النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
خبر مبتدأ محذوف، و﴿الرحمن﴾ صفة له. أو يكون ﴿الذي﴾ منصوباً على إضمار أعني
ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون ﴿الرحمن﴾ مبتدأ. و﴿فاسأل﴾ خبره تخريجه على
حد قول الشاعر:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
وجوزوا أيضاً في ﴿الرحمن﴾ أن يكون بدلاً من الضمير المستكن في ﴿استوى﴾. والظاهر
تعلق به بقوله ﴿فاسال﴾ وبقاء الباء غير مضمنة معنى عن. و﴿خبيراً﴾ من - فات الله كما
تقول: لقيت بزيد أسداً ولقيت بزيد البحر، تريد أنه هو الأسد شجاعة، وببحر كرماً.
والمعنى أنه تعالى اللطيف العالم الخبير والمعنى ﴿فاسأل﴾ الله الخبير بالأشياء العالم
بحقائقها. وقال ابن عطية: و﴿خبيراً﴾ على هذا منصوب إما بوقوع السؤال، وإما على
الحال المؤكدة. كما قال ﴿وهو الحق مصدقاً﴾(١) وليست هذه الحال منتقلة إذا الصفة
العلية لا تتغير انتهى. وبني هذا الإعراب على أنه كما تقول: لو لقيت فلاناً للقيت به البحر
كرماً أي لقيت منه. والمعنى ﴿فاسأل الله﴾ عن كل أمر وكونه منصوباً على الحال "مؤكدة
على هذا التقدير لا يصح إنما يصح أن يكون مفعولاً به، ويجوز أن تكون الباء بمعی عن،
أي ﴿فاسأل﴾ عنه ﴿خبيراً﴾ كما قال الشاعر:
بصير بأدواء النساء طبيب
فإن تسألوني بالنساء فإنني
وهو قول الأخفش والزجاج. ويكون ﴿خبيراً﴾ ليس من صفات الله هنا، كأنه قيل: اسأل
عن الرحمن الخبراء جبريل والعلماء وأهل الكتب المنزلة، وإن جعلت ﴿به﴾ متعلقاً بخبيراً
كان المعنى ﴿فاسأل﴾ عن الله الخبراء به. وقال الكلبي معناه ﴿فاسأل﴾ خبيراً به و﴿به﴾
يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش، وذلك الخبير هو الله
تعالى لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق ذلك فلا يعلمها إلّ الله. وعن ابن عباس:
الخبير جبريل وقدم لرؤوس الآي .
وقال الزمخشري: الباء في ﴿به﴾ صلة سل كقوله ﴿سأل سائل بعذاب﴾(٢) كما
يكون عن صلته في نحو ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾(٣) أو صلة ﴿خبيراً﴾ به فتجعل
﴿خبيراً﴾ مفعولاً أي، فسل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته، أو فسل رجلاً خبيراً به
(١) سورة البقرة: ٩١/٢.
(٢) سورة المعارج: ١/٧٠.
(٣) سورة التكاثر: ٨/١٠٢.

١٢٢
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
وبرحمته، أو فسل بسؤاله خبيراً. كقولك، رأيت به أسداً أي رأيت برؤيته، والمعنى إن
سألته وجدته خبيراً بجعله حالاً عن به تريد فسل عنه عالماً بكل شيء.
وقيل: ﴿الرحمن﴾ اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا
يعرفونه. فقيل: فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره ومن ثم
كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلّ الذي في اليمامة يعنون مسيلمة، وكان يقال له رحمن
اليمامة انتهى.
﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن﴾ وكانت قريش لا تعرف هذا في أسماء الله غالطت
قريش بذلك فقالت: إن محمداً يأمرنا بعبادة رحمن اليمامة نزلت ﴿وإذا قيل لهم﴾ و﴿ما﴾
سؤال عن المجهول، فيجوز أن يكون سؤالاً عن المسمى به لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا
الاسم، ويجوز أن يكون سؤالاً عن معناه لأنه لم يكن مستعملاً في كلامهم كما يستعمل
الرحيم والرحوم والراحم، أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله قاله الزمخشري. والذي يظهر
أنهم لما قيل لهم ﴿اسجدوا للرحمن﴾ فذكرت الصفة المقتضية للمبالغة في الرحمة
والكلمة عربية لا ينكر وضعها، أظهروا التجاهل بهذه الصفة التي لله مغالطة منهم ووقاحة
فقالوا: ﴿وما الرحمن) وهم عارفون به وبصفته الرحمانية، وهذا كما قال فرعون ﴿ومارب
العالمين﴾(١) حين قال له موسى: ﴿إني رسول من رب العالمين﴾(٢) على سبيل المناكرة
وهو عالم برب العالمين. كما قال موسى ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلّ رب السموات
والأرض بصائر﴾(٣) فكذلك كفار قريش استفهموا عن ﴿الرحمن﴾ استفهام من يجهله وهم
عالمون به، فعلى قول من قال: لم يكونوا يعرفون ﴿الرحمن﴾ إلّ مسيلمة وعلى قول من
قال: من لا يعرفون الرحمن إلّ مسيلمة. فالمعنى أنسجد لمسيلمة وعلى قول من قال:
لا يعرفون ﴿الرحمن﴾ بالكلية فالمعنى ﴿أنسجد لما تأمرنا﴾ من غير علم ببيانه. والقائل
﴿اسجدوا﴾ الرسول أو الله على لسان رسوله.
وقرأ ابن مسعود والأسود بن يزيد وحمزة والكسائي يأمر بالياء من تحت أي يأمرنا
محمد، والكناية عنه أو المسمى ﴿الرحمن﴾ ولا نعرفه. وقرأ باقي السبعة بالتاء خطاباً
للرسول. ومفعول ﴿تأمرنا﴾ الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره يأمرنا سجوده نحو
قولهم: أمرتك الخير.
(١) سورة الشعراء: ٢٣/٢٦.
(٢) سورة الأعراف: ١٠٤/٧.
(٣) سورة الإسراء: ١٧ /١٠٢.

