النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ نزعت حماتها وأحمأتها أبقيت فيها الحمأة، ولا تنافي بين الحامية والحمئة إذ تكون العين جامعة للوصفين. وقال أبو حاتم: وقد تمكن أن تكون حامية مهموزة بمعنى ذات حمأة فتكون القراءتان بمعنى واحد يعني إنه سهلت الهمزة بإبدالها ياء لكسرة ما قبلها، وفي التوراة تغرب في ماء وطين. وقال تبع: فرأى مغيب الشمس عند مآبها في عين ذي خلب وثاط حرمد أي في عين ماء ذي طين وحم أسود. وفي حديث أبي ذر أن رسول الله وَّر نظر إلى الشمس عند غروبها فقال: ((أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟)) فقلت: لا. فقال: ((إنها تغرب في عين حامية)). وهذا الحديث وظاهر النص دليل على أن قوله ﴿في عين﴾ متعلق بقوله ﴿تغرب﴾ لا ما قاله بعض المتعسفين أن قوله في ﴿عين حسئة﴾ إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها أي هي آخر الأرض، ومعنى ﴿تغرب في عين﴾ أي فيما ترى العين لا أن ذلك حقيقة كما نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها، وزعم بعض البغداديين أن ﴿في﴾ بمعنى عند أي ﴿تغرب﴾ عند عین. ﴿ووجد عندها قوماً﴾ أي عند تلك العين. قال ابن السائب: مؤمنين وكافرين. وقال غيره: كفرة لباسهم جلود السباع وطعامهم ما أحرقته الشمس من الدواب، وما لفظته العين من الحوت إذا غربت. وقال وهب: انطلق يؤم المغرب إلى أن انتهى إلى باسك فوجد جمعاً لا يحصيهم إلّ الله، فضرب حولهم ثلاثة عساكر حتى جمعهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم في النور ودعاهم إلى عبادة الله، فمنهم من آمن ومنهم من صدّ عنه. وقال أبو زيد السهيلي : هم أهل حابوس ويقال لها بالسريانية جرجيساً يسكنها قوم من نسل ثمود. بقيتهم الذين آمنوا بصالح عليه السلام. وظاهر قوله ﴿قلنا﴾ أنه أوحى الله إليه على لسان ملك. وقيل: كلمه كفاحاً من غير رسول كما كلم موسى عليه السلام، وعلى هذين القولين يكون نبياً ويبعد ما قاله بعض المتأولين أنه إلهام وإلقاء في روعه لأن مثل هذا التخيير لا يكون إلّ بوحي إذ التكاليف وإزهاق النفوس لا تتحقق بالإلهام إلّ بالإعلام. وقال عليّ بن عيسى: المعنى ﴿قلنا﴾ يا محمد قالوا ﴿يا ذا القرنين﴾ ثم حذف القول الأول لأن ذا القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه الله، وعلى هذا يكون الضمير الذي في قالوا. المحذوفة يعود على جنده وعسكره الذین کانوا معه . ٢٢٢ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ وقوله ﴿إما أن تعذب﴾ بالقتل على الكفر ﴿وإما أن تتخذ فيهم حسناً﴾ أي بالحمل على الإيمان والهدى، إما أن تكفر فتعذب، وإما أن تؤمن فتحسن فعبر في التخيير بالمسبب عن السبب. قال الطبري: اتخاذ الحسن هو أسرهم مع كفرهم يعني أنه خير مع كفرهم بين قتلهم وبين أسرهم، وتفصيل ذي القرنين ﴿أما من ظلم﴾ و﴿أما من آمن﴾ يدفع هذا القول ولما خيره تعالى بين تعذيبهم ودعائهم إلى الإسلام اختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم. فقال: أما من دعوته فأبى إلّ البقاء على الظلم وهو الكفر هنا بلا خلاف فذلك هو المعذب في الدارين، وأما من آمن وعمل ما يقتضيه الإيمان فله جزاء الحسنى. وأتى بحرف التنفيس في ﴿فسوف نعذبه﴾ لما يتخلل بين إظهاره كفره وبين تعذيبه من دعائه إلى الإيمان وتأبيه عنه، فهو لا يعاجلهم بالقتل على ظلمهم بل يدعوهم ويذكرهم فإن رجعوا وإلّ فالقتل. وقوله ﴿ثم يرد إلى ربه﴾ أي يوم القيامة وأتى بنون العظمة في ﴿نعذبه﴾ على عادة الملوك في قولهم نحن فعلنا. وقوله ﴿إلى ربه﴾ فيه إشعار بأن التخيير لذي القرنين ليس من الله تعالى، إذ لو كان كذلك لكان التركيب ثم يرد إليك فتعذبه، ولا يبعد أن يكون التخيير من الله ويكون قد أعلم ذو القرنين بذلك أتباعه ثم فصل مخاطباً لأتباعه لا لربه تعالى، وما أحسن مجيء هذه الجمل لما ذكر ما يستحقه من ظلم بدأ بما هو أقرب لهم ومحسوس عندهم، وهو قوله ﴿فسوف نعذبه﴾ ثم أخبر بما يلحقه آخراً يوم القيامة وهو تعذيب الله إياه العذاب النكر ولأن الترتيب الواقع هو كذا ولما ذكر ما يستحقه ﴿من آمن وعمل صالحاً﴾ ذكر جزاء الله له في الآخرة وهو ﴿الحسنى﴾ أي الجنة لأن طمع المؤمن في الآخرة ورجاءه هو الذي حمله على أن آمن لأجل جزائه في الآخرة، وهو عظيم بالنسبة للإحسان في الدنيا ثم أتبع ذلك بإحسانه له في الدنيا بقوله ﴿وسنقول له من أمرنا يسراً﴾ أي لا نقول له ما يتكلفه مما هو شاق عليه أي قولاً ذا يسر وسهولة كما قال قولاً ميسوراً. ولما ذكر ما أعد الله له من الحسنى جزاء لم يناسب أن يذكر جزاءه بالفعل بل اقتصر على القول أدباً مع الله تعالى وإن كان يعلم أنه يحسن إليه فعلاً وقولاً . وقرأ حمزة والكسائي وحفص وأبو بحرية والأعمش وطلحة وابن مناذر ويعقوب وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي ومحمد بن جرير ﴿فله جزاء﴾ بالنصب والتنوين وانتصب ﴿جزاء﴾ على أنه مصدر في موضع الحال أي مجازي كقولك في الدار قائماً زيد. وقال أبو علي قال أبو الحسن: هذا لا تكاد العرب تكلم به ٢٢٣ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ مقدماً إلّ في الشعر. وقيل: انتصب على المصدر أي يجزي ﴿جزاء﴾. وقال الفراء: ومنصوب على التفسير والمراد بالحسنى على قراءة النصب الجنة. وقرأ باقي السبعة ﴿جزاء الحسنى﴾ برفع ﴿جزاء﴾ مضافاً إلى ﴿الحسنى). قال أبو عليّ جزاء الخلال الحسنة التي أتاها وعملها أو يراد بالحسنى الحسنة والجنة هي الجزاء، وأضاف كما قال دار الآخرة و﴿جزاء﴾ مبتدأ وله خبره. وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق ﴿فله جزاء﴾ مرفوع وهو مبتدأ وخبر و ﴿الحسنى﴾ بدل من ﴿جزاء﴾. وقرأ ابن عباس ومسروق ﴿جزاء﴾ نصب بغير تنوين ﴿الحسنى﴾ بالإضافة، ويخرج على حذف المبتدأ لدلالة المعنى عليه، أي ﴿فله﴾ الجزاء ﴿جزاء الحسنى﴾ وخرجه