النص المفهرس

صفحات 101-120

__ ١٠١
سورة الفرقان / الآيات: ٢٥ - ٣٤
أو بمعنى عن أقوال ثلاثة. والفرق بين الباء السببية وعن أن انشق عن كذا تفتح عنه وانشق
بكذا أنه هو الشاق له.
﴿ونزل الملائكة﴾ أي إلى الأرض لوقوع الجزاء والحساب. و﴿الحق﴾ صفة للملك
أي الثابت لأن كل ملك يومئذ يبطل، ولا يبقى إلّ ملكه تعالى وخبر ﴿الملك﴾ ﴿يومئذ).
و﴿الرحمن﴾ متعلق بالحق أو للبيان أعني ﴿للرحمن). وقيل: الخبر ﴿للرحمن﴾
و﴿يومئذ﴾ معمول للملك. وقيل: الخبر ﴿الحق﴾ و﴿للرحمن﴾ متعلق به أو للبيان، وعسر
ذلك اليوم على الكافرين بدخولهم النار وما في خلال ذلك من المخاوف. ودل قوله ﴿على
الكافرين﴾ على تيسيره على المؤمنين ففي الحديث أنه يهون حتى يكون على المؤمن أخف
عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا والظاهر عموم الظالم إذ اللام فيه للجنس قاله
مجاهد وأبو رجاء، وقالا: فلان هو كناية عن الشيطان .
وقال ابن عباس وجماعة: ﴿الظالم) هنا عقبة بن أبي معيط إذ كان جنح إلى الإسلام
وأبيّ بن خلف هو المكنى عنه بفلان، وكان بينهما مخالة فنهاه عن الإِسلام فقبل منه. وعن
ابن عباس أيضاً. عكس هذا القول. قيل وسبب نزولها هو عقبة وأبي. وقيل: كان عقبة
خليلاً لأمية فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً فكفر وارتد
لرضا أمية فنزلت قاله الشعبي. وذكر من إساءة عقبة على الرسول ما كان سبب أن قال له
الرسول عليه السلام: ((لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف)). فقتل عقبة يوم
بدر صبراً أمر علياً فضرب عنقه، وقتل أبيّ بن خلف يوم أحد في المبارزة. والمقصود ذكر
هول يوم القيامة بتندم الظالم وتمنيه أنه لم يكن أطاع خليله الذي كان يأمره بالظلم وما من
ظالم إلا وله في الغالب خليل خاص به يعبر عنه بفلان. والظاهر أن ﴿الظالم﴾ ﴿يعض على
يديه﴾ فعل النادم المتفجع. وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال
كذلك كلما أكلها نبتت. وقيل: هو مجاز عبر به عن التحير والغم والندم والتفجع ونقل أئمة
اللغة أن المتأسف المتحزن المتندم يعض على إبهامه ندماً وقال الشاعر:
نلن منها عذاب بيض عذاب
لطمت خدها بحمر لطاف
واشتكى الورد ناصر العناب
فتشكى العناب نور إقاح
وفي المثل: يأكل يديه ندماً ويسيل دمعه دماً. وقال الزمخشري: عض الأنامل واليدين
والسقوط في اليد وأكل البنان وحرق الأسنان والإرم وفروعها كنايات عن الغيظ والحسرة
لأنها من روادفها فتذكر الرادفة. ويدل بها على المردوف فيرتفع الكلام به في طبقة

١٠٢.
سورة الفرقان / الآيات: ٢٥ - ٣٤
الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجد عند لفظ المكنى
عنه انتهى. وقال الشاعر في حرق الناب:
أبى الضيم والنعمان يحرق نابه
عليه فأفضى والسيوف معاقله
﴿يقول﴾ في موضع الحال أي قائلاً ﴿يا ليتني﴾ فان كانت اللام للعهد فالمعنى أنه
تمنى عقبة أن لو صحب النبيّ ◌َّ وسلك طريق الحق، وإن كانت اللام للجنس فالمعنى
أنه تمنى سلوك طريق الرسول وهو الإيمان، ويكون الرسول للجنس لأن كل ظالم قد
كلف اتّباع ما جاء به رسول من الله إلى أن جاءت الملة المحمدية فنسخت جميع الملل،
فلا يقبل بعد مجيئه دين غير الذي جاء به. ثم ينادي بالويل والحسرة يقول ﴿يا ويلتي﴾ أي
يا هلكاه كقوله ﴿يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله﴾(١). وقرأ الحسن وابن قطيب
﴿يا ليتني﴾ بكسر التاء والياء ياء الإضافة وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته
يقول لها تعالى فهذا أوانك. وقرأت فرقة بالإمالة. قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن لأن
هذه اللفظة الياء فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء فمن أمال رجع إلى الذي عنه
فر أولاً . وفلان كناية عن العلم وهو متصرف. وقل كناية عن نكرة الإنسان نحو: يا رجل وهو
مختص بالنداء، وفلة بمعنى يا امرأة كذلك ولام قل ياء أو واو وليس مرخماً من فلان خلافاً
للفراء. ووهم ابن عصفور وابن مالك وصاحب البسيط في قولهم فل كناية عن العلم
كفلان. وفي كتاب سيبويه ما قلناه بالنقل عن العرب.
..
و﴿الذكر﴾ ذكر الله أو القرآن أو الموعظة، والظاهر حمل الشيطان على ظاهره لأنه هو
الذي وسوس إليه في مخالة من أضله سماه شيطاناً لأنه يضل كما يضل الشيطان ثم خذله
ولم ينفعه في العاقبة. وتحتمل هذه الجملة أن تكون من تمام كلام الظالم، ويحتمل أن
تكون إخباراً من كلام الله على جهة الدلالة على وجه ضلالهم والتحذير من الشيطان الذي
بلغهم ذلك المبلغ. وفي الحديث الصحيح تمثيل الجليس الصالح بالمسك والجليس
السوء بنافخ الكير. والظاهر أن دعاء رسول الله وَل ربه وإخباره بهجر قومه قريش القرآن هو
مما جرى له في الدنيا بدليل إقباله عليه مسلياً مؤانساً بقوله ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً
من المجرمين﴾ وأنه هو الكافي في هدايته ونصره فهو وعد منه بالنصر وهذا القول من
الرسول وشكايته فيه تخويف لقومه. وقالت فرقة منهم أبو مسلم إنه قوله عليه السلام في
(١) سورة الزمر: ٥٦/٣٩.

