النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
أحدها: أن يكون منصوباً بإضمار فعل تقديره: ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل،
قالوا : فیکون مثل قوله :
ياليت زوجك قد غدا متقلداً سيفاً ورمحاً
أي: ومعتقلاً رمحاً. لما لم يمكن تشريكه مع المنصوبات قبله في العامل الذي هو:
يعلمه، أضمر له فعل ناصب يصح به المعنى، قاله ابن عطية وغيره .
الثاني: أن يكون معطوفاً على: ويعلمه، فيكون: حالاً، إذ التقدير: ومعلماً
الكتاب، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله: وجيهاً، قاله الزمخشري، وثنى به ابن عطية،
وبدأ به وهو مبني على إعراب: ويعلمه. وقد بينا ضعف إعراب من يقول: إن: ويعلمه،
معطوف على: وجيهاً، للفصل المفرط بين المتعاطفين.
الثالث: أن يكون منصوباً على الحال من الضمير المستكن في: ويكلم، فيكون
معطوفاً على قوله: وكهلاً، أي: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً ورسولاً إلى بني إسرائيل، قاله
ابن عطية، وهو بعيد جداً لطول الفصل بين المتعاطفين.
الرابع: أن تكون الواو زائدة، ويكون حالاً من ضمير: ويعلمه، قاله الأخفش، وهو
ضعيف لزيادة الواو، لا يوجد في كلامهم: جاء زيد وضاحكاً، أي: ضاحكاً.
الخامس: أن يكون منصوباً على إضمار فعل من لفظ رسول، ويكون ذلك الفعل
معمولاً لقول من عيسى، التقدير: وتقول أرسلت رسولً إلى بني إسرائيل، واحتاج إلى هذا
التقدير كله، لقوله: ﴿أني قد جئتكم) وقوله: ﴿ومصدقاً لما بين يدي﴾، إذ لا يصح في
الظاهر حمله على ما قبله من المنصوبات لاختلاف الضمائر، لأن ما قبله ضمير غائب،
وهذان ضميرا متكلم، فاحتاج إلى هذا الإضمار لتصحيح المعنى. قاله الزمخشري،
وقال: هو من المضايق، يعني من المواضع التي فيها إشكال. وهذا الوجه ضعيف، إذ فيه
إضمار القول ومعموله الذي هو: أرسلت، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال
المؤكدة، إذ يفهم من قوله: وأرسلت، أنه رسول، فهي على هذا التقدير حال مؤكدة.
فهذه خمسة أوجه في إعراب: ورسولاً، أولاها الأول، إذ ليس فيه إلَّ إضمار فعل
يدل عليه المعنى، أي: ويجعله رسولاً، ويكون قوله ﴿أني قد جئتكم﴾ معمولاً لرسول،
أي ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة الجمهور، ومعمولاً لقول محذوف على قراءة من كسر
تفسير البحر المحيط ج٣ م١١

١٦٢
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
الهمزة، وهي قراءة شاذة، أي: قائلاً إني قد جئتكم، ويحتمل أن يكون محكياً بقوله:
ورسولاً، لأنه في معنى القول، وذلك على مذهب الكوفيين.
وقرأ اليزيدي: ورسولٍ، بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه معطوف على: بكلمة
منه، وهي قراءة شاذة في القياس لطول البعد بين المعطوف عليه والمعطوف.
وأرسل عيسى إلى بني إسرائيل مبيناً حكم التوراة، وداعياً إلى العمل بها، ومحللاً
أشياء مما حرم فيها: كالثروب، ولحوم الإبل، وأشياء من الحيتان. والطير، وكان عيسى قد
هربت به أمّه من قومها إلى مصر حين عزلوا أولادهم، ونهوهم عن مخالطته، وحبسوهم في
بيت، فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا ها هنا، فقال ما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير،
قال: كذلك یکونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير. ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهموا به،
فهربت به أمّه إلى أرض مصر. فلما بلغ اثنتي عشرة سنة أوحى الله إليها: أن انطلقي إلى
الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة جاءه الوحي على رأس الثلاثين، فكانت نبوّته ثلاث
سنين، ثم رفعه الله إليه. وكان أول أنبياء بني إسرائيل: يوسف، وقيل: موسى، وآخرهم
عیسى .