المهدوي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو جعفر ﴿يسراً﴾ بضم السين حیث وقع. ﴿ثم أتبع سبباً﴾ أي طريقاً إلى مقصده الذي يسر له. وقرأ الحسن وعيسى وابن محيصن ﴿مطلع﴾ بفتح اللام، ورويت عن ابن كثير وأهل مكة وهو القياس. وقرأ الجمهور بكسرها وهو سماع في أحرف معدودة، وقياس كسره أن يكون المضارع تطلع بكسر اللام وكان الكسائي يقول: هذه لغة ماتت في كثير من لغات العرب، يعني ذهب من يقول من العرب تطلع بكسر اللام وبقي ﴿مطلع﴾ بكسرها في اسم المكان والزمان على ذلك القياس، والقوم هنا الزنج. وقال قتادة هم الهنود وما وراءهم. والستر البنيان أو الثياب أو الشجر والجبال أقوال، والمعنى أنهم لا شيء لهم يسترهم من حر الشمس. وقيل: تنفذ الشمس سقوفهم وثيابهم فتصل إلى أجسامهم. فقيل: إذا طلعت نزلوا الماء حتى ينكسر حرها قاله الحسن وقتادة وابن جريج. وقيل: يدخلون أسراباً. وقال مجاهد: السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض. قال ابن عطية: والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم، وفعلها بقدرة الله فيهم ونيلها منهم، ولو كانت لهم أسراب لكان ستراً كثيفاً انتهى. وقال بعض الرجاز: حتى کسی جلودها سوادا بالزنج حرّ غير الأجسادا وذلك إنما هو من قوة حرّ الشمس عندهم واستمرارها. كذلك الإشارة إلى البلوغ أي كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها. وقيل ﴿أتبع سبباً﴾ كما ﴿أتبع سبباً﴾. وقيل: كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم فيهم كذلك وجد هؤلاء عند مطلع الشمس وحكم فيهم. وقيل: كذلك أمرهم كما قصصنا عليكم. وقيل: ﴿تطلع﴾ طلوعها مثل غروبها. وقيل: ٢١٤ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ ﴿لم نجعل لهم من دونها ستراً كذلك﴾ أي مثل أولئك الذين وجدهم في مغرب الشمس كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في التعذيب لمن بقي على الكفر والإحسان لمن آمن. وقال الزمخشري: ﴿كذلك﴾ أي أمر ذي القرنين كذلك أي كما وصفناه تعظيماً لأمره. وقيل ﴿لم نجعل لهم من دونها ستراً﴾ مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل جنس، والثياب من كل صنف. وقال ابن عطية: ﴿كذلك﴾ معناه فعل معهم كفعله مع الأولين أهل المغرب، وأخبر بقوله ﴿كذلك﴾ ثم أخبر تعالى عن إحاطته بجميع ما لدى ذي القرنين وما تصرّف فيه من أفعاله، ويحتمل أن يكون ﴿كذلك﴾ استئناف قول ولا يكون راجعاً على الطائفة الأولى فتأمله، والأول أصوب انتهى. وإذا كان مستأنفاً لا تعلق له بما قبله فيحتاج إلى تقدير يتم به كلاماً. ﴿ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدّين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولا ، يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل : « عل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً ء اتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال ءاتوني أفرغ عليه قطراً فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله ذكاء وكان وعد ربي حقاً وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعاً أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا﴾. ﴿سبباً﴾ أي طريقاً أو مسيراً موصلاً إلى الشمال فإن ﴿السدّين﴾ هناك. قال وهب: السدّان جبلان منيفان في السماء من ورائهما ومن أمامهما البلدان، وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي أرمينية وأذربيجان. وذكر الهروي أنهما جبلان من وراء بلاد الترك. وقيل: هما جبلان من جهة الشمال لينان أملسان، يزلق عليهما كل شيء، وسمي الجبلان سدّين لأن كل واحد منهما سد فجاج الأرض وكانت بينهما فجوة كان يدخل منها يأجوج ومأجوج. وقرأ مجاهد وعكرمة والنخعي وحفص وابن كثير وأبو عمرو ﴿بين السدين﴾ بفتح السين. وقرأ باقي السبعة بضمها. قال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد. وقال الخليل وسيبويه: بالضم الاسم وبالفتح المصدر. وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: ما كان من خلق الله لم يشارك فيه أحد فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فبالفتح. وقال ابن أبي ٢٢٥ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠. إسحاق ما رأت عيناك فبالضم، وما لا يرى فبالفتح. وانتصب ﴿بين﴾ على أنه مفعول به يبلغ كما ارتفع في ﴿لقد تقطع بينكم﴾(١) وانجر بالإضافة في ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾(٢) و﴿بين﴾ من الظروف المتصرفة ما لم تركب مع أخرى مثلها، نحو قولهم همزة بين بين. ﴿من دونهما﴾ من دون السدين و﴿قوماً﴾ يعني من البشر. وقال الزمخشري: هم الترك انتهى. وأبعد من ذهب إلى أنهم جان. قال الزمخشري: وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق، ونفى مقارنة فقههم ﴿قولاً﴾ وتضمن نفي فقههم. وقال الزمخشري: لا يكادون يفهمونه إلّ بجهد ومشقة كأنه فهم من نفى يكاد أنه يقع منهم الفهم بعد عسر، وهو قول لبعضهم إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، وليس بالمختار. وقرأ الأعمش وابن أبي ليلى وخلف وابن عيسى الأصبهاني وحمزة والكسائي ﴿يفقهون) بضم الياء وكسر القاف أي يفهمون السامع كلامهم، ولا يبينونه لأن لغتهم غريبة مجهولة. والضمير في ﴿قالوا﴾ عائد على هؤلاء القوم شكوا ما يلقون من يأجوج ومأجوج إذ رجوا عنده ما ينفعهم لكونه ملك الأرض ودوخ الملوك وبلغ إليهم وهم لم يبلغ أرضهم ملك قبله، و﴿يأجوج ومأجوج﴾ من ولد آدم قبيلتان. وقيل: هما من ولد يافث بن نوح. وقيل: ﴿يأجوج) من الترك ﴿ومأجوج) من الجيل والديلم. وقال السدي والضحاك: الترك شر ذمة منهم خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت في هذا الجانب. وقال قتادة والسدي: بني السد على أحد وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك وقد اختلف في عددهم