-١٠٣
سورة الفرقان / الآيات: ٢٥ - ٣٤
الآخرة كقوله ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾(١) والظاهر
أن ﴿مهجوراً﴾ بمعنى متروكاً من الإيمان به مبعداً مقصياً من الهجر بفتح الهاء. وقاله
مجاهد والنخعي وأتباعه. وقيل: من الهجر والتقدير ﴿مهجوراً﴾ فيه بمعنى أنه باطل.
وأساطير الأولين أنهم إذا سمعوه هجروا فيه كقوله ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن
والغوا فيه﴾(٢).
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر كالملحود والمعقول،
والمعنى اتخذوه هجراً والعدو يجوز أن يكون واحداً وجمعاً انتهى.
وانتصب ﴿هادياً﴾ و﴿نصيراً﴾ على الحال أو على التمييز. وقالوا أي الكفار على
سبيل الاقتراح والاعتراض الدال على نفورهم عن الحق. قال الزمخشري: ﴿نزل﴾ ههنا
بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلّا كان متدافعاً انتهى. وإنما قال أن ﴿نزل﴾ بمعنی
أنزل لأن نزل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على
التفريق تدافع هو. وقوله ﴿جملة واحدة﴾ وقد قررنا أنا ﴿نزل﴾ لا تقتضي التفريق لأن
التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة. وقد بيّنا ذلك في أول آل عمران وقائل ذلك كفار قريش
قالوا: لو كان هذا من عند الله لنزل جملة كما نزلت التوراة والإنجيل. وقيل: قائلو ذلك
اليهود وهذا قول لا طائل تحته لأن أمر الاحتجاج به والإعجاز لا يختلف بنزوله جملة واحدة
أو مفرقاً بل الإعجاز في نزوله مفرقاً أظهر إذ يطالبون بمعارضة سورة منه، فلو نزل جملة
واحدة وطولبوا بمعارضته مثل ما نزل لكانوا أعجز منهم حين طولبوا بمعارضة سورة منه
فعجزوا والمشار إليه غير مذكور. فقيل: هو من كلام الكفار وأشاروا إلى التوراة والإنجيل
أي تنزيلاً مثل تنزيل تلك الكتب الإلهية جملة واحدة ويبقى ﴿لنثبت به فؤادك﴾ تعليلاً
لمحذوف أي فرقناه في أوقات ﴿لنثبت به فؤادك﴾. وقيل: هو مستأنف من كلام الله تعالى
لا من كلامهم، ولما تضمن كلامهم معنى لمَ أَنْزِلَ مفرقاً أشير بقوله كذلك إلى التفريق أي
وكذلك﴾ أنزل مفرقاً.
قال الزمخشري: والحكمة فيه أن نقوي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه لأن المتلقن
إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء، وجزأ عقيب جزء، ولو ألقي عليه جملة
واحدة لكان يعيا في حفظه والرسول عليه السلام فارقت حاله حال داود وموسى وعيسى
(١) سورة النساء: ٤ /٤١.
(٢) سورة فصلت: ٢٦/٤١.

١٠٤
سورة الفرقان / الآيات: ٢٥ - ٣٤
عليهم السلام حيث كان أمياً لا يكتب وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بد من التلقن
والتحفظ فأنزل عليه منجماً في عشرين سنة. وقيل: في ثلاث وعشرين سنة وأيضاً فكان
ينزل على حسب الحوادث وجواب السائلين، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى
ذلك إلّ فيما أنزل مفرقاً انتهى.
۵
واللام في ﴿لنثبت به﴾ لام العلة. وقال أبو حاتم: هي لام القسم والتقدير والله ليثبتن
فحذفت النون وكسرت اللام انتهى. وهذا قول في غاية الضعف وكان ينحو إلى مذهب
الأخفش أن جواب القسم يتلقى بلام كي وجعل منه ولتصغي إليه أفئدة وهو مذهب
مرجوح. وقرأ عبد الله ليثبت بالياء أي ليثبت الله ﴿ورتلناه﴾ أي فصلناه. وقيل: بيناه.
وقيل: فسرناه .
﴿ولا يأتونك بمثل﴾ يضربونه على جهة المعارضة منهم كتمثيلهم في هذه بالتوراة
والإنجيل الإحاء القرآن بالحق في ذلك ثم هو أوضح بياناً وتفصيلاً. وقال الزمخشري:
﴿ولا يأتونك بمثل﴾ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان إلّ أتيناك
نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم. ولما كان
التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت
وكيت، كما قيل معناه كذا أو ﴿ولا يأتونك﴾ بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت هذه
صفتك وحالك نحو إن يقرن بك ملك ينذر معك أو يلقى إليك كنز أو تكون لك جنة أو ينزل
عليك القرآن جملة إلّ أعطيناك ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن
تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته انتهى. وقيل: ﴿ولا يأتونك﴾ بشبهة في إبطال
أمرك إلّ جئناك بالحق الذي يدحض شبهة أهل الجهل ويبطل كلام أهل الزيغ، والمفضل
عليه محذوف أي ﴿وأحسن تفسيراً﴾ من مثلهم ومثلهم قولهم ﴿لو لا أنزل عليه القرآن
جملة واحدة﴾ .
و﴿الذين يحشرون﴾. قال الكرماني: متصل بقوله ﴿أصحاب الجنة يومئذ﴾ الآية.
قيل: ويجوز أن يكون متصلاً بقوله ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين﴾ انتهى.
والذي يظهر أنهم لما اعترضوا في حديث القرآن وإنزاله مفرقاً كان في ضمن كلامهم أنهم
ذوو رشد وخير، وأنهم على طريق مستقيم ولذلك اعترضوا فأخبر تعالى بحالهم وما يؤول
إليه أمرهم في الآخرة بكونهم ﴿شر مكاناً وأضل سبيلاً﴾ والظاهر أنه يحشر الكافر على
وجهه بأن يسحب على وجهه. وفي الحديث ((إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن

١٠٥
سورة الفرقان / الآيات: ٣٥ - ٤٤
يمشيهم على وجوههم)). وهذا قول الجمهور. وقيل: هو مجاز للذلة المفرطة والهوان
والخزي. وقيل: هو من قول العرب مر فلان على وجهه إذا لم يدر أين ذهب. ويقال: مضى
على وجهه إذا أسرع متوجهاً لقصده و﴿شر﴾ و﴿أضل﴾ ليسيا على بابهما من الدلالة على
التفضيل. وقوله ﴿شر مكاناً﴾ أي مستقراً وهو مقابل لقوله ﴿خير مستقراً﴾ ويحتمل أن يراد
بالمكان المكانة والشرف لا المستقر.
وأعربوا ﴿الذين﴾ مبتدأ والجملة من ﴿أولئك﴾ في موضع الخبر ويجوز عندي أن
يكون ﴿الذين﴾ خبر مبتدأ محذوف لما تقدم ذكر الكافرين وما قالوا قال إبعاداً لهم وتسميعاً
بما يؤول إليه حالهم هم ﴿الذين يحشرون﴾ ثم استأنف إخباراً أخبر عنهم فقال ﴿أولئك
شر مكاناً﴾
٠٤٠/
فَقُلْنَا
٣٥
وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا
أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِشَايَتِنَا فَدَ قَّرْنَهُمْ تَدْمِيْرًا (٦َا وَقَوْمَ نَوَحِ أَمَّا كَذَّبُواْ
الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَحَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِمَا رََّ وَعَادًا
وَثَمُودَا وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴿َّا وَكُلَّا ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلَّ وَكُلًّا
تَبَّرْنَا تَنْبِيرًا
وَلَقَدْ أَتَوْ عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِىّ أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ
٣٩
وَإِذَارَأَوَْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّهُزُوًّا
٤٠
يَرَوْنَهَأَبَلْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا
◌َ إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْءَالِهَتِّنَا لَوْلَا أَنْ صَبِرْنَا
٤١
أَهَذَا اُلَّذِى بَعَكَ اللَّهُرَسُولًا
عَلَيْهَأَ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٣٢) أَرَيْتَ مَنِ أَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ
أَوْيَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْإِلَّ كَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
٤٤
لما تقدم تكذيب قريش والكفار لما جاء به رسول الله وسلم ذكر تعالى ما فيه تسلية
للرسول وإرهاب للمكذبين وتذكير لهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من هلاك
الاستئصال لما كذبوا رسلهم، فناسب أن ذكر أولاً من نزل عليه كتابه جملة واحدة ومع ذلك

