشري أيضاً: هل من شركائكم الذين اتخذتموهم أنداداً له من الأصنام وغيرها من يفعل شيئاً قط من تلك الأفعال، حتى يصح ما ذهبتم إليه؟ فاستعمل قط في غير موضعها، (١) سورة البقرة: ٢٣٤/٢. ٣٩٥ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ لأنها ظرف للماضي، وهنا جعلها معمولة ليفعل. وقال الزمخشري أيضاً: ومن الأولى والثانية، كل واحدة مستقبلة تأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم؛ .. فمن الأولى للتبعيض، والجار والمجرور خبر المبتدأ؛ ومن يفعل هو المبتدأ، ومن الثانية في موضع الحال من شيء، لأنه نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على المجال، ومعنى الثالثة زائدة لانسحاب الاستفهام الذي معناه النفي على الكلام، التقدير: من يفعل شيئاً من ذلكم، أي من تلك الأفعال. وقرأ الجمهور: ﴿يشركون﴾، بياء الغيبة؛ والأعمش، وابن وثاب بتاء الخطاب، والظاهر مراد ظاهر البر والبحر. وقال الحسن: وظهور الفساد فيهما بَّارتفاع البركات، ونزول رزايا، وحدوث فتن، وتقلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر. وقال ابن عباس: ﴿الفساد في البر﴾، القطاع فتسده. وقال مجاهد: ﴿في البر﴾°،. بقتل أحد بني آدم لأخيه، وفي البحر: بأخذ السفن غصباً، وعنه أيضاً: البر : • الجلاد البعيدة من البحر، والبحر: السواحل والجزر التي على ضفة البحر والأنهار. وقالٍ قتادة: البر: الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحارى والعمور، والبحر: المدن، جمع بحرقْ، ومنه: ولقد أجمع أهل هذه البحيرة ليتوجوه، يعني قول سعد بن عبادة في عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ويؤيد هذا قراءة عكرمة. والبحور بالجمع، ورويت عن ابن عباس، وكان قد ظهر الفساد براً وبحراً وقت بعثة رسول اللّه وَطار، وكان الظلم عم الأرض، فأظهير اللهه به الدين، وأزال الفساد، وأخمده ◌َّ. وقال النحاس: فيه قولان، أحدهما : · ظهر الجدب في البر في البوادي وقراها والبحر، أي في مدن البحر، مثل :. ﴿واسئل ٥ القرية﴾(١) أي ظهر قلة العشب، وغلا السعر. والثاني: ظهرت المعاصي من قطع المعل والظُلم، فهذا هو الفساد على الحقيقة، والأول مجاز، وقيل: إذا قل المطر قل الغوص٤ ومحنقِ الصياد وعميت دواب البحر. وقال ابن عباس: إذا مطرت تفتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من ٥ السماء فهو لؤلؤ. ﴿بما كسبت أيدي الناس﴾: أي بسبب معاصيهم وذنويهم . ﴿ليذيقهْم): أي أنه تعالى أفسد أسباب دنياهم ومحقهم، ليذيقهم وبال بعض أعمالهيم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بها جميعاً في الآخرة. ﴿لعلهم يرجعون﴾ عما هم فيه. وقال ابنْ عطية: ﴿بما كسبت﴾: جزاء ما كسبت، ويجوز أن يتعلق الباء بظهر، أي بكسبهم المعاصي في البر والبحر، وهو O (١) سورة يوسف: ٨٢/١٢. ح۴. C ٣٩٦ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ نفس الفساد الظاهر. وقرأ السلمي، والأعرج، وأبو حيوة، وسلام، وسهل، وروح، وابن حسان، وقنبل من طريق ابن مجاهد، وابن الصباح، وأبو الفضل الواسطي عنه، ومحبوب عن أبي عمرو: لنذيقهم، بالنون؛ والجمهور: بالياء، ثم أمرهم بالمسير في الأرض، فينظروا كيف أهلك الأمم بسبب معاصيهم وإشراكهم، وذلك تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار بمن سلف من الأمم، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ﴿كان أكثرهم مشرکین﴾: أهلكهم كلهم بسبب الشرك، وقوم بسبب المعاصي، لأنه تعالى يهلك بالمعاصي، كما يهلك بالشرك، كأصحاب السبت. أو أهلكهم كلهم، المشرك والمؤمن، كقوله تعالى : ﴿واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة﴾(١)، وأهلكهم كلهم، وهم كفار، فأكثرهم مشركون، وبعضهم معطل. وحين ذكر امتنانه قاله: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم﴾، فذكر الوجود ثم البقاء بسبب الرزق. وحين ذكر خذلانهم بالطغيان، بسبب البقاء بإظهار الفساد، ثم بسبب الوجود بالإهلاك. ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾: يوم القيامة، وفيه تحذير يعم الناس، ﴿لا مرد له من الله﴾، المرد: مصدر رد، ومن الله: يحتمل أن يتعلق بيأتي، أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد حتى لا يأتي لقوله: ﴿فلا يستطيعون ردها﴾(٢)، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف يدل عليه مرد، أي لا يرده هو بعد أن يجيء به، ولا رد له من جهته. ﴿يومئذ﴾: أي يوم إذ يأتي ذلك اليوم. ﴿يصدعون﴾: يتفرقون، فريق في الجنة، وفريق في السعير. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع، لأنه يفرق شعب الرأس، وقال الشاعر: من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وكنا كندماني جذيمة حقبة ثم ذكر حالتي المتفرقين: ﴿من كفر فعليه كفره﴾: أي جزاء كفره، وعبر عن حالة الكافر بعليه، وهي تدل على الفعل والمشقة، وعن حال المؤمن بقوله: ﴿فلأنفسهم﴾، باللام التي هي لام الملك. و﴿يمهدون﴾: يوطئون، وهي استعارة من الفرش، وعبارة عن كونهم يفعلون في الدنيا ما يلقون به، ما تقر به أعينهم وتسر به أنفسهم في الجنة. وقال مجاهد: التمهيد للقبر. وقال الزمخشري: وتقديم الظرف في الموضعين لدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر لا يتعداه، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه. انتهى. وهو على طريقته في دعواه أن تقديم المفعول وما جرى مجراه يدل (١) سورة الأنفال: ٢٥/٨. (٢) سورة الأنبياء: ٤٠/٢١. ٣٩٧ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ على الاختصاص، وأما على مذهبنا فيدل على الاهتمام، وأما ما يدعيه من الاختصاص فمفهوم من آي كثيرة في القرآن منها: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(١). واللام في ﴿ليجزي﴾، قال الزمخشري: متعلق بيمهدون، تعليل له وتكرير ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، وترك الضمير إلى الصريح لتقديره أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح. وقوله: ﴿إنه لا يحب الكافرين﴾، تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس. وقال ابن عطية: ليجزي متعلق بيصدعون، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله تعالى: ﴿من كفر﴾، ﴿ومن عمل صالحاً﴾. انتهى. ويكون قسم ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ على هذين التقديرين اللذين ذكرهما ابن عطية محذوفاً تقديره: كأنه قال: والكافرون بعدله، ودل على حذف هذا القسيم قوله: ﴿إنه لا يحب الكافرين﴾. ومعنى نفي الحب هنا: أنه لا تظهر عليهم أمارات رحمته، ولا يرضى الكفر لهم ديناً. وقال الزمخشري: ﴿من فضله﴾: بما تفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب، وهذا يشبه الكناية، لأن الفضل تبع للثواب، فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو أراد من عطائه، وهو ثوابه، لأن الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب . ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون، فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادِ العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾. لما ذكر تعالى ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك، ذكر ظهور الصلاح. والكريم لا يذكر لإحسانه عوضاً، ويذكر لعقابه سبباً لئلا يتوهم به الظلم؛ فذكر من أعلام قدرة إرسال الرياح مبشرات بالمطر، لأنها متقدمة. والمبشرات: رياح الرحمة، الجنوب (١) سورة الأنعام: ١٦٤/٦. C ٣٩٨ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ والشمال والصبا، أما الدبور، «فريح العذاب، وليس تبشيرها مقتصراً به على المطر، بل لها تبشيرات بسيبب السفن والسير بها إلى مقاصد أهلها، وكأنه بدأ أولاً بشيء عام، وهو التبشير. وقرأ الأعمش: الريح، مقرداً، وأراد معنى الجمع، ولذلك قرأ: ﴿مبشرات﴾. ثم ذكر من أعظم تباشيرها إذاقة الرجهة، وهي نزول المطر، ويتبعه حصول الخصب، والريح الذي معه الهبوب، وإزالة العفونة من الهواء، وتذرية الحبوب، وغير ذلك. ﴿وليذيقكم): عطف على معنى ﴿مبشرات﴾، فالعامل أن ﴿يرسل﴾، ويكون عطفاً على التوهم، كأنه قيل: ليبشروكم، والخال والصفة قد يجيئان، وفيهما معنى التعليل. تقول: أهن زيد أسيا وأكرم زيداً العالم، تريد لإساءته ولعلمه. وقيل: ما يتعلق به اللام محذوف، أي ولكنا أرسلناها. وقيل: الواو في وليذيقكم زائدةٍ. و﴿ بأمره﴾: أي بأمر الله، يعني أن جريانها، لما كان مسنداً إليها، أخبر أنه بأمره تعالى: ﴿من فضله): مما يهيء لكم من الريح في التجارات في البحر، ومن غنائم أهل الشرك. ثمّ بين لرسوله بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء، ولما كان تعالى ثيى الأصلين: المبدأ والمعاد، بين ذكر الأصل الثالث، وهو النبوّة؛ وفي الكلام حذف تقديره وآمن به بعض وكذب بعض، ﴿فانتقمنا من الذين أجرموا﴾. وفي قوله: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾: تبشير للرسول وأمته بالنصر والظفر، إذ أخبر أن المؤمنين بأولئك المؤمنين نصروا، وفي لفظ حقاً مبالغة في التحتم، وتكريم للمؤمنين، وإظهارْ لفضيلة سابقة الإيمان، حيث جعلهم مستحقين النصر والظفر. والظاهر أن ﴿حقاً﴾ خبر كان، و﴿نصر المؤمنين﴾ الاسم، وأخر لكون ما تعلق به فاصلة للاهتمام بالجزاء، إذ هو محط الفائدة. وقال ابن عطية: وقف بعض القراء على حقاً وجعله من الكلام المتقدم، ثم استأنفه جملة من قوله: ﴿علينا نصر المؤمنين﴾، وهذا قول ضعيف، لأنه لم يدر قدر ما عرضه في نظمْ الآية. وقال الزمخشري: وقد يوقف على ﴿حقاً﴾، ومعناه: وكان الانتقام منهم حقاً، ثم يبتدأ علينا ﴿نصر المؤمنين﴾. انتهى. وفي الوقف على ﴿وكان حقاً﴾ بيان أنه لم يكن الانتقام ظلماً، بل عدلاً، لأنه لم يكن إلا بعد كون بقائهم غير مفيد إلّ زيادة الإثم. وولادة الفاجر الكافر، فكان عدمهم خيراً من وجودهم الخبيث. ﴿الله الذي يرسل الرياحْ﴾، هذا متعلق بقوله: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾، والجملة التي بينهما اعتراض، جاءت تأنيساً للرسول وتسلية ووعداً بالنصر ووعيداً لأهل الكفر، وفي إرسالها قدرة وحكمة. أما القدرة، فإن الهواء اللطيف الذي يسبقه ٣٩٩ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ البرق بحيثٍ يقلع الشجر ويهدم البناء، وهو ليس بذاته يفعل ذلك، بل بفاعل مختار. وأما الحكمة، ففيما يفضي إليه نفس الهبوب من إثارة السحب، وإخراج الماء منه، وإنبات الزرع، ودر الضرع، واختصاصه بناس دون ناس؛ وهذه حكمة بالغة معروفة بالمشيئة والإثارة، تحريكها وتسييرها. والبسط: نشرها في الآفاق، والكسف: القطع. وتقدم الكلام على قوله: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾، وذكر الخلاف في ﴿كسفاً﴾ وحاله من جهة القراء. والضمير في: ﴿من خلاله﴾، الظاهر أنه عائد على السحاب، إذ هو المحدث عنه، وذكر الضمير لأن السحاب اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه. قيل: ويحتمل أن يعود على ﴿كسفاً﴾ في قراءة من سكن العين، والمراد بالسماء: سمت السماء، كقوله: ﴿وفرعها في السماء﴾(١). ﴿فإذا أصاب به من يشاء﴾: أي أرض من يشاء إصابتها، فاجأهم الاستبشار، ولم يتأخر سرورهم. وقال الأخفش: ﴿من قبله﴾ تأكيد لقوله: ﴿من قبل أن ينزل عليهم﴾ . وقال ابن عطية: أفاد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله: ﴿من قبل أن ينزل