وصفاتهم ولم يصح في ذلك شيء وهما ممنوعا الصرف، فمن زعم أنهما أعجميان فللعجمة والعلمية، ومن زعم أنهما عربيان فللتأنيث والعلمية لأنهما اسما قبيلتين. وقال الأخفش: إن جعلنا ألفهما أصلية فيأجوج يفعول ومأجوج مفعول، كأنه من أجيج النار ومن لم يهمزهما جعلها زائدة فيأجوج من يججت، ومأجوج من مججت. وقال قطرب في غير الهمز مأجوج فاعول من المج، ويأجوج فاعول من يج. وقال أبو الحسن عليّ بن عبد الصمد السخاوي أحد شيوخنا: الظاهر أنه عربي وأصله الهمز، وترك الهمز على التخفيف وهو إما من الأجّة وهو الاختلاف كما قال تعالى ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج (١) سورة الأنعام: ٩٤/٦. (٢) سورة الكهف: ٧٨/١٨. تفسير البحر المحيط ج٧ م١٥ ٢٢٦ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ في بعض﴾(١) أو من الأج وهو سرعة العدو، قال تعالى ﴿وهم من كل حدب ينسلون﴾(٢) وقال الشاعر: يؤج كما أج الظليم المنفر أو من الأجة وهو شدة الحرّ، أو من أجّ الماء يئج أجوجاً إذا كان ملحاً مراً انتهى. وقرأ عاصم والأعمش ويعقوب في رواية بالهمز وفي ﴿يأجوج ومأجوج) وكذا في الأنبياء وفي لغة بني أسد ذكره الفراء. قيل: ولا وجه له إلّ اللغة الغربية المحكية عن العجاج أنه كان يهمز العالم والخأتم. وقرأ باقي السبعة بألف غير مهموزة وهي لغة كل العرب غير بني أسد. وقرأ العجاج ورؤية ابنه: أجوج بهمزة بدل الياء. وإفسادهم الظاهر تحقق الإفساد منهم لا توقعه لأنها شكت من ضررنا لها. وقال سعيد بن عبد العزيز: إفسادهم أكل بني آدم. وقيل: هو الظلم والقتل ووجوه الإفساد المعلوم من البشر. وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أخضر إلّ أكلوه، ولا يابساً إلّ احتملوه، وروي أنه لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلِّ قد حمل السلاح. ﴿فهل نجعل لك خرجاً﴾ استدعاء منهم قبول ما يبذلونه مما يعينه على ما طلبوا على جهة حسن الأدب إذ سألوه ذلك كقول موسى للخضر ﴿هل أتبعك على أن تعلمني﴾(٣). وقرأ الحسن والأعمش وطلحة وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي ومن السبعة حمزة والكسائي خراجاً بألف هنا، وفي حرفي قد أفلح وسكن ابن عامر الراء فيها. وقرأ باقي السبعة ﴿خرجاً﴾ فيهما بسكون الراء فخراج بالألف والخرج والخراج بمعنى واحد كالنول والنوال، والمعنى جعلا نخرجه من أموالنا، وكل ما يستخرج من ضريبة وجزية وغلة فهو خراج وخرج. وقيل: الخرج المصدر أطلق على الخراج، والخراج الاسم لما يخرج. وقال ابن الأعرابي: الخرج على الرؤوس يقال: أدّ خرج رأسك، والخراج على الأرض. وقال ثعلب: الخرج أخص والخراج أعم. وقيل: الخرج المال يخرج مرة والخراج المجبي المتكرر عرضوا عليه أن يجمعوا له أموالاً يقيم بها أمر السد. وقال ابن عباس ﴿خراجاً﴾ أجراً. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ﴿سدا﴾ بضم السين وابن محيصن وحميد والزهري والأعمش وطلحة ويعقوب في رواية وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير وباقي السبعة بفتحها (١) سورة الكهف: ١٨ /٩٩. (٢) سورة الأنبياء: ٩٦/٢١. (٣) سورة الكهف: ٦٦/٨٨. ٢٢٧ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ ﴿قال ما مكني فيه ربي خير﴾ أي ما بسط الله لي من القدرة والملك خير من خرجكم ﴿فأعينوني بقوة﴾ أي بما أتقوّى به من فعلة وصناع يحسنون العمل والبناء؛ قاله مقاتل، وبالآلات؛ قاله الكلبي ﴿ردماً﴾ حاجزاً حصيناً موثقاً. وقرأ ابن كثير وحميد: ما مكنني بنونين متحركتين، وباقي السبعة بإدغام نون مكن في نون الوقاية . ثم فسر الإعانة بالقوة فقال ﴿آتوني زبر الحديد﴾ أي أعطوني. قال ابن عطية: إنما هو استدعاء مناولة لا استدعاء عطية وهبة لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخراج، فلم يبق إلّ استدعاء المناولة انتهى. وقرأ الجمهور ﴿آتوني﴾. وقرأ أبو بكر عن عاصم ائتوني أي جيئوني. وانتصب ﴿زبر﴾ بإيتوني على إسقاط حرف الجر أي جيئوني بزبر ﴿الحديد﴾. وقرأ الجمهور ﴿زبر﴾ بفتح الباء والحسن بضمها، وفي الكلام حذف تقديره فأتوه أو فآتوه بها فأمر برصّ بعضها فوق بعض ﴿حتى إذا ساوى﴾. وقرأ الجمهور ﴿ساوى﴾ وقتادة سوّى، وابن أبي أمية عن أبي بكر عن عاصم سُووي مبنياً للمفعول. وحكي في الكيفية أن ذا القرنين قاس ما بين الصدفين من حفر الأساس حتى بلغ الماء ثم جعل حشوه الصخر وطينه النحاس مذاب، ثم يصب عليه والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً. وقيل: طول ما بين السدين مائة فرسخ وعرضه خمسون. وفي الحديث أن رجلاً أخبر رسول الله وَله به فقال: ((كيف رأيته))؟ فقال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: ((قد رأيته)). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والزهري ومجاهد والحسن ﴿الصدفين﴾ بضم الصاد والدال، وأبو بكر وابن محيصن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن كذلك إلّ أنه سكن الدال وباقي السبعة وأبو جعفر وشيبة وحميد وطلحة وابن أبي ليلى وجماعة عن يعقوب وخلف في اختياره وأبو عبيد وابن سعدان بفتحهما، وابن جندب بالفتح وإسكان الدال، ورويت عن قتادة. وقرأ الماجشون بالفتح وضم الدال. وقرأ قتادة وأبان عن عاصم بضم الصاد وفتح الدال ﴿حتى إذا جعله ناراً﴾ في الكلام حذف تقديره فنفخوا حتى. وقرأ الجمهور قال ﴿آتوني﴾ أي أعطوني. وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة وأبو بكر بخلاف عنه قال: ائتوني أي جيئوني و﴿قطراً﴾ منصوب بأفرغ على إعمال الثاني، ومفعول ﴿آتوني﴾ محذوف لدلالة الثاني عليه . ٢٢٨ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ ﴿فما اسطاعوا﴾ أي يأجوج ومأجوج ﴿أن يظهروه﴾ أي يصلوا عليه لبعده وارتفاعه واملاسه، ولا أن ينقبوه لصلابته وثخانته فلا سبيل إلى مجاوزته إلى غيرهم من الأمم إلّ بأحد هذين: إما ارتقاء وإما