٠۵
سورة الفرقان / الآيات: ٣٥ - ٤٤
١٠٦ -
كفروا وكذبوا به فكذلك هؤلاء لو نزل عليه القرآن دفعة لكذبوا وكفروا كما كذب قوم
موسی .
و﴿الكتاب﴾ هنا التوراة و﴿هارون﴾ بدل أو عطف بيان، واحتمل أن يكون معه
المفعول الثاني لجعلنا. وأن يكون ﴿وزيراً﴾ والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان في الزمان
الواحد أنبياء يوازر بعضهم بعضاً، والمذهوب إليهم القبط وفرعون. وفي الكلام حذف أي
فذهبا وأديا الرسالة فكذبوهما ﴿فدمرناهم﴾ والتدمير أشد الإهلاك وأصله كسر الشيء على
وجه لا يمكن إصلاحه. وقصة موسى ومن أرسل إليه ذكرت منتهية في غير ما موضع وهنا
اختصرت فأوجز بذكر أولها وآخرها لأنه بذلك يلزم الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير
بتکذیبھم .
وقرأ عليّ والحسن ومسلمة بن محارب: فدمراهم على الأمر لموسى وهارون، وعن
عليّ أيضاً: كذلك إلّ أنه مؤكد بالنون الشديدة. وعنه أيضاً فدمرا أمراً لهما بهم بباء الجر،
ومعنى الأمر كوناً سبب تدميرهم.
وانتصب ﴿وقوم نوح) على الاشتغال وكان النصب أرجح لتقدم الجمل الفعلية قبل
ذلك، ويكون ﴿لما﴾ في هذا الإعراب ظرفاً على مذهب الفارسي. وأما إن كانت حرف
وجوب لوجوب فالظاهر أن ﴿أغرقناهم﴾ جواب لما فلا يفسر ناصباً لقوم فيكون معطوفاً
على المفعول في ﴿فدمرناهم﴾ أو منصوباً على مضمر تقديره اذكر. وقد جوز الوجوه الثلاثة
الحوفي .
﴿لما كذبوا الرسل﴾ كذبوا نوحاً ومن قبله أو جعل تكذيبهم لنوح تكذيباً للجميع، أو
لم يروا بعثه الرسل كالبراهمة والظاهر عطف ﴿وعاداً﴾ على و﴿قوم﴾. وقال أبو إسحاق:
يكون معطوفاً على الهاء والميم في ﴿وجعلناهم للناس آية﴾. قال: ويجوز أن يكون
معطوفاً على ﴿الظالمين﴾ لأن التأويل وعدنا الظالمين بالعذاب ووعدنا ﴿عاداً وثموداً﴾.
وقرأ عبد الله وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى وثمود غير مصروف. ﴿وأصحاب الرس﴾.
قال ابن عباس: هم قوم ثمود ويبعده عطفه على ثمود لأن العطف يقتضي التغاير. وقال
قتادة: أهل قرية من اليمامة يقال لها الرس والفلج. قيل: قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود
وقوم صالح. وقال كعب ومقاتل والسدّي بئر بإنطاكية الشام قتل فيها صاحب ياسين وهو
حبيب النجار. وقيل: قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي دسوه فيه.

١٠٧
سورة الفرقان / الآيات: ٣٥ - ٤٤
. وقال وهب والكلبي ﴿أصحاب الرس﴾ وأصحاب الأيكة قومان أرسل إليهما شعيب
أرسل إلى أصحاب الرس وكانوا قوماً من عبدة الأصنام وأصحاب آبار ومواش، فدعاهم إلى
الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه فبينما هم حول الرس وهي البئر غير المطوية. وعن
أبي عبيدة انهارت بهم فخسف بهم وبدارهم. وقال عليّ فيما نقله الثعلبي: قوم عبدوا
شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت رسوا نبيهم في بئر حفروه له في حديث طويل. وقيل:
هم أصحاب النبيّ وَّ حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من
الطير، سميت بذلك لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فج وهي تنقض على
صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم إنهم قتلوا
حنظلة فأهلكوا. وقيل: هم أصحاب الأخدود والرس هو الأخدود. وقال ابن عباس: الرس
بئر أذربيجان. وقيل: الرس ما بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت. وقيل: قوم بعث الله
إليهم أنبياء فقتلوهم ورسوا عظامهم في بئر. وقيل: قوم بعث إليهم نبيّ فأكلوه. وقيل: قوم
نساؤهم سواحق. وقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد. وقيل: الرس نهر من بلاد المشرق
بعث الله إليهم نبياً من أولاد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً فشكا إلى الله منهم
فحفروا له بئراً وأرسلوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلّهنا فكانوا عامة يومهم يسمعون
أنين نبيهم، فدعا بتعجيل قبض روحه فمات وأضلتهم سحابة سوداء أذابتهم كما يذوب
الرصاص.
وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبيّ ◌َ ر ((أن أهل الرس أخذوا نبيهم
فرسّوه في بئر وأطبقوا عليه صخرة فكان عبد أسود آمن به يجيء بطعام إلى تلك البئر فيعينه
الله على تلك الصخرة فيقلها فيعطيه ما يغذيه به. ثم يرد الصخرة، إلى أن ضرب الله يوماً
على أذن ذلك الأسود بالنوم أربع عشرة سنة وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به)). في حديث
طويل. قال الطبري: فيمكن أنهم كفروا بعد ذلك فذكرهم الله في هذه الآية وكثر الاختلاف
في أصحاب الرس، فلو صح ما نقله عكرمة ومحمد بن كعب كان هو القول الذي لا يمكن
خلافه وملخص هذه الأقوال أنهم قوم أهلكهم الله بتكذيب من أرسل إليهم.
﴿وقروناً بين ذلك﴾ هذا إبهام لا يعلم حقيقة ذلك إلّ الله و﴿ذلك﴾ إشارة إلى أولئك
المتقدمي الذكر فلذلك حسن دخول ﴿بين﴾ عليه من غير أن يعطف عليه شيء كأنه قيل بين
المذكورين وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة. ثم يشير إليها. وانتصب ﴿كلًا﴾ الأول على
الاشتغال أي وأنذرنا كلاً أو حذرنا كلا والثاني على أنه مفعول بتبرنا لأنه لم يأخذ مفعولاً