١٢٣
سورة الفرقان / الآيات : ٦١ - ٧٧
﴿وزادهم﴾ أي هذا القول وهو الأمر بالسجود للرحمن ﴿زادهم) ضلالاً يختص به
مع ضلالهم السابق، وكان حقه أن يكون باعثاً على فعلي السجود والقبول. وقال
الضحاك: سجد أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وعثمان بن مظعون وعمرو بن غلسة، فرآهم
المشركون فأخذوا في ناحية المسجد يستهزئون، فهذا المراد بقوله ﴿وزادهم نفوراً﴾
ومعنى ﴿نفوراً﴾ فراراً
نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا () وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْأَرَادَ شُكُورًا [9َ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
وَالَّذِينَ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا
! وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ
٦٤
يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُخَدًا وَقِيَمَا لَ®
جَهَتَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَفَرَّا وَمُقَامًا ﴿ وَالَّذِينَ إِذَآ
أَنْفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٣) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿َ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّ مَن
تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَإِنَّهُ يُنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا
٧٠
اللَّهُ غَفُورًا تَحِيمًا !
٧١
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُ ونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْبِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا [٨] وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ.
٧٣
بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا
أُوْلَبِكَ يُجْزَوْنَ
أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَا مَّالَّ
اُلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَاتِحِيَّةً وَسَلَمًا [٨ّ خَلِينَ فِيهَا حَسُنَتْ
قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَادُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
٧٦
يَكُونُ لِزَامًا
٧٧

١٢٤
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
لما جعلت قريش سؤالها عن اسمه الذي هو الرحمن سؤالاً عن مجهول نزلت هذه
الآية مصرحة بصفاته التي تعرف به وتوجب الإقرار بألوهيته. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى
لما ذكر أنه خلق السموات والأرض وما بينهما، ووصف نفسه بالرحمن، وسألوا هم فيه عما
وضع في السماء من النيرات وما صرف من حال الليل والنهار لبادروا بالسجود والعبادة
للرحمن، ثم نبههم على مالهم به اعتناء تام من رصد الكواكب وأحوالها ووضع أسماء لها.
والظاهر أن المراد بالبروج المعروفة عند العرب وهي منازل الكواكب السيارة وهي الحمل،
والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس،
والجدي، والدلو، والحوت. سميت بذلك لشبهها بما شبهت به. وسميت بالبروج التي
هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البرج من التبرج
لظهوره.
وقيل: البروج هنا القصور في الجنة. قال الأعمش. وكان أصحاب عبد الله يقرؤونها
﴿في السماء﴾ قصوراً. وقال أبو صالح: البروج هنا الكواكب العظام. قال ابن عطية:
والقول بأنها قصور في الجنة تحط من غرض الآية في التنبيه على أشياء مدركات تقوم بها
الحجة على كل منكر لله أو جاهل. والضمير في ﴿فيها﴾ الظاهر أنه عائد على ﴿السماء﴾.
وقيل: على البروج، فالمعنى وجعل في جملتها ﴿سراجاً﴾. وقرأ الجمهور ﴿سراجاً﴾
على الإفراد وهو الشمس. وقرأ عبد الله وعلقمة والأعمش والأخوان سُرُجاً بالجمع مضموم
الراء وهو يجمع الأنوار، فيكون خص القمر بالذكر تشريفاً. وقرأ الأعمش أيضاً والنخعي
وابن وثاب كذلك بسكون الراء. وقرأ الحسن والأعمش والنخعي وعصمة عن عاصم
﴿وقُمرآً﴾ بضم القاء وسكون الميم فالظاهر أنه لغة في القمر كالرشد والرشد والعرب
والعرب. وقيل: جمع قمراء أي ليلة قمراء كأنه قال: وذا قمر منير لأن الليلة تكون قمراء
بالقمر، فأضافه إليها ونظيره في بقاء حكم المضاف بعد سقوطه وقيام المضاف إليه مقامه
قول حسان :
بردى يصفق بالرحيق السلسل
یرید ماء بردی. فمنیراً وصف لذلك المحذوف کما قال یصفق بالیاء من تحت، ولو لم يراع
المضاف لقال: تصفق بالتاء وقال ﴿منيراً﴾ أي مضيئاً ولم يجعله ﴿سراجاً﴾ كالشمس لأنه
لا توقد له.
وانتصب ﴿خلفة﴾ على الحال. فقيل: هو مصدر خلف خلفة. وقيل: هو اسم هيئة

١٢٥
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
كالركبة ووقع حالاً اسم الهيئة في قولهم: مررت بماء قعدة رجل، وهي الحالة التي يخلف
عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر. والمعنى جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة
يعقب هذا ذاك وذاك هذا، ويقال الليل والنهار يختلفان كما يقال يعتقبان ومنه قوله
﴿واختلاف الليل والنهار﴾(١) ويقال: بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه
ومن هذا المعنى قول زهير:
بها العيس والآرام يمشين خلفة
وقول الآخر:
يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً:
أكل النمل الذي جمعا
ولها بالما طرون إذا
سكنت من جلق بيعا
خلفة حتى إذا ارتفعت
حولها الزيتون قد ينعا
في بيوت وسط دسكرة
وقيل ﴿خلفة﴾ في الزيادة والنقصان. وقال مجاهد وقتادة والكسائي: هذا أسود وهذا أبيض
وهذا طويل وهذا قصير. ﴿لمن أراد أن يذكر﴾. قال عمر وابن عباس والحسن: معناه
﴿لمن أراد أن يذكر﴾ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي
يليه. وقال مجاهد وغيره: أي يعتبر بالمصنوعات ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في
العقل والفكر والفهم. وقال الزمخشري: وعن أبي بن كعب يتذكر والمعنى. لينظر في
اختلافهما الناظر فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال وتغيرهما من نافل ومغير،
ويستدل بذلك على عظم قدرته ويشكر الشاكر على النعمة من السكون بالليل والتصرف
بالنهار كما قال تعالى: ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من
فضله﴾(٢) وليكونا وقتين للمتذكر والشاكر من فاته في أحدهما ورده من العبادة أتى به في
الآخر. وقرأ النخعي وابن وثاب وزيد بن عليّ وطلحة وحمزة تذكر مضارع ذكر خفيفاً.
ولما تقدم ذكر الكفار وذمهم جاء ﴿لما أراد أن يذكر أو أراد شكوراً﴾ ذكر أحوال
المؤمنين المتذكرين الشاكرين فقال: ﴿وعباد الرحمن﴾ وهذه إضافة تشريف وتفضل، وهو
جمع عبد. وقال ابن بحر: جمع عابد کصاحب وصحاب، وتاجر وتجار، وراجل ورجال،
أي الذين يعبدونه حق عبادته. والظاهر أن ﴿وعباد﴾ مبتدأ و﴿الذين يمشون﴾ الخبر.
(١) سورة البقرة: ١٦٤/٢ وغيرها.
(٢) سورة القصص: ٧٣/٢٨.