نقب وقد سلب قدرتهم على ذلك. وقرأ الجمهور ﴿فما اسطاعوا﴾ بحذف التاء تخفيفاً لقربها من الطاء. وقرأ حمزة وطلحة بإدغامها في الطاء وهو إدغام على غير حده. وقال أبو عليّ هي غير جائزة. وقرأ الأعشى عن أبي بكر: فما اصطاعوا بالإبدال من السين صاداً لأجل الطاء. وقرأ الأعمش: فما استطاعوا بالتاء من غير حذف. ﴿قال: هذا رحمة من ربي﴾ أي قال ذو القرنين والإشارة بهذا قال ابن عطية إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به. وقال الزمخشري: إشارة إلى السد أي ﴿هذا﴾ السد نعمة من الله و﴿رحمة﴾ على عباده أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته. قيل: وفي الكلام حذف وتقديره فلما أكمل بناء السد واستوى واستحكم ﴿قال: هذا رحمة من ربي﴾. وقرأ ابن أبي عبلة هذه رحمة من ربي بتأنيث اسم الإشارة. والوعد يحتمل أن يراد به يوم القيامة، وأن يراد به وقت خروج يأجوج ومأجوج. وقال الزمخشري : فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد دكاً أي مدكوكاً منبسطاً مستوياً بالأرض، وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك انتهى. وقرأ الكوفيون: ﴿دكَاء﴾ بالمدّ ممنوع الصرف وباقي السبعة دكاً منونة مصدر دككته، والظاهر أن ﴿جعله﴾ بمعنى صيره فدك مفعول ثان. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون جعل بمعنى خلق وينصب فدكاً على الحال انتهى . وهذا بعيد جداً لأن السد إذ ذاك موجود مخلوق ولا يخلق المخلوق لكنه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة أخرى، ووعد بمعنى موعود لا مصدر. والمعنى ﴿فإذا جاء﴾ موعود ﴿ربي﴾ لا يريد المصدر لأن المصدر قد سبق و﴿تركنا﴾ هذا الضمير لله تعالى والأظهر أن الضمير في ﴿بعضهم﴾ عائد على يأجوج ومأجوج، والجملة المحذوفة بعد إذ المعوض منها التنوين مقدرة بإذ جاء الوعد وهو خروجهم وانتشارهم في الأرض أو مقدرة بإذ حجز السد بينهم وبين القوم الذين كانوا يفسدون عندهم وهم متعجبون من السد فماج بعضهم في بعض. وقيل: الضمير في ﴿بعضهم﴾ يعود على الخلق أي يوم إذ جاء وعد الله وهو يوم القيامة ويقويه قوله ﴿ونفخ في الصور﴾ فيظهر أن ذلك هو يوم القيامة، وكذلك ما جاء بعده من الجمع وعرض جهنم وتقدم الكلام على النفخ في الصور في سورة الأنعام. و﴿جمعاً﴾ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ ٢٢٩ مصدر كموعد ﴿وعرضنا﴾ أي أبرزنا ﴿جهنم يومئذ﴾ أي يوم إذ جمعناهم. وقيل: اللام بمعنى على كقوله : فخر صريعاً لليدين وللفم وأبعد من ذهب إلى أنه مقلوب. والتقدير وعرضنا الكافرين على جهنم ﴿عرضاً﴾ وتخصيصه بالكافرين بشارة للمؤمنين. و﴿الذين كانت أعينهم﴾ صفة ذم في ﴿غطاءً﴾ استعار الغطاء لأعينهم، والمراد أنهم لا يبصرون آياتي التي ينظر إليها فيعتبر بها، واذكر بالتعظيم وهذا على حذف مضاف أي عن آيات ﴿ذكري﴾. وقيل ﴿عن ذكري﴾ عن القرآن وتأمل معانيه، ويكون المراد بالأعين هنا البصائر لا الجوارح لأن الجوارح لا نسبة بينها وبين الذكر ﴿وكانوا لا يستطيعون سمعاً﴾ مبالغة في انتفاء السمع إذ نفيت الاستطاعة، وهم وإن كانوا صماً لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وكان هؤلاء أصمت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع ﴿أفحسب الذين كفروا﴾ هم من عبد الملائكة وعزيراً والمسيح واتخذوهم أولياء من دون الله وهم بعض العرب واليهود والنصارى، وهو استفهام فيه معنى الإنكار والتوبيخ، والمعنى أنهم ليس لهم من ولاية هؤلاء الذين تولوهم شيء، ولا يجدون عندهم منتفعاً ويظهر أن في الكلام حذفاً والتقدير ﴿أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء﴾ فيجدي ذلك وينتفعون بذلك الاتخاذ. وقيل: العباد هنا الشياطين. روي عن ابن عباس وقال مقاتل: الأصنام لأنها خلقه وملكه، والأظهر تفسير العباد بما قلناه لإضافتهم إليه والأكثر أن تكون الإضافة في مثل هذا اللفظ إضافة تشريف. وحسب هنا بمعنى ظن وبه قرأ عبد الله أفظن. وقرأ عليّ بن أبي طالب وزيد بن علي بن الحسين ويحيى بن يعمر ومجاهد وعكرمة وقتادة ونعيم بن ميسرة والضحاك وابن أبي ليلى وابن كثير ويعقوب بخلاف عنهما وابن محيصن وأبو حيوة والشافعي ومسعود بن صاح ﴿أفحسب﴾ بإسكان السين وضم الباء مضافاً إلى ﴿الذين﴾ أي أفكافيهم ومحسبهم ومنتهى عرضهم، والمعنى أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. وقال أبو الفضل الرازي قال سهل: يعني أبا حاتم معناه: أفحسبهم وحظهم إلّ أن ﴿أفحسب﴾ أبلغ في الذم لأنه جعله غاية مرادهم انتهى. وارتفع حسب على الابتداء والخبر ﴿أن يتخذوا﴾. وقال الزمخشري: أو على الفعل والفاعل لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل كقولك: أقائم الزيدان وهي قراءة محكمة جيدة انتهى. والذي يظهر أن هذا الإعراب لا يجوز لأن حسباً ليس باسم فاعل فتعمل، ولا يلزم من تفسير شيء ٢٣٠ - سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ بشيء أن تجري عليه جميع أحكامه، وقد ذكر سيبويه أشياء من الصفات التي تجري مجرى الأسماء وأن الوجه فيها الرفع. ثم قال: وذلك مررت برجل خير منه أبوه، ومررت برجل سواء عليه الخير والشر، ومررت برجل أب له صاحبه، ومررت برجل حسبك من رجل، ومررت برجل أيما رجل هو انتهى. ولا يبعد أن يرفع به الظاهر فقد أجازوا في مررت برجل أبي عشرة أبوه ارتفاع أبوه بأبي عشرة لأنه في معنى والد عشرة. ﴿إِنّا أعتدنا﴾ أي أعددنا ويسرنا والنزل موضع النزول والنزل أيضاً ما يقدم للضيف ويهيأ له وللقادم من الطعام، والنزل هنا يحتمل التفسيرين وكونه موضع النزول قاله الزجاج هنا، وما هيىء من الطعام للنزيل قول القتبي. وقيل: جمع نازل ونصبه على الحال نحو شارف وشرف، فإن كان ما تقدم للضيف وللقادم فيكون كقوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾(١). وكقول الشاعر: تحیة بینهم ضرب وجيع وقرأ أبو