١٠٨-
سورة الفرقان / الآيات: ٣٥ - ٤٤
وهذا من واضح الإعراب. ومعنى ضرب الأمثال أي بيّن لهم القصص العجيبة من قصص
الأولين ووصفنا لهم ما أدى إليه تكذيبهم بأنبيائهم من عذاب الله وتدميره إياهم ليهتدوا
بضرب الأمثال فلم يهتدوا وأبعد من جعل الضمير في ﴿له﴾ لرسول الله والر قال: والمعنى
وكل الأمثال ضربنا للرسول وعلى هذا و﴿كلاً﴾ منصوب بضربنا و﴿الأمثال﴾ بدل من
﴿كلاً﴾. والضمير في ﴿ولقد أتوا﴾ لقريش كانوا يمرون على سدوم من قرى قوم لوط في
متاجرهم إلى الشام، وكانت قرى خمسة أهلك الله منها أربعاً وبقيت واحدة وهي زغر لم
يكن أهلها يعملون ذلك العمل قاله ابن عباس و﴿مطر السوء﴾ الحجارة التي أمطرت عليهم
من السماء فهلكوا. وكان إبراهيم عليه السلام ينادي نصيحة لكم: يا سدوم يوم لكم من الله
عز وجل أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، ومعنى ﴿أتوا﴾ مروا فلذلك عداه بعلى. وأفرد
لفظ القرية وإن كانت قرى لأن سدوم هي أم تلك القرى وأعظمها.
وقال مكي: الضمير في ﴿أتوا﴾ عائد على الذين اتخذوا القرآن مهجوراً انتهى. وهم
قريش وانتصب ﴿مطر﴾ على أنه مفعول ثان لأمطرت على معنى أوليت، أو على أنه مصدر
محذوف الزوائد أي إمطار السوء. ﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ أي ينظرون إلى ما فيها من العبر
والآثار الدالة على ما حل بها من النقم كما قال ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين
وبالليل﴾(١). وقال ﴿وإنهما لبإمام مبين﴾(٢) وهو استفهام معناه التعجب ومع ذلك فلم
يعتبروا برؤيتها أن يحل بهم في الدنيا ما حل بأولئك، بل كانوا كفرة لا يؤمنون بالبعث فلم
يتوقعوا عذاب الآخرة وضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما بتوقع العاقبة من يؤمن، فمن ثم
لم ينظروا ولم يتفكروا ومروا بها كما مرت ركابهم، أو لا يأملون ﴿نشوراً﴾ كما يأمله
المؤمنون لطمعهم إلى ثواب أعمالهم أو لا يخافون على اللغة التهامية. وقرأ زيد بن عليّ
مطرت ثلاثي مبنياً للمفعول ومطر متعد. قال الشاعر:
كمن بواديه بعد المحل ممطور
وقرأ أبو السماك ﴿مطر السوء﴾ بضم السين.
﴿وإذا رأوك أن يتخذونك إلّ هزوا﴾ لم يقتصر المشركون على إنكار نبوة الرسول
عليه الصلاة والسلام وترك الإيمان به، بل زادوا على ذلك بالاستهزاء والاحتقار. حتى يقول
بعضهم لبعض ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ و﴿أن﴾ نافية جواب ﴿إذا﴾ وانفردت ﴿إذا﴾
(١) سورة الصافات: ١٣٧/٣٧.
(٢) سورة الحجر: ٧٩/١٥.

١٠٩
سورة الفرقان / الآيات: ٣٥ - ٤٤
بأنه إذا كان جوابها منفياً بما أو بلا لا تدخله الفاء بخلاف أدوات الشرط غيرها فلا بد من
الفاء مع ما ومع لا إذا ارتفع المضارع، فلو وقعت إن النافية في جواب غير إذا فلا بد من
الفاء كما النافية ومعنى ﴿هزؤاً﴾ موضع هزء أو مهزواً به ﴿أهذا﴾ قبله قول محذوف أي
يقولون وقال: جواب ﴿إذا﴾ ما أضمر من القول أي ﴿وإذا رأوك﴾ قالوا ﴿أهذا الذي بعث
الله رسولاً﴾ و﴿أن يتخذونك﴾ جملة اعتراضية بين ﴿إذا﴾ وجوابها.
قيل: ونزلت في أبي جهل كان إذا رأى الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ﴿أهذا
الذي بعث الله رسولاً﴾؟ وأخبر بلفظ الجمع تعظيماً لقبح صنعه أو لكون جماعة معه قالوا
ذلك: والظاهر أن قائل ذلك جماعة كثيرة وهذا الاستفهام استصغار واحتقار منهم أخرجوه
بقولهم بعث الله رسولاً في معرض التسليم والإقرار وهم على غاية الجحود والإنكار سخرية
واستهزاء، ولو لم يستهزئوا لقالوا هذا زعم أو ادعى أنه مبعوث من عند الله رسولاً.
وقولهم ﴿إِن كاد ليضلنا﴾ دليل على فرط مجاهدة رسول الله وَّر في دعوتهم، وبذله
قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم مع عرض الآيات والمعجزات حتى شارفوا بزعمهم
أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم. و﴿له!﴾
في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث اللفظ مجرى التقييد للحكم المطلق
قاله الزمخشري. وقال أبو عبد الله الرازي: الاستهزاء إما بالصورة فكان أحسن منهم خلقة
أو بالصفة فلا يمكن لأن الصفة التي تميز بها عنهم ظهور المعجز عليه دونهم، وما قدروا
على القدح في حجته ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ثم لوقاحتهم قلبوا
القصة واستهزؤوا بالرسول عليه الصلاة والسلام انتهى. قيل: وتدل الآية على أنهم صاروا
في ظهور حجته عليه الصلاة والسلام عليهم كالمجانين استهزوؤا به أولاً ثم إنهم وصفوه
بأنه ﴿كاد ليضلنا﴾ عن مذهبنا ﴿لولا﴾ أنا قابلناه بالجمود والإصرار. فهذا يدل على أنهم
سلموا له قوة الحجة وکمال العقل، فکونهم جمعوا بين الاستهزاء به وبین هذه الکید ودة دل
على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره تارة يستهزئون منه وتارة يصفونه بما لا يليق إلّ بالعالم
الكامل.
﴿﴿وسوف يعلمون﴾ وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة الإمهال فلا بد
للوعيد أن يلحقهم فلا يغرنهم التأخير، ولما قالوا ﴿إِن كاد ليضلنا﴾ جاء قوله ﴿من أضل
سبيلاً﴾ أي سيظهر لهم من المضل ومن الضال بمشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه.
والظاهر أن من استفهامية وأضل خبره والجملة في موضع مفعول ﴿يعلمون﴾ إن كانت