عليهم﴾ يحتمل الفسحة في الزمان، أي من قبل أن ينزل بكثير، کالأيام ونحوه، فجاء قوله: ﴿من قبل﴾ بمعنى: أن ذلك متصل بالمطر، فهو تأکید مقيد. وقال الزمخشري: وبمعنى التوكيد، فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم بذلك. انتهى. وما ذكره ابن عطية والزمخشري من فائدة التأكيد في قوله: ﴿من قبله﴾ غير ظاهر، وإنما هو عند ذكره لمجرد التوكيد، ويفيد رفع المجاز فقط. وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل، من قبل المطر. انتهى. وصار من قبل إنزال المطر: من قبل المطر، وهذا تركيب لا يسوغ في كلام فصيح، فضلاً عن القرآن. وقيل: التقدير: من قبل تنزيل الغيث: من قبل أن يزرعوا، ودل المطر على الزرع، لأنه يخرج بسبب المطر؛ ودل على ذلك قوله: ﴿فرأوه مصفراً﴾، يعني الزرع. انتهى. وهذا لا يستقيم، لأن ﴿من قبل أن ينزل عليهم﴾ متعلق بقوله: ﴿المبلسين). ولا يمكن من قبل الزرع أن يتعلق بمبلسين، لأن حرفي جر لا يتعلقان بعامل واحد إلا إن كان بواسطة حرف العطف، أو على جهة البدل. وليس التركيب هنا ومن قبله بحرف العطف، ولا يصح فيه البدل، إذ إنزال الغيث ليس هو الزرع، ولا الزرع بعضه. وقد يتخيل فيه بدل الاشتمال بتكلف. أما لاشتمال (١) سورة إبراهيم: ٢٤/١٤ . ٤٠٠ سورة الروم / الآيات: ١ - ٦٠ الإنزال على الزرع، بمعنى أن الزرع يكون ناشئاً عن الإنزال، فكأن الإنزال مشتمل عليه، وهذا على مذهب من يقول: الأول يشتمل على الثاني. وقال المبرد: الثاني السحاب، ويحتاج أيضاً إلى حرف عطف حتى يمكن تعلق الحرفين بمبلسين. وقال علي بن عيسى : من قبل الإرسال. وقال الكرماني: من قبل الاستبشار، لأنه قرنه بالإبلاس، ولأنه منّ عليهم بالاستبشار. انتهى. ويحتاج قوله وقول ابن عيسى إلى حرف العطف، فإن ادعى في قوله من جعل الضمير في من قبله عائد إلى غير إنزال الغيث أن حرف العطف محذوف، أمكن، لكن في حذف حرف العطف خلاف، أينقاس أم لا ينقاس؟ أما حذفه مع الجمل فجائز، وأما وحده فهو الذي فيه الخلاف. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو، وأبو بكر: إلى أثر، بالإفراد؛ وباقي السبعة: بالجمع؛ وسلام: بكسر الهمزة وإسكان الثاء. وقرأ الجحدري، وابن السميفع، وأبو حيوة: تحيي، بالتاء للتأنيث، والضمير عائد على الرحمة. وقال صاحب اللوامح: وإنما أنث الأثر لاتصاله بالرحمة إضافة إليها، فاكتسب التأنيث منها، ومثل ذلك لا يجوز إلا إذا كان المضاف بمعنى المضاف إليه، أو من سببه. وأما إذا كان أجنبياً، فلا يجوز بحال. انتهى. وقرأ زيد بن علي: نحيي، بنون العظمة؛ والجمهور: ﴿يحيي﴾، بياء الغيبة، والضمير لله، ويدل عليه قراءة ﴿آثار﴾ بالجمع، وقيل: يعود على أثر في قراءة من أفرد. وقال ابن جني: ﴿كيف يحيي﴾ جملة منصوبة الموضع على الحال حملاً على المعنى، كأنه قال: محيياً، وهذا فيه نظر. ﴿إن ذلك﴾: أي القادر على إحياء الأرض بعد موتها، هو الذي يحيي الناس بعد موتهم. وهذا الإخبار على جهة القباس في البعث، والبعث من الأشياء التي هو قادر عليها تعالی . ﴿ولئن أرسلنا ريحاً﴾: أخبر تعالى عن حال تقلب ابن آدم، أنه بعد الاستبشار بالمطر، بعث الله ريحاً، فاصفر بها النبات. لظلوا يكفرون قلقاً منهم، والريح التي تصفر النبات صر حرور، وهما مما يصبح به النبات هشيماً، والحرور جنب الشمال إذا عصفت. والضمير في ﴿فرأوه﴾ عائد على ما يفهم من سياق الكلام، وهو النبات. وقيل: إلى الأثر، لأن الرحمة هي الغيث، وأثرها هو النبات. ومن قرأ: آثار، بالجمع، رجع الضمير إلى آثار الرحمة، وهو النبات، واسم النبات يقع على القليل والكثير، لأنه مصدر سمي به ما ينبت. وقال ابن عيسى: الضمير في ﴿فرأوه﴾ عائد على السحاب، لأن السحاب إذا اصفر لم يمطر؛ وقيل: على الريح، وهذان قولان ضعيفان. وقرأ صباح بن حبيش: مصفاراً، بألف