النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الأعراف / الآيات: ١٨٩ - ٢٠٦ كانوا يطلبون آيات معينة على سبيل التعنت كقلب الصفاذهباً وإحياء الموتى وتفجير الأنهار وكم جاءتهم من آية فكذبوا بها واقترحوا غيرها. ﴿قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي﴾ بيّن أنه ليس مجيء الآيات إليه إنما هو متبع ما أوحاه الله تعالى إليه ولست بمفتعلها ولا مقترحها. ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ أي هذا الموحى إليّ الذي أنا أتبعه لا أبتدعه وهو القرآن ﴿بصائر﴾ أي حجج وبينات يبصر بها وتتضح الأشياء الخفيّات وهي جمع بصيرة كقوله ﴿على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾(١) أي على أمر جليّ منكشف وأخبر عن المفرد بالجمع لاشتماله على سور وآيات، وقيل : هو على حذف مضاف أي ذو بصائر. ﴿وهدىًّ ورحمة لقوم يؤمنون﴾ أي دلالة إلى الرّشد ﴿ورحمة﴾ في الدارين وفي الدين والدنيا وخصّ المؤمنين لأنهم الذين يستبصرون وهم الذين ينتفعون بالوحي يتبعون ما أمر به فيه ويجتنبون ما ينهون عنه فيه ويؤمنون بما تضمنه، وقال أبو عبد الله الرازي : أصل البصيرة الإبصار لما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلالة التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه اسم البصيرة تسميةً للسبب باسم المسبّب والناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد ثلاثة أقسام، أحدها: الذين بالغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين فالقرآن في حقهم بصائر، والثاني: الذين وصلوا إلى درجات المستدلين وهم أصحاب علم اليقين فهو في حقهم هدى، والثالث: من اعتقد ذلك الاعتقاد الجزم وإنْ لم يبلغ مرتبة المستدلّين وهم عامة المؤمنين فهو في حقهم رحمة، ولما كانت هذه الفرق الثلاث من المؤمنين قال ﴿لقوم يؤمنون﴾ انتھی، وفیە تکمیل وبعض تلخيص. ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون﴾ لما ذكر أن القرآن بصائر وهدى ورحمة أمر باستماعه إذا شرع في قراءته وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاء إليه لأنّ ما اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغى إليه حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ويرحم بها والظاهر استدعاء الاستماع والإنصات إذا أخذ في قراءة القرآن ومتى قرىء، وقال ابن مسعود وأبو هريرة وجابر وعطاء وابن المسيب والزهري وعبيد الله بن عمر: إنها في المشركين كانوا إذا صلى الرسول وَل* يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه (١) سورة يوسف: ١٠٨/١٢. ٢٦٢ سورة الأعراف / الآيات: ١٨٩ - ٢٠٦ فنزلت جواباً لهم، وقال عطاء أيضاً وابن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله بن المبارك: هي في الخطبة يوم الجمعة وضعف هذا القول بأنّ ما يقرأ في الخطبة من القرآن قليل وبأنّ الآية مكية والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة من مكة، وقال ابن جبير إنها في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر فيه الإمام من الصلاة، وقال ابن مسعود أيضاً: كان يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ويكلمه في حاجته فأمرنا بالسكوت في الصلاة بهذه الآية، وقال ابن عباس: قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ الصحابة رافعي أصواتهم فخلطوا عليه فالآية فيهم، وقيل: هو أمر بالاستماع والإنصات إذا أدّي الوحي، وقال جماعة منهم الزجاج: ليس المراد الصلاة ولا غيرها وإنما المراد بقوله ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه، كقولك: سمع الله دعاءك أي أجابك، وقال الحسن: هي على عمومها ففي أي موضع قرىء القرآن وجب على كل حاضر استماعه والسكوت والخطاب في قوله ﴿فاستمعوا﴾ إن كان للكفار فترجى لهم الرحمة باستماعه والإصغاء إليه بأن كان سبباً لإيمانهم وإن كان للمؤمنين فرحمتهم هو ثوابهم على الاستماع والإنصات والعمل بمقتضاه، وإن كان للجميع فرحمة كلّ منهم على ما يناسبه ولعلّ باقية على بابها من توقع الترجي، وقيل: هي للتعلیل. ﴿واذكر ربك في نفسك تضرّعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ولا تكن من الغافلين﴾. لما أمرهم تعالى بالاستماع والإنصات إذا شرع في قراءة القرآن ارتقى من أمرهم إلى أمر الرسول - أن يذكر ربه في نفسه أي بحيث يراقبه ويذكره في الحالة التي لا يشعر بها أحد وهي الحالة الشريفة العليا، ثم أمره أن يذكره دون الجهر من القول أي يذكره بالقول الخفي الذي لا يشعر بالتذلّل والخشوع من غير صياح ولا تصويت شديد كما تناجى الملوك وتستجلب منهم الرغائب، وكما قال للصحابة وقد جهروا بالدعاء ((إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً اربؤوا على أنفسكم)) وكان كلام الصحابة رضي الله عنهم للرسول * سراراً وكما قال تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾(١) وقال تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول﴾(٢) لأنّ في الجهر عدم مبالاة بالمخاطب وظهور استعلاء وعدم تذلّل والذكر شامل (١) سورة الحجرات: ٤/٤٩. (٢) سورة الحجرات: ٢/٤٩. ٢٦٣ سورة الأعراف / الآيات: ١٨٩ - ٢٠٦ لكلّ من التهليل والتسبيح وغير ذلك وانتصب ﴿تضرّعاً وخيفة﴾ على أنهما مفعولان من أجلهما لأنهما يتسبب عنهما الذكر وهو التضرّع في اتصال الثواب والخوف من العقاب ويحتمل أن ينتصبا على أنهما مصدران في موضع الحال أي متضرعاً وخائفاً أو ذا تضرُّع وخيفة، وقرىء وخفية والظاهر أن قوله ﴿واذكر﴾ خطاب للرسول ◌َطاهر، وقيل: خطاب لكلّ ذاكر، وقال ابن عطية: خطاب له ويعمّ جميع أمته، والظاهر تعلّق الذكر بالرب تعالى لأنّ استحضار الذات المقدسة استحضار لجميع أوصافها، وقيل: هو على حذف مضاف أي واذكر نعم ربك في نفسك باستدامة الفكر حتى لا تنسى نعمه الموجبة لدوام الشكر، وفي لفظة ﴿ربك﴾ من