١١٠
سورة الفرقان / الآيات: ٣٥ - ٤٤
متعدية إلى واحد أو في موضع مفعولين إن كانت تعدت إلى اثنين، ويجوز أن تكون ﴿من﴾
موصولة مفعولة بيعلمون و﴿أضل﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو أضل، وصار حذف هذا
المضمر للاستطالة التي حصلت في قول العرب ما أنا بالذي قائل لك سواء . .
﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ هذا يأس عن إيمانهم وإشارة إليه عليه السلام أن
لا يتأسف عليهم، وإعلام أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل البهائم ثم
ذكر أنهم ﴿أضل سبيلاً﴾ من الأنعام من حيث لهم فهم وتركوا استعماله فيما يخلصهم من
عذاب الله. والأنعام لا سبيل لها إلى فهم المصالح. و﴿أرأيت﴾ استفهام تعجب من جهل
من هذه حاله و﴿إِلَهه﴾ المفعول الأول لاتخذ، و﴿هواه﴾ الثاني أي أقام مقام الإله الذي
يعبده هواه فهو جار على ما يكون في ﴿هواه﴾ والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلاّ هواه وادعاء
القلب ليس بجيد إذ يقدره من اتخذ هواه إلّهه والبيت من ضرائر الشعر ونادر الكلام فينزه
كلام الله عنه كان الرجل يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه وأخذ الأحسن.
قيل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي، كان إذا هوى شيئاً عبده، والهوى ميل
القلب إلى الشيء أفأنت تجبره على ترك هواه، أو أفأنت تحفظه من عظيم جهله. وقرأ
بعض أهل المدينة من اتخذ آلهةً منونة على الجمع، وفيه تقديم جعل هواه أنواعاً أسماء
لأجناس مختلفة فجعل كل جنس من هواه إلّهاً آخر. وقرأ ابن هرمز: إلاهة على وزن فعالة
وفيه أيضاً تقديم أي هواه إلاهة بمعنى معبود لأنها بمعنى المألوهة. فالهاء فيها للمبالغة
٤
فلذلك صرفت. وقيل: بل الإلاهة الشمس ويقال لها ألاهة بضم الهمزة وهي غير مصروفة
للعلمية والتأنيث لكنها لما كانت مما يدخلها لام المعرفة في بعض اللغات صارت بمنزلة ما
كان فيه اللام ثم نزعت فلذلك صرفت وصارت بمنزلة النعوت فتنكرت قاله صاحب
اللوامح. ومفعول ﴿أرأيت﴾ الأول هو ﴿من) والجملة الاستفهامية في موضع المفعول
الثاني. وتقدم الكلام في ﴿أرأيت﴾ في أوائل الأنعام ومعنى ﴿وكيلاً﴾ أي هل تستطيع أن
تدعو إلى الهدى فتتوكل عليه وتجبره على الإسلام. و﴿أم﴾ منقطعة تتقدّر ببل والهمزة على
المذهب الصحيح كأنه قال: بل أتحسب كان هذه المذمّة أشد من التي تقدمتها حتى حفت
بالإضراب عنها إليها وهو كونهم مسلوبي الأسماع والعقول لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق
أذناً إلى تدبره عقلاً، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة، ونفى ذلك عن
أكثرهم لأن فيهم من سبقت له السعادة فأسلم ، وجعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها
وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب منفعتها وتتجنب مضرّتها وتهتدي إلى

١١١٠
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ -٦٠
مراعيها ومشاربها، وهم لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم ولا يرغبون في الثواب
الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ولا يهتدون للحق
أَلَمْ قَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ وَلَوْشَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّجَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا
٤٦
ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
دَلِيلاً
وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ اُلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ
٤٧
وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا
رَحْمَتِهٍّ، وَأَنْزَ لْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا (٨) لِنُحْسِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُقِيَهُ, مِمَّا خَلَقْنَآ
أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا () وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَلْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَفَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّكُفُورًا
وَلَوْشِتْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ تَّذِيرًا ﴾ فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَحَهِدْهُم
٥٠
٥٢
پِهِ،چھَادًاكَبِيرًا
وَهُوَ اُلَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذَّبٌ فَرَاتٌ وَهَذَا مِلْحُ أَجَاجٌ
وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَفًا وَحِجْرًا فَّحْجُورًا لـ
وَهُوَالَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ, نَسَبًا
٥٣
وَصِهْرَأُوَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا
جَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمُّ وَكَانَ
وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٩) قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْعَلَيْهِ
اُلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا
مِنْ أَجْرِ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً
٥٧
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِىِ لَا يَمُوتُ
اُلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا ﴾
بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا * وَ إِذَاقِيلَ
لَهُمُ أُسْجُدُواْلِرَّحْمَنِقَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَ هُمْ تُفُورً ا
لما بيِّن تعالى جهل المعترضين على دلائل الصانع وفساد طريقتهم ذكر أنواعاً من
الدلائل الواضحة التي تدل على قدرته التامة لعلهم يتدبرونها ويؤمنون بمن هذه قدرته
.وتصرفه في عالمه، فبدأ بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال وأن ذلك
جار على مشيئته. وتقدم الكلام على ﴿ألم تر﴾ في البقرة في قصة الذي حاجّ إبراهيم.
والمعنى (ألم تر إلى﴾ صنع ﴿ربك) وقدرته. و﴿كيف﴾ سؤال عن حال في موضع نصب

١١٢
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
بمد. والجملة في موضع متعلق ﴿ألم تر﴾ لأن ﴿تر﴾ معلقة والجملة الاستفهامية التي هي
معلق عنها فَعل القلب ليس باقي على حقيقة الاستفهام. فالمعنى ألم تر إلى مدّربك
الظل.
وقال الجمهور: ﴿الظل﴾ هنا من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مثل ظل الجنة ظل
ممدود لا شمس فيه ولا ظلمة. واعترض بأنه في غير النهار بل في بقايا الليل ولا يسمى
ظلاً. وقيل: ﴿الظل﴾ الليل لا ظل الأرض وهو يغمر الدنيا كلها. وقيل: من غيبوبة
الشمس إلى طلوعها وهذا هو القول الذي قبله ولكن أورده كذا. وقيل: ظلال الأشياء كلها
كقوله ﴿أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله﴾(١). وقال أبو عبيدة: ﴿الظل)
بالغداة والفيء بالعشي. وقال ابن السكيت: ﴿الظل﴾ ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ
الشمس. وقيل: ما لم تكن عليه الشمس ظل وما كانت عليه فزالت فيء.
﴿ولو شاء لجعله ساكناً﴾ قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: كظل الجنة الذي لا شمس
تذهبه. وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا تزول. وقال الحسن: ﴿لو شاء﴾ لتركه ظلاً كما
هو. وقيل: لأدامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال
الظل وبدا فيه النقصان فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في
الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه، وكلما علت الشمس نقص
الظل، وكلما دنت للغروب زاد وهو قوله ﴿ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً﴾(٢) يعني في وقت
علو الشمس بالنهار ينقص الظل نقصاناً يسيراً بعد يسير وكذلك زيادته بعد نصف النهار يزيد
يسيراً بعد يسير حتى يعم الأرض. كلها فأما زوال الظل كله فإنما يكون في البلدان
المتوسطة في وقت.
وقال الزمخشري: ومعنى ﴿مد الظل) أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس. ﴿ولو
شاء لجعله ساكناً﴾ أي لاصقاً بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجر وغير منبسط فلم ينتفع
به أحد، سمي انبساط الظل وامتداده تحركاً منه وعدم ذلك سكوناً ومعنى كون الشمس
دليلاً أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتاً في
مكان وزائلاً ومتسعاً ومتقلصاً فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك.
وقبضه إليه أن ينسخه بظل الشمس ﴿يسيراً﴾ أي على مهل وفي هذا القبض اليسير شيئاً
(١) سورة النحل: ٤٨/١٦.
(٢) سورة الفرقان: ٤٦/٢٥.