حيوة وأبو عمرو بخلاف عنه ﴿نزلاً﴾ بسكون الزاي ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً﴾. أي ﴿قل﴾ يا محمد للكافرين هل نخبركم الآية فإذا طلبوا ذلك فقل لهم ﴿أولئك الذين كفروا﴾ والأخسرون أعمالاً عن عليّ هم الرهبان كقوله ﴿عاملة ناصبة﴾(٢). وعن مجاهد: هم أهل الكتاب. وقيل: هم الصابئون. وسأل ابن الكواء علياً عنهم فقال: منهم أهل حروراء. وينبغي حمل هذه الأقوال على التمثيل على الحصر إذ الأخسرون أعمالاً هم كل من دان بدين غير الإسلام، أو راءى بعمله، أو أقام على بدعة تؤول به إلى الكفر والأخسر من أتعب نفسه فأدى تعبه به إلى النار. وانتصب ﴿أعمالاً﴾ على التمييز وجمع لأن أعمالهم في الضلال مختلفة وليسوا مشتركين في عمل واحد و﴿الذين﴾ يصح رفعه على أنه خبر مبتدٍ محذوف، أي هم ﴿الذين﴾ وكأنه جواب عن سؤال، ويجوز نصبه على الذمّ وخبره على الوصف أو البدل ﴿ضل سعيهم﴾ أي هلك وبطل وذهب و﴿يحسبون﴾ (١) سورة آل عمران: ٢١/٣ وغيرها. (٢) سورة الغاشية: ٣/٨٨. ٢٣١ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ - و﴿يحسنون﴾ من تجنيس التصحيف وهو أن يكون النقط فرقاً بين الكلمتين. ومنه قول أبي عبادة البحتري : ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ليعجز والمعتز بالله طالبه ومن غريب هذا النوع من التجنيس. قول الشاعر: سقينني ربي وغنينني بحت بحبي حين بنّ الخرد صحف بقوله سقيتني ربي وغنيتني بحب يحيى بن الجرد. وقرأ ابن عباس وأبو السمال ﴿فحبطت﴾ بفتح الباء والجمهور بكسرها. وقرأ الجمهور ﴿فلا نقيم﴾ بالنون ﴿وزناً﴾ بالنصب ومجاهد وعبيد بن عمير فلا يقيم بالياء لتقدم قوله ﴿بآيات ربهم﴾ وعن عبيد أيضاً يقوم بفتح الياء كأنه جعل قام متعدياً. وعن مجاهد وابن محيصن ويعقوب بخلاف عنهم: فلا يقوم مضارع قام وزن مرفوع به. واحتمل قوله ﴿فلا نقيم﴾ إلّ به أنهم لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار. واحتمل أن يريد المجاز كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذ. وفي الحديث: ((يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن جناح بعوضة)) ثم قرأ ﴿فلا نقيم) الآية. وفي الحديث أيضاً: ((يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم کجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئاً». ﴿ذلك جزاؤهم﴾ مبتدأ وخبر و﴿جهنم﴾ بدل و﴿ذلك﴾ إشارة إلى ترك إقامة الوزن، ويجوز أن يشار بذلك وإن كان مفرداً إلى الجمع فيكون بمعنى أولئك ويكون ﴿جزاؤهم جهنم﴾ مبتدأ وخبراً. وقال أبو البقاء: ﴿ذلك﴾ أي الأمر ذلك وما بعده مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون ﴿ذلك﴾ مبتدأ و﴿جزاؤهم﴾ مبتدأ ثان و﴿جهنم) خبره. والجملة خبر الأول والعائد محذوف أي جزاؤه انتهى. ويحتاج هذا التوجيه إلى نظر قال: ويجوز أن يكون ﴿ذلك﴾ مبتدأ و﴿جزاؤهم﴾ بدل أو عطف بيان و﴿جهنم) الخبر. ويجوز أن يكون ﴿جهنم﴾ بدلاً من جزاء أو خبر لابتداء محذوف، أي هو جهنم و﴿بما كفروا﴾ خبر ذلك، ولا يجوز أن تتعلق الباء بجزاؤهم للفصل بينهما و﴿اتخذوا﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿كفروا﴾ وأن يكون مستأنفاً انتهى. والآيات هي المعجزات الظاهرة على أيدي الأنبياء والصحف الإلهية المنزلة عليهم. ٢٣٢ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً خالدين فيها لا يبغون عنها حولا قل لو كان البحر مداداً لكلمات رب لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. لما ذكر تعالى ما أعد للكافرين ذكر ما أعد للمؤمنين وفي الصحيح ﴿جنات الفردوس﴾ أربع ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما. وفي حديث عبادة ﴿الفردوس﴾ أعلاها يعني أعلا الجنة. قال قتادة وربوتها ومنها تفجر أنهار الجنة. وقال أبو هريرة جبل تتفجر منه أنهار الجنة. وفي حديث أبي أمامة ﴿الفردوس﴾ سرة الجنة. وقال مجاهد ﴿الفردوس) البستان بالرومية. وقال كعب والضحاك ﴿جنات الفردوس﴾ الأعناب. وقال عبيد الله بن الحارث بن كعب إنه جنات الكروم والأعناب خاصة من الثمار. وقال المبرد: ﴿الفردوس﴾ فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب. وحكى الزجّاج أنه الأودية التي تنبت ضروباً من النبت، وهل هو عربي أو أعجمي قولان؟ وإذا قلنا أعجمي فهل هو فارسي أو رومي أو سرياني؟ أقوال. وقال حسان: جنان من الفردوس فيها يخلد وإن ثواب الله كل موحد قيل: ولم يسمع بالفردوس في كلام العرب إلّ في هذا البيت بيت حسان، وهذا لا يصح فقد قال أمية بن أبي الصلت: فيها الفراديس ثم الفوم والبصل كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة الفراديس جمع فردوس. والظاهر أن معنى ﴿جنات الفردوس﴾ بساتين حول الفردوس ولذلك أضاف الجنات إليه. ويقال: كرم مفردس أي معرش، وكذلك سميت الروضة التي دون اليمامة فردوساً لاجتماع نخلها وتعريشها على أرضها. وفي دمشق باب الفراديس يخرج منه إلى البساتين. و﴿نزلاً﴾ يحتمل من التأويل ما احتمل قوله ﴿نزلاً﴾ المتقدم. ومعنى ﴿حولاً﴾ أي محولاً إلى غيرها. قال ابن عيسى: هو مصدر كالعوج والصغر. قال الزمخشري: يقال حال عن مكانه حولا کقوله: عادني حبها عوداً يعني لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية .٢٣٣ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ الوصف لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه، ويجوز أن يراد نفي التحول وتأكيد الخلود انتهى. وقال ابن عطية: والحول بمعنى التحول. قال مجاهد متحولاً. وقال الشاعر: ثم يتاح لها حول أجل لكل دولة وكأنه اسم جمع وكان واحده حوالة وفي هذا نظر. وقال الزجّاج عن قوم: هي بمعنى الحيلة في التنقل وهذا ضعيف متكلف. ﴿قل لو كان البحر﴾. قيل سبب نزولها أن اليهود قالوا للرسول صل *: كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها ومبعوث إليها، وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم وأنت مقصر قد سئلت عن الروح فلم تجب فيه؟ فنزلت معلمة باتساع معلومات الله وأنها غير متناهية وأن الوقوف دونها لیس ببدع ولا نکر، فعبر عن هذا بتمثيل ما يستكثرونه وهو قوله ﴿قل لو کان البحر﴾. وقيل قال حيي بن أخطب في كتابكم ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾(١) ثم تقرؤون ﴿وما أوتيتم من العلم إلّ قليلاً﴾(٢) فنزلت يعني إن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله ﴿قل لو كان البحر﴾ أي ماء البحر ﴿مداداً﴾ وهو ما يمد به الدواة من الحبر، وما يمد به السراج من السليط. ويقال: السماء مداد الأرض ﴿الكلمات ربي﴾ أي معد الكتب كلمات ربي وهو علمه وحكمته، وكتب بذلك المداد ﴿لنفد البحر﴾ أي فني ماؤه الذي هو المداد قبل أن تنفد الكلمات لأن كلماته تعالى لا يمكن نفادها لأنها لا تتناهى والبحر ينفد لأنه متناه ضرورة، وليس ببدع أن أجهل شيئاً من معلوماته ﴿وإنما أنا بشر مثلكم﴾ لم أعلم إلّ ما أوحي إلي به وأعلمت. وقرأ الجمهور ﴿مداداً لكلمات ربي﴾. وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش ومجاهد والأعرج والحسن والمنقري عن أبي عمرو مدداً لكلمات ربي. وقرأ الجمهور ﴿تنفد﴾ بالتاء من فوق. وقرأ حمزة والكسائي وعمرو بن عبيد والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى بالياء. وقرأ السلمي ﴿أن تنفد﴾ بالتشديد على تفعل على المضي، وجاء كذلك عن عاصم وأبي عمرو فهو مطاوع من نفد مشدداًنحو كسرته فتكسر. وفي قراة الجماعة مطاوع لأنفد وجواب لو (١) سورة البقرة: ٢٦٩/٢. (٢) سورة الإسراء: ١٧ / ٨٥. ٢٣٤ سورة الكهف / الآيات: ٨٣ - ١١٠ محذوف لدلالة المعنى عليه تقديره لنفد. وقرأ الجمهور بمثله مدداً بفتح الميم والدال بغير ألف، والأعرج بكسر الميم. وانتصب ﴿مدداً﴾ على التمييز عن مثل كقوله: فإن الهوی یکفیکه مثله صبراً وقرأ ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والأعمش بخلاف والتيمي وابن محيصن وحميد والحسن في رواية، وأبو عمرو في رواية وحفص في رواية بمثله مداداً بألف بين الدالين وكسر الميم. قال أبو الفضل الرازي: ويجوز أن يكون نصبه على المصدر بمعنى ولو أمددناه بمثله إمداداً ثم ناب المدد مناب الإمداد مثل أنبتكم نباتاً. وفي قوله ﴿بشر مثلكم﴾ إعلام بالبشرية والمماثلة في ذلك لا أدّعي أني ملك ﴿يوحى إليّ﴾ أي عليّ إنما هو مستند إلى وحي ربي، ونبه على الوحدانية لأنهم كانوا كفاراً بعبادة الأصنام، ثم حض على ما فيه النجاة و﴿يرجو﴾ بمعنى يطمع و﴿لقاء ربه﴾ على تقدير محذوف أي حسن لقاء ربه. وقيل ﴿يرجو﴾ أي يخاف سوء ﴿لقاء ربه﴾ أي لقاء جزاء ربه، وحمل الرجاء على بابه أجود لبسط النفس إلى إحسان الله تعالى. ونهى عن الإشراك بعبادة الله تعالى. وقال ابن جبير: لا يرائي في عمله فلا يبتغي إلّ وجه ربه خالصاً لا يخلط به غيره. قيل: نزلت في جندب بن زهير قال لرسول الله ◌َ له: إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: ((إن الله لا يقبل ما شورك فيه)). وروي أنه قال: ((لك أجران أجر السر وأجر العلانية)) وذلك إذا قصد أن يقتدى به. وقال معاوية بن أبي سفيان: هذه آخر آية نزلت من القرآن. وقرأ الجمهور ﴿ولا يشرك﴾ بياء الغائب كالأمر في قوله ﴿فليعمل﴾(١). وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي عنه: ولا تشرك بالتاء خطاباً للسامع والتفاتاً من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب، وهو المأمور بالعمل الصالح ثم عاد إلى الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله بربه، ولم يأت التركيب بربك إيذاناً بأن الضميرين لمدلول واحد وهو من في قوله ﴿فمن كان يرجو﴾ . (١) سورة الكهف: ١٨ /١١٠ وغيرها. ٢٣٥ سورة مريم / الآيات: ١ - ٣٣ بِسِْلَهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ كَهِيعَصَ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِبََّ ﴿ إِذْنَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًا ؟ قَالَ رَبِّ إِنِِّ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَابِكَ ٤ أَوَ إِ خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأْتِى عَاقِرًا فَهَبْ رَبِّشَقِيًّا ٦ يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ٥ لِمِن ◌َّدُنكَ وَلِيًّا يَزَكَرِنَّا إِنَّانُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴿قَالَ رَبّ ٨ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ آَمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِعِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ٩ ١٠ قَالَ رَبٍ أَجْعَل ◌ِلِىّءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ◌َخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْبُكْرَةٌ وَعَشِيًّا ( يَيَحْى خُذِ صِے ١٣ وَحَنَاَنَامِّن لَّدُنَّا وَزَكَوَةً وَكَانَ تَقِيًّا الْكِتَبَ بِقُوّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَبَرَّا بَوْلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴿ وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿ وَأَذَكُرْ فِى الْكِتَبِ مَرْيَمَإِذِاَ نْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانَا شَرْقِيًّا (٦ فَأَتَّخَذَتْ قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَاسَوِيًّا بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِنْ كُنْتَ تَّقِيًّا (٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ٢٣٦ سورة مريم / الآيات: ١ - ٣٣ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا (٥َّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ ١٩٦ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّهَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ(ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَاً وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا. ٢١ فَأَجَءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى خَذْعِ النَّخْلَةِ فَحَمَلَتْهُفَانتَبَذَتْ بِهِ،مَكَانًاقَصِيًّا فَنَادَنَهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِ ٢٣ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتْ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (®] وَهُزِِّىَّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ٢٥ فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنَا فَإِمَّا تَرَيِّنَ مِنَ الْبَشَرِ أَ حَدَّا فَقُولِيٌّ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَنْ صد فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ. قَالُواْيَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا أُكَلِمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا فَرِيَّا ◌َنْيَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوءِ أَمْرَأَ سَوْءٍوَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ◌َ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِءَ اتَمَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى ٢٩ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِىِ الْمَهْدِ صَبِيًّا لـ أَوَ جَعَلَنِىِ مُبَارَ كًا أَيْنَ مَاكُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَادُمْتُ حَيًّا ٣ نَبِيَّات ٣١ وَبَرَّابِوَ لِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا لـ ] وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ ٣٢ ٣٣ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا اشتعال النار تفرقها في التهابها فصارت شعلاً. وقيل: شعاع النار. الشيب معروف، شاب شعره ابيض بعدما كان بلون غيره. المخاض اشتداد وجع الولادة والطلق. الجذع ما بين الأرض التي فيها الشجرة منها وبين متشعب الأغصان، ويقال للغصن أيضاً جذع وجمعه أجذاع في القلة، وجذوع في الكثرة. السري المرتفع القدر، يقال سرو يسرو، ويجمع على سراة بفتح السين وسرواء وهما شاذان فيه، وقياسه أفعلاء. والسري النهر الصغير لأن الماء يسري فيه ولامه ياء كما أن لام ذلك واو. وقال لبيد: مسجورة متحاوراً قلامها فتوسطا عرض السری فصدّعا أي جدولاً. الهز التحريك. الرطب معروف واحده رطبة، وجمع شاذاً على أرطاب كربع وأرباع وهو ما قطع قبل أن يشتد وبيبس. الجني ما طاب وصلح للاجتناء. وقال أبو عمروبن العلاء: لم يجف ولم بيبس. وقيل: الجنيّ ما ترطب من البسر. وقال الفراء: ٢٣٧ سورة مريم / الآيات: ١ - ٣٣ الجني والمجني واحد، وعنه الجني المقطوع. قرة العين: مأخوذ من القر، يقال: دمع الفرح اللمس ودمع الحزن سخن اللمس. وقال أبو نمام: فأما عیون العاشقين فأسخنت وأما عيون الشامتين فقرت وقريش يقول: قررت به عيناً، وقررت بالمكان أقر رأهل نجد قررت به عيناً بالكسر. الفري العظيم من الأمر يستعمل في الخير وفي الشر، ومنه في وصف عمر: فلم أر عبقرياً يفري فريه، والفري القطع وفي المثل: جاء يفري الفري أي يعمل عظيماً من العمل قولاً أو فعلاً. وقال الزمخشري: الفري البديع وهو من فري الجلد. الإشارة معروفة تكون باليد والعين والثوب والرأس والفم، وأشار ألفه منقلبة عن ياء يقال: تشايرنا الهلال للمفاعلة. وقال كثير: ألا حبذا ياعز ذاك التشاير فقلت وفي الأحشاء داء مخامر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفياً قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً* وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً* يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً» يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمیاً* قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً﴾. هذه السورة مكية كالسورة التي قبلها. وقال مقاتل: إلّ آية السجدة فهي مدنية نزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى ضمن السورة قبلها قصصاً عجباً كقصة أهل الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وهذه السورة تضمنت قصصاً عجباً من ولادة يحيى بين شيخ فانٍ وعجوز عاقر، وولادة عيسى من غير أب، فلما اجتمعا في هذا الشيء المستغرب ناسب ذكر هذه السورة بعد تلك، وتقدم الكلام في أول البقرة على هذه الحروف المقطعة التي في فواتح السور بما يوقف عليه هناك و﴿ذكر﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلو من هذا القرآن ﴿ذكر﴾. وقيل ﴿ذكر﴾ خبر ٢٣٨ سورة مريم / الآيات: ١ - ٣٣ لقوله ﴿كهيعص﴾ وهو مبتدأ ذكره الفرّاء. قيل: وفيه بُعد لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها. وقيل: ﴿ذكر﴾ مبتدأ والخبر محذوف تقديره فيما يتلى ﴿ذكر﴾. وقرأ الجمهور كاف بإسكان الفاء. وروي عن الحسن ضمها، وأمال نافع هاء وياء بين اللفظين، وأظهر دال صاد عند ذاك. ﴿ذكر﴾ وقرأ الحسن بضم الهاء وعنه أيضاً ضم الياء وكسر الهاء، وعن عاصم ضم الياء وعنه كسرهما وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء. قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس بالضم الخالص الذي يوجب القلب. وقال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن المقري الرازي في كتاب اللوامح في شواذ القراءات خارجة عن الحسن: كاف بضم الكاف، ونصر بن عاصم عنه بضم الهاء وهارون بن موسى العتكي عن إسماعيل عنه بالضم، وهذه الثلاث مترجم عليها بالضم ولسن مضمومات المحال في الحقيقة لأنهن لو كنّ كذلك لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل نحيت هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز، وهي التي تسمى ألف التفخيم