التشريف بالخطاب والإشعار بالإحسان الصادر من المالك للملوك ما لا خفاء فيه ولم يأت التركيب واذكر الله ولا غيره من الأسماء وناسب أيضاً لفظ الرب قوله ﴿تضرعاً وخيفة﴾ لأنّ فيه التصريح بمقام العبودية والظاهر أن قوله ((ودون الجهر من القول)) حالة مغايرة لقوله ﴿في نفسك﴾ لعطفها عليها والعطف يقتضي التغاير. وقال ابن عطية: والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس ولا يراعى إلا بحركة اللسان قال: ويدل عليه من هذه الآية قوله تعالى ﴿ودون الجهر من القول﴾ فهذه مرتبة السرّ والمخافتة باللفظ انتهى، ولا دلالة في ذلك لما زعم بل الظاهر المغايرة بين الحالتين وأنهما ذكران نفساني ولساني، ولذلك قال الزمخشري ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى جنس التفكر انتهى، ولما ذكر حالتي الذكر وسببهما وهما التضرُّع والخفية ذكر أوقات الذكر فقيل: أراد خصوصية الوقتين لأنهم كانوا يصلون في وقتين قبل فرض الخمس، وقال قتادة: الغدوّ صلاة الصبح ﴿والآصال﴾: صلاة العصر، وقيل: خصهما بالذكر لفضلهما، وقيل: المعنى جميع الأوقات وعبر بالطرفين المشعرين بالليل والنهار والغدوّ، قيل: جمع غدوة فعلى هذا تظهر المقابلة لاسم جنس بجمع ويكون المراد بالغدوات والعشايا وإن كان مصدر الغداء فالمراد بأوقات الغدوّ حتى يقابل زمان مجموع بزمان مجموع. وقرأ أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي البصري والإيصال جعله مصدراً لقولهم آصلت أي دخلت في وقت الأصيل فيكون قد قابل مصدراً بمصدر ويكون كأعصر أي دخل في العصر وهو العشي وأعتم أي دخل في العتمة، ولما أمره بالذكر أكد ذلك بالنهي عن أن يكون من الغافلين أي استلزم الذكر ولا تغفل طرفة عين ومعلوم أنه عليه السلام تستحيل عليه الغفلة لعصمته فهو نهي له وسلّ والمراد أمته . ٢٦٤ سورة الأعراف / الآيات: ١٨٩ - ٢٠٦ ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه وله يسجدون﴾ هم الملائكة عليهم السلام ومعنى العنديّة الزّلفى والقرب منه تعالى بالمكانة لا بالمكان وذلك لتوفّرهم على طاعته وابتغاء مرضاته ولما أمر تعالى بالذكر ورغب في المواظبة عليه ذكر من شأنهم ذلك فأخبر عنهم بأخبار ثلاثة، الأول: نفي الاستكبار عن عبادته وذلك هو إظهار العبوديّة ونفي الاستكبار هو الموجب للطاعات كما أن الاستكبار هو الموجب للعصيان لأنّ المستكبر يرى لنفسه شفوفاً ومزية فيمنعه ذلك من الطاعة، الثاني: إثبات التسبيح منهم له تعالى وهو التنزيه والتطهير عن جميع ما لا يليق بذاته المقدّسة، والثالث: السجود له قيل: وتقديم المجرور يؤذن بالاختصاص أي لا يسجدون إلا له والذي يظهر أنه إنما قدم المجرور ليقع الفعل فاصلة فأخره لذلك ليناسب ما قبله من رؤوس الآي ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار وكانت على قسمين عبادة قلبية وعبادة جسمانية ذكرهما، فالقلبية تنزيه الله تعالى عن كل سوء والجسمانية السجود وهو الحال التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى وفي الحديث ((أطّت السماء وحقّ لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أوساجد)) ﴿وله يسجدون﴾ هو مكان سجدة وقيل: سجود التلاوة أربع سجدات ﴿ألم تنزيل﴾(١) ﴿وحم تنزيل)(٢) والنجم والعلق وذكر عن ابن عباس أنها عشر أسقط آخر الحج وص وثلاثاً في المفصل وروي عن مالك إحدى عشرة أسقط آخرة الحج وثلاث المفصل، وعن ابن وهب أربع عشرة أسقط ثانية الحجّ وهو قول أبي حنيفة والشافعي لكن أبو حنيفة أسقط ثانية الحج وأثبت ص وعكس الشافعي وعن ابن وهب أيضاً وابن حبيب خمس عشرة آخرها خاتمة العلق وعن بعض العلماء ست عشرة وزاد سجدة الحجر والجمهور على أنه ليس بواجب وقال أبو حنيفة هو واجب ولا خلاف في أن شرطه شرط الصلاة من طهارة خبث وحدث ونيّة واستقبال ووقت إلا ما روى البخاري عن ابن عمر وابن المنكدر عن الشعبي أنه يسجد على غير طهارة وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه یکبر ویرفع اليدين وقال مالك يكبر لها في الخفض، والرفع في الصلاة وأما في غير الصلاة فاختلف عنه ويسلّم عند الجمهور، وقال جماعة من السلف وإسحاق: لا يسلم ووقتها سائر الأوقات مطلقاً لأنها صلاة بسبب وهو قول الشافعي وجماعة، وقيل: ما لم يسفر ولم تصفرّ الشمس، وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر وقيل بعد الصبح لا بعد العصر، وثلاثة الأقوال هذه في (١) سورة السجدة: ١/٣٢. (٢) سورة غافر: ١/٤٠ وغيرها ٢٦٥ سورة الأعراف / الآيات: ١٨٩ - ٢٠٦ مذهب مالك، وفي سنن ابن ماجة عن ابن عباس أنه عليه السلام: كان يقول في سجود التلاوة ((اللهم أحطط عني بها وزراً واكتب لي بها أجراً واجعلها لي عندك ذخراً))، ومشهور مذهب مالك أنه لا يسجد في الفريضة سرًّا كانت أو جهراً ومذهب أبي حنيفة أنه واجب على السامع قصد الاستماع أوّلاً. والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً . ٢٦٦ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ شُورَةُ الأَفَّارِ ـريد آياتها ٧٥ ٨ 41 ◌ِللهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِّ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلَِتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ٣ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ٢ حَقََّهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ يُجَدِ لُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَ مَانَبَيِّنَ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ وَإِذْ يَعِدُ كُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَّطَّابِفَنَيْنِ أَنَّهَا كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهِ الْمُجْرِمُونَ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ ٨ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُإِلَّبُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ. قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ ٩ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ إِذْيُغَشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ ◌ِيطَهَِّكُمِْهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْرِجْزَ الشَّيْطِنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ٢٦٧ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ إِذْيُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْفَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ١٢ النفل: الزيادة على الواجب وسميت الغنيمة به لأنها زيادة على القيام بحماية الحوزة قال لبید : وبإذن الله ريشي وعجل إنّ تقوى ربّنا خير نفل أي خير غنيمة وقال غيره: ونعف عند مقاسم الأنفال إنّا إذا احمرّ الوغاء ذوي الغنى الوجَل: الفزع. الشّوكة قال المبرد السلاح وأصله من الشوك النبت الذي له خربشة السلاح به يقال رجل شاكي السلاح إذا كان حديد السّنان والنّصل وأصله شائك وهو اسم فعل من الشوكة قال: لديّ أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم وقال أبو عبيدة: الشاكي والشائك جميعاً ذو الشوكة وانجر في سلاحه ويوصف به السلاح کما یوصف به الرجل قال: وألبس من رضاه في طريقي سلاحاً يذعر الأبطال شاكا ويقال: رجل شاكٍ وسلاح شاكٍ وشاك فشاك أصله شوك نحو كبش صاف أي صوف وشاك إما محذوفة أو مقلوب وإيضاح هذا في علم النحو. الاستغاثة طلب الغوث والنصر غوث الرجل قال واغوثاه والاسم الغوث والغواث والغواث. وقيل الاستغاثة طلب سر الخلة وقت الحاجة، وقيل الاستجارة. ردف وأردف بمعنى واحد تبع ويقال أردفته إياه أي اتبعته. العنق معروف وجعه في القلة على أعناق وفي الكثرة على عنوق. البنان الأصابع وهو اسم جنس واحده بنانة وقالوا فيه البنام بالميم بدل النون قال رؤبة: وكفك المخضّب البنام يا سال ذات المنطق التمتام ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ هذه السورة مدنية كلها. قال ابن عباس: إلا سبع ٢٦٨ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ آيات أوّلها ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾(١) إلى آخر الآيات. وقال مقاتل غير آية واحدة وهي ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية نزلت في قصة وقعت بمكّة ويمكن أن تنزل الآية بالمدينة في ذلك ولا خلاف أنها نزلت في يوم بدر وأمر غنائمه وقد طول المفسرون الزمخشري وابن عطيّة وغيرهما في تعيين ما كان سبب نزول هذه الآيات وملخّصها: أنّ نفوس أهل بدر تنافرت ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثّرة والاختصاص، ونحن لا نسمي من أبلى ذلك اليوم فنزلت ورضي المسلمون وسلموا وأصلح الله ذات بينهم واختلف المفسّرون في المراد بالأنفال. فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وعطاء وابن زيد: يعني الغنائم مجملة قال عكرمة ومجاهد: كان هذا الحكم من الله لدفع الشغب ثم نسخ بقوله: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيءٍ﴾(١) الآية. وقال أبو زيد لا نسخ إنما أخبر أنّ الغنائم لله من حيث هي ملكه ورزقه وللرسول من حيث هو مبيّن لحكم الله والمضارع فيها ليقع التسليم فيها من الناس وحكم القسمة قاتل خلال ذلك، وقال ابن عباس أيضاً: ﴿الأنفال﴾ في الآية ما يعطيه الإمام لمن أراد من سيف أو فرس أو نحوه، وقال علي بن صالح وابن جني والحسن: ﴿الأنفال﴾ في الآية الخمس، وقال ابن عباس وعطاء أيضاً: ﴿الأنفال﴾ في الآية ما شذّ من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس الغائر والعبد الآبق وهو للنبي وَلا يصنع فيه ما يشاء، وقال ابن عباس أيضاً: الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة. وهذه الأقوال الأربعة مخالفة لما تظافرت عليه أسباب النزول المروية والجيّد هو القول الأول وهو الذي تظاهرت الروايات به، وقال الشعبي: ﴿الأنفال﴾ الأسرى وهذا إنما هو منه على جهة المثال وقد طول ابن عطية وغيره في أحكام ما ينقله الإمام وحكم السّلب وموضوع ذلك كتب الفقه وضمير الفاعل في ﴿يسألونك﴾ ليس عائداً على مذكور قبله إنما يفسّره وقعة بدر، فهو عائد على من حضرها من الصحابة وكان السائل معلوم معين ذلك اليوم فعاد الضمير عليه والخطاب للرسول الهدى والسؤال قد يكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول فيتعدى إذ ذاك بعن كما قال: سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾ (٣) ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ (٤) وكذا (١) سورة الأنفال: ٣٠/٨. (٢) سورة الأنفال: ٤١/٨. (٣) سورة الأعراف: ١٨٧/٧ . (٤) سورة البقرة: ٢١٧/٢. ٢٦٩ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ هنا ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ حكمها ولمن تكون ولذلك جاء الجواب ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾ وقد يكون السؤال لاقتضاء مال ونحوه فيتعدى إذ ذاك لمفعولين تقول سألت زياداً مالاً وقد جعل بعض المفسرين السؤال هنا بهذا المعنى وادعى زيادة ﴿عن﴾، وأن التقدير يسألونك الأنفال، وهذا لا ضرورة تدعو إلى ذلك، وينبغي أن تحمل قراءة من قرأ بإسقاط عن على إرادتها لأن حذف الحرف، وهو مراد معنى، أسهل من زيادته لغير معنى غير التوكيد وهي قراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وولديه زيد ومحمد الباقر وولده جعفر الصادق وعكرمة وعطاء والضحاك وطلحة بن مصرف. وقيل ﴿عن﴾ بمعنى من أي يسألونك من الأنفال ولا ضرورة تدعو إلى تضمين الحرف معنى الحرف، وقرأ ابن محيصن علنفال نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف وحذف الهمزة واعتدّ بالحركة المعارضة فأدغم نحو، وقد تبين لكم. ومعنى ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ ليس فيها