١١٣
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
بعد شيء من المنافع ما لا يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة لتعطلت أكثر مرافق الناس
بالظل والشمس جميعاً فإن قلت: ثم في هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت: موقعها
البيان تفاضل الأمور الثلاثة كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني تشبيهاً
التباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. ووجه آخر وهو أنه بنى الظل
حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض لعدم
النير.
﴿ولو شاء لجعله ساكناً﴾ مستقراً على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعله على ذلك
الظل سلطها عليه وجعلها دليلاً متبوعاً لهم كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص
ويمتد ويقلص، ثم نسخه بها قبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسير، ويحتمل أن يريد قبضه
عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام
أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه وقوله ﴿قبضناه إلينا﴾ يدل عليه وكذلك قوله ﴿يسيراً﴾
كما قال ﴿ذلك حشر علينا يسير﴾ (١) انتهى وقوله: سمى انبساط الظل وامتداده تحركاً منه
لم يسم الله ذلك إنما قال كيف مد الظل وقوله: ويحتمل أن يريد قبضه عند قيامه الساعة
فهذا يبعد احتماله لأنه إنما ذكر آثار صنعته وقدرته لتشاهد ثم قال ﴿مد الظل﴾ وعطف عليه
ماضياً مثله فيبعد أن يكون التقدير ثم قبضه عند قيام الساعة مع ظهور كونه ماضياً مستداماً
أمثاله .
وقال ابن عطية: ﴿ولو شاء لجعله ساكناً﴾ أي ثابتاً غير متحرك ولا منسوخ، لكنه
جعل الشمس ونسخها إياه بطردها له من موضع إلى موضع دليلاً عليه مبيناً لوجوده ولوجه
العبرة فيه. وحكى الطبري: أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء إذ الأشياء إنما تعرف
بأضدادها. وقال ابن عباس: ﴿يسيراً﴾ معجلاً. وقال مجاهد لطيفاً أي شيئاً بعد شيء،
ويحتمل أن يريد سهلاً قريب التناول. وقال أبو عبد الله الرازي: أكثر الناس في تأويل هذه
الآية ویرفع الکلام فیھا إلی وجھین.
الأول: أن الظل لا ضوء خالص ولا ظلمة خالصة، وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع
الشمس وكذلك الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأبنية الجدارات، وهي أطيب الأحوال .
لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الخالص يحير الحس البصري
(١) سورة قّ: ٤٤/٥٠.
تفسير البحر المحيط ج٨ ٨٢

١١٤
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
ويحدث السخونة القوية وهي مؤذية، ولهذا قيل في الجنة ﴿وظل ممدود﴾(١) والناظر إلى
الجسم الملون كأنه يشاهد بالظل شيئاً سوى الجسم وسوى اللون والظل ليس أمراً ثالثاً ولا
معرفة به إلّ إذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم ثم مال عرف للظل وجود وماهية،
ولولاها ما عرف لأن الأشياء تدرك بأضدادها، فظهر للعقل أن الظل كيفية زائدة على الجسم
واللون ولذلك قال ﴿ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً﴾ أي جعلنا الظل أولاً بما فيه من المنافع
واللذات، ثم هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت دليلاً على وجود
الظل. ﴿ثم قبضناه﴾ أي أزلناه لا دفعة بل ﴿يسيراً﴾ يسيراً كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد
نقصان الظل من جانب المغرب، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيراً
يسيراً كان زوال الأظلال كذلك.
والثاني: أنه لما خلق السماء والأرض وقع السماء على الأرض فجعل الشمس دليلاً
لأنه بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما،
فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، فكما أن المهتدي يقتدي بالهادي والدليل ويلازمه
فكذلك الأظلال ملازمة للأضواء، ولذلك جعل الشمس دليلاً عليه انتهى. ملخصاً وهو
مأخوذ من كلام الزمخشري، ومحسن بعض تحسين. والآية في غاية الظهور ولا تحتاج إلى
هذا التكثير.
وقال أيضاً: ﴿الظل﴾ ليس عدماً محضاً بل هو أضواء مخلوطة بظلام، فهو أمر
وجودي وفي تحقيقه دقيق يرجع فيه إلى الكتب العقلية انتهى. والآية في غاية الوضوح ولا
تحتاج إلى هذا التكثير وقد تركت أشياء من كلام المفسرين مما لا تمس إليه الحاجة.
﴿جعل الليل لباساً﴾ تشبيهاً بالثوب الذي يغطي البدن ويستره من حيث الليل يستر الأشياء.
والسبات: ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضاً فشبه النوم به، والسبت الإقامة في
المكان فكان السبات سكوناً تاماً والنشور هنا الإحياء شبه اليقظة به ليتطابق الإحياء مع
الإماتة اللذين يتضمنهما النوم والسبات انتهى. ومن كلام ابن عطية وقال غيره: السبات
الراحة جعل ﴿النوم سباتاً﴾ أي سبب راحة.
وقال الزمخشري: السبات الموت وهو كقوله ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾(٢) فإن
قلت: هلا فسرته بالراحة؟ قلت: النشور في مقابلته يأباه انتهى. ولا يأباه إلّ لو تعين تفسير
(١) سورة الواقعة: ٣٠/٥٦.
(٢) سورة الأنعام: ٦٠/٦.

١١٥
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
النشور بالحياة. وقال أبو مسلم ﴿نشوراً﴾ هو بمعنى الانتشار والحركة. وقال ابن عطية:
ويحتمل أن يريد بالنشور وقت انتشار وتفرق لطلب المعاش وابتغاء فضل الله. و﴿النهار
نشوراً﴾ وما قبله من باب ليل نائم ونهار صائم، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق
فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس فوائد دينية
ودنيوية. وقال الشاعر:
تخبر أن المانوية تكذب
وکم لظلام الليل عندي من ید
والنوم واليقظة وشبههما بالموت والحياة أي عبرة فيهما لمن اعتبر. وعن لقمان أنه قال
لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر.
وتقدم الخلاف في قراءة الريح بالإفراد والجمع في البقرة. قال ابن عطية: وقراءة
الجمع أوجه لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت
للمطر والرحمة فإنما هي رياح لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرّق وتأتي لينة ومن ههنا
وههنا وشيئاً اثر شيء، وريح العذاب خرجت لاتتداءب وإنما تأتي جسداً واحداً. ألا ترى
أنها تحطم ما تجد وتهدمه. قال الرماني: جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح: الجنوب،
والصبا، والشمال. وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور. قال - أي ابن
عطية -: يرد هذا قول النبيّ وَله: إذا هبت الريح: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))
انتهى. ولا يسوغ أن يقال: هذه القراءة أوجه لأنه كلا من القراءتين متواتر والألف واللام في
الريح للجنس فتعم، وما ذكر من أن قول الرماني يرده الحديث فلا يظهر لأنه يجوز أن يريد
بقوله عليه السلام: ((رياحاً)). الثلاثة اللواقح وبقوله ((ولا تجعلها ريحاً)) الدبور. فيكون ما
قاله الرماني مطابقاً للحديث على هذا المفهوم .
وتقدم الخلاف في قراءة ﴿نشراً﴾ وفي مدلوله في الأعراف ﴿بين يدي رحمته﴾
استعارة حسنة أي قدام المطر لأنه يجيء معلماً به. والطهور فعول إما للمبالغة كنؤوم فهو
معدول عن طاهر، وإما أن يكون اسماً لما يتطهر به كالسحور والفطور، وإما مصدر لتطهر
جاء على غير المصدر حكاه سيبويه. والظاهر في قوله ﴿ماء طهوراً﴾ أن يكون للمبالغة في
طهارته وجهة المبالغة كونه لم يشبه شيء بخلاف ما نبع من الأرض ونحوه فإنه تشوبه أجزاء
أرضية من مقره أو ممره أو مما يطرح فيه، ويجوز أن يوصف بالاسم وبالمصدر. وقال
ثعلب: هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، فإن كان ما قاله شرحاً لمبالغته في الطهارة