بضد الألف الممالة فأشبهت الفتحات التي تولدت منهن الضمات، وهذه الترجمة كما ترجموا عن الفتحة الممالة المقربة من الكسرة بكسرة لتقريب الألف بعدها من الياء انتهى . وقرأ أبو جعفر بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضها من بعض فرقاً بينها وبين ما ائتلف من الحروف، فيصير أجزاء الكلم فاقتضين إسكان آخرهن، وأظهر الأكثرون دال صاد عند ذال ﴿ذكر﴾ وأدغمها أبو عمرو. وقرأ حفص عن عاصم وفرقة بإظهار النون من عين والجمهور على إخفائها. وقرأ الحسن وابن يعمر ﴿ذكر﴾ فعلاً ماضياً ﴿رحمة﴾ بالنصب، وحكاه أبو الفتح وذكره الزمخشري عن الحسن أي هذا المتلو من القرآن ﴿ذكر رحمة ربك﴾ وذكر الداني عن ابن يعمر ﴿ذكر﴾ فعل أمر من التذكير ﴿رحمة﴾ بالنصب و﴿عبده﴾ نصب بالرحمة أي ﴿ذكر﴾ أن ﴿رحمة ربك عبده﴾. وذكر صاحب اللوامح أن ﴿ذكر﴾ بالتشديد ماضياً عن الحسن باختلاف وهو صحيح عن ابن يعمر، ومعناه أن المتلو أي القرآن ﴿ذكر برحمة ربك﴾ فلما نزع الباء انتصب، ويجوز أن يكون معناه أن القرآن ذكر الناس تذكيراً أن رحم الله عبده فيكون المصدر عاملاً في ﴿عبده زكريا﴾ لأنه ذكرهم بما نسوه من رحمة الله فتجدد سورة مريم / الآيات: ١ - ٣٣ ٢٣٩ عليهم بالقرآن ونزوله على النبيّ ◌َ#9، ويجوز أن يكون ﴿ذكر﴾ على المضي مسنداً إلى الله سبحانه. وقرأ الكلبي ﴿ذكر﴾ على المضي خفيفاً من الذكر ﴿رحمة ربك﴾ بنصب التاء ﴿عبده﴾ بالرفع بإسناد الفعل إليه. وقال ابن خالويه: ﴿ذكر رحمة ربك عبده﴾ يحيى بن يعمر و﴿ذكر﴾ على الأمر عنه أيضاً انتهى. و﴿إِذ﴾ ظرف العامل فيه قال الحوفي: ﴿ذكر﴾ وقال أبو البقاء: و﴿إِذ﴾ ظرف لرحمة أو لذكر انتهى. ووصف نداء بالخفي. قال ابن جريج: لئلا يخالطه رياء. مقاتل: لئلا يعاب بطلب الولد في الكبر. قتادة: لأن السر والعلانية عنده تعالى سواء. وقيل: أسره من مواليه الذين خافهم. وقيل: لأنه أمر دنياوي فأخفاه لأنه إن أجيب فذاك بغيته، وإلّ فلا يعرف ذلك أحد. وقيل: لأنه كان في جوف الليل. وقيل: لإخلاصه فيه غلا يعلمه إلّ الله. وقيل: لضعف صوته بسبب كبره، كما قيل: الشيخ صوته خفات وسمعه تارات. وقيل: لأن الإخفاء سنة الأنبياء والجهر به يعد من الاعتداء. وفي التنزيل ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾(١). وفي الحديث: ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً). ﴿قال رب إني وهن العظم مني) هذه كيفية دعائه وتفسير ندائه. وقرأ الجمهور: ﴿وهن﴾ بفتح الهاء. وقرأ الأعمش بكسرها. وقرىء بضمها لغات ثلاث، ومعناه ضعف وأسند الوهن إلى العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى ما وراءه وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن کان ما وراءه أوهن ووحد ﴿العظم﴾ لأنه يدل على الجنس، وقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصداً آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. وقال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس. قال الكرماني: وكان له سبعون سنة. وقيل: خمس وسبعون. وقيل: خمس وثمانون. وقيل: ستون. وقيل: خمس وستون. وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسن الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكت١ بعلم المخاطب أو رأس زكرياء فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة قاله الزمخ شري، وإلى هذا نظر ابن دريد. فقال: (١) سورة الأعراف: ٥٥/٧ ٢٤٠ سورة مريم / الآيات: ١ - ٣٣ مثل أشتعال النار في جزل الغضا واشتعل المبيض في مسوده وبعضهم أعرب ﴿شيباً﴾ مصدراً قال: لأن معنى ﴿واشتعل الرأس﴾ شاب فهو مصدر من المعنى. وقيل: هو مصدر في موضع نصب على الحال، واشتعال الرأس استعارة المحسوس للمحسوس إذ المستعار منه النار والمستعار له الشيب، والجامع بينهما الانبساط والانتشار ﴿ولم أكن﴾ نفي فيما مضى أي ما كنت ﴿بدعائك رب شقياً﴾ بل كنت سعيداً موفقاً إذ كنت تجيب دعائي فأعد بذلك، فعلى هذا الكاف مفعول. وقيل: المعنى ﴿بدعائك﴾ إلى الإيمان ﴿شقياً﴾ بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً. فالكاف على هذا فاعل والأظهر الأول شكراً لله تعالى بما سلف إليه من إنعامه عليه، أي قد أحسنت إليّ فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخر كما أجبتني أولاً . وروي أن حاتماً الطائي أتاه طالب حاجة فقال: أنا أحسنت إليك وقت كذا، فقال حاتم: مرحباً بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته. ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾ ﴿الموالي﴾ بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. قال الشاعر: مهلًا بني عمنا مهلاً موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا وقال لبید : وقد أمسى بمنزلة المضيم ومولى قد دفعت الضيم عنه وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح ﴿الموالي﴾ هنا الكلالة خاف أن يرثوا ماله وأن يرثه الكلالة. وروى قتادة والحسن عن النبيّ وَيُّ: ((يرحم الله أخي زكريا ما كان عليه ممن يرث ماله)). وقالت فرقة: إنما كان مواليه مهملين الدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب ولياً يقوم بالدين بعده، وهذا لا يصح عنه إذ قال عليه السلام: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة)) والظاهر اللائق بزكريا عليه السلام من حيث هو معصوم أنه لا يطلب الولد لأجل ما يخلفه من حطام الدنيا. وكذلك قول من قال: إنما خاف أن تنقطع النبوّة من ولده ويرجع إلى عصبته لأن تلك إنما يضعها الله حيث شاء ولا يعترض على الله فيمن شاءه واصطفاه من عباده. قال الزمخشري كان مواليه وهم عصبته إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل فخافهم على الدين أن يغيروه وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقباً صالحاً من صلبه يقتدى به في إحياء الدين.