لأحد من المهاجرين ولا من الأنصار ولا فوض إلى أحد بل ذلك مفوض لله على ما يريده وللرسول حيث هو مبلغ عن الله الأحكام وأمرهم بالتقوى ليزول عنهم التخاصم ويصيروا متحابين في الله وأمر بإصلاح ذات البين وهذا يدلّ على أنه كانت بينهم مباينة ومباعدة ربما خيف أن تفضي بهم إلى فساد ما بينهم من المودة والمعافاة، وتقدم الكلام على ﴿ذات﴾ في قوله ﴿بذات الصدور﴾(١)، والبين هنا الفراق والتباعد و﴿ذات﴾ هنا نعت لمفعول محذوف أي ﴿وأصلحوا﴾ أحوالاً ﴿ذات﴾ افتراقكم لما كانت الأحوال ملابسةً للبين أضيفت صفتها إليه كما تقول اسقني ذا إنائك أي ماء صاحب إنائك لما لابس الماء الإناء وصف بذا وأضيف إلى الإناء والمعنى اسقني ما في الإناء من الماء. قال ابن عطية: و﴿ذات﴾ في هذا الموضع يُراد بها نفس الشيء وحقيقته والذي يفهم من ﴿بينكم﴾ هو معنى يعمّ جميع الوصل والالتحامات والمودّات وذات ذلك هو المأمور بإصلاحها أي نفسه وعينه فحضّ الله على إصلاح تلك الأجزاء وإذا حصلت تلك حصل إصلاح ما يعمها وهو البين الذي لهم، وقد تُستعمل لفظة الذات على أنها لزيمة ما يضاف إليه وإن لم يكن نفسه وعينه وذلك في قوله ﴿عليم بذات الصدور﴾(٢) و﴿ذات الشوكة﴾ ويحتمل ذات البين أن تكون هذه وقد يقال الذات أيضاً بمعنى آخر وإن كان يقرب من هذا وهو قولهم فعلت كذا ذات يوم ومنه قول الشاعر: ذات العشاء ولا تسري أفاعيها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة (١) سورة آل عمران: ١١٩/٣ وغيرها. (٢) سورة المائدة: ٧/٥ وغيرها. ٢٧٠ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال ﴿ذات بينكم﴾ الحال التي بينكم كما ذات العشاء الساعة التي فيها العشاء ووجهه الطبري، وهو قول بين الانتقاض انتهى وتلخص أن البين يطلق على الفراق ويطلق على الوصل وهو قول الزجاج هنا قال ومثله ﴿لقد تقطّع بينكم﴾(١) ويكون ظرفاً بمعنى وسط، ويحتمل ﴿ذات﴾ أن تضاف لكل واحد من هذه المعاني وإنما اخترنا في أنه بمعنى الفراق لأن استعماله فيه أشهر من استعماله في الوصل ولأن إضافة ذات إليه أكثر من إضافة ذات إلى بين الظرفية لأنها ليست كثيرة التصرف بل تصرّفها كتصرّف أمام وخلف وهو تصرّف متوسط ليس بكثير، وأمر تعالى أولاً بالتقوى لأنها أصل للطاعات ثم بإصلاح ذات البين لأنّ ذلك أهم نتائج التقوى في ذلك الوقت الذي تشاجروا فيه، ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله فيما أمركم به من التقوى والإصلاح وغير ذلك ومعنى ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي كنتم كاملي الإيمان، وتسنن هنا الزمخشري واضطرب فقال: وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله تعالى والرسول والر من لوازم الإيمان وموجباته ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها ومعنى ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ إن كنتم كاملي الإيمان. قال ابن عطية: كما يقول الرجل إن كنت رجلاً فافعل كذا أي إن كنت كاملَ الرجوليّة، قال: وجواب الشرط في قوله المتقدم ﴿وأطيعوا﴾ هذا مذهب سيبويه ومذهب أبي العباس أن الجوابَ محذوف متأخر يدلّ عليه المتقدم تقديره ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ﴿أطيعوا) ومذهبه في هذا أن لا يتقدّم الجواب على الشرط انتهى. والذي مخالف لكلام النحاة فإنهم يقولون إن مذهب سيبويه أن الجواب محذوف وأن مذهب أبي العباس وأبي زيد الأنصاري والكوفيين جواز تقديم جواب الشرط عليه وهذا النقل هو الصحيح . ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون﴾ قرىء ﴿وجلت) بفتح الجيم وهي لغة وقرأ ابن مسعود فرقت، وقرأ أبيّ فزعت وينبغي أن تُحمل هاتان القراءتان على التفسير ولما كان معنى، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، قال: إنما المؤمنون أي الكاملو الإيمان، ثم أخبر عنهم بموصول وصل بثلاث مقامات عظيمة مقام الخوف، ومقام زيادة الإيمان، ومقام التوكل، ويحتمل قوله ﴿إذا ذكر الله﴾ أن يذكر اسمه ويلفظ به تفزع قلوبهم لذكره استعظاماً له وتهيباً وإجلالاً ويكون هذا الذكر مخالفاً للذكر في قوله ﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾(٢) لأنّ (١) سورة الأنعام: ٩٤/٦. (٢) سورة الزمر: ٢٣/٣٩. ٢٧١ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ ذكر الله هناك رأفته ورحمته وثوابه ويحتمل أن يكون ﴿ذكر الله﴾ على حذف مضاف أي ذكرت عظمة الله وقدرته وما خوف به من عصاه قاله الزجاج، وقال السدّي: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله فيفزع عنها وفي الحديث في السبع الذين يُظلّهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، («ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب فقال إني أخاف الله»، ومعنى ﴿زادتهم إيماناً﴾ أي يقيناً وتثبيتاً لأن تظاهر الأدلة وتظافرها أقوى على الطمأنينة المدلول عليه وأرسخ لقدمه. وقيل المعنى أنه إذا كان لم يسمع حكماً من أحكام القرآن منزّل للنبيّ وَ ﴿ فآمن به زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به إذ لكلّ حكم تصديق خاص، ولهذا قال مجاهد عبر بزيادة الإيمان عن زيادة العلم وأحكامه. وقيل زيادة الإيمان كناية عن زيادة العمل، وعن عمر بن عبد العزيز أن للإيمان سنة وفرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان، وقيل هذا في الظالم يوعظ فيقال له اتّقِ الله فيقلع فيزيده ذلك إيماناً والظاهر أن قوله ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ داخل في صلة ﴿الذين) كما قلنا قبل، وقيل هو مستأنف وترتيب هذه المقامات أحسن ترتيب فبدأ بمقام الخوف إما خوف الإجلال والهيبة وإما خوف العقاب، ثم ثانياً بالإيمان بالتكاليف الواردة، ثم ثالثاً بالتفويض إلى الله والانقطاع إليه ورخص ما سواه. ﴿الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ الأحسن أن يكون ﴿الذين﴾ صفة