والظاهر أن قوله: ﴿أني قد جئتكم بآية﴾ إلى قوله ﴿مستقيم) متعلق بقوله ﴿ورسولاً
إلى بني إسرائيل﴾ ومعمول له، فيكون ذلك مندرجاً تحت القول السابق. والخطاب لمريم
بقوله: قال كذلك الله، فتكون مريم قد بشرت بأشياء مما يفعلها الله لولدها عيسى: من
تعليمه ما ذكر، ومن جعله رسولاً ناطقاً بما يكون منه إذا أرسل: من مجيئه بالآيات، وإظهار
الخوارق على يديه، وغير ذلك مما ذكر إلى قوله: مستقيم. ويكون بعد قوله: مستقيم.
وقيل: قوله: فلما أحس، محذوف يدل عليه وتضطر إلى تقديره، المعنى، تقديره:
فجاء عيسى بني إسرائيل ورسولاً، فقال لهم ما تقدّم ذكره، وأتى بالخوارق التي قالها،
فكفروا به وتمالأوا على قتله وإذايته، فلما أحس عيسى منهم الكفر.
وقيل: يحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾ ولا يكون
﴿اني قد جئتكم﴾ متعلقاً بما قبله، ولا داخلاً تحت القول، والخطاب لمريم، ويكون
المحذوف هنا لا بعد قوله: مستقيم، والتقدير: فجاء عيسى كما بشر الله رسولاً إلى بني
اسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
وقرأ الجمهور: بأنه، على الإفراد، وكذلك في ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ وفي

١٦٣
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
مصحف عبد الله: بآيات، على الجمع في الموضعين. ويجوز أن يكون: من ربكم، في
موضع الصفة، لأنه يتعلق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق: بجئتكم، أي: جئتكم من ربكم
بآية .
﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله﴾ قرأ
الجمهور: أني أخلق، بفتح الهمزة علی أن یکون بدلاً من: آية، فیکون في موضع جر، أو
بدلاً من قوله: أني قد جئتكم، فيكون في موضع نصب أو جر على الخلاف، أو على أنه
خبر مبتدأ محذوف، أي: هي، أي: الآية أني أخلق، فيكون في موضع رفع. وقرأ نافع
بالكسر على الاستئناف، أو على إضمار القول، أو على التفسير للآية. كما فسر المثل في
قوله: ﴿كمثل آدم﴾(١) بقوله: ﴿خلقه من تراب﴾(١) ومعنى: أخلق: أقدّر وأهيء، والخلق
يكون بمعنى الإنشاء وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود. وهذا لا يكون إلاّ الله
تعالى. ويكون بمعنى: التقدير والتصوير، ولذلك يسمون صانع الأديم ونحوه: الخالق،
لأنه يقدّر، وأصله في الإجرام، وقد نقلوه إلى المعاني قال تعالى ﴿وتخلقون إفكا﴾(٢) ومما
جاء الخلق فيه بمعنى التقدير قوله تعالى: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾(٣) أي المقدّرين.
وقال الشاعر:
ولأنت تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
واللام في: لكم، معناها التعليل، و: من الطين، تقييد بأنه لا يوجد من العدم الصرف، بل
ذكر المادة التي يشكل منها صورة.
وقرأ الجمهور: كهيئة، على وزن: حيثة، وقرأ الزهري: كهية، بكسر الهاء وياء
مشددة مفتوحة بعدها تاء التأنيث، و: الكاف، من: كهيئة، اسم على مذهب أبي الحسن،
فهي مفعولة: بأخلق، وعلى قول الجمهور: يكون، صفة لمفعول محذوف تقديره: هيئة
مثل هيئة، ويكون: هيئة، مصدراً في معنى المفعول، أي: مثالاً مهيأً مثل.
وقرأ الجمهور: الطير، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: كهيئة الطائر، والمراد به الجنس:
فأنفخ فيه، الضمير في: فيه، يعود على: الكاف، أو على موصوفها على القولين
المذكورين. وقرأ بعض القراء: فأنفخها، أعاد الضمير على الهيئة المحذوفة، إذ يكون
(٣) سورة المؤمنون: ١٤/٢٣.
(١) سورة آل عمران: ٥٩/٣.
(٢) سورة العنكبوت: ١٧/٢٩.

١٦٤
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
التقدير: هيئة كهيئة الطير، أو: على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى: مماثلة هيئة
الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في المائدة في قوله: ﴿فتنفخ فيها﴾(١) ويكون في هذه
القراءة قد حذف حرف الجرّ. كما قال:
ولا بكتك جياد عند إسلاب
ما شق جيب ولا قامتك نائحة
يريد: ولا قامت عليك، وهي قراءة شاذة نقلها الفراء. وقال النابغة:
كالهبرقيّ تنحّى ينفخ الفحما
فعدى: نفخ، لمنصوب، فيمكن أن يكون على إسقاط حرف الجر، ويمكن أن يكون على
التضمين، أي: يضرم بالنفخ الفحم، فيكون هنا ناقصة على بابها، أو بمعنى: تصير.