١٢٦
سورة الفرقان / الآيات : ٦١ - ٧٧
وقيل: أولئكٍ الخبر و﴿الذين﴾ صفة، وقوم من عبد القيس يسمون العباد لأن كسرى ملكهم
دون العرب. وقيل: لأنهم تألهوا مع نصارى الحيرة فصاروا عباد الله. وقرأ اليماني: وعباد
جمع عابد كضارب وضراب. وقرأ الحسن: وعُبَدُ بضم العين والباء. وقرأ السلمي واليماني
﴿يُمشّون﴾ مبنياً للمفعول مشدداً. والهون: الرفق واللين. وانتصب ﴿هوناً﴾ على أنه نعت
لمصدر محذوف أي مشياً هوناً أو على الحال، أي يمشون هينين في تؤدة وسكينة وحسن
سمت لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً، ولذلك كره بعض العلماء
الركوب في الأسواق. وقال مجاهد: بالحلم والوقار. وقال ابن عباس: بالطاعة والعفاف
والتواضع. وقال الحسن: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وقال ابن عطية ﴿هوناً﴾ عبارة
عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم، فذكر من ذلك المعظم لا سيما وفي الانتقال في
الأرض هي معاشرة الناس وخلطتهم ثم قال ﴿هوناً﴾ بمعنى أمره هون أي ليس بخشن،
وذهبت فرقة إلى أن ﴿هوناً﴾ مرتبط بقوله ﴿يمشون على الأرض﴾ أي إن المشي هو
الهون، ويشبه أن يتأول هذا على أن يكون أخلاق ذلك الماشي ﴿هوناً﴾ مناسبة لمشيه
فيرجع القول إلى نحو ما بينًا، وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل، لأن رب
ماش ﴿هوناً﴾ رويداً وهو ذنب أطلس. وقد كان رسول الله ولي يتكفأ في مشيه كأنما يمشي
في صبب. وهو عليه السلام الصدر في هذه الآية وقوله عليه السلام: ((من مشى منكم في
طمع فليمش رويداً)). أراد في عمر نفسه ولم يرد المشي وحده ألا ترى أن المبطلين
المتحلين بالدين تمسكوا بصورة المشي فقط حتى قال فيهم الشاعر:
٧٠٠
كلهم يمشي رويداً كلهم يطلب صيداً
وقال الزهري: سرعة المشي تذهب ببهاء الوجه، يريد الإسراع الخفيف لأنه يخل بالوقار
والخير في التوسط. وقال زيد بن أسلم: أنه رأى في النوم من فسر له ﴿الذين يمشون على
الأرض هوناً﴾ بأنهم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض. وقال عياض بن موسى: كان
عليه السلام يرفع في مشيه رجليه بسرعة وعَدْوٍ خطوة خلاف مشية المختال، ويقصد سمته
وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة كما قال: ((إنما ينحط من صبب)). وكان عمر يسرع جبلة
لا تكلفاً.
﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ أي مما لا يسوغ الخطاب به ﴿قالوا سلاماً﴾ أي سلام
توديع لا تحية كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه ﴿سلام عليك﴾(١) قاله الأصم. وقال
(١) سورة مريم: ٤٧/١٩.

١٢٧
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
مجاهد: قولاً سديداً فهو منصوب بقالوا. وقيل: هو على إضمار فعل تقديره سلمنا
﴿سلاماً﴾ فهو جزء من متعلق الجملة المحكية. قال ابن عطية: والذي أقوله أن ﴿قالوا﴾
هو العامل في ﴿سلاماً﴾ لأن المعنى قالوا هذا اللفظ. وقال الزمخشري: تسلماً منكم فأقيم
السلام مقام التسليم. وقيل: قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى والإثم والمراد
بالجهل السفه وقلة الأدب وسوء الرغبة من قوله:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ألا لا يجهلن أحد علينا
انتهى. وقال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال. وقال ابن عطية: وهذه الآية كانت قبل
آية السيف فنسخ منها ما يخص الكفرة وبقي حكمها في المسلمين إلى يوم القيامة، وذكره
سيبويه في هذه الآية في كتابه وما تكلم على نسخ سواه. ورجح به أنه المراد السلامة
لا التسليم لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالسلام على الكفرة، والآية مكية فنسختها آية
السيف. وفي التاريخ ما معناه أن إبراهيم بن المهدي كان منحرفاً عن عليّ بن أبي طالب
فرآه في النوم قد تقدمه إلى عبور قنطرة، فقال له: إنما تَدَّعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به
منك، وكان حكى ذلك للمأمون قال: فما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه فقال له
المأمون: فما أجابك به؟ قال: كان يقول لي سلاماً سلاماً، فنبهه المأمون على هذه الآية
وقال: يا عم قد أجابك بأبلغ جواب. فخزي إبراهيم واستحيا، وكان إبراهيم لم يحفظ
الآية أو ذهب عنه حالة الحكاية .
والبيتوتة هو أن يدرك الليل نمت أو لم تنم، وهو خلاف الظلول وبجيلة وأزد السراة
يقولون: بيات وسائر العرب يقولون: يبيت، ولما ذكر حالهم بالنهار بأنهم يتصرفون أحسن
تصرف ذكر حالهم بالليل والظاهر أنه يعني إحياء الليل بالصلاة أو أكثره. وقيل: من قرأ شيئاً
من القرآن بالليل في صلاة فقد بات ساجداً وقائماً. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب،
والركعتان بعد العشاء. وقيل: من شفع وأوتر بعد أن صلى العشاء فقد دخل في هذه الآية.
وفي هذه الآية حض على قيام الليل في الصلاة. وقدم السجود وإن كان متأخراً في الفعل
لأجل الفواصل، ولفضل السجود فإنها حالة أقرب ما يكون العبد فيها من الله. وقرأ أبو
البرهثيم: سجوداً على وزن قعوداً. ومدحهم تعالى بدعائه أن يصرف عنهم عذاب جهنم
وفيه تحقيق إيمانهم بالبعث والجزاء. قال ابن عباس: ﴿غراماً﴾ فظيعاً وجيعاً. وقال
الخدري: لازماً ملحّاً دائماً. قال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلّ غريم جهنّم. وقال
السدّي: شديداً. وأنشدوا على أن ﴿غراماً﴾ لازماً قوله الشاعر وهو بشر بن أبي حاتم:

١٢٨
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
كانا عذاباً وكانا غراما
ويوم اليسار ويوم الجفار
وقال الأعشى :
إن يعاقب يكن غراماً
وإن يعط جزيلاً فإنه لا يبالي
وصفهم بإحياء الليل ساجدين ثم عقبه بذكر دعائهم هذا إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون
يبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم. و﴿ساءت﴾ احتمل أن يكون بمعنى بئست.
والمخصوص بالذم محذوف وفي ﴿ساءت﴾ ضمير مبهم ويتعين أن يكون ﴿مستقراً
ومقاماً﴾ تمييز. والتقدير ﴿ساءت مستقراً ومقاماً﴾ هي وهذا المخصوص بالذم هو رابط
الجملة الواقعة خبراً لأن. ويجوز أن يكون ﴿ساءت﴾ بمعن أحزنت فيكون المفعول
محذوفاً أي ساءتهم. والفاعل ضمير جهنم وجاز في ﴿مستقراً ومقاماً﴾ أن يكونا تمييزين
وأن يكونا حالين قد عطف أحدهما على الآخر. والظاهر أن التعليلين غير مترادفين ذكر أولاً
لزوم عذابها، وثانياً مساءة مكانها وهما متغايران وإن كان يلزم من لزوم العذاب في مكان دم
ذلك المكان. وقيل: هما مترادفان، والظاهر أنه من كلام الداعين وحكاية لقولهم. وقيل:
هو من كلام الله، ويظهر أن قوله ﴿ومقاماً﴾ معطوف على سبيل التوكيد لأن الاستقرار
والإقامة كأنهما مترادفان. وقيل: المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون فيها ولا
يقيمون، والإقامة للكفار. وقرأت فرقة ﴿ومَقاماً﴾ بفتح الميم أي مكان قيام، والجمهور بالضم
أي مكان إقامة .
﴿لم يسرفوا﴾ ولم يقتروا. قال أبو عبد الرحمن الجيلي: الإنفاق في غير طاعة
إسراف، والإمساك عن طاعة إقتار. وقال معناه ابن عباس ومجاهد وابن زيد. وسمع رجل
رجلاً يقول: لا خير في الإسراف فقال: لا إسراف في الخير. وقال عون بن عبد الله بن
عتبة: الإسراف أن تنفق مال غيرك. وقال النخعي: هو الذي لا يجيع ولا يُعَرِّي ولا ينفق
نفقة يقول: الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب: هم الذين لا يلبسون الثياب
للجمال ولا يأكلون طعاماً للّذة وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه
ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ قال له عمر: الحسنة بين السيئتين. ثم تلا الآية. والإسراف
مجاوزة الحد في النفقة والقتر التضييق الذي هو نقيض الإسراف. وعن أنس في سنن ابن
ماجة قال: قال رسول الله وَله: ((إن من السرف أن تأكل ما اشتهيته)). وقال الشاعر:
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد

١٢٩
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
وقال آخر:
ولم ينهها تاقت إلى كل باطل
إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت
دعته إليه من حلاوة عاجل
وساقت إليه الإثم والعار بالذي
وقال حاتم :
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله وفرج نالا منتهى الذم أجمعا
وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم: يقترون بفتح الياء وضم التاء
ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع، وابن عامر بضم الياء وكسر التاء
مشددة وكلها لغات في التضييق. وأنكر أبو حاتم لغة أقتر رباعياً هنا. وقال أقتر إذا افتقر.
ومنه ﴿وعلى المقتر قدره﴾(١) وغاب عنه ما حكاه الأصمعي وغيره: من اقتر بمعنى ضيق،
والقوام الاعتدال بين الحالتين. وقرأ حسان بن عبد الرحمن ﴿قواماً﴾ بالكسر. فقيل: هما
لغتان بمعنى واحد. وقيل: بالكسر ما يقام به الشيء يقال: أنت قوامنا بمعنى ما تقام به
الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص. وقيل: ﴿قواماً﴾ بالكسر مبلغاً وسداداً وملاك حال،
و﴿بين ذلك﴾ و﴿قواماً﴾ يصح أن يكونا خبرين عند من يجيز تعداد خبر ﴿كان﴾ وأن يكون
﴿بين﴾ هو الخبر و﴿قواماً﴾ حال مؤكدة، وأن يكون ﴿قواماً﴾ خبراً و﴿بين ذلك﴾ إما
معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف، وأن يكون حالاً من
﴿قواماً﴾ لأنه لو تأخر لكان صفة، وأجاز الفراء أن يكون ﴿بين ذلك﴾ اسم ﴿كان﴾ وبُني
لإضافته إلى مبني كقوله ﴿ومن خزي يومئذ﴾(٢) في قراءة من فتح الميم و﴿قواماً﴾ الخبر.
قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به، ولكن المعنى ليس بقوي لأن ما
بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة انتهى .
وصفهم تعالى بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، وبمثله خوطب الرسول وكالات
بقوله ﴿ولا تجعل يدك مغلولة﴾(٣) الآية. ﴿والذين لا يدعون) الآية سأل ابن مسعود
رسول الله وَ﴿ أي الذنب أعظم؟ فقال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)). قال: ثم أي؟ قال:
((أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك)). قال: ثم أي؟ قال: ((أن تزاني حليلة جارك)). فأنزل
الله تصديقها ﴿والذين لا يدعون) الآية. وقيل: أتى رسول اللّه وَل مشركون قد قتلوا
فأكثروا وزنوا فأكثروا، فقالوا: إن الذين تقول وتدعو إليه لحسن، أو تخبرنا أن لما علمنا
(٣) سورة الإسراء: ٢٩/١٧.
(١) سورة البقرة: ٢٥١/٢.
(٢) سورة هود: ٦٦/١١.
تفسير البحر المحيط ج٨ م٩

١٣٠
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
كفارة فنزلت إلى ﴿غفوراً رحيماً﴾. وقيل: نزولها قصة وحشي في إسلامه في حديث
طويل. قال الزمخشري: نفي هذه التقبيحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة
في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين
برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه. وقال ابن عطية: إخراج لعباده المؤمنين من صفات
الكفرة في عبادتهم الأوثان وقتلهم النفس بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال
والغارات وبالزنا الذي كان عندهم مباحاً انتهى. وتقدم تفسير نظير ﴿ولا تقتلوا النفس التي
حرم الله إلّ بالحق﴾(١) في سورة الأنعام. وقرىء ﴿يُلق﴾ بضم الياء وفتح اللام والقاف
مشددة وابن مسعود وأبو رجاء يلقى بألف، كان نوى حذف الضمة المقدرة على الألف فأقر
الألف. والآثام في اللغة العقاب وهو جزاء الإثم. قال الشاعر:
عقوق والعقوق له آثام
جزى الله ابن عروة حيث أمسى
أي حد وعقوبة وبه فسره قتادة وابن زيد. وقال عبد الله بن عمرو ومجاهد وعكرمة وابن
جبير: آثام واد في جهنم هذا اسمه جعله الله عقاباً للكفرة. وقال أبو مسلم: الآثام الإثم،
ومعناه ﴿يلق﴾ جزاء آثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه. وقال الحسن: الآثام اسم من
أسماء جهنم. وقيل: بئر فيها. وقيل: جبل. وقرأ ابن مسعود: يلق أياماً جمع يوم يعني
شدائد. يقال: يوم ذو أيام لليوم العصيب. وذلك في قوله ﴿ومن يفعل ذلك﴾ يظهر أنه
إشارة إلى المجموع من دعاء إلّه وقتل النفس بغير حق والزنا، فيكون التضعيف مرتباً على
مجموع هذه المعاصي، ولا يلزم ذلك التضعيف على كل واحد منها. ولا شك أن عذاب
الكفار يتفاوت بحسب جرائمهم.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿يُضاعف له العذاب﴾ مبنياً للمفعول وبألف
﴿ويخلد﴾ مبنياً للفاعل. والحسن وأبو جعفر وابن كثير كذلك إلا أنهم شددوا العين
وطرحوا الألف. وقرأ أبو جعفر أيضاً وشيبة وطلحة بن سليمان نضعف بالنون مضمومة وكسر
العين مشددة ﴿العذاب﴾ نصب. وطلحة بن مصرف ﴿يضاعف﴾ بالياء مبنياً للفاعل
﴿العذاب﴾ نصباً. وقرأ طلحة بن سليمان وتخلد بتاء الخطاب على الالتفات مرفوعاً أي
وتخلد أيها الكافر. وقرأ أبو حيوة ﴿ويُخلد﴾ مبنياً للمفعول مشدد اللام مجزوماً. ورويت
عن أبي عمرو وعنه كذلك مخففاً. وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿يضاعف﴾ ﴿ویخلد﴾ بالرفع
(١) سورة الأنعام: ١٥١/٦.