للذين السابقة حتى تدخل في حيّز الجزئية فيكون ذلك إخباراً عن المؤمنين بثلاث الصفة القلبية وعنهم بالصفة البدنية والصفة المالية وجمع أفعال القلوب لأنها أشرف وجمع في أفعال الجوارح بين الصلاة والصدقة لأنهما عمود أفعال وأجاز الحوفي والتبريزي أن يكون ﴿الذين﴾ بدلاً من ﴿الذين﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين والظاهر أن قوله ومما رزقناهم ينفقون﴾ عام في الزكاة ونوافل الصدقات وصلات الرحم وغير ذلك من المبار المالية، وقد خصّ ذلك جماعة من المفسرين بالزكاة لاقترانها بالصلاة. ﴿أولئك هم المؤمنون حقاً﴾ قال ابن عطيّة ﴿حقًّا﴾ مصدر مؤكد كذا نص عليه سيبويه وهو المصدر غير المنتقل والعامل فيه أحقّ ذلك حقاً انتهى، ومعنى ذلك أنه تأكید لما تضمنته الجملة من الإسناد الخبري وأنه لا مجاز في ذلك الإسناد. وقال الزمخشري ﴿حقاً﴾ صفة للمصدر المحذوف أي ﴿أولئك هم المؤمنون﴾ إيماناً حقًّا وهو مصدر مؤكد للجملة التي هي أولئك هم المؤمنون كقوله هو عبد الله حقاً أي حقّ ذلك حقاً. وعن الحسن أنه سأله رجل أمؤمن أنت قال: الإيمان إيمانان فإن كانت تسألني عن الإيمان بالله ٢٧٢ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار" والبعث والحساب، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله ﴿إنما المؤمنون﴾ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا وأبعد من زعم أن الكلام ثم عند قوله ﴿أولئك هم المؤمنون﴾ وأنّ ﴿حقاً﴾ متعلق بما بعده أي ﴿حقاً لهم درجات﴾ وهذا لأنّ انتصابَ ﴿حقاً﴾ على هذا التقدير يكون عن تمام جملة الابتداء بمكان التأخير عنها لأنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة فلا يجوز تقديمه وقد أجازه بعضهم وهو ضعيف . ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وبدنية ومالية ترتّب عليها ثلاثة أشياء فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات، والبدنية بالغفران، وفي الحديث أن رجلاً أتى من امرأة أجنبية ما يأتيه الرجل من أهله غير الوطء، فسأله الرسول وسلم لما أخبر بذلك أصلّيت معنا فقال نعم فقال له: (١) وقوبلت المالية بالرزق بالكريم وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البيان. وقال ابن عطية والجمهور: إنّ المراد مراتب الجنة ومنازلها ودرجاتها على قدر أعمالهم، وحكى الطبري عن مجاهد أنها درجات أعمال الدنيا وقوله ﴿ورزق كريم﴾ يريد به مآكل الجنة ومشاربها و﴿كريم﴾ صفة تقتضي رفع المقام كقوله ثوب كريم وحسب كريم، وقال الزمخشري درجات شرف وكرامة وعلّ منزلة ومغفرة وتجاوز لسيئاتهم ورزق كريم ونعيم الجنة يعني منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم وهذا معنى الثواب انتهى. وقال عطاء درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، وقال الربيع بن أنس سبعون درجة ما بين كل درجتين حصن الفرس المضمر سبعين سنة وقيل مراتب ومنازل في الجنة بعضها على بعض، وفي الحديث ((إنّ أهل الجنة ليتراؤون أهل الغرف كما يتراءى الكوكب الدّيّ)) وثلاثة الأقوال هذه تدل على أنه أريد الدرجات حقيقة وعن مجاهد درجات أعمال رفيعة. ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ اضطرب المفسرون في قوله ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ واختلفوا على خمسة عشر قولاً. أحدها أن الكاف بمعنى واو القسم وما بمعنى الذي واقعة على ذي العلم وهو الله كما وقعت في قوله ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾(٢) وجواب القسم ﴿يجادلونك﴾، والتقدير والله الذي أخرجك من (١) هكذا بياض بعموم الأصول التي وقفنا عليها وليحرر اهـ مصحح. (٢) سورة الليل: ٣/٩٢. ٢٧٣ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ بيتك يجادلونك في الحق قاله أبو عبيدة وكان ضعيفاً في علم النحو، وقال الكرماني هذا سهو، وقال ابن الأنباري الكاف ليست من حروف القسم انتهى. وفيه أيضاً أن جواب القسم بالمضارع المثبت جاء بغير لام ولا نون توكيد ولا بدّ منهما في مثل هذا على مذهب البصريين أو من معاقبة أحدهما الآخر على مذهب الكوفيين، أما خلوّه عنهما أو أحدهما فهو قول مخالف لما أجمع عليه الكوفيون والبصريون. القول الثاني أن الكاف بمعنى إذ وما زائدة تقديره اذكر إذ أخرجك وهذا ضعيف لأنه لم يثبت أن الكاف تكون بمعنى إذ في لسان العرب ولم يثبت أن ما تزاد بعد هذا غير الشرطيّة وكذلك لا تزاد ما ادعى أنه بمعناها، القول الثالث الكاف بمعنى على وما بمعنى الذي تقديره امض على الذي أخرجك ربك من بيتك وهذا ضعيف لأنه لم يثبت أنّ الكاف تكون بمعنى على ولأنه يحتاج الموصول إلى عائد وهو لا يجوز أن يحذف في مثل هذا الترکیب. القول الرابع قال عكرمة: التقدير ﴿وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) كما أخرجك في الطاعة خير لكم كما كان إخراجك خيراً لهم، القول الخامس قال الكسائي وغيره كما أخرجك ربك من بيتك على كراهة من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودّون غير ذات الشوكة من بعدما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون. قال ابن عطية والتقدير على هذا التأويل ﴿يجادلونك﴾ في الحق مجادلةً لكراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهة وكذا وقع التشبيه في المعنى وقائل هذا المقالة يقول إنّ المجادلين هم المشركون. القول السادس قال الفراء: التقدير امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت إن كرهوا كما أخرجك ربك انتهى. قال ابن عطية: والعبارة بقوله إمضٍ لأمرك ونفل من شئت غير محرّرة وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم فكانت هذه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي وَيقة بإخراجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة وتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ههنا الخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله والرسول فهو بمثابة إخراجه نبيه وّل من بيته ثم كانت الخيرة في القصتين مما صنع الله وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله ﴿يجادلونك﴾ كلاماً مستأنفاً يراد به الكفار أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعدما تبين الحقّ فيها تفسير البحر المحيط ج٥ ١٨٢ ٢٧٤ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان وهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص، قال ابن عطية: فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن وصف اللفظ انتهى. ونعني بالقولين قول الفراء وقول الكسائي وقد كثر الكلام في هاتين المقالتين ولا يظهران ولا يلتئمان من حيث دلالة العاطف. القول السابع قال الأخفش: الكاف نعت لحقاً والتقدير هم المؤمنون حقًّا كما أخرجك، قال ابن عطية والمعنى على هذا التأويل كما زاد لا يتناسق. القول الثامن أن الكاف في موضع رفع والتقدير ﴿كما أخرجك ربك﴾ فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر. قال ابن عطية: وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر. القول التاسع قال الزجاج الكاف في موضع نصب والتقدير الأنفال ثابتة لله ثباتاً كما أخرجك ربك وهذا الفعل أخذه الزمخشري وحسنه. فقال ينتصب على أنه صفة مصدر للفعل المقدّر في قوله ﴿الأنفال الله والرسول﴾ أي الأنفال استقرت الله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون انتهى، وهذا فيه بعد لكثرة الفصل بين المشبّه والمشبّه به ولا يظهر كبير معنى لتشبيه هذا بهذا بل لو كانا متقاربين لم يظهر للتشبيه كبير فائدة. القول العاشر أن الكاف في موضع رفع والتقدير ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ هذا وعد حقّ ﴿كما أخرجك) وهذا في حذف مبتدأ وخبر ولو صرّح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن. القول الحادي عشر أنّ الكاف في موضع رفع أيضاً والمعنى ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ ذلكم خير لكم ﴿كما أخرجك﴾ فالكاف نعت لخبر ابتداء محذوف وهذا أيضاً فيه حذف وطول فصل بين قوله ﴿وأصلحوا﴾ وبين ﴿كما أخرجك﴾. القول الثاني عشر أنه شبه كراهية أصحاب رسول الله والر بخروجه من المدينة حين تحققوا خروج قريش للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم نزع الغنائم من أيديهم وجعلها للرسول أو التنفيل منها وهذا القول أخذه الزمخشري وحسّنه فقال: يرتفع محلّ الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك يعني أنّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل القراءة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب وهذا النهي قاله ٢٧٥ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ هذا القائل وحسّنه الزمخشري هو ما فسر به ابن عطية قول الفراء بقوله هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال إلى آخر کلامه . القول الثالث عشر أن المعنى قسمتك للغنائم حق كما كان خروجك حقاً . القول الرابع عشر أنّ التشبيه وقع بين إخراجين أي إخراجك ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت كاره لخروجك وكانت عاقبة ذلك الخير والنصر والظفر كإخراج ربك إياك من المدينة وبعض المؤمنين كاره يكون عقيب ذلك الظفر والنصر. القول الخامس عشر الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مدداً فأمددتك وقويْتُك وأزحت عللك فخذْهم الآن فعاقبهم بكذا وكم كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكما أحسنت إليك ما شكرتني عليه فتقدير الآية ﴿كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق﴾ وغشاكم النعاس أمنة منه يعني به إياه ومن معه وأنزل من السماء ماء ليطهركم به وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان كأنه يقول قد أزحت عللكم وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع وهو القتل لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وملخّص هذا القول الطويل أن ﴿كما أخرجك﴾ يتعلق بقوله ﴿فاضربوا﴾ وفيه من الفصل والبعد ما لا خفاء به وقد انتهى ذكر هذه الأقوال الخمسة عشر التي وقفنا عليها. ومن دفع إلى حوك الكلام وتقلّب في إنشاء أفانينه وزاول الفصاحة والبلاغة لم يستحسن شيئاً من هذه الأقوال وإن كان بعض قائلها له إمامة في علم النحو ورسوخ قدم لكنه لم يحتط بلفظ الكلام ولم يكن في طبعه صوغه أحسن صوغ ولا التصرّف في النظر فيه من حيث الفصاحة وما به يظهر الإعجاز. وقبل تسطير هذه الأقوال هنا وقعت على جملة منها فلم يلق لخاطري منها شيء فرأيت في النوم أنني أمشي في رصيف ومعي رجل أباحثه في قوله ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ فقلت له ما مرّ بي شيء مشكل مثل هذا ولعل ثم محذوفاً يصح به المعنى وما وقفت فيه لأحد من المفسرين على شيء طائل ثم قلت له ظهر لي الساعة تخريجه وإن ذلك المحذوف هو نصرك واستحسنت أنا وذلك الرجل هذا التخريج ثم انتبهت من النوم وأنا أذكره، والتقدير فكأنه قيل ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ أي بسبب إظهار دين الله وإعزاز شريعته وقد كرهوا خروجك تهيباً للقتال وخوفاً من الموت إذ كان أمر النبي وَلقر لخروجهم بغتة ولم يكونوا مستعدين للخروج ٢٧٦ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك الله وأمدّك بملائكته ودلّ على هذا المحذوف الكلام الذي بعده وهو قوله تعالى ﴿إِذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآيات، ويظهر أن الكاف في هذا التخريج المنامي ليست لمحض التشبيه بل فيها معنى التعليل، وقد نص النحويون على أنها قد تحدث فيها معنى التعليل وخرجوا عليه قوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾(١) وأنشدوا : لا تشتم الناس كما لا تشتم أي لانتفاء أن يشتمك الناس لا تشتمهم ومن الكلام الشائع على هذا المعنى كما تطيع الله يدخلك الجنة أي لأجل طاعتك الله يدخلك الجنة فكان المعنى إن خرجت لإعزاز دين الله وقتل أعدائه نصرك الله وأمدّك بالملائكة والواو في ﴿وإن فريقاً﴾ واو الحال والظاهر أن ﴿من بيتك﴾ هو مقام سكناه وقيل المدينة لأنها مهاجره ومختصة به، وقيل مكة وفيه بعد لأن الظاهر أن هذا إخبار عن خروجه إلى بدر فصرفه إلى الخروج من مكة ليس بظاهر ومفعول ﴿الكارهون﴾ هو الخروج أي الكارهون الخروج معك وكراهتهم ذلك إما لنفرة الطبع أو لأنهم لم يستنفروا أو العدول من العير إلى النفير لما في ذلك من قوّة أخذ الأموال ولما في هذا من القتل والقتال، أو لترك مكة وديارهم وأموالهم أقوال أربعة، والظاهر أن ضمير الرفع في ﴿يجادلونك﴾ عائد على فريق المؤمنين الكارهين وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير ولو عرفنا لاستعددنا للقتال والحق هنا نصرة دين الإسلام، وقيل الضمير يعود على المشركين وجدالهم في الحق هو في شريعة الإسلام. وقرأ عبد الله بعدما بين بضم الباء من غير تاء وفي قوله ﴿بعدما تبين﴾ إنكار عظيم عليهم لأنّ من جادل في شيء لم يتضح كان أخف عتباً أما من نازع في أمر واضح فهو جدير باللوم والإنكار ثم شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يُسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يساق على الصفا إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها، وقيل كان خوفهم لقلة العدد وأنهم كانوا رجالة، وروي أنه ما كان فيهم إلا فارسان وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان المشركون في نحو ألف رجل وقصة بدر هذه مستوعبة في كتاب السير وقد لخص منها الزمخشري وابن عطية ما يوقف عليه في كتابيهما. (١) سورة البقرة: ١٩٨/٢. ٢٧٧ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾ ﴿إحدى الطائفتين) غير معينة والطائفتان هما كطائفة غير قريش وكانت فيهما تجارة عظيمة لهم ومعها أربعون راكباً فيها أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام وطائفة الذين استنفرهم أبو جهل وكانوا في العدد الذي ذكرناه و﴿غير ذات الشوكة﴾ هي العير لأنها ليست ذات قتال وإنما هي غنيمة باردة ومعنى إثبات الحق تثبيته وإعلاؤه و﴿بكلماته﴾ بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر وبما ظهر ما أخبر به ◌َّ وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال والمعنى أنكم ترغبون في إبقاء العاجلة وسلامة الأحوال وسفساف الأمور وإعلاء الحق والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم ذات الشوكة وأراكهم عياناً خذلهم ونصركم وأذلهم وأعزّكم وحصل لكم ما أربى على دائرة العير وما أدناه خير منهما، وقرأ مسلمة بن محارب ﴿يعدكم﴾ بسكون الدال لتوالي الحركات وابن محيصن ﴿الله احدى﴾ بإسقاط همزة ﴿إحدى) على غير قياس، وعنه أيضاً أحد على التذكير إذ تأنيث الطائفة مجاز، وأدغم أبو عمرو ﴿الشوكة تكون﴾، وقرأ مسلم بن محارب بكلمته على التوحيد وحكاها ابن عطية عن شيبة وأبي جعفر ونافع بخلاف عنهم وأطلق المفرد مراداً به الجمع للعلم به أو أريد به كلمة تكوين الأشياء وهو کن قيل وكلماته هي ما وعد نبيه في سورة الدخان فقال: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾(١) أي من أبي جهل وأصحابه، وقيل أوامره ونواهيه، وقيل مواعيده النصر والظفر والاستيلاء على إحدى الطائفتين، وقيل كلماته التي سبقت في الأزل. ومعنى ﴿ليحقّ الحقّ﴾ ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام ﴿ويبطل الباطل) فعل ذلك؛ وقيل ﴿الحقّ﴾ القرآن و﴿الباطل) إبليس وتتعلق هذه اللام بمحذوف تقديره ليحقّ الحقّ ﴿ويبطل الباطل﴾ فعل ذلك أي ما فعله إلا لهما وهو إثبات الإسلام وإظهاره وإبطال الكفر ومحوه وليس هذا بتكرير لاختلاف المعنيين الأول تبيين بين الإرادتين والثاني بيان لما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك على كثرتهم إلا لهذا المقصد الذي هو أسنى المقاصد وتقدير ما تعلّق به متأخراً أحسن. قال الزمخشري ويجب أن يقدر المحذوف متأخراً حتى يفيد معنى الاختصاص وينطبق عليه (١) سورة الدخان: ١٦/٤٤. ٢٧٨ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ المعنى انتهى، وذلك على مذهبه في أنّ تقديم المفعول والمجرور يدل على الاختصاص والحصر وذلك عندنا لا يدل على ذلك إنما يدلّ على الاعتناء والاهتمام بما قدّم لا على تخصيص ولا حصر وتقدم الكلام معه في ذلك؛ وقيل يتعلق ﴿ليحق﴾ بقوله ﴿ويقطع﴾؛ وقال ابن عطية ﴿ولو كره﴾ أي وكراهتكم واقعة فهي جملة في موضع الحال انتهى، وقد تقدم لنا الكلام معه في ذلك وأن التحقيق فيه أن الواو للعطف على محذوف ذلك المحذوف في موضع الحال والمعطوف على الحال حال ومثّلنا ذلك بقوله «أعطوا السائل ولو جاء على فرس على كل حال ولو على هذه الحالة التي تنافي الصدقة على السائل))، وأن ﴿ولو﴾ هذه تأتي لاستقصاء ما بطن لأنه لا يندرج في عموم ما قبله لملاقاة التي بين هذه الحال وبين المسند الذي قبلهما، وقال الحسن هاتان الآيتان متقدمتان في النزول على قوله ﴿كما أخرجك ربك﴾ وفي القراءة بعدهما لتقابل الحق بالحق والكراهة بالكراهة انتهى، وهذه دعوى لا دليل عليها ولا حاجة تضطرنا إلى تصحيحها. ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين﴾. استغاث طلب الغوث لما علموا أنه لا بدّ من القتال شرعوا في طلب الغوث من الله تعالى والدعاء بالنصرة والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله وإذ ﴿يعدكم﴾ ﴿وتودّون﴾ وأن الخطاب في قوله ﴿كما أخرجك﴾ ﴿ويجادلونك﴾ هو خطاب للرسول ولذلك أفرد فالخطابان مختلفان، وقيل المستغيث هو النبي چ، وروي عن ابن عباس أنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف وإلى المشركين وهم ألف فاستقبل القبلة ومدّ يده وهو يقول: ((اللهم أنجزني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)) ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فردّه أبو بكر رضي الله عنه كفاك يا رسول الله مناشدتك الله فإنه سينجز لك ما وعدك، قالوا فيكون من خطاب الواحد المعظّم خطاب الجميع، وروي أن أبا جهل عندما اصطفّ القوم قال: اللهم أولانا بالحق فانصره ﴿وإذ﴾ بدل من ﴿إذ يعدكم﴾ قاله الزمخشري وابن عطية وكان قد قدم أن العامل في ﴿إذ يعدكم﴾ ﴿اذكر﴾، وقال الطبري هي متعلقة بيحق و﴿يبطل﴾ وأجاز هو والحوفي أن تكون منصوبة بيعدكم وأجاز الحوفي أن تكون مستأنفة على إضمار واذكروا وأجاز أبو البقاء أن تكون ظرفاً لتودون واستغاث يتعدى بنفسه كما هو في الآية ويتعدى بحرف جر كما جاء في لفظ سيبويه في باب الاستغاثة، وفي باب ابن مالك في النحو المستغاث ولا يقول المستغاث به وكأنه لما رآه في القرآن تعدّى بنفسه قال المستغاث ٢٧٩ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ ولم يعده بالباء كما عداه سيبويه والنحويون وزعم أن كلام العرب بخلاف ذلك وكلامه مسموع من كلام العرب فما جاء معدى بالباء قول الشاعر: من الأباطح في حاجاته البرك حتى استغاث بماء لا رشاء له ريح حريق لضاحي مائه حبك مكلّل بأصول النبت تنسجه خاف العيون ولم ينظر به الحشك كما استغاث بشيء قبر عنطلة وقرأ الجمهور ﴿أني﴾ بفتح أي بأني وعيسى بن عمرو رواها عن أبي عمرو وإني بكسرها على إضمار القول على مذهب البصريين أو على الحكاية باستجاب لإجرائه مجرى الفعل إذ سوى في معناه وتقدم الكلام في شرح استجاب. وقرأ الجمهور ﴿بألف﴾ على التوحيد والجحدري بآلف على وزن أفلس وعنه وعن السدّي بالألف والجمع بين الأفراد والجمع أن يحمل الإفراد على من قاتل منهم أو على الوجوه الذين من سواهم اتباع لهم؛ وقرأ نافع وجماعة من أهل المدينة وغيرهم مردفين بفتح الدال وباقي السبعة والحسن ومجاهد بكسرها أي متابعاً بعضهم بعضاً، وروي عن ابن عباس: خلف كلِّ ملك ملك وراءه. وقرأ بعض المكيين فيما روى عنه الخليل بن أحمد وحكاه عن ابن عطية ﴿مردفين﴾ بفتح الراء وكسر الدال مشددة أصله مرتدفین فأدغم؛ وقال أبو الفضل الرازي وقد يجوز فتح الراء فراراً إلى أخفّ الحركات أو لثقل حركة التاء إلى الراء عند الإدغام ولا يعرف فيه أثراً انتهى؛ وروي عن الخليل أنه يضمّ الراء اتباعاً لحركة الميم كقولهم مخضم؛ وقرىء كذلك إلا أنه بكسر الراء اتباعاً لحركة الدال أو حرّكت بالكسر على أصل التقاء الساكنين. قال ابن عطية: ويحسن مع هذه القراءة كسر الميم ولا أحفظه قراءة كقولهم مخضم، وتقدّم الكلام في عدد الملائكة وهل قاتلت أم لم تقاتل في آل عمران ولم تتعرض الآية لقتالهم والظاهر أن قراءة من قرأ ﴿مردفين﴾ بسكون الراء وفتح الدال أنه صفة لقوله ﴿بألف﴾ أي أردف بعضهم لبعض؛ قال ابن عطية: ويحتمل أن يراد بالمردفين المؤمنين أي أردفوا بالملائكة فمردفين على هذا حال من الضمير قال الزمخشري وأردفته إياه إذا اتبعته ويقال أردفته كقولك اتبعته إذا جئت بعده فلا يخلو المكسور الدال أن يكون بمعنى متبعين أو متبعين فإن كان بمعنى متبعين فلا يخلو أن يكون بمعنى متبعين بعضهم بعضاً أو متبعين بعضهم لبعض أو بمعنى متبعين إياهم المؤمنون أي يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم أو متبعين لهم يشيعوهم ويقدمونهم بين أيديهم وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحفظهم أو ٢٨٠ سورة الأنفال / الآيات: ١ - ١٢ بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة آخرين أو متبعين غيرهم من الملائكة ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾(١) ﴿بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾(٢) انتهى. وهذا تكثير في الكلام وملخصه أنّ اتّبع مشدداً يتعدى إلى واحد واتبع مخففاً يتعدى إلى اثنين وأردف أتى بمعناهما والمفعول لاتبع محذوف والمفعولان لاتبع محذوفان فيقدر ما يصح به المعنى وقوله أو متبعين إياهم المؤمنين هذا ليس من مواضع فصل الضمير بل مما يتصل وتحذف له النون لا يقال هؤلاء كاسون إياك ثوباً بل يقال كاسوك فتصحيحه أن يقول أو بمعنى متبعيهم المؤمنين أو يقول أو بمعنى متبعين أنفسهم المؤمنين. ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) تقدم تفسير نظير هذه الآية والمعنى ﴿إلا بشرى﴾ لكم واثبت في آل عمران لأنّ القصة فيها مسهبة وهنا موجزة فناسب هنا الحذف وهنا قدم وأخر هناك على سبيل التفنن والاتساع في الكلام وهنا جاء ﴿إنّ الله عزيز حكيم﴾ مراعاة لأواخر الآي وهناك ليست آخر آية لتعلق يقطع بما قبله فناسب أن يأتي ﴿العزيز الحكيم﴾(٣) على سبيل الصفة وكلاهما مشعر بالعلية كما تقول أكرم زيداً العالم وأكرم زيداً أنه عالم والضمير في ﴿وما جعله﴾ عائد على الإمداد المنسبك من ﴿إِني ممدكم﴾ أو على المدد أو على الوعد الدال عليه يعدكم إحدى الطائفتين أو على الألف أو على الاستجابة أو على الإرداف أو على الخبر بالإمداد أو على جبريل أقوال محتملة مقولة أظهرها الأول ولم يذكر الزمخشري غيره. ﴿إذ يغشاكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ قال الزمخشري بدل ثان من ﴿إِذ يعدكم﴾ أو منصوب بالنصر أو بما في ﴿عند الله﴾ من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكر انتهى. أما كونه بدلاً ثانياً من ﴿إِذ يعدكم﴾ فوافقه عليه ابن عطية فإنّ العامل في إذ هو العامل في قوله ﴿وإذ يعدكم﴾ بتقدير تكراره لأنّ الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف وإنما القصد أن يعِدّد نعمه على المؤمنين في يوم بدر فقال واذكروا إذ فعلنا بكم كذا اذكروا إذا فعلنا كذا وأما كونه منصوباً بالنصر ففيه ضعف من وجوه: أحدها أنه مصدر فيه أل وفي إعماله خلاف ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز إعماله، (١) سورة آل عمران: ١٢٤/٣. (٢) سورة آل عمران: ١٢٥/٣. (٣) سورة آل عمران: ١٢٦/٣.