وقرأ نافع ويعقوب هنا وفي المائدة: طائراً، وقرأ الباقون: طيراً، وانتصابه على أنه
خبر: يكون، ومن جعل: يكون، هنا تامّة، و: طائراً، حالاً فقد أبعد. وتعلق بإذن الله،
قيل: بيكون. وقيل: بطائر، ومعنى: بإذن الله، أي بتمكينه وعلمه بأني أفعل، وتعاطي
عيسى التصوير بيده والنفخ في تلك الصورة تبيين لتلبسه بالمعجزة، وتوضيح أنها من قبله،
وأما خلق الحياة في تلك الصورة الطينية فمن الله وحده.
وظاهر الآية يدل على أن خلقه لذلك لم يكن باقتراح منهم، بل هذه الخوارق جاءت
تفسيراً لقوله: ﴿أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾ وقیل: کان ذلك باقتراح منهم، طلبوا منه أن
يخلق لهم خفاشاً على سبيل التعنت جرياً على عاداتهم مع أنبيائهم، وخصوا الخفاش لأنه
عجيب الخلق، وهو أكمل الطير خلقاً، له: ثدي، وأسنان، وآذان، وضرع، يخرج منه
اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، إنما يرى في ساعتين: بعد غروب
الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك
الإنسان، ویطیر بغیر ریش، وتحيض أنثاه وتلد.
روي عن أبي سعيد الخدري: أنه قال لهم: ماذا تريدون؟ قالوا: الخفاش. فسألوه
أشد الطير خلقاً لأنه يطير بغير ريش، ويقال: ما صنع غير الخفاش، ويقال: فعل ذلك أولاً
وهو مع معلمه في الكتاب، وتواطأ النقل عن المفسرين أن الطائر الذي خلقه عيسى كان
يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل المخلوق من
(١) سورة المائدة: ١١/٥.

١٦٥
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
فعل الخالق، وكان بنو إسرائيل مع معاينتهم لذلك الطائر يطير يقولون في عيسى: هذا
ساحر.
﴿وأبرىء الأكمه والأبرص﴾ تقدّم تفسيرهما في المفردات. وقال مجاهد: الأكمه هو
الأعشى. وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال الزمخشري: هو الذي ولد أعمى. وقيل: هو
الممسوح العين، ولم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب
التفسير. وقال ابن عباس، والحسن، والسدّي: هو الأعمى على الإطلاق. وحكى
النقاش: أن الأكمه هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يُفهم، الميت الفؤاد، وقال ابن عباس
أيضاً، وقتادة: هو الذي يولد أعمى مضموم العينين.
قيل: وقد كان عيسى يبرىء بدعائه، والمسح بيده، كل علة. ولكن لا يقوم الحجة
على بني إسرائيل في معنى النبوة إلاّ بالإبراء من العلل التي يعجز عن إبرائها الأطباء، حتى
يكون فعله ذلك خارقاً للعادات. والإبراء من العشي والعمش ليس بخارق، وأما العمى
فالأبلغ الإبراء من عمى الممسوح العين.
روي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم
يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلاّ بالدعاء وحده، وخص بالذكر الكمه والبرص لأنهما
داآن معضلان لا يقدر على الإبراء منهما، إلّ الله تعالى، وكان الغالب على زمان عيسى
الطب، فأراهم الله المعجزة في جنس علمهم، كما أرى قوم موسى، إذ كان الغالب عليهم
السحر، المعجزة بالعصا واليد البيضاء، وكما أرى العرب، إذ كان الغالب عليهم البلاغة،
المعجزة بالقرآن.
روي أن جالينوس كان في زمان عيسى، وأنه رحل إليه من رومية إلى الشام ليلقاه،
فمات في طريقه.
﴿وأحيي الموتى بإذن الله﴾ نقل أئمة التفسير أنه أحيا أربعة: عاذر، وكان صديقاً له،
بعد ثلاثة أيام. فقام من قبره يقطر ودكه، وبقي إلى أن ولد له. و: ابن العجوز، وهو على
سريره، فنزل عن أعناق الرجال وحمل سريره وبقي إلى أن ولد له، و: بنت العاشر، متعت
بولدها بعد ما حييت، وسألوه أن يحيى سام بن نوح ليخبرهم عن حال السفينة، فخرج من
قبره فقال: أَقَدْ قامت الساعة؟ وقد شاب نصف رأسه، وكان شاباً ابن خمسمائة، فقال:
شيبني هول يوم القيامة .

