النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة النور / الآيات: ٤٧ - ٥٧ أَقُلْ أَطِيعُواْاللّهَوَأَطِيعُواْالرَّسُولُ فَإِنْ تَوَلَوْفَإِنَّمَا عَيْهِ مَاءُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا يُمِّلْتُمْ وَإِن ٥٣ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ ٥٤ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ واْوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ اَلْمُبِينُ ( وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي أَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَدِّلَنَّهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُ ونَنِى لَا وَأَقِيمُواْ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ( الصَّلَوةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْتَمُونَ ﴿﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ //۶ مُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ! ٥٧ نزلت إلى قوله ﴿إلّ البلاغ المبين﴾ في المنافقين بسبب منافق اسمه بشر، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى الرسول وسلّه، ودعا هو إلى كعب بن الأشرف فنزلت. ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبع ذلك بذمّ قوم آمنوا بألسنتهم دون عقائدهم. ﴿ثم يتولى فريق منهم﴾ عن الإيمان. ﴿بعد ذلك﴾ أي بعد قولهم ﴿آمنا﴾ ﴿وما أولئك﴾ إشارة إلى القائلين فينتفي عن جميعهم الإيمان، أو إلى الفريق المتولي فيكون ما سبق لهم من الإيمان ليس إيماناً إنما كان ادّعاء باللسان من غير مواطأة بالقلب. وأفرد الضمير في ﴿ليحكم بينهم﴾ وقد تقدم قوله ﴿إلى الله ورسوله﴾ لأن حكم الرسول هو عن الله. قال الزمخشري : کقولك أعجبني زيد وکرمه یرید کرم زيد ومنه : غلسته قبل القطا وفرطه ومنهل من الفلافي أوسطه أراد قبل فرط القطا انتهى. أي قبل تقدم القطا إليه. وقرأ أبو جعفر ﴿ليحكم﴾ في الموضعين مبنياً للمفعول و﴿إذا﴾ الثانية للفجاءة. جواب ﴿إذا﴾ الأولى الشرطية، وهذا أحد الدلائل على أن الجواب لا يعمل في إذا الشرطية خلافاً للأكثرين من النحاة، لأن إذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقد أحكم ذلك في علم النحو. والظاهر أن ﴿إليه﴾ متعلق بيأتوا. والضمير في ﴿إليه﴾ عائد على الرسول له. وأجاز الزمخشري أن يتعلق ﴿إليه﴾ بمذعنين قال: لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة وهذا أحسن لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص. وقد رددنا عليه ذلك وفي ما رجح تهيئة العامل للعمل وقطعه عن العمل ٦٢ - سورة النور / الآيات: ٤٧ - ٥٧ وهو مما يضعف، والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معه إلا الحق المرّ والعدل البحت يزورون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنزعه منهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم الحق على خصم أسرع إليك كلهم ولم يرضوا إلا بحكومتك. ﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون﴾ (أم) هنا منقطعة والتقدير: بل ارتابوا بل أيخافون وهو استفهام توقيف وتوبيخ، ليقروا بأحد هذه الوجوه التي عليهم في الإقرار بها ما عليهم، وهذا التوقيف يستعمل في الأمور الظاهرة مما يوبخ به ويذم، أو مما يمدح به وهو بليغ جداً فمن المبالغة في الذم. قول الشاعر: على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر ألست من القوم الذين تعاهدوا ومن المبالغة في المدح. قول جرير: وأندى العالمين بطون راح ألستم خير من رکب المطایا وقسم تعالى جهات صدودهم عن حكومته فقال ﴿أفي قلوبهم مرض﴾ أي نفاق وعدم إخلاص ﴿أم ارتابوا﴾ أي عرضت لهم الريبة والشك في نبوته بعد أن كانوا مخلصين ﴿أم يخافون﴾ أي يعرض لهم الخوف من الحيف في الحكومة، فيكون ذلك ظلماً لهم. ثم استدرك ببل أنهم ﴿هم الظالمون﴾. وقرأ عليّ وابن أبي إسحاق والحسن ﴿إنما كان قول﴾ بالرفع والجمهور بالنصب. قال الزمخشري: والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لكان أو غلهما في التعريف و﴿أن يقولوا﴾ أو غل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين. وكان هذا من قبيل كان في قوله ﴿ما كان الله أن يتخذ من ولد﴾(١) ﴿ما يكون لنا أن نتكلم بهذا﴾(٢) انتهى. ونص سيبويه على أن اسم كان وخبرها إذا كانتا معرفتين فأنت بالخيار في جعل ما شئت منهما الاسم والآخر الخبر من غير اعتبار شرط في ذلك ولا اختيار. وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس ﴿ليحكم بينهم﴾ مبنياً للمفعول، والمفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير المصدر أي ﴿ليحكم﴾ هو أي الحكم، والمعنى ليفعل الحكم ﴿بينهم﴾ ومثله قولهم: جمع بينهما وألف بينهما وقوله تعالى ﴿وحيل بينهم﴾(٣). قال الزمخشري: ومثله ﴿لقد تقطع بينكم﴾(٤) فيمن قرأ ﴿بينكم) منصوباً أي (١) سورة مريم: ٣٥/١٩. (٢) سورة النور: ١٦/٢٤. (٣) سورة سبأ: ٥٤/٣٤. (٤) سورة الأنعام: ٩٤/٦. ٦٣ سورة النور / الآيات: ٤٧ - ٥٧ وقع التقطع بينكم انتهى. ولا يتعين ما قاله في الآية إذ يجوز أن يكون الفاعل ضميراً يعود على شيء قبله وتقدم الكلام في ذلك في موضعه. ﴿أن يقولوا سمعنا﴾ أي قول الرسول ﴿وأطعنا﴾ أي أمره. وقرىء ﴿ويتقه﴾ بالإشباع والاختلاس والإسكان. وقرىء ﴿ويتقه﴾ بسكون القاف وكسر الهاء من غير إشباع أجرى خبر كان المنفصل مجرى المتصل، فكما يسكن علم فيقال علم كذلك سكن ويتقه لأنه تقه كعلم وكما قال السالم : قالت سليمى اشتر لنا سويقاً يريد اشتر لنا ﴿ومن يطع الله﴾ في فرائضه ﴿ورسوله﴾ في سننه و﴿يخشى الله﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ويتقه﴾ فيما يستقبل. وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه. ولما بلغ المنافقين ما أنزل تعالى فيهم أتوا إلى الرسول وي ليه وأقسموا إلى آخره أي ﴿ليخرجن﴾ عن ديارهم وأموالهم ونسائهم و﴿لئن أمرتهم﴾ بالجهاد ﴿ليخرجن﴾ إلیه وتقدم الكلام في ﴿جهد أيمانهم) في