١١٦-
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
كان سديداً ويعضده ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾(١) وإلّ ففعول لا يكون
بمعنى مفعل، ومن استعمال طهور للمبالغة قوله تعالى ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾(٢).
وقال الشاعر:
عذاب الثنايا ريقهنّ طهور
إلى رجح الأكفال غيد من الظباء
وقرأ عيسى وأبو جعفر ﴿مَيِّتاً﴾ بالتشديد ووصف بلده بصفة المذكر لأن البلدة تكون في
معنى البلد في قوله ﴿فسقناه إلى بلد ميت﴾(٣) ورجح الجمهور التخفيف لأنه يماثل فعلاً
من المصادر، فكما وصف المذكر والمؤنث بالمصدر فكذلك بما أشبهه بخلاف المشدد
فإنه يماثل فاعلاً من حيث قبوله للثاء إلّ فيما خص المؤنث نحو طامث. وقرأ عبد الله وأبو
حيوة وابن أبي عبلة والأعمش وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما ﴿ونَسقيه﴾ بفتح النون
ورويت عن عمر بن الخطاب. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري ﴿وأناسي﴾ بتخفيف الياء.
ورويت عن الكسائي ﴿وأناسي﴾ جمع إنسان في مذهب سيبويه. وجمع أنسي في مذهب
الفراء والمبرد والزجاج، والقياس أناسيه كما قالوا في مهلبي مهالبة. وحكي أناسين في
جمع إنسان كسرحان وسراحين، ووصف الماء بالطهارة وعلل إنزاله بالإحياء والسقي لأنه
لما كان الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهور وإكراماً له وتتميماً للنعمة عليه،
والتعليل يقتضي أن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد
لأصيد عليه الوحش. وقدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي لأن حياتهم
بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو السبب في ذلك ولأنهم إذا وجدوا ما يسقي
أرضهم ومواشيهم وجدوا سقياهم. ونكر الأنعام والأناسي ووصفا بالكثرة لأن كثيراً منهم
لا يعيشهم إلا ما أنزل الله من المطر، وكذلك ﴿لنحبي به بلدة ميتاً﴾ یرید بعض بلاد هؤلاء
المتباعدين عن مظانّ الماء بخلاف سكان المدن فإنهم قريبون من الأودية والأنهار والعيون
فهم غنيون غالباً عن سقي ماء المطر، وخص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب
لأن الطيور والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام فإنها قنية
الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم.
والضمير في ﴿صرفناه﴾ عائد على الماء المنزل من السماء، أي جعلنا إنزال الماء
تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض وهو في كل عام بمقدار واحد قاله الجمهور
(١) سورة الأنفال: ١١/٨.
(٢) سورة الإنسان: ٢١/٧٦.
(٣) سورة فاطر: ٩/٣٥.

__ ١١٧
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠.
!.
منهم ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، فعلى هذا التأويل ﴿إلا كفوراً﴾ هو قولهم بالأنواء
والكواكب قاله عكرمة. وقيل ﴿كفوراً﴾ على الإطلاق لما تركوا التذكر. وقال ابن عباس
أيضاً: عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضده ﴿وجاهدهم به﴾(١)
لتوافق الضمائر، وعلى أنه للمطر يكون به للقرآن. وقال أبو مسلم: راجع إلى المطر
والرياح والسحاب وسائر ما ذكر فيه من الأدلة. وقال الزمخشري: صرفنا هذا القول بين
الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء
السحاب وإنزال المطر ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا
كفران النعمة وجحودها وقلة الإكتراث بها. وقيل: صرّفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة
والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وجود ورذاذ وديمة ورهام فأبوا إلا
الكفور. وأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكروا رحمته وصنعته. وعن ابن عباس: ما من عام
أقل مطراً من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية. ويروى أن
الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام لأنه لا يختلف، ولكن يختلف في البلاد
وينتزع من ههنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي كأنه قال: ليحيي به بعض البلاد
الميتة، ونسقيه بعض الأنعام والأناسي وذلك البعض كثير انتهى. وقرأ عكرمة ﴿صرَفناه﴾
بتخفيف الراء.
﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً﴾ لما علم تعالى ما كابده الرسول من أذى قومه
أعلمه أنه تعالى لو أراد لبعث في كل قرية نذيراً فيخفف عنك الأمر ولكنه أعظم أجرك
وأجلك إذ جعل إنذارك عاماً للناس كلهم، وخصك بذلك ليكثر ثوابك لأنه على كثرة
المجاهدة يكون الثواب، وليجمع لك حسنات من آمن بك إذ أنت مؤسسها. ﴿فلا تطع
الكافرين﴾ يعني كفار قريش فإنهم كانوا استمعوا إليه ورغبوا أن يرجع إلى دين آبائهم
ويملكونه عليهم ويجمعون له مالاً عظيماً فنهاه تعالى عن طاعتهم حتى يظهر لهم أنه
لا رغبة له في شيء من ذلك، لكن رغبته في الدعاء إلى الله والإيمان به. ﴿وجاهدهم به﴾
أي القرآن أو بالإسلام أو بالسيف أو بترك طاعتهم و﴿جهاداً﴾ مصدر وصف بكبيراً لأنه
يلزمه عليه السلام مجاهدة جميع العالم فهو جهاد کبیر.
و﴿مرج﴾ خلط بينهما أو أفاض أحدهما في الآخر أو أجراهما أقوال، والظاهر أنه
يراد بالبحرين الماء الكثير العذب والماء الكثير الملح. وقيل: بحران معينان. فقيل: بحر
(١) سورة الفرقان: ٥٢/٢٥.

١١٨ -
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
فارس، وبحر الروم. وقيل: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان في كل عام قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: مياه الأنهار الواقعة في البحر الأجاج وهذا قريب من القول الأول. قال ابن
عطية: والمقصد بالآية التنبيه على قدرة الله وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض
مياهاً عذبة كثيرة من الأنهار والعيون والآبار وجعلها خلال الأجاج، وجعل الأجاج خلالها
فترى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه ويلقى الماء البحر في الجزائر ونحوها قد
اكتنفه الماء الأجاج، والبرزخ والحجر ما حجز بينهما من الأرض والسد قاله الحسن.
ويتمشى هذا على قول من قال إن ﴿مرج﴾ بمعنى أجرى. وقيل: البرزخ البلاد والقفار فلا
يختلفان إلّ بزوال الحاجز يوم القيامة. قال الأكثرون: الحاجز مانع من قدرة الله. قال
الزجاج: فهما مختلطان في مرائي العين منفصلان بقدرة الله، وسواد البصرة ينحدر الماء
العذب منه في دجلة نحو البحر، ويأتي المد من البحر فيلتقيان من غير اختلاط فماء البحر
إلى الخضرة الشديدة، وماء دجلة إلى الحمرة، فالمستقي يغرف من ماء دجلة عندنا
لا يخالطه شيء ونيل مصر في فيضه يشق البحر المالح شقاً بحيث يبقى نهراً جارياً أحمر
في وسط المالح ليستقي الناس منه، وترى المياه قطعاً في وسط البحر المالح فيقولون: هذا
ماء ثلج فيسقون منه من وسط البحر.
وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي (ملح﴾ بفتح الميم وكسر اللام وكذا في فاطر. قال
أبو حاتم وهذا منكر في القراءة. وقال أبو الفتح أراد مالحاً وحذف الألف كما حذفت من برد
أي بارد. وقال أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: هي لغة شاذة قليلة. وقيل: أراد مالح
فقصره بحذف الألف فالمالح جائز في صفة الماء لأن الماء يوجد في الضفيان بأن يكون
مملوحاً من جهة غيره، ومالحاً لغيره وإن كان من صفته أن يقال: ماء ملح موصوف
بالمصدر أي ماء ذو ملح، فالوصف بذلك مثل حلف ونضو من الصفات.
قال الزمخشري: فإن قلت: ﴿حجراً محجوراً﴾ ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي
يقولها المتعوذ وقد فسرناها وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز، كان كل واحد من البحرين
متعوذ من صاحبه ويقول له ﴿حجراً محجوراً﴾ كما قال ﴿لا يبغيان﴾(١) أي لا يبغي
أحدهما على صاحبه بالممازجة، فانتقاء البغي ثم كالتعوذ ههنا جعل كل واحد منهما في
صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة
انتھی .
(١) سورة الرحمن: ٢٠/٥٥.

١١٩
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
والظاهر أن ﴿حجراً محجوراً﴾ معطوف على ﴿برزخاً﴾ عطف المفعول على
المفعول وكذا أعربه الحوفي، وعلى ما ذكره الزمخشري يكون ذلك على إضمار القول
المجازي أي، ويقولان أي كل واحد منهما لصاحبه ﴿حجزاً محجوراً﴾.
والظاهر عموم البشر وهم بنو آدم والبشر ينطلق على الواحد والجمع. وقيل: المراد
بالنسب آدم وبالصهر حواء. وقيل: النسب البنون والصهر البنات و﴿من الماء﴾ إما النطفة،
وإما أنه أصل خلقة كل حي، والنسب والصهر يعمان كل قربى بين آدميين، فالنسب أن
يجتمع مع آخر في أب وأم قرب ذلك أو بعد، والصهر هو نواشج المناكحة. وقال عليّ بن
أبي طالب النسب ما لا يحل نكاحه والصهر قرابة الرضاع. وعن طاوس: الرضاعة من
الصهر. وعن عليّ: الصهر ما يحل نكاحه والنسب ما لا يحل نكاحه. وقال الضحاك:
الصهر قرابة الرضاع. وقال ابن سيرين: نزلت في النبيّ وَّر وعليّ لأنه جمعه معه نسب
وصهر. قال ابن عطية: فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة. ﴿وكان ربك قديراً﴾
حيث خلق من النطفة الواحدة بشراً نوعين ذكراً وأنثى.
ولما ذكر دلائل قدرته وما امتن به على عباده من غرائب مصنوعاته ثبت بذلك أنه
المستحق للعبادة لنفعه وضره بين فساد عقول المشركين حيث يعبدون الأصنام. والظاهر أن
﴿الكافر﴾ اسم جنس فيعم. وقيل: هو أبو جهل والآية نزلت فيه. وقال عكرمة ﴿الكافر﴾
هنا إبليس والظهير والمظاهر كالمعين والمعاون قاله مجاهد والحسن وابن زيد، وفعيل
بمعنى مفاعل كثير والمعنى أن ﴿الكافر﴾ يعاون الشيطان على ربه بالعداوة والشريك.
وقيل: معناه وكان الذي يفعل هذا الفعل وهو عبادة ما لا ينفع ولا يضر على ربه هيناً مهيناً
من قولهم: ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك لا يلتفت إليه، وهذا نحو قوله ﴿أولئك
لا خلاق لهم﴾(١) الآية قاله الطبري. وقيل: ﴿على ربه﴾ أي معيناً على أولياء الله. وقيل:
معيناً للمشركين على أن لا يوحد الله.
﴿وما أرسلناك إلّ مبشراً ونذيراً﴾ سلّ نبيه بذلك أي لا تهتم بهم ولا تذهب نفسك
عليهم حسرات، وإنما أنت رسول تبشر المؤمنين بالجنة وتنذر الكفرة بالنار، ولست
بمطلوب بإيمانهم أجمعين. ثم أمره تعالى أن يحتج عليهم مزيلاً لوجوه التهم بقوله ﴿قل ما
أسألكم عليه من أجر﴾ أي لا أطلب مالاً ولا نفعاً يختص بي. والضمير في ﴿عليه﴾ عائد
(١) سورة آل عمران: ٧٧/٣.

١٢٠
سورة الفرقان / الآيات: ٤٥ - ٦٠
على التبشير والإنذار، أو على القرآن، أو على إبلاغ الرسالة أقوال. والظاهر في ﴿إلّ من
شاء﴾ أنه استثناء منقطع وقاله الجمهور. فعلى هذا قيل بعباده ﴿لكن من شاء أن يتخذ إلى
ربه سبيلاً﴾ فليفعل. وقيل: لكن من أنفق في سبيل الله ومجاهدة أعدائه فهو مسؤولي.
وقيل: هو متصل على حذف مضاف تقديره: إلّ أجر من اتخذ إلى ربه سبيلاً أي إلّ أجر
من آمن أي الأجر الحاصل لي على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على
ذلك. وقيل: إلّ أجر من آمن من يعني بالأجرة الإنفاق في سبيل الله أي لا أسألكم أجراً إلّ
الإنفاق في سبيل الله، فجعل الإنفاق أجراً.
ولما أخبر أنه فطم نفسه عن سؤالهم شيئاً أمره تعالى تفويض أمره إليه وثقته به
واعتماده عليه فهو المتكفل بنصره وإظهار دينه. ووصف تعالى نفسه بالصفة التي تقتضي
التوكل في قوله ﴿الحي الذي لا يموت﴾ لأن هذا المعنى يختص به تعالى دون كل حي كما
قال ﴿كل شيء هالك إلّ وجهه﴾(١). وقرأ بعض السلف هذه الآية فقال: لا يصح لذي
عقل أن يثق بعدها بمخلوق، ثم أمره بتنزيهه وتمجيده مقروناً بالثناء عليه لأن التنزيه محله
اعتقاد القلب والمدح محله اللسان الموافق للإعتقاد. وفي الحديث: ((من قال سبحان الله
وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. وهي الكلمتان الخفيفتان على
اللسان الثقيلتان في الميزان)).
﴿وكفى به بذنوب عباده خبيراً﴾ أراد أنه ليس إليه من أمور عباده شيء آمنوا أم
كفروا، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم. وفي هذه الجملة تسلية للرسول ووعيد
للكافر. وفي بعض الأخبار كفى بك ظَفراً أن يكون عدوك عاصياً وهي كلمة يراد بها
المبالغة تقول: كفى بالعلم جمالاً. وكفى بالأدب مالاً، أي حسبك لا تحتاج معه إلى غيره
لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم.
ولما أمره بالتوكل والتسبيح وذكر صفة الحياة الدائمة ذكر ما دل على القدرة التامة وهو
إيجاد هذا العالم. وتقدم الكلام في نظير هذا الكلام واحتمل ﴿الذي﴾ أن يكون صفة
للحي الذي لا يموت. ويتعين على قراءة زيد بن عليّ ﴿الرحمن﴾ بالجر وأما على قراءة
الجمهور ﴿الرحمن﴾ بالرفع فإنه يحتمل أن يكون ﴿الذي﴾ صفة للحي و﴿الرحمن) خبر
مبتدأ محذوف. ويحتمل أن يكون ﴿الذي﴾ مبتدأ و﴿الرحمن﴾ خبره. وأن يكون ﴿الذي﴾
(١) سورة القصص: ٨٨/٢٨.