١٦٦
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
وروي أنه في إحيائه الموتى كان يضرب بعصاه الميت، أو القبر، أو الجمجمة،
فيحيي الإنسان ويكلمه ويعيش. وقيل: تموت سريعاً.
وروي عن الزهري أنه قال: بلغني أن عیسی خرج هو ومن معه من حوارییه حتى بلغ
الأندلس، وذكر قصة فيها طول، مضمونها: أنه أحيا بها ميتاً، وسألوه فإذا هو من قوم عاد.
ووردت قصص في إحياء خلق كثير على يد عيسى، وذكروا أشياء مما كان يدعو بها إذا
أحيا، الله أعلم بصحتها.
﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم﴾ قال السدّي، وابن جبير، ومجاهد،
وعطاء، وابن إسحاق: كان عيسى من لدن طفوليته، وهو في الكتاب يخبر الصبيان بما يفعل
آباؤهم، وبما يؤكل من الطعام، وما يدخر إلى أن نبىء، ويقول لمن سأله: أكلت البارحة
ـذا، وآدّخرت. وقيل: كان ذلك بعد النبوة لما أحيا لهم الموتى، طلبوا منه آية أخرى،
وقالوا: أخبرنا بما نأكل وما ندّخر للغد، فأخبرهم. وقال قتادة: كان ذلك في نزول المائدة،
عهد إليهم أن يأكلوا منها ولا يخبأوا ولا يدخروا، فخالفوا، فكان عيسى يخبرهم بما أكلوه وما
ادّخروا في بيوتهم، وعوقبوا على ذلك.
وأتى بهذه الخوارق الأربع مصدرة بالمضارع الدال على التجدد، والحالة الدائمة:
وبدأ بالخلق إذ هو أعظم في الإعجاز، وثنى بإبراء الأكمه والأبرص، وأتى ثالثاً بإحياء
الموتى، وهو خارق شاركه فيه غيره بإذن الله تعالى، وكرر: بإذن الله، دفعاً لمن يتوهم فيه
الألوهية، وكان، بإذن الله، عقب قوله: أني أخلق، وعطف عليه: وأبرىء الأكمه
والأبرص، ولم يذكر: بإذن الله، اكتفاء به في الخارق الأعظم، وعقب قوله: وأحيي
الموتى، بقوله: بإذن الله، وعطف عليه: وأنبئكم، ولم يذكر فيه، بإذن الله، لأن إحياء
الأموات أعظم من الإخبار بالمغيبات، فاكتفى به في الخارق الأعظم أيضاً، فكل واحد من
الخارقين الأعظمين قيد بقوله: بإذن الله، ولم يحتج إلى ذلك فيما عطف عليهما اكتفاء
بالأول إذ كل هذه الخوارق لا تكون إلا بإذن الله.
و: ما، في: ما تأكلون وما تدخرون، موصولة اسمية، وهو الظاهر. وقيل:
مصدرية .
وقرأ الجمهور: تدخرون، بدال مشددة، وأصله: إذتخر، من الذخر، أبدلت التاء
دالاً، فصار: إذدخر، ثم أدغمت الذال في الدال، فقيل: ادّخر، كما قيل: ادكره. وقرأ

١٦٧
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
مجاهد، والزهري، وأيوب السختياني، وأبو السمال: تذخرون، بذال ساكنة وخاء
مفتوحة. وقرأ أبو شعيب السوسي، في رواية عنه: وما تذدخرون، بذال ساكنة ودال
مفتوحة من غير إدغام، وهذا الفك جائز. وقراءة الجمهور بالإدغام أجود، ويجوز جعل
الدال ذالاً، والإدغام فتقول: اذخر، بالذال المعجمة المشددة.
﴿إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) ظاهر هذه الجملة أنها من كلام عيسى
لاحتفافها بكلامه من قبلها ومن بعدها، حكاه الله عنه. وقيل: هو من كلام الله تعالى،
استئناف صيغته صيغة الخبر، ومعناه التوبيخ والتقريع، وأشير بذلك إلى ما تقدم من جعل
الطين طائراً، والإبراء والإحياء والإنباء.
وتقدم أن في مصحف ابن مسعود: آيات، على الجمع، فمن أفرد أراد الجنس وهو
صالح القليل والكثير، ويعين المراد القرائن: اللفظية، والمعنوية، والحالية، ومن جمع
فعلى الأصل، إذ هي: آيات، وهي: آية في نفسها، آمنوا أو كفروا، فيحتمل أن يكون ثَمَّ
صفة محذوفة حتى يتجه التعليق بهذا الشرط، أي: الآية نافعة هادئة لكم إن آمنتم، ويكون
خطاباً لمن لم يؤمن بعد، وإن كان خطاباً لمن آمن فذلك على سبيل التثبيت وتطمين النفس
وهزها. كما تقول لإبنك: أطعني إن كنت إبني، ومعلوم أنه ابنك، ولكن تريد أن تهزه بذکر
ما هو محقق. ذكر ما جعل معلقاً به ما قبله على سبيل أن يحصل.