الأنعام. ونهاهم تعالى عن قسمهم لعلمه تعالى أنه ليس حقاً. ﴿طاعة معروفة﴾ أي معلومة لا شك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين المطابق باطنهم لظاهرهم، لا أيمان تقسموا بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة بالقول دون الفعل، أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: يحتمل معاني . أحدها: النهي عن القسم الكاذب إذ قد عرف أن طاعتهم دغلة رديئة فكأنه يقول: لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه. والثاني: لا تتكلفوا القسم طاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأجدى عليكم، وفي هذا الوجه إبقاء عليهم. والثالث: لا تقنعوا بالقسم طاعة تعرف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم. والرابع: لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسمة طاعة الله معروفة وجهاد عدوه مهيع لائح انتھی . و﴿طاعة﴾ مبتدأ و﴿معروفة﴾ صفة والخبر محذوف، أي أمثل وأولى أو خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا أو المطلوب ﴿طاعة معروفة﴾. وقال أبو البقاء: ولو قرىء بالنصب لكان ٦٤ سورة النور / الآيات : ٤٧ - ٥٧ جائزاً في العربية وذلك على المصدر أي أطيعوا طاعة انتهى. وقدراه بالنصب زيد بن عليّ واليزيدي وتقدير بعضهم الرفع على إضمار ولتكن ﴿طاعة معروفة﴾ ضعيف لأنه لا يحذف الفعل ويبقى الفاعل، إلّ إذا كان ثم مشعر به نحو ﴿رجال﴾ بعد ﴿يسبح﴾ مبنياً للمفعول أي يسبحه رجال، أو يجاب به نفي نحو: بلى زيد لمن قال: ما جاء أحد. أو استفهام نحو قوله : ألا هل أتى أم الحويرث مرسل بلى خالد إن لم تعقه العوائق أي أتاها خالد. ﴿إن الله خبير بما تعملون﴾ أي مطلع على سرائركم ففاضحكم. والتفت من الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في تبكيتهم. ولما بكتهم بأن مطلع على سرائرهم تلطف بهم فأمرهم بطاعة الله والرسول وهو أمر عام للمنافقين وغيرهم. ﴿فإن تولوا﴾ أي فإن تتولوا. ﴿فإنما عليه﴾ أي على الرسول ﴿ما حمل﴾ وهو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهد في إنذارهم. ﴿وعليكم ما حملتم﴾ وهو السمع والطاعة واتّباع الحق. ثم علق هدايتهم على طاعته فلا يقع إلا بطاعته ﴿وما على الرسول إلّ البلاغ المبين﴾ تقدم الكلام على مثل هذه الجملة في المائدة. روي أن بعض الصحابة شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزل ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾. وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما قال بعضهم ما أتى علينا يوم نأمن من فيه ونضع السلاح، فقال النبي ◌َّيقول: ((لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة)). قال ابن عباس: وهذا الوعد وعده الله أمّة محمد ◌َّه في التوراة والإنجيل. والخطاب في ﴿منكم) للرسول وأتباعه و﴿من﴾ للبيان أي الذين هم أنتم وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم خلفاء. وقوله ﴿في الأرض﴾ هي البلاد التي تجاورهم وهي جزيرة العرب، ثم افتتحوا بلاد الشرق والغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا. وفي الصحيح: ((زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي عنها)). قال بعض العلماء: ولذلك اتسع نطاق الإسلام في الشرق والغرب دون اتساعه في الجنوب والشمال. قلت: ولا سيما في عصرنا هذا بإسلام معظم العالم في المشرق كقبائل الترك، وفي المغرب كبلاد السودان التكرور والحبشة وبلاد الهند . ٦٥ سورة النور / الآيات: ٤٧ - ٥٧ ﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾ أي بني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد هلاك الجبابرة. وقيل: هو ما كان في زمان داود وسليمان عليهما السلام، وكان الغالب على الأرض المؤمنون. وقرىء ﴿كما استُخْلِفَ﴾ مبنياً للمفعول. واللام في ﴿ليستخلفنهم﴾ جواب قسم محذوف، أي وأقسم ﴿ليستخلفنهم﴾ أو أجرى وعد الله لتحققه مجرى القسم فجووب بما يجاوب به القسم. وعلى التقدير حذف القسم بكون معمول ﴿وعد﴾ محذوفاً تقديره استخلافكم وتمكين دينكم. ودل عليه جواب القسم المحذوف. وقال الضحاك: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات. وقال#1: ((الخلافة بعدي ثلاثون)) انتهى. ونيدرج من جرى مجراهم في العدل من استخلف من قريش كعمر بن عبد العزيز من الأمويين، والمهتدين بالله في العباسیین. ﴿وليمكنن لهم دينهم﴾ أي يثبته ويوطده بإظهاره وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. و﴿الذي ارتضى لهم﴾ صفة مدح جليلة وقد بلغت هذه الأمة في تمكين هذا الدين الغاية القصوى مما أظهر الله على أيديهم من الفتوح والعلوم التي فاقوا فيها جميع العالم من لدن آدم إلى زمان هذه الملة المحمدية. وقرأ الجمهور ﴿ولیبدلنهم﴾ بالتشديد وابن کثیر وأبو بكر والحسن وابن محيصن بالتخفيف. وقال أبو العالية: لما أظهر الله عز وجل رسوله اله على جزيرة العرب وضعوا السلاح وآمنوا، ثم قبض الله نبيه عليه السلام فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة، فأدخل الله عليهم الخوف فغيروا فغير الله ما بهم. ﴿يعبدونني﴾ الظاهر أنه مستأنف فلا موضع له من الإعراب كأنه قيل: ما لهم يستخلفون ويؤمنون فقال ﴿يعبدونني﴾ قاله الزمخشري. وقال ابن عطية: ﴿يعبدونني﴾ فعل مستأنف أي هم ﴿يعبدونني﴾ ويعني بالاستئناف الجملة لا نفس الفعل وحده وقاله الحوفي قال: ويجوز أن يكون مستأنفاً على طريق الثناء عليهم أي هم ﴿يعبدونني﴾. وقال الزمخشري: وإن جعلته حالاً عن وعدهم أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم فمحله النصب انتهى. وقال الحوفي قبله. وقال أبو البقاء: ﴿يعبدونني﴾ حال من ﴿ليستخلفنهم﴾ و﴿ليبدلنهم﴾ ﴿لا يشركون﴾ بدل من ﴿يعبدونني﴾ أو حال من الفاعل في ﴿يعبدونني﴾ موحدين انتهى. والظاهر أنه متى أطلق الكفر كان مقابل الإسلام والإيمان وهو ظاهر قول حذيفة قال: كان النفاق على عهد النبيّ وَّر، وقد ذهب ولم يبق إلّ كفر بعد تفسير البحر المحيط ج٨ م٥ ٦٦ سورة النور / الآيات: ٤٧ - ٥٧ إيمان. قال ابن عطية: يحتمل أن يريد كفر هذه النعم إذا وقعت ويكون الفسق على هذا غير مخرج عن الملة. قيل: ظهر في قتلة عثمان. وقال الزمخشري: ﴿ومن كفر﴾ يريد كفران النعمة كقوله ﴿فكفرت بأنعم الله﴾(١) ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ أي هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة العظيمة. والظاهر أن قوله ﴿وأقيموا﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب ويحسنه الخطاب في منكم. وقال الزمخشري: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ معطوف على ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وليس بيعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه. فاصل. وإن طال لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه وكررت طاعة الرسول توكيداً لوجوبها انتهى. وقرأ الجمهور ﴿لا تحسبن﴾ بتاء الخطاب والتقدير، ﴿لا تحسبن﴾ أيها المخاطب ولا يندرج فيه الرسول، وقالوا: هو خطاب للرسول وليس بجيد لأن مثل هذا الحسبان لا يتصوّر وقوعه فيه عليه السلام. وقرأ حمزة وابن عامر لا يحسبن بالياء للغيبة، والتقدير لا يحسبن حاسب، والرسول لا يندرج في حاسب وقالوا: يكون ضمير الفاعل للرسول لتقدم ذكره في ﴿وأطيعوا الرسول﴾ قاله أبو عليّ والزمخشري وليس بجيد لما ذكرناه في قراءة التاء. وقال النحاس: ما علمت أحداً من أهل العربية بصرياً ولا كوفياً إلّ وهو يخطىء قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن لأنه لم يأت إلّ بمفعول واحد ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم انتهى. وقال الفرّاء: هو ضعيف وأجازه على حذف المفعول الثاني وهو قول البصريين تقديره أنفسهم. و﴿معجزين﴾ المفعول الثاني. وقال عليّ بن سليمان: ﴿الذين كفروا﴾ في موضع نصب قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر ﴿الذين كفروا معجزين في الأرض﴾. وقال الكوفيون: ﴿معجزين﴾ المفعول الأول. و﴿في الأرض﴾ الثاني قيل: وهو خطأ وذلك لأن ظاهر في ﴿الأرض﴾ تعلقه بمعجزين، فلا يكون مفعولاً ثانياً. وخرج الزمخشري ذلك متبعاً قول الكوفيين. فقال ﴿معجزين في الأرض﴾ هما المفعولان والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا لهم في مثل ذلك، وهذا معنى قوي جيد انتهى. وقال أيضاً: يكون الأصل: لا يحسبنهم ﴿الذين كفروا معجزين﴾ ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت كالشيء الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث انتهى. وقد رددنا هذا التخريج في آل عمران في قوله ﴿لا يحسبن الذين (١) سورة النحل: ١١٢/١٦. ٦٧ سورة النور / الآيات: ٥٨ - ٦١ يفرحون بما أتوا﴾(١) في قراءة من قرأ بياء الغيبة، وجعل الفاعل ﴿الذين يفرحون﴾ وملخصه أنه ليس هذا من الضمائر التي يفسرها ما بعدها فلا يتقدر لا يحسبنهم إذ لا يجوز ظنه زید قائماً علی تقدیر رفع زید بظنه . ﴿ومأواهم النار﴾ قال الزمخشري: عطف على ﴿لا تحسبن﴾ كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله ﴿ومأواهم النار﴾ والمراد بهم المقسمون جهد أيمانهم انتهى. وقال صاحب النظام لا يحتمل أن يكون ﴿ومأواهم﴾ متصلاً بقوله ﴿لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض﴾ بل هم مقهورون ﴿ومأواهم النار﴾ انتهى. واستبعد العطف من حيث إن ﴿لا تحسبن﴾ نهي ﴿ومأواهم النار﴾ جملة خبرية فلم يناسب عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما وهذا مذهب قوم. ولما أحس الزمخشري بهذا قال: كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله فتأول جملة النهي بجملة خبرية حتى تقع المناسبة، والصحيح أن ذلك لا يشترط بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضاً على بعض وإن لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبويه. يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَكَتْ أَيْمَشْكُمْوَالَّذِينَ لَمْ يَتْلُوْحُلُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ مِنْقَبْلِ صَلَوْقِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الَّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةٍ الْعِشَآءِ ثَثُ عَوْزَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَ هُنَّ طَوَّنُونَ عَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَثِّ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لْ وَإِذَا بَلَغَ ٥٨ الْأَطْفَلُ مِنكُمُ الْخُلُفَلْيَسْتَنْذِنُوْكَمَا أَسْتَخْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاَللَّهُ عَلِيمٌحَكِيمٌ ﴾ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِ لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِرَّ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِحَتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَغْفِفْنَ خَيْرٌلَّهُنَُّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾َّالَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْبُيُوتِ (١) سورة آل عمران: ١٨٨/٣. ٦٨ سورة النور / الآيات: ٥٨ - ٦١ ءَبَا بِكُمْ أَوْبُتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْبُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْبُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْبُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْبُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْبُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْبُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ مَامَلَكْتُمْ مَّفَاتِحَهُ، أَوْصَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا فَسَلِّمُواْ عَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً ج طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لَهُ روي أن عمر بعث إليه رسول الله * غلاماً من الأنصار يقال له مدلج، وكان نائماً فدق عليه الباب ودخل، فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلّ بإذن. ثم انطلق إلى الرسول فوجد هذه الآية قد نزلت فخرّ ساجداً. وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قيل: دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله، فأتت رسول الله وَلهم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا حالاً نكرهها. ﴿ليستأذنكم﴾ أمر والظاهر حمله على الوجوب والجمهور على الندب. وقيل: بنسخ ذلك إذ صار للبيوت أبواب روي ذلك عن ابن عباس وابن المسيب والظاهر عموم ﴿الذين ملكت أيمانكم) في العبيد والإماء وهو قول الجمهور. وقال ابن عمر وآخرون، العبيد دون الإماء. وقال السلمي: الإماء دون العبيد. ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم) عام في الأطفال عبيد كانوا أو أحراراً. وقرأ الحسن وأبو عمر وفي رواية وطلحة ﴿الحلم﴾ بسكون اللام وهي لغة تميم. وقيل ﴿منكم﴾ أي من الأحرار ذكوراً كانوا أو إناثاً. والظاهر من قوله ﴿ثلاث مرات﴾ ثلاث استئذانات لأنك إذا ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلّ ثلاث ضربات ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: ((الاستئذان ثلاث)) والذي عليه الجمهور أن معنى ﴿ثلاث مرات﴾ ثلاث أوقات وجعلوا ما بعده من ذكر تلك الأوقات تفسيراً لقوله ﴿ثلاث مرات﴾ ولا يتعين ذلك بل تبقى ﴿ثلاث مرات﴾ على مدلولها. ﴿من قبل صلاة الفجر﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة وقد ينكشف النائم. ﴿وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾ لأنه وقت وضع الثياب للقائلة لأن النهار إذ ذاك يشتد حره في ذلك الوقت. و﴿من﴾ في ﴿من الظهيرة﴾ قال أبو البقاء: لبيان الجنس أي حين ذلك هو الظهيرة، قال: أو بمعنى من أجل ٦٩ سورة النور / الآيات: ٥٨ - ٦١ حر الظهيرة و﴿حين﴾ معطوف على موضع ﴿من قبل﴾ ﴿ومن بعد صلاة العشاء) لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم ﴿ثلاث عورات لكم﴾ سمى كل واحد منها عورة لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها، والعورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان، والأعور المختل العين. وقرأ حمزة والكسائي ﴿ثلاث﴾ بالنصب قالوا: بدل من ﴿ثلاث عورات﴾ وقدره الحوفي والزمخشري وأبو البقاء أوقات ﴿ثلاث عورات﴾ وقال ابن عطية: إنما يصح يعنى البدل بتقدير أوقات ﴿عورات) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرأ باقي السبعة بالرفع أي هن ﴿ثلاث عورات﴾ وقرأ الأعمش ﴿عَوَرات﴾ بفتح الواو وتقدم أنها لغة هذيل بن مدركة وبني تميم وعلى رفع ﴿ثلاث﴾ . قال الزمخشري: يكون ﴿ليس عليكم﴾ الجملة في محل رفع على الوصف والمعنى هن ﴿ثلاث عورات﴾ مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. ﴿بعدهن﴾ أي بعد استئذانهم فيهن حذف الفاعل وحرف الجر بفي بعد استئذانهن ثم حذف المصدر وقيل ﴿ليس﴾ على العبيد والإماء ومن لم يبلغ الحلم في الدخول ﴿عليكم﴾ بغير استئذان ﴿جناح) بعد هذه الأوقات الثلاث ﴿طوافون عليكم) يمضون ويجيؤون وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم ﴿طوافون﴾ أي المماليك والصغار ﴿طوافون عليكم﴾ أي يدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن إلّ في تلك الأوقات. وجوّزوا في ﴿بعضكم على بعض﴾ أن يكون مبتدأ وخبراً لكن الجر قدروه طائف على بعض وهو کون مخصوص فلا يجوز حذفه. قال الزمخشري: وحذف لأن طوافون يدل عليه وأن يكون مرفوعاً بفعل محذوف تقديره يطوف بعضكم. وقال ابن عطية ﴿بعضكم﴾ بدل من قوله ﴿طوافون﴾ ولا يصح لأنه إن أراد بدلاً من ﴿طوافون﴾ نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير هم ﴿بعضكم على بعض﴾ وهذا معنى لا يصح. وإن جعلته بدلاً من الضمير في ﴿طوافون﴾ فلا يصح أيضاً إن قدر الضمير ضمير غيبة لتقدير المبتدأ هم لأنه يصير التقدير هم يطوف ﴿بعضكم على بعض﴾ وهو لا يصح. فإن جعلت التقدير أنتم يطوف ﴿عليكم بعضكم على بعض﴾ فيدفعه أن قوله ﴿عليكم) بدل على أنهم هم المطوف عليهم، وأنتم طوافون، يدل على أنهم طائفون فتعارضا. وقرأ ابن أبي عبلة طوافين بالنصب على الحال من ضمير ﴿عليهم﴾. وقال الحسن: إذا بات الرجل خادمه معه فلا استئذان عليه ولا في هذه الأوقات الثلاثة. ٧٠ سورة النور / الآيات: ٥٨ - ٦١ ﴿وإذا بلغ الأطفال﴾ أي من أولادكم وأقربائكم ﴿فليستأذنوا﴾ أي في كل الأوقات فإنهم قبل البلوغ كانوا يستأذنون في ثلاث الأوقات. ﴿كما استأذن الذين من قبلهم﴾ يعني البالغين. وقيل: الكبار من أولاد الرجل وأقربائه. ودل ذلك على أن الابن والأخ البالغين كالأجنبي في ذلك وتكلموا هنا فيما به البلوغ وهي مسألة تذكر في الفقه. كذلك الإشارة إلى ما تقدم ذكره من استئذان المماليك وغير البلغ. ولما أمر تعالى النساء بالتحفظ من الرجال ومن الأطفال غير البلغ في الأوقات التي هي مظنة كشف عورتهن استثنى ﴿القواعد من النساء﴾ اللاتي كبرن وقعدن عن الميل إليهن والافتتان بهن فقال ﴿والقواعد﴾ وهو جمع قاعد من صفات الإناث. وقال ابن السكيت: امرأة قاعد قعدت عن الحيض. وقال ابن قتيبة: سُميِّن بذلك لأنهن بعد الكبر يكثرن القعود. وقال ربيعة لقعودهن عن الاستمتاع بهن فأيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج. وقيل قعدن عن الحيض والحبل. و﴿ثيابهن﴾ الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار والملاء الذي فوق الثياب أو الخمر أو الرداء والخمار أقوال، ويقال للمرأة إذا كبرت امرأة واضع أي وضعت خمارها. ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي غير متظاهرات بالزينة لينظر إليهن، وحقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه أو غير قاصدات التبرج بالوضع، ورب عجوز يبدو منها الحرص على أن يظهر بها جمال. ﴿وأن يستعففن﴾ عن وضع الثياب ويتسترن كالشباب أفضل لهن. ﴿والله سميع﴾ لما يقول كل قائل ﴿عليم﴾ بالمقاصد. وفي ذكر هاتين الصفتين توعد وتحذير. عن ابن عباس لما نزل ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾(١) تحرج المسلمون عن مواكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام فأنزل الله هذه الآية قيل: وتحرجوا عن أكل طعام القرابات فنزلت مبيحة جميع هذه المطاعم ومبينة أن تلك إنما هي في التعدي والقمار وما يأكله المؤمن من مال من يكره أهله أو بصفقة فاسدة ونحوه. وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وابن المسيب كانوا إذا نهضوا إلى الغزو وخلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم تحرجوا من أكل مال الغائب فنزلت مبيحة لهم ما تمس إليه حاجتهم من مال الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك. وقال مجاهد: كان الرجل إذا ذهب بأهل العذر (١) سورة البقرة: ١٨٨/٢. ٧١ سورة النور / الآيات: ٥٨ - ٦١ إلى بيته فلم يجد فيه شيئاً ذهب بهم إلى بيوت قراباته فتحرج أهل الأعذار من ذلك فنزلت. وقيل: كانت العرب ومن بالمدينة قبل البعث تجتنب الأكل مع أهل هذه الأعذار فبعضهم تقذراً لمكان جولان يد الأعمى، ولانبساط الجلسة مع الأعرج، ولرائحة المريض وهي أخلاق جاهلية وکبر. فنزلت واستبعد هذا لأنه لو كان هذا السبب لكان التركيب ليس عليكم حرج أن تأكلوا معهم ولم يكن ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ وأجاب بعضهم: بأن ﴿على﴾ في معنى أي في مواكلة الأعمى وهذا بعيد جداً. وفي كتاب الزهراوي عن ابن عباس أن أهل هذه الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم فنزلت. وعلى هذه الأقوال كلها يكون نفي الحرج عن أهل العذر ومن بعدهم في المطاعم. وقال الحسن وعبد الرحمن بن زيد الحرج المنفي عن أهل العذر هو في القعود عن الجهاد وغيره مما رخص لهم فيه، والحرج المنفي عمن بعدهم في الأكل مما ذكر وهو مقطوع مما قبله إذ متعلق الحرجين مختلف. وإن كان قد اجتمعا في انتفاء الحرج. وهذا القول هو الظاهر. ولم يذكر بيوت الأولاد اكتفاء بذكر بيوتكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه، وبيته بيته. وفي الحديث ((إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه)). ومعنى ﴿من بيوتكم﴾. من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم، والولد أقرب من عدد من القرابات فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى. وقرأ طلحة إمهاتكم بكسر الهمزة. ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾. قال ابن عباس: هو وكيل الرجل أن يتناول من التمر ويشرب من اللبن. وقال قتادة: العبد لأن ماله لك. وقال مجاهد والضحاك: خزائن بيوتكم إذا ملكتم مفاتيحها. وقال ابن جرير: الزمنى ملكوا التصرف في البيوت التي سلمت إليهم مفاتيحها. وقيل: ولي اليتيم يتناول من ماله بقدر ما قال تعالى ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾(١) ومفاتحه بيده. وقرأ الجمهور ﴿ملكتم﴾ بفتح الميم واللام خفيفة. وقرأ ابن جبير بضم الميم وكسر اللام مشددة، والجمهور ﴿مفاتحه﴾ جمع مفتح وابن جبير مفاتيحه جمع مفتاح، وقتادة وهارون عن أبي عمرو مفتاحه مفرداً. ﴿أو صديقكم) قرىء بكسر الصاد إتباعاً لحركة الدال حكاه حميد الخزاز، قرن الله الصديقَ بالقرابة المحضة. قيل لبعضهم: من أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحب أخي إلّ إذا كان صديقي. وقال معمر: قلت لقتادة ألا أشرب من هذا الحب؟ قال: أنت لي صديق فما هذا الاستئذان. وقال ابن عباس: (١) سورة النساء: ٦/٤. ٧٢. سورة النور / الآيات: ٥٨ - ٦١ الصديق أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾(١) ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات ومعنى (أو صديقكم﴾ أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون للواحد والجمع كالخليط والقطين، وقد أكل جماعة من أصحاب الحسن من بيته وهو غائب فجاء فسر بذلك وقال: هكذا وجدناهم يعني كبراء الصحابة، وكان الرجل يدخل بيت صديقه فيأخذ من كيسه فيعتق جاريته التي مكنته من ذلك. وعن جعفر الصادق: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وترك الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ. وقال هشام بن عبد الملك: نلت ما نلت حتى الخلافة وأعوزني صديق لا أحتشم منه. وقال أهل العلم: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح . وانتصب ﴿جميعاً أو أشتاتاً﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين. قال الضحاك وقتادة: نزلت في حي من كنانة تحرجوا أن يأكل الرجل وحده فربما قعدوا لطعام بين يديه لا يجد من يؤاكله حتى يمسي فيضطر إلى الأكل وحده. وقال بعض الشعراء: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي وقال عكرمة في قوم من الأنصار: إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلّ معه. وقيل في قوم: تحرجوا أن يأكلوا جميعاً مخافة أن يزيد أحدهم على الآخرة في الأكل. وقيل ﴿أو صديقكم) هو إذا دعاك إلى وليمة فحسب. وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام ((ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) وبقوله عليه السلام من حديث ابن عمر: ((لا يحلبن أحد ماشية أحد إلّ بإذنه)) وبقوله تعالى ﴿لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا﴾(٢) الآية . ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم﴾. قال ابن عباس والنخعي: المساجد فسلموا على من فيها فإن لم يكن فيها أحد قال السلام على رسول الله. وقيل: يقول السلام عليكم يعني الملائكة، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال جابر وابن عباس وعطاء: البيوت المسكونة وقالوا يدخل فيها غير المسكونة، فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال ابن عمر: بيوتاً خالية. وقال السدّي ﴿على أنفسكم) على أهل دينكم. وقال قتادة: على أهاليكم في بيوت أنفسكم. وقيل: بيوت الكفار ﴿فسلموا (١) سورة الشعراء: ١٠٠/٢٦. (٢) سورة النور: ٢٧/٢٤. ٧٣ سورة النور / الآيات : ٦٢ - ٦٤ على أنفسكم﴾ وقال الزمخشري ﴿فإذا دخلتم بيوتاً﴾ من هذه البيوت لتأكلوا، فابدؤوا بالسلام على أهلها الذين هم فيها منكم ديناً وقرابة. و﴿تحية من عند الله﴾ أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب للسلامة وحياة للمسلم عليه ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق انتهى. وقال مقاتل: مباركة بالأجر. وقيل: بورك فيها بالثواب. وقال الضحاك: في السلام عشر حسنات، ومع الرحمة عشرون، ومع البركات ثلاثون. وانتصب ﴿تحية﴾ بقوله ﴿فسلموا﴾ لأن معناه فحيوا كقولك: قعدت جلوساً. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَ إِذَا كَانُواْمَعَهُ، عَلَ أَمْرِ جَامِعِ لَّمْيَذْ هَبُواْ حَّى يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ أُوْلَمْكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولٍِ، فَإِذَا أُسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْلَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ لَّا تَجْعَلُواْدُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْلِوَاذَا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْيِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ ٣ أَلَا إِنَّ ◌ِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُئِّئُ هُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيٌ · لما افتتح السورة بقوله (سورة أنزلناها﴾(١) وذكر أنواعاً من الأوامر والحدود مما أنزله على الرسول عليه السلام اختتمها بما يجب له عليه السلام على أمته من التتابع والتشايع على ما فيه مصلحة الإسلام ومن طلب استئذانه إن عرض لأحد منهم عارض، ومن توقيره في دعائهم إياه. وقال الزمخشري: أراد عز وجل أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن رسول الله وَّالقر بغير إذنه. ﴿إذا كانوا معه على أمر جامع﴾ فجعل ترك ذهابهم ﴿حتى تستأذنوه﴾ ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله وَله، وجعلهما كالتسبيب له والنشاط لذكره. وذلك مع تصدير الجملة بإنما وارتفاع المؤمنين مبتدأ ومخبر عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه (١) سورة النور: ١/٢٤. ٧٤ سورة النور / الآيات : ٦٢ - ٦٤ بمايزيده توكيداً وتسديداً بحيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله﴾ وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرّض بحال الماضين وتسللهم لو إذاً. ومعنى قوله ﴿لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له، والأمر الجامع الذي يجمع له الناس، فوصف بالجمع على المجاز وذلك نحو مقابلة عدو وتشاور في أمرهم أو تضام لإرهاب مخالف، أو ما ينتج في حلف وغير ذلك. والأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه وفي قوله ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع﴾ أنه خطب جليل لا بد لرسول الله 90 فيه من ذوي رأي وقوة يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفاءته، فمفارقة أحدهم في مثل هذه الحالة مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه. فمن ثم غلظ عليهم وضيق الأمر في الاستئذان مع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه واعتراض ما يهمهم ويعينهم، وذلك قوله ﴿لبعض شأنهم﴾ وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه. وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن لذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل، ولا يتفرقون عنهم، والأمر في الإذن مفوض إلى الإمام إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن على حسب ما اقتضاه رأيه انتهى. وهو تفسير حسن ويجري هذا المجرى إمام الأمرة إذا كان الناس معه مجتمعين لمراعاة مصلحة دينية فلا يذهب أحد منهم عن المجمع إلّ بإذن منه إذ قد يكون له رأي في حضور ذلك الذاهب. وقال مكحول والزهري: الجمعة من الأمر الجامع، فإذا عرض للحاضر ما يمنعه الحضور من سبق رعاف فليستأذن حتى يذهب عنه سوء الظن به. وقال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمام على المنبر، فلما کثر ذلك قال زياد: من جعل يده على أنفه فليخرج دون إذن وقد كان هذا بالمدينة حتى إنّ سهيل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام. وقال ابن سلام: هو كل صلاة فيها خطبة كالجمعة والعيدين والاستسقاء. وقال ابن زيد: في الجهاد. وقال مجاهد: الاجتماع في طاعة الله. قيل: في قوله ﴿فائذن لمن شئت منهم﴾ أريد بذلك عمر بن الخطاب. وقرأ اليماني على أمر جميع. ﴿لا تجعلوا﴾ خطاب لمعاصري الرسول عليه السلام لما كان التداعي بالأسماء على ٧٥ سورة النور / الآيات : ٦٢ - ٦٤ عادة البداوة، أمروا بتوفير رسول الله وَلقر بأحسن ما يدعى به نحو: يا رسول الله، يا نبي الله، ألا ترى إلى بعض جفاة من أسلم كان يقول: يا محمد وفي قوله ﴿كدعاء بعضكم بعضاً﴾ إشارة إلى جواز ذلك مع بضعهم لبعض إذ لم يؤمر بالتوقير والتعظيم في دعائه عليه السلام إلّ من دعاه لا من دعا غيره. وكانوا يقولون: يا أبا القاسم يا محمد فنهوا عن ذلك. وقيل: نهاهم عن الإبطاء والتأخر إذا دعاهم، واختارهم المبرد والقفال ويدل عليه ﴿فليحذر الذي يخالفون عن أمره﴾ وهذا القول موافق لمساق الآية ونظمها. وقال الزمخشري: إذا احتاج إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تتفرّقوا عنه إلّ بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي انتهى. وهو قريب مما قبله. وقال أيضاً: ويحتمل ﴿لا تجعلوا﴾ دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم، يسأله حاجة فربما أجابه وربما رده، وإن دعوات رسول الله وَّ مسموعة مستجابة انتهى. وقال ابن عباس: إنما هو لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه. قال ابن عطية: ولفظ الآية يدفع هذا المعنى انتهى. وقرأ الحسن ويعقوب في رواية نبيكم بنون مفتوحة وباء مكسورة وياء مشددة بدل قوله ﴿بينكم﴾ ظرفً قراءة الجمهور. قال صاحب اللوامح: وهو النبيّ عليه السلام على البدل من ﴿الرسول﴾ فإنما صار بدلاً لاختلاف تعريفهما باللام مع الإضافة، يعني أن الرسول معرفة باللام ونبيكم معرفة بالإضافة إلى الضمير فهو في رتبة العلم، فهو أكثر تعريفاً من ذي اللام فلا يصح النعت به على المذهب المشهور، لأن النعت يكون دون المنعوت أو مساوياً له في التعريف. ثم قال صاحب اللوامح: ويجوز أن يكون نعتاً لكونهما معرفتين انتهى. وكأنه مناقض لما قرر من اختياره البدل وينبغي أن يجوز النعت لأن الرسول قد صار علماً بالغلبة كالبيت للكعبة إذ ما جاء في القرآن والسنة من لفظ الرسول إنما يفهم منه أنّه محمد #، فإذا كان كذلك فقد تساويا في التعريف. ومعنى ﴿يتسللون﴾ ينصرفون قليلاً قليلاً عن الجماعة في خفية، ولواذ بعضهم ببعض أي هذا يلوذ بهذا وهذا بذاك بحيث يدور معه حیث دار استتاراً من الرسول. وقال الحسن ﴿لواذاً﴾ فراراً من الجهاد. وقيل: في حفر الخندق ينصرف المنافقون بغير إذن ويستأذن المؤمنون إذا عرضت لهم حاجة. وقال مجاهد لوذاً خلافاً. وقال أيضاً ﴿يتسللون﴾ من الصف في القتال وقيل: ﴿يتسللون﴾ على رسول الله والله وعلى كتابه ٧٦. سورة النور / الآيات : ٦٢ - ٦٤ وعلى ذكره. وانتصب ﴿لواذاً﴾ على أنه مصدر في موضع الحال أي متلاوذين، و﴿لواذاً﴾ مصدر لاوذ صحت العين في الفعل فصحت في المصدر، ولو كان مصدر لاذ لكان لياذاً كقام قياماً. وقرأ يزيد بن قطيب ﴿لواذاً﴾ بفتح اللام، فاحتمل أن يكون مصدر لاذ ولم يقبل لأنه لا كسرة قبل الواو فهو كطاف طوافاً. واحتمل أن يكون مصدر لاوذ وكانت فتحة اللام لأجل فتحة الواو وخالف يتعدى بنفسه تقول: خالفت أمر زيد وبالي تقول: خالفت إلى كذا فقوله ﴿عن أمره﴾ ضمن خالف معنى صدّ وأعرض فعداه بعن. وقال ابن عطية: معناه يقع خلافهم بعد أمره كما تقول كان المطر عن ريح و﴿عن﴾ هي لما عدا الشيء. وقال أبو عبيدة والأخفش ﴿عن﴾ زائدة أي ﴿أمره﴾ والظاهر أن الأمر بالحذر للوجوب وهو قول الجمهور، وأن الضمير في ﴿أمره﴾ عائد على الله. وقيل على الرسول. وقرىء يخلفّون بالتشديد أي يخلفون أنفسهم بعد أمره، والفتنة القتل قاله ابن عباس أيضاً أو بلاء قاله مجاهد، أو كفر قاله السدي ومقاتل، أو إسباغ النعم استدراجاً قاله الجراح، أو قسوة القلب عن معرفة المعروف والمنكر قاله الجنيد، أو طبع على القلوب قاله بعضهم. وهذه الأقوال خرجت مخرج التمثيل لا الحصر وهي في الدنيا. أو ﴿عذاب أليم﴾. قيل: عذاب الآخرة. وقيل: هو القتل في الدنيا. ﴿ألا إن لله ما في السموات والأرض﴾ هذا كالدلالة على قدرته تعالى عليهما وعلى المكلف فيما يعامله به من المجازاة من ثوابه وعقابه. ﴿قد يعلم ما أنتم عليه﴾ أي من مخالفة أمر الله وأمر رسوله وفيه تهديد ووعيد، والظاهر أنه خطاب للمنافقين. وقال الزمخشري: ادخل ﴿قد﴾ ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد وذلك أن قد إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التنكير في نحو قوله: أقام به بعد الوفود وفود فإن يمس مهجور الفناء فربما ونحو من ذلك قول زهير: ولكنه قد يهلك المال نائله أخى ثقة لا يهلك الخمر ماله انتهى. وكون قد إذا دخلت على المضارع أفادت التكثير قول بعض النحاة وليس بصحيح، وإنما التكثير مفهوم من سياقة الكلام في المدح والصحيح في رب إنها لتقليل الشيء أو ٧٧ مفردات سورة الفرقان تقليل نظيره فإن فهم تكثير فليس ذلك من رب. ولا قد إنما هو من سياقة الكلام، وقد بين ذلك في علم النحو. وقرأ الجمهور ﴿يُرجعون﴾ مبنياً للمفعول. وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمرو مبنياً للفاعل. والتفت من ضمير الخطاب في ﴿أنتم﴾ إلى ضمير الغيبة في ﴿يرجعون) ويجوز أن يكون ﴿ما أنتم عليه﴾ خطاباً عاماً ويكون ﴿يرجعون) للمنافقين. والظاهر عطف ﴿ويوم﴾ على ﴿ما أنتم عليه﴾ فنصبه نصب المفعول. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون التقديم والعلم الظاهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون النصب على الظرف. مفردات سورة الفرقان﴾ الهباء قال أبو عبيدة والزجاج: مثل الغبار يدخل الكوة مع ضوء الشمس. وقال ابن عرفة: الهبوة والهباء التراب الدقيق. وقال الجوهري يقال منه إذا ارتفع هبا يهبو هبواً، وأهبيتُه أنا إهباءً. وقيل: هو الشرر الطائر من النار إذا أضرمت. النثر: التفريق. العض: وقع الأسنان على المعضوض بقوة وفعله على وزن فعل بكسر العين، وحكى الكسائي عضضت بفتح عين الكلمة. فلان كناية عن علم من يعقل. الجملة من الكلام هو المجتمع غير المفرق. الترتيل سرد اللفظ بعد اللفظ يتخلل بينهما زمن يسير من قولهم: ثغر مرتل أي مفلج الأسنان. السبات: الراحة، ومنه يوم السبت لما جرت العادة من الاستراحة فيه ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت قاله أبو مسلم. وقال الزمخشري: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة. مرج: قال ابن عرفة خلط ومرج الأمر اختلط واضطرب. وقيل: مرج وأمرج أجرى، ومرج لغة الحجاز وأمرج لغة نجد. العذب: الحلو. والفرات البالغ في الحلاوة. الملح: المالح. والأجاج البالغ في الملوحة. وقيل: المر. وقيل: الحار. الصهر، قال الخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلّ أصهار، ولأهل بيت الرجل إلّ أختان، ومن العرب من يجعلهم أصهاراً كلهم. السراج: الشمس. الهون: الرفق واللين. الغرفة: العلية وكل بناء عال فهو غرفة. عباءً من العبء وهو الثقيل، يقال: عبأت الجيش بالتخفيف والتثقيل هيأته للقتال، ويقال: ما عبأت به أي ما اعتددت به کقولك: ما اکترثت به. ٧٨ سورة الفرقان / الآيات: ١ - ١٦ : سُورَةُ الفُرْقَان ـريبهَا ياتها ◌ِللهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ الَّذِى لَهُ,مُلْكُ ١ تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّشَىْءٍ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِءَالِهَةُ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا وَقَالَ ٣ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا اُلَّذِينَ كَفَرُواْإِنْ هَذَا إِلَّا إِفُْ أَفْتَرَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونَّ فَقَدْ جَاءُ وظُلْمًا وَزُورًا ٤ ٥ وَقَالُواْأَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا فَهِىَّ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًارَحِيمًا (٦) وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ بَأَكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِ فِ اْأَسْوَاقِ لَوْلًا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْتَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ مَعَهُ نَذِيرًا في أُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٨ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا تَبَارَكَ الَّذِىِ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ٩ اُلْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (٨ إِذَا رَأَتْهُمْ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْلَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ١٢ ! لَّانَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا ١٣ وَإِذَا أَلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَا لِكَ ثُبُورًا ٧٩ سورة الفرقان / الآيات: ١ - ١٦ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْجَنَّةُ اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ وَحِدًا وَأَدْعُوْ ثُبُورًا كَثِيرًا اُلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءَ وَمَصِيرًا (٥ ◌َهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْتُولًا هذه السورة مكية في قول الجمهور. وقال ابن عباس وقتادة: إلّ ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر - إلى قوله - وكان الله غفوراً رحيماً﴾(١) وقال الضحاك مدنية إلا من أولها إلى قوله ﴿ولا نشوراً﴾(٢) فهو مكي. ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها أنه لما ذكر وجوب مبايعة المؤمنين للرسول وأنهم إذا كانوا معه في أمر مهم توقف انفصال واحد منهم على إذنه وحذر من يخالف أمره وذكر أن له ملك السموات والأرض وأنه تعالى عالم بما هم عليه ومجازيهم على ذلك، فكان ذلك غاية في التحذير والإنذار ناسب أن يفتتح هذه السورة بأنه تعالى منزه في صفاته عن النقائص كثير الخير، ومن خيره أنه ﴿نزل الفرقان﴾ على رسوله منذراً لهم فكان في ذلك اطماع في خيره وتحذير من عقابه. و﴿تبارك﴾ تفاعل مطاوع بارك وهو فعل لا يتصرف ولم يستعمل في غيره تعالى فلا يجيء منه مضارع ولا اسم فاعل ولا مصدر. وقال الطرماح: وليس لما أعطيت يارب مانع تباركت لا معط لشيء منعته قال ابن عباس: لم يزل ولا يزول. وقال الخليل: تمجد. وقال الضحاك: تعظم. وحكى الأصمعي تبارك عليكم من قول عربي صعد رابية فقال لأصحابه ذلك، أي تعاليت وارتفعت. ففي هذه الأقوال تكون صفة ذات. وقال ابن عباس أيضاً والحسن والنخعي : هو من البركة وهي التزايد في الخير من قبله، فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل وجاء الفعل مسنداً إلى ﴿الذي﴾ وهم وإن كانوا لا يقرون بأنه تعالى هو الذي نزل الفرقان فقد قام الدليل على إعجازه فصارت الصلة معلومة بحسب الدليل، وإن كانوا منكرين لذلك. وتقدّم في آل عمران لمَ سمي القرآن فرقاناً. وقرأ الجمهور ﴿على عبده﴾ وهو الرسول محمد مهله. وقرأ ابن الزبير على عباده أي الرسول وأمته كما قال ﴿لقد أنزلنا إليكم﴾(٣) ﴿وما أنزل إلينا﴾ (٤) ويبعد أن يراد بالقرآن (١) سورة الفرقان: ٦٨/٢٥ - ٧٠. (٢) سورة الفرقان: ٣/٢٥. (٣) سورة الأنبياء: ١٠/٢١. (٤) سورة البقرة: ١٣٦/٢. ٨٠ - سورة الفرقان / الآيات: ١ - ١٦ الكتب المنزلة، وبعبده من نزلت عليهم فيكون اسم جنس كقوله ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾(١) والضمير في ﴿ليكون﴾. قال ابن زيد: عائد على ﴿عبده﴾ ويترجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل وهو من وصفه تعالى كقوله ﴿إِنّا كنا منذرين﴾(٢). والظاهر أن ﴿نذيراً﴾ بمعن منذر. وجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾(٣). و﴿للعالمين) عام للإنس والجن، ممن عاصره أو جاء بعده وهذا معلوم من الحديث المتواتر وظواهر الآيات. وقرأ ابن الزبير ﴿للعالمين﴾ للجن والإنس وهو تفسير ﴿للعالمين﴾. ولما سبق في أواخر السورة ألا إن لله ما في السموات والأرض فكان إخباراً بأن ما فيهما ملك له، أخبر هنا أنه له ملكهما أي قهرهما وقهر ما فيهما، فاجتمع له الملك والملك لهما. ولما فيهما، والذي مقطوع للمدح رفعاً أو نصباً أو نعت أو بد من ﴿الذي نزل﴾ وما بعد ﴿نزل﴾ من تمام الصلة ومتعلق به فلا يعد فاصلاً بين النعت أو البدل ومتبوعه. ﴿ولم يتخذ ولداً﴾ الظاهر نفي الاتخاذ أي لم ينزل أحداً منزلة الولد. وقيل: المعنى لم يكن له ولد بمعنى قوله لم يلد لأن التوالد مستحيل عليه. وفي ذلك رد على مشركي قريش وعلى النصارى واليهود الناسبين الله الولد. ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ تأكيد لقوله ﴿له ملك السموات والأرض﴾ ورد على من جعل الله شريكاً. ﴿وخلق كل شيء﴾ عام في خلق الذوات وأفعالها. قيل: وفي الكلام حذف تقديره ﴿وخلق كل شيء﴾ مما يصح خلقه لتخرج عنه ذاته وصفاته القديمة انتهى. ولا يحتاج إلى هذا المحذوف لأن من قال: أكرمت كل رجل لا يدخل هو في العموم فكذلك لم يدخل في عموم ﴿وخلق كل شيء﴾ ذاته تعالى ولا صفاته القديمة. ﴿فقدره تقديراً﴾ إن كان الخلق بمعنى التقدير، فكيف جاء ﴿فقدره﴾ إذ يصير المعنى وقدر كل شيء يقدره ﴿تقديراً﴾. فقال الزمخشري: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية فقدره وهيأه لما يصلح له، أو سمي إحداث الله خلقاً لأنه لا يحدث شيئاً لحكمته إلّ على وجه التقدير من غير تفاوت. فإذا قيل: خلق الله كذا فهو بمنزلة إحداث الله وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده متفاوتاً. وقيل: فجعل له (١) سورة إبراهيم: ٣٤/١٤. (٢) سورة الدخان: ٣/٤٤. (٣) سورة القمر: ١٦/٥٤.