١٣١
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
عنهما وكذا ابن عامر والمفضل عن عاصم ﴿يضاعف﴾ ﴿ويخلد﴾ مبنياً للمفعول مرفوعاً
مخففاً. والأعمش بضم الياء مبنياً للمفعول مرفوعاً مخففاً. والأعمش بضم الياء مبنياً
للمفعول مشدداً مرفوعاً فالرفع على الاستئناف أو الحال والجزم على البدل من ﴿يلق﴾.
كما قال الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججاً
والضمير في ﴿فيه﴾ عائد على العذاب، والظاهر أن توبة المسلم القاتل النفس بغير حق
مقبولة خلافاً لابن عباس، وتقدم ذلك في النساء وتبديل سيئاتهم حسنات هو جعل أعمالهم
بدل معاصيهم الأول طاعة ويكون ذلك سبب رحمة الله إياهم قاله ابن عباس. وابن جبير
والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وردوا على من قال هو في يوم القيامة. وقال الزجاج:
السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن السيئة تُمْحَى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر
يحبط عمله وتثبت عليه السيئات. وتأول ابن مسيب ومكحول أن ذلك يوم القيامة وهو
بمعنى كرم العفو. وفي كتاب مسلم إن الله يبدل يوم القيامة لمن يريد المغفرة له من
الموحدين بدل سيئات حسنات. وقالا تُمحى السيئة ويثبت بدلها حسنة. وقال القفال
والقاضي : يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما.
﴿إلّ من تاب﴾ استثناء متصل من الجنس، ولا يظهر لأن المستثنى منه محكوم عليه
بأنه ﴿يضاعف له العذاب﴾ فيصير التقدير ﴿إلّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً﴾ فلا
يضاعف له العذاب. ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف فالأولى
عندي أن يكون استثناء منقطعاً أي لكن من تاب وآمن عمل صالحاً ﴿فأولئك يبدل الله
سيئاتهم حسنات﴾ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة و﴿سيئاتهم) هو المفعول الثاني،
وهو أصله أن يكون مقيداً بحرف الجر أي بسيئاتهم. و﴿حسنات﴾ هو المفعول الأول وهو
المسرح كما قال تعالى ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾(١). وقال الشاعر:
تضحك مني أخت ذات النحیین
أبدلك الله بلون لونين
سواد وجه وبیاض عینین
الظاهر أن ﴿ومن تاب﴾ أي أنشأ التوبة فإنه يتوب إلى الله أي يرجع إلى ثوابه وإحسانه. قال
ابن عطية ﴿ومن تاب﴾ فإنه قد تمسك بأمر وثيق. كما تقول لمن يستحسن قوله في أمر:
(١) سورة سبأ: ١٦/٣٤.

١٣٢
سورة الفرقان / الآيات : ٦١ - ٧٧
لقد قلت يا فلان قولاً فكذلك الآية معناها مدح المتاب، كأنه قال: فإنه يجد الفرج والمغفرة
عظيماً. وقال الزمخشري: ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه
بذلك تائب إلى الله الذي يعرف حق التائبين، ويفعل بهم ما يستوجبون، والله يحب التوابين
ويحب المتطهرين. وقيل: من عزم على التوبة فإنه يتوب إلى الله فليبادر إليها ويتوجه بها
إلى الله. وقيل ﴿من تاب﴾ من ذنوبه فإنه يتوب إلى من يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن
السيئات. وقيل: ﴿ومن تاب﴾ استقام على التوبة فإنه يتوب إلى الله أي فهو التائب حقاً
عند الله .
﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ عاد إلى ذكر أوصاف ﴿عباد الرحمن﴾ والظاهر أن
المعنى لا يشهدون بالزور أو شهادة الزور، قاله عليّ والباقر فهو من الشهادة. وقيل: المعنى
لا يحضرون من المشاهدة والزور الشرك والصنم أو الكذب أو آلة الغناء أو أعياد النصارى.
أو لعبة كانت في الجاهلية أو النوح أو مجالس يعاب فيها الصالحون، أقوال. فالشرك قاله
الضحاك وابن زيد، والغناء قاله مجاهد، والكذب قاله ابن جريج. وفي الكشاف عن قتادة
مجالس الباطل. وعن ابن الحنفية: اللهو والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين
و﴿اللغو﴾ كل ما ينبغي أن يُلغى ويُطرح. والمعنى ﴿وإذا مروا﴾ بأهل اللغو ﴿مروا﴾
معرضين عنهم مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم. والخوض معهم لقوله ﴿وإذا سمعوا
اللغو أعرضوا عنه﴾(١) انتهى.
﴿بآيات ربهم﴾ هي القرآن. ﴿لم يخروا عليها صماً وعمياناً﴾ النفي متوجه إلى
القيد الذي هو صم وعميان لا للخرور الداخل عليه، وهذا الأكثر في لسان العرب أن النفي
يتسلط على القيد، والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكّبوا عليها حرصاً على استماعها، وأقبلوا
على المذكر بها بآذان واعية وأعين راعية، بخلاف غيرهم من المنافقين وأشباههم، فإنهم
إذا ذكروا بها كانوا مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها في ظاهر الأمر، وكانوا ﴿صماً
وعمياناً﴾ حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها. قال ابن عطية: بل يكون خرورهم سجَّداً
وبكياً كما تقول: لم يخرج زيد إلى الحرب جزءاً أي إنما خرج جريئاً معدماً، وكان
المسمع المذكر قائم القناة قويم الأمر فإذا أعرض كان ذلك خروراً وهو السقوط على غير
نظام وترتيب، وإن كان قد أشبه الذي يَخّر ساجداً لكن أصله أنه على غير ترتيب انتهى.
وقال السدّي ﴿لم يخروا﴾ ﴿صماً وعمياناً﴾ هي صفة للكفار، وهي عبارة عن إعراضهم
(١) سورة القصص: ١٥/٢٨.

١٣٣
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧.
وجهدهم في ذلك. وقرن ذلك بقولك: قعد فلان يتمنى، وقام فلان يبكي، وأنت لم تقصد
الإخبار بقعود ولا قيام وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة.
﴿قرة أعين) كناية عن السرور والفرح، وهو مأخوذ من القر وهو البرد. يقال: دمع
السرور بارد، ودمع الحزن سخن، ويقال: أقر الله عينك، وأسخن الله عين العدو. وقال أبو
تمام :
وأما عيون الشامتين فقرت
فأما عيون العاشقين فأسخنت
وقيل: مأخوذ من القرار أي يقر النظر به ولا ينظر إلى غيره. وقال أبو عمرو: وقرة العين النوم
أي آمناً لأن الأمن لا يأتي مع الخوف حكاه القفال، وقرة العين فيمن ذكروا رؤيتهم مطيعين
لله قاله ابن عباس والحسن وحضرمي كانوا في أول الإسلام يهتدي الأب والابن كافر
والزوج والزوجة كافرة، وكانت قرة عيونهم في إيمان أحبابهم. وقال ابن عباس: قرة عين
الولدان تراه يكتب الفقه والظاهر أنهم دعوا بذلك ليجابوا في الدنيا فيسروا بهم. وقيل:
سألوا أن يلحق الله بهم أولئك في الجنة ليتم لهم سرورهم انتهى. ويتضمن هذا القول
الأول الذي هو في الدنيا لأن ذلك نتيجة إيمانهم في الدنيا. ومن الظاهر أنها لابتداء الغاية
أي ﴿هب لنا﴾ من جهتهم ما تقربه عيوننا من طاعة وصلاح، وجوز أن تكون للبيان قاله
الزمخشري قال: كأنه قيل ﴿هب لنا﴾ ﴿قرة أعين﴾ ثم بينت القرة وفسرت بقوله ﴿من
أزواجنا وذريتنا﴾ ومعناه أن يجعلهم الله لهم قرة أعين من قولك: رأيت منك أسداً أي أنت
أسد انتهى. وتقدم لنا أن ﴿من﴾ التي لبيان الجنس لا بد أن تتقدم المبين. ثم يأتي بمن
البيانية وهذا على مذهب من أثبت أنها تكون لبيان الجنس. والصحيح أن هذا المعنى ليس
بثابت لمن.
وقرأ ابن عامر والحرميان وحفص وذرياتنا على الجمع وباقي السبعة وطلحة على
الإفراد. وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة قرات على الجمع، والجمهور على الإفراد.
ونكرت القرة لتنكير الأعين كأنه قال هب لنا منهم سروراً وفرحاً وجاء ﴿أعين﴾ بصيغة جمع
القلة دون عيون الذي هو صيغة جمع الكثرة لأنه أريد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى
عيون غيرهم قاله الزمخشري. وليس بجيد لأن أعين تنطلق على العشرة فما دونه من
الجمع، والمتقون ليست أعينهم عشرة بل هي عيون كثيرة جداً وإن كانت عيونهم قليلة
بالنسبة إلي عيون غيرهم فهي من الكثرة بحيث تفوت العد. وأفرد ﴿إماماً﴾ إما اكتفاء
بالواحد عن الجمع، وحسنه كونه فاصلة ويدل على الجنس ولا لبس، وإما لأن المعنى

١٣٤
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
واجعل كل واحد ﴿إِماماً﴾ وإما أن يكون جمع آمّ كحال وحلال، وإما لاتحادهم واتفاق
كلمتهم قالوا: واجعلنا إماماً واحداً دعوا الله أن يكونوا قدوة في الدين ولم يطلبوا الرئاسة
قاله النخعي. وقيل: في الآية ما يدل على أن الرئاسة في الدين يجب أن تطلب. ونزلت في
العشرة المبشرين بالجنة.
﴿أولئك﴾ إشارة إلى الموصوفين بهذه الصفات العشرة. و﴿الغرفة﴾ اسم معرف بأل
فيعم أي الغرف كما جاء ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾(١) وهي العلالي. قال ابن عباس:
وهي بيوت من زبرجد ودر وياقوت. وقيل ﴿الغرفة﴾ من أسماء الجنة. وقيل: السماء
السابعة غرفة. وقيل: هي أعلى منازل الجنة. وقيل: المراد العلو في الدرجات والباء في
﴿بما صبروا﴾ للسبب. وقيل: للبدل أي بدل صبرهم كما قال:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا
أي فليت لي بدلهم قوماً ولم يذكر متعلق الصبر مخصصاً ليعم جميع متعلقاته. وقرأ
الحسن وشيبة وأبو جعفر والحرميان وأبو عمرو وأبو بكر ﴿ويُلَقّون﴾ بضم الياء وفتح اللام
والقاف مشددة. وقرأ طلحة ومحمد اليماني وباقي السبعة بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف
القاف. والتحية دعاء بالتعمير والسلام دعاء بالسلامة، أي تحييهم الملائكة أو يحيي
بعضهم بعضاً. وقيل: يحيون بالتحف جمع لهم بينهم المنافع والتعظيم. ﴿حسنت مستقراً
ومقاماً﴾ معادل لقوله في جهنم ﴿ساءت مستقراً ومقاماً﴾.
ولما وصف عباده العباد وعدد ما لهم من صالح الأعمال أمر رسوله مشير أن يصرح
للناس بأن لا اكتراث لهم عند ربهم إنما هو العبادة والدعاء في قوله ﴿لولا دعاؤكم﴾ هو
العبادة والظاهر أن ﴿ما﴾ نفي أي ليس ﴿يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ ويجوز أن تكون
استفهامية فيها معنى النفي أي، أي عبء يعبأ بكم، و﴿دعاؤكم﴾ مصدر أضيف إلى الفاعل
أي لولا عبادتكم إياه أي لولا دعاؤكم وتضرعكم إليه أو ما يعبأ بتعذيبكم لولا دعاؤكم
الأصنام آلهة. وقيل: أضيف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته. والذي يظهر أن
قوله ﴿قل ما يعبأ بكم﴾ خطاب لكفار قريش القائلين نسجد لما تأمرنا أي لا يحفل بكم ربي
لولا تضرعكم إليه واستغاثتكم إياه في الشدائد.
﴿فقد كذبتم﴾ بما جاء به الرسول وَله، فتستحقون العقاب ﴿فسوف يكون﴾ العقاب
(١) سورة سبأ: ٣٧/٣٤.

١٣٥
سورة الفرقان / الآيات: ٦١ - ٧٧
وهو ما أنتجه تكذبيكم ونفس لهم في حلوله بلفظة ﴿فسوف يكون لزاماً﴾ أي لازماً لهم
لا ینفکون منه. وقرأ عبد الله وابن عباس وابن الزبير: فقد كذب الكافرون وهو محمول على
أنه تفسير لا قرآن، والأكثرون على أن اللزام هنا هو يوم بدر وهو قول ابن مسعود وأُبَيّ.
وقيل: عذاب الآخرة. وقيل: الموت ولا يحمل على الموت المعتاد بل القتل ببدر. وقيل:
التقدير ﴿فسوف يكون﴾ هو أي العذاب وقد صرح به من قرأ ﴿فسوف يكون﴾ العذاب
﴿لزاماً﴾ والوجه أن يترك اسم كان غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به لأجل الإبهام
وتناول ما لا يكتنهه الوصف. وعن ابن عباس ﴿فسوف يكون﴾ هو أي التكذيب ﴿لزاماً﴾
أي لازماً لكم لا تعطون توبة ذكره الزهراوي. قال الزمخشري: والخطاب إلى الناس على
الإطلاق ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من
العبادة والتكذيب ﴿فقد كذبتم﴾ يقول إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد إلّ بعبادتهم،
فقد خالفتم بتكذیبکم حكمي فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار. ونظيره في
الكلام أن يقول الملك لمن عصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ويتبع
أمري، فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك. وقرأ ابن جريج: فسوف
تكون بتاء التأنيث أي فسوف تكون العاقبة، وقرأ الجمهور ﴿لزاماً﴾ بكسر اللام. وقرأ
المنهال وأبان بن ثعلب وأبو السماك بفتحها مصدر يقول لزم لزوماً ولزاماً، مثل ثبت ثبوتاً
وثباتاً. وأنشد أبو عبيدة عليّ كسر اللام لصخر الغي:
فقد لقيا حتوفهما لزاماً
فأما ينج من حتف أرض
ونقل ابن خالويه عن أبي السماك أنه قرأ لزام على وزن حذام جعله مصدراً معدولاً عن
اللزمة كفجار معدول عن الفجرة.

١٣٦
سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤
شُورَة الشعراء
ـرييهـ
آياتها
بِسـ
◌َعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ أَلََّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٢
تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ لـ
١
٣
وَمَايَأْنِهِمِ مِنِ ذِكْرِنَ
٤
إِن ◌َّشَأْ نُنْزِلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَاءِءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَفُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ
فَقَدَ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوَأْ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْنَهْزِءُونَ
٥
الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ {
٦
أَوَلَمْ يَوْاْ إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَنْبَا فِهَا مِن كُلِ زَوْجِ كَرِيِمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَ بَةٌ وَمَا كَانَ أَ كْثَرُهُم
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىَ أَنِ أَتْتِ اُلْقَوْمَ الظَّلِينَ
وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ!
مُؤْمِنِينَ ®
وَتَضِيقُصَدْرِىوَلَا
قَالَ رَبٍ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (®
أَقَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ شَـ
قَالَ
وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
يَنْطَلِقُّ لِسَانِىِ فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ
كَلَّا فَأَذْهَبَا إَِا يَئِنَّ إِنَامَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (٣) فَأْتِيَافِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّارَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَابَنِي إِسْرَِّيَ ﴿ قَالَ أَلَمَ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ فِينَا مِنْ عُمرِكَ سِنِينَ ()
[ْ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
◌َفَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمَّا وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُرْسَلِنَ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا
قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ
٢٣
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ
عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِي إِسْرَِّيِلَ [®)
وَالْأَرْضِ وَمَابَيْنَهُمَّ إِنَ كُوقِنِينَ لا
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ
٢٥
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَمعُونَ
٢٤
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ
ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿ قَالَ إِنَّرَسُولَكُمُالَّذِىّ ◌ُرْسِلَ إِلَيْكُمْلَمَجْنُونٌ

١٣٧
سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤
قَالَ لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَاهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَنَهُمَاْ إِنَ كُمْ تَعْقِلُونَ (®
قَالَ فَأْتِ بِهِ ◌َإِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
٣٠
اُلْمَسْجُونِينَ ﴿قَالَ أَوَّلَوْجِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ (
(٢) وَنَزَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءٌ لِلنَّظِرِينَ [٣] قَالَ لِلْمَلَإِ
◌َ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
٣١
حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ عَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ يِسِخْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
(٣٧
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ فِى الْدَابِنِ حَشِرِينَ الْأَّـ
لَعَلَّنَانَِّعُ
٣٩
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْتَمِعُونَ(
٣٨
فَجُمِعَالسَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ
فَلَمَّاجَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْلِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ
السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ (®
الْغَلِينَ *قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ ﴿ قَالَ لَهُمُوسَ أَلْقُوْمَا أَنْتُلْقُونَ
٤٣
فَأَلْقَوْحِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْبِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ
◌َ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ
٤٤
فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
٤٥
فَأَلْفِى السَّحَرَةُ سَجِدِينَ
٤٦
قَالُواْءَامَتَّابِرَبِّ الْعَلَمِينَ
EV
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (٢) قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيْرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السِّحْرَ
فَلَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّ ◌َبْدِيَّكُمْ وَأَنْ جُلَكُ مِنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلَِّنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤) قَالُوْلَا ضَيْرِفَآَ
إِنَّ نَطَّمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
إِلَى رَيِّنَا مُنْقَلِبُونَ
٥١
٥٣)
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ اُلْمَدَابِنِ خَشِرِينَ
٥٢
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىَّ إِنَّكُمْ مُتَبَعُونَ
فَأَخْرَحْنَهُم
٥٦
أَوَإِنَّالَجَمِيعُ حَدِرُونَ
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَا بِظُونَ
إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ ◌ََّ
فَأَتْبَعُوهُم
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِي إِسْرَِّيلَ
رومُ
٥٨
وَكُنُوزِ وَمَقَامِ كَرِيمٍ (
٥٧
مِّنِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ.
مُشْرِقِین
٦٠
فَلَمَّا تَرَّءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
◌َ قَالَ كَلََّ إِنَّ مَعِىَ
٦٢
فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىّ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِفَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
رَبِسَيَهْدِينِ
كَأَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ ﴿ وَأَزْلَفْنَثَمَّ الْآَخَرِينَ ﴿ وَأَنَّنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ كَثُمَّ

١٣٨
سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤
أَغْرَقْنَالْآَخَرِينَ ﴾ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَّةً وَمَا كَانَ أَ كْثَرُهُمْ مُؤْ مِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَّوَالْعَزِيزُ
قَالُواْ
إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ ()
الرَّحِيمُ ﴾ وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَهِيمَ
نَعْبُدُ أَصْنَامَا فَنَظَلُ لَهَا عَكِفِينَ
٧١
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْإِذْ تَدْعُونَ
٧٢
أوْيَنفَعُونَكُمْ أَوْ
٧٣
بِضَرونَ
أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ ﴿٣َإِنَّهُمْ عَدُوٌِّلَّ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿الَّذِى خَلَقَتِ فَهُوَ
وَالَّذِى
٨٠
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ ذَهُوَيَشْفِینِ
مَدِينِ ) وَالَّذِى هُوَيُطْعِمُنِ وَيَسْقِينِ
رَبِّ هَبْ لِ
وَاُلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلِ خَطِيئَتِ يَوْمَ الدِينِ
يُمِتُنِ ثُوَّ مُحْيِينِ
}وَاجْعَلْنِى
٨٤
حُكْمًا وَاَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ ﴿﴿ وَأَجْعَل ◌ِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِينَ
مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿﴿ وَاغْفِرْ لِأَبِىَ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ (٦) وَلَا تَحْزِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ
لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٣٦) إِلََّ مَنْ أَى اللَّهَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٦) وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴿ وَبُرِّزَتِ
◌َ وَقِيلَ لَمْأَيْنَ مَ كُمْ تَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِاللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْيَنْتَصِرُونَ
٩١
اَلْجَحِيُ لِلْغَاوِينَ
قَالُواْوَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
٩٤
فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ
٩٥
٩٣
وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّا
٩٨
إِذْ نُسَوّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
٩٧
تَاللَّهِإِنْ كُنَّالَفِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ (
فَلَوْأَنَّ لَنَاكَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ ﴿ وَلَا صَدِيقٍ حَميِمَ الَ
ديوويه
(١٠٤)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوْ اْلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٠٣
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَاكَانَ أَ كْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
١٠٢
الشرذمة: الجمع القليل المحتقر، وشرذمة كل شيء: بقيته الخسيسة: وأنشد أبو
عبيدة :
في شراذم البغال
وقال آخر:
جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منه
قَالُواْبَلٌ وَجَدْنَاءَابَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (* قَالَ أَفَءَ يْتُمْمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ

١٣٩
سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤
وقال الجوهري: الشرذمة: الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء، وثوب شراذم: أي
قطع. انتهى. وقيل: السفلة من الناس. كبكبه: قلب بعضه على بعض، وحروفه كلها
أصول عند جمهور البصريين. وقال الزمخشري: الكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير في
اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى. وقال ابن عطية: كبكب مضاعف من كب، هذا
قول الجمهور، وهو الصحيح، لأن معناهما واحد، والتضعيف في الفعل نحو: صر
وصرصر. انتهى. وقول الزمخشري وابن عطية هو قول الزجاج، وهو أنه يزعم أن نحو
كبكبة مما يفهم المعنى بسقوط ثالثه، هو مما ضوعف فيه الباء. وذهب الكوفيون إلى أن
الثالث بدل من مثل الثاني، فكان أصله كبب، فأبدل من الباء الثانية كاف، الحميم: الولي
القريب، وحامة الرجل: خاصته. وقال الزمخشري: الحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام،
وهو الذي يهمه ما أهمك؛ أو من الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخالص.
﴿طسم، تلك آيات الكتاب المبين، لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، إن نشأ
ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، وما يأتيهم من ذكر من الرحمن
محدث إلا کانوا عنه معرضین، فقد کذبوا فسیأتیھم أنباء ما کانوا به یستهزءون، أو لم يروا
إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين،
وإن ربك لهو العزيز الرحيم، وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين، قوم فرعون
ألا يتقون، قال رب إني أخاف أن يكذبون، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى
هرون، ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون، قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون، فأتيا
فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل﴾.
هذه السورة كلها مكية في قول الجمهور إلا أربع آيات من: ﴿والشعراء يتبعهم
الغاوون﴾ إلى آخر السورة، وقاله ابن عباس وعطاء وقتادة. وقال مقاتل: ﴿أول لم يكن
لهم آية﴾، الآية مدنية. ومناسبة أولها لآخر ما قبلها أنه قال تعالى: ﴿فقد كذبتم فسوف
يكون لزاماً﴾(١) ذكر تلهف رسول الله و لي على كونهم لم يؤمنوا، وكونهم كذبوا بالحق، لما
جاءهم. ولما أوعدهم في آخر السورة بقوله: ﴿فسوف يكون لزاماً﴾، أوعدهم في أول هذه
فقال في إثر إخباره بتكذيبهم فسوف يأتيهم ﴿أنباء ما كانوا به يستهزءون﴾. وتلك إشارة إلى
آيات السورة، أو آيات القرآن. وأمال فتحة الطاء حمزة والكسائي، وأبو بكر وباقي السبعة:
بالفتح؛ وحمزة بإظهار نون سين، وباقي السبعة بإدغامها؛ وعيسى بكسر الميم من طسم هنا
(١) سورة الفرقان: آية ٧٧/٢٥.

١٤٠
سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤
وفي القصص، وجاء كذلك عن نافع. وفي مصحف عبد الله ط س م مقطوع، وهي قراءة
أبي جعفر. وتكلموا على هذه الحروف بما يشبه اللغز والأحاجي، فتركت نقله، إذ لا دليل
على شيء مما قالوه.
﴿والكتاب المبين): هو القرآن، هو بين في نفسه ومبين غيره من الأحكام والشرائع
وسائر ما اشتمل عليه، أو مبين إعجازه وصحة أنه من عند الله. وتقدم تفسير ﴿باخع
نفسك﴾ في أول الكهف. ﴿ألا يكونوا): أي لئلا يؤمنوا، أو خيفة أن لا يؤمنوا. وقرأ قتادة
وزيد بن علي: باخع نفسك على الإضافة. ﴿إن نشأ ننزل﴾ دخلت إن على نشأ وإن
للممكن، أو المحقق المنبهم زمانه. قال ابن عطية: ما في الشرط من الإبهام هو في هذه
الآية في حيزنا، وأما الله تعالى فقد علم أنه لا ينزل عليهم آية اضطرار، وإنما جعل الله
آيات الأنبياء والآيات الدالة عليه معرضة للنظر والفكر، ليهتدي من سبق في علمه هداه،
ويضل من سبق ضلاله، وليكون للنظرة كسب به يتعلق الثواب والعقاب، وآية الاضطرار
تدفع جميع هذا إن لو كانت. انتهى. ومعنى آية: أي ملجئة إلى الإيمان يقهر عليه. وقرأ
أبو عمرو في رواية هرون عنه: إن يشأ ينزل على الغيبة، أي إن يشأ الله ينزل، وفي بعض
المصاحف: لو شئنا لأنزلنا. وقرأ الجمهور: فظلت، ماضياً بمعنى المستقبل، لأنه معطوف
على ينزل. وقرأ طلحة: فتظلل، وأعناقهم. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح مجيء
خاضعين خبراً عن الأعناق؟ قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق
لبيان موضع الخشوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهبت أهل اليمامة، كان الأهل
غير مذكور. انتهى. وقال مجاهد، وابن زيد، والأخفش: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق
من الناس، أي جماعة، ومنه قول الشاعر:
إن العراق وأهله عنق إلیك فهیت ھیتا
وقيل : أعناق الناس: رؤساؤهم، ومقدموهم شبهوا بالأعناق، کما قيل:
لهم الرؤوس والنواصي والصدور
قال الشاعر:
في مجفل من نواصي الخيل مشهود
وقيل: أريد الجارحة. فقال ابن عيسى: هو على حذف مضاف، أي أصحاب
الأعناق. وروعي هذا المحذوف في قوله: ﴿خاضعين﴾، حيث جاء جمعاً للمذكر