﴿ومصدّقاً لما بين يدي من التوراة﴾ عطف و: مصدقاً، على قوله: بآية إذ الباء فيه
للحال، ولا تكون للتعدية لفساد المعنى، فالمعنى: وجئتكم مصحوباً بآية من ربكم،
ومصدقاً لما بين يدي . ومنعوا أن يكون: ومصدقاً، معطوفاً على: رسولاً إلى بني إسرائيل،
ولا على: وجيهاً، لما يلزم من كون الضمير في قوله: لما بين يدي، غائباً. فكان يكون:
لما بين يديه، وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله: ورسولاً، أن يكون منصوباً بإضمار فعل، أي:
وأرسلت رسولاً، فعلى هذا التقدير يكون: ومصدقاً، معطوفاً على: ورسولاً. ومعنى
تصديقه للتوراة الإيمان بها وإن كانت شريعته تخالف في أشياء. قال وهب بن منبه: كان
یسبت ويستقبل بيت المقدس.
﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ قال ابن جريج: أحل لهم لحوم الابل
والشحوم. وقال الربيع: وأشياء من السمك وما لا ضئضئة له من الطير، وكان ذلك في
التوراة محرماً.

١٦٨
سورة آل عمران / الآيات : ٤٢ - ٥١
وقال بعض المفسرين: حرم عليكم، إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى
وشرعوه، فكأن عيسى ردّ أحكام التوراة إلى حقائقها التي نزلت من عند الله. إنتهى كلامه.
واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرأ عكرمة: ما حرم عليكم، مبنياً للفاعل،
والفاعل ضمير يعود على: ما، من قوله: لما بين يدي، أو يعود على: الله، منزل التوراة،
أو على: موسى، صاحب التوراة. والظاهر الأول لأنه مذكور. وقرأ: حرم، بوزن: كرم،
إبراهيم النخعي، والمراد ببعض مدلولها المتعارف، وزعم أبو عبيدة أن المراد به هنا معنى
كل خطأ، لأنه كان يلزم أن يحل لهم: القتل، والزنا، والسرقة، لأن ذلك محرم عليهم،
واستدلاله على أن: بعضاً، تأتي بمعنى: كل، بقول لبيد:
أو ترتبط بعض النفوس حمامها
ترَّاك أمكنة إذا لم أرضها
ليس بصحيح، لأن بعضاً على مدلوله، إذ يريد نفسه، فهو تبعيض صحيح، وكذلك
استدلال من استدل بقوله :
دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
إن الأمور إذا الأحداث دبرها
لصحة التبعيض، إذ ليس كل ما دبره الأحداث يكون فيه الخلل. وقال بعضهم: لا يقوم:
بعض، مقام: كل إلا إذا دلت قرينة على ذلك، نحو قوله:
أيا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض
يريد: بعض الشر أهون من كله. إنتهى. وفي ذلك نظر.
واللام في: ولأحل لكم، لام كي، ولم يتقدم ما يسوغ عطفه عليه من جهة اللفظ،
فقيل: هو معطوف على المعنى، إذ المعنى في: ومصدقاً، أي: لأصدق ما بين يدي من
التوراة، ولأحل لكم. وهذا هو العطف على التوهم، وليس هذا منه، لأن معقولية الحال
مخالفة لمعقولية التعليل، والعطف على التوهم لا بد أن يكون المعنى متحداً في المعطوف
والمعطوف عليه. ألا ترى إلى قوله: فأصدق وأكن كيف اتحد المعنى من حيث
الصلاحية لجواب التحضيض؟ وكذلك قوله:
بنكهة ذي قربى ولا بحفلد
تقي نقي لم يكثر غنيمة
كيف اتحد معنى النفي في قوله: لم يكثر، و: لا، في قوله: ولا بحفلد؟ أي: ليس بمكثر
ولا بحفلد. وكذلك ما جاء من هذا النوع. وقيل: اللام تتعلق بفعل مضمر بعد الواو يفسره

١٦٩
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
المعنى: أي وجئتكم لأحلّ لكم. وقيل: تتعلق اللام بقوله: وأطيعون، والمعنى: واتبعون
لأحل لكم، وهذا بعيد جداً. وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره: لأخفف
عنكم، أو نحو ذلك.
وقال الزمخشري: ولأحل، ردّ على قوله: بآية من ربكم، أي: جئتكم بآية من
ربكم، لأن: بآية، في موضع حال، و: لأحل، تعليل، ولا يصح عطف التعليل على
الحال لأن العطف بالحرف المشترك في الحكم يوجب التشريك في جنس المعطوف
عليه، فإن عطفت على مصدر، أو مفعول به، أو ظرف، أو حال، أو تعليل، أو غير ذلك
شاركه في ذلك المعطوف.
﴿وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾ ظاهر
اللفظ أن يكون قوله: ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ للتأسيس لا للتوكيد، لقوله: قد جئتكم
بآية من ربكم، وتكون هذه الآية قوله: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾ لأن هذا القول شاهد
على صحة رسالته، إذ جميع الرسل كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجعل هذا القول آية
وعلامة، لأنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. وكسر:
إن، على هذا القول، لأن: قولاً، قبلها محذوف، وذلك القول بدل من الآية، فهو معمول
للبدل. ومن قرأ بفتح: أن، فعلى جهة البدل من: آية، ولا تكون الجملة من قوله: إن،
بالكسر مستأنفة على هذا التقدير من إضمار القول، ويكون قوله: ﴿فاتقوا الله واطيعون﴾
جملة اعتراضية بين البدل والمبدل منه.
وقيل: الآية الأولى في قوله: ﴿قد جئتكم بآية﴾ هي معجزة. وفي قوله: ﴿وجئتكم
بآية﴾ هي الآية من الإنجيل، فاختلف متعلق المجيء، ويجوز أن يكون ﴿وجئتكم بآية من
ربكم﴾ كررت على سبيل التوكيد، أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من: خلق
الطير والإبراء والإحياء والإنباء بالخفيات، وبغيره من ولادتي من غير أب، ومن كلامي في
المهد، وسائر الآيات. فعلى هذا من كسر: إن، فعلى الاستئناف، ومن فتح فقيل التقدير،
لأن ﴿الله ربي وربكم فاعبدوه﴾، فيكون متعلقاً بقوله: فاعبدوه، كقوله: ﴿لايلاف
قريش﴾(١) ثم قال: ﴿فليعبدوا﴾(٢) فقدم: أن، على عاملها. ومن جوز: أن تتقدم: أن،
ويتأخر عنها العامل في نحو هذا غير مصيب، لا يجوز: أن زيداً منطلق عرفت، نص على
(١) سورة قريش: ١/١٠٦.
(٢) سورة قريش: ٣/١٠٦.

١٧٠
سورة آل عمران / الآيات: ٤٢ - ٥١
ذلك سيبويه وغيره، ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم، وما
بينهما اعتراض. وقال ابن عطية: التقدير: أطيعون لأن الله ربي وربكم. إنتهى. وليس قوله
بظاهر.
والأمر بالتقوى والطاعة تحذير ودعاء، والمعنى أنه: تظاهر بالحجج والخوارق في
صدقه، فاتقوا الله في خلافي، وأطيعون في أمري ونهيي. وقيل: اتقوا الله فيما أمركم به
ونهاكم عنه في كتابه الذي أنزله على موسى، وأطيعون فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما
أرسلني به إليكم.
وتكرار: ربي وربكم، أبلغ في التزام العبودية من قوله: ربنا، وأدل على التبري من
الربوبية .
﴿هذا صراط مستقيم﴾ أي: طريق واضح لمن يسلكه لا اعوجاج فيه، والإشارة بهذا
إلى قوله: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾ أي إفراد الله وحده بالعبادة هو الطريق المستقيم،
ولفظ العبادة يجمع الإيمان والطاعات.
وفي هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبديع: إسناد الفعل للآمر به لا لفاعله، في
قوله: إن الله يبشرك، اذ هم المشافهون بالبشارة، والله الآمر بها. ومثله: نادى السلطان في
البلد بكذا، وإطلاق اسم السبب على المسبب في قوله: بكلمة منه، على الخلاف الذي
في تفسير: كلمة.
والاحتراس: في قوله: وكهلاً، من ما جرت به العادة أن من تكلم في حال الطفولة
لا یعیش.
والكناية: في قوله: ولم يمسسني بشر، كنى بالمسّ عن الوطء، كما كنى عنه:
بالحرث، واللباس، والمباشرة.
والسؤال والجواب في: قالت الملائكة. وفي أنى يكون؟ والتكرار: في: جئتكم بآية.
وفي: أني أخلق لكم. وفي: الطير، وفي: بإذن الله، وفي: ربي وربكم، وفي: ما، في
قوله: بما تأكلون وما.
والتعبير عن الجمع بالمفرد في: الآية، وفي: الأكمه والأبرص، وفي: إذا قضى
أمراً .

١٧١
سورة آل عمران / الآيات : ٥٢ - ٦١
والطباق في: وأحيي الموتى، وفي: لاحل وحرم. والالتفات في: ونعلمه فيمن قرأ
بالنون. والتفسير بعد الإبهام في من قال: الكتاب مبهم غيرمعين، والتوراة والإنجيل تفسير له.
والحذف في عدة مواضع.
فَلَمَّا أَحَسَ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
٥٢
رَبَّنَاَءَ امَنَّابِمَآ أَنْزَلْتَ
غَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَا بِلّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ
٥٣
وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىّ إِنَّى مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ
٥٤
وَاُللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ
فَأَمَّالَّذِينَ كَفَرُواْ فَأَعَذِّبُهُمْ
مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخَلِفُونَ
وَأَمَّا الَّذِينَ
عَذَابًا سَدِيدًاً فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَصِرِينَ
ذَالِكَ
٥٧
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِينَ
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ
نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكِ الْحَكِيمِ لَهَّ
اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَاتَكُنُ مِّنَ الْمُمْتَرِينَ
٦٠
٥٩
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ !
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَ نَا
وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ
٦١
الإحساس: الإدراك ببعض الحواس الخمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق
واللمس. يقال: أحسست الشيء، وحسست به. وتبدل سينه ياء فيقال: حسيت به، أو
تحذف أولى سينيه في أحسست فيقول: أحست. قال:
سوى ان العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوس
وقال سيبويه: وما شذ من المضاعف، يعني في الحذف، فشبيه بباب: أقمت، وذلك

١٧٢
سورة آل عمران / الآيات : ٥٢ - ٦١
قولهم: أحست وأحسن يريدون: أحسست، وأحسن، وكذلك يفعل بكل بناء تبنى لام
الفعل فيه على السكون ولا تصل إليه الحركة، فإذا قلت لم أحس لم تحذف.
الحواري: صفوة الرجل وخاصته. ومنه قيل: الحضريات الحواريات لخلوص
ألوانهنّ ونظافتهنّ. قال أبو جلْدة اليشكري :
فقل للحواريات يبكين غيرنا
ولا تبكنا إلا الكلابُ النوابح
ومثله في الوزن: الحوالي، للكثير الحيل، وليست الياء فيهما للنسب، وهو مشتق من:
الحور، وهو البياض. حورت الثوب بيضته.
المكر: الخداع والخبث وأصله الستر، يقال: مكر الليل إذا أظلم واشتقاقه من
المكر، وهو شجر ملتف، فكان الممكور به يلتف به المكر، ويشتمل عليه، ويقال: امرأة
ممكورة إذا كانت ملتفة الخلق. والمكر: ضرب من النبات.
تعالى: تفاعل من العلو، وهو فعل، لاتصال الضمائر المرفوعة به، ومعناه: استدعاء
المدعوّ من مكانه إلى مكان داعيه، وهي كلمة قصد بها أولاً تحسين الأدب مع المدعو، ثم
اطردت حتى يقولها الإنسان لعدّوه ولبهيمته ونحو ذلك.
الابتهال: قوله بهلة اللّه على الكاذب، والبهلة بالفتح والضم: اللعنة، ويقال بهله
الله: لعنه وأبعده، من قولك أبهله إذا أهمله، وناقة باهلة لا ضرار عليها، وأصل الابتهال
هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن التعاناً. وقال لبيد:
من قروم سادة من قومهم
نظر الدهر إليهم فابتهل
﴿فلما أحسّ عيسى منهم الكفر﴾ تقدّم ترتيب هذه الجملة على ما قبلها من الكلام،
وهل الحذف بعد قوله ﴿صراط مستقيم﴾(١) أو بعد قوله: ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾(٢)
وذلك عند تفسير ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل﴾(٢).
قال مقاتل: أحس، هنا رأى من رؤية العين أو القلب وقال الفراء: أحسّ وجد. وقال
أبو عبيدة: عرف. وقيل: علم. وقيل: خاف.
والكفر: هنا جحود نبوّته وإنكار معجزاته، و: منهم، متعلق بأحس. قيل: ويجوز أن
يكون حالاً من الكفر.
(١) سورة آل عمران: ٥١/٣.
(٢) سورة آل عمران: ٤٩/٣.

١٧٣
سورة آل عمران / الآيات: ٥٢ - ٦١.
﴿قال مَن أنصاري إلى الله﴾ لما أرادوا قتله استنصر عليهم، قاله مجاهد. وقال غيره:
إنه استنصر لما كفروا به وأخرجوه من قريتهم. وقيل: استنصرهم لإقامة الحق.
قال المغربي: إنما قال عيسى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ بعد رفعه إلى السماء وعوده
إلى الأرض، وجمع الحواربين الأثني عشر، وبثهم في الآفاق يدعون إلى الحق، وما قاله
من أن ذلك القول كان بعد ما ذكر بعيد جداً، لم يذكره غيره، بل المنقول، والظاهر أنه قال
ذلك قبل رفعه إلى السماء.
قال السدّي: من أعواني مع الله. وقال الحسن: من أنصاري في السبيل إلى الله . وقال
أبو علي الفارسي معنى: إلى الله: لله، كقوله: ﴿يهدي إلى الحق﴾(١) أي للحق. وقيل: من
ينصرني إلى نصر الله. وقيل: من ينقطع معي إلى الله، قاله ابن بحر. وقيل: من ينصرني إلى
أن أبين أمر الله. وقال أبو عبيدة: من أعواني في ذات الله؟ وقال ابن عطية: من أنصاري إلى
الله. عبارة عن حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين، ويؤمن بالشرع ويحميه، كما كان
محمد* يعرض نفسه على القبائل، ويتعرض للأحياء في المواسم. انتهى. وقال
الزمخشري: وإلى الله من صلة أنصاري مضمناً معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين
يضيفون أنفسهم إلى الله ينصرونني كما ينصرني؟ أو يتعلق بمحذوف حالاً من الياء، أي:
من أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه؟ انتهى .
﴿قال الحواريون﴾ أي أصفياء عيسى. قاله ابن عباس. أو: خواصه، قاله الفراء.
أو: البيض الثياب، رواه ابن جبير عن ابن عباس. أو: القصارون، سموا بذلك لأنهم
يجودون الثياب، أي يبيضونها، قاله الضخاك، ومقاتل. أو: المجاهدون، أو: الصيادون،
قال لهم عيسى على نبينا وعليه السلام: ألا تمشون معي تصطادون الناس لله؟ فأجابوا. قال
مصعب: كانوا اثني عشر رجلاً يسيحون معه، يخرج لهم ما احتاجوا إليه من الأرض،
فقالوا: من أفضل منا؟ نأكل من أين شئنا. فقال عيسى: من يعمل بيده؟ ويأكل من كسبه؟
فصاروا قصَّارين وحكى ابن الأنباري: الحواريون: الملوك. وقال الضحاك، وأبو أرطاة:
الغسالون. وقال ابن المبارك: الحوار النور، ونسبوا إليه لما كان في وجوههم من سيما العبادة
ونورها. وقال تاج القراء: الحواري: الصديق.
(١) سورة يونس: ٣٥/١٠ الأحقاف: ٣٠/٤٦.

١٧٤
سورة آل عمران / الآيات: ٥٢ - ٦١
قيل: لما أراهم الآيات وضع لهم ألواناً شتى من حب واحد آمنوا به واتبعوه . وقرأ
الجمهور: الحواريون، بتشديد الياء. وقرأ إبراهيم النخعي، وأبو بكر الثقفي، بتخفيف
الياء في جميع القرآن، والعرب تستثقل ضمة الياء المكسور ما قبلها في مثل: القاضيون،
فتنقل الضمة إلى ما قبلها وتحذف الياء لالتقائها ساكنة مع الساكن بعدها، فكان القياس
على هذا أن يقال: الحوارون، لكن أقرت الضمة ولم تنقل دلالة على أن التشديد مراد، إذ
التشديد يحتمل الضمة كما ذهب إليه الأخفش في: يستهزئون، إذ أبدل الهمزة ياءً،
وحملت الضمة تذكراً لحال الهمزة المراد فيها.
﴿نحن أنصار الله﴾ أي: أنصار دينه وشرعه. والداعي إليه.
﴿آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾ لما ذكروا أنهم أنصار الله ذكروا مستنداً لإيمانهم،
لأن انقياد الجوارح تابعة لانقياد القلب وتصديقه، والرسل تشهد يوم القيامة لقومهم،
وعليهم. ودل ذلك على أن عيسى عليه السلام كان على دين الإسلام، برأه الله من سائر
الأديان كما برأ إبراهيم بقوله: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً﴾(١) الآية، ويحتمل أن
يكون: واشهد، خطاباً لله تعالى أي: واشهد يا ربنا، وفي هذا توبيخ لنصارى نجران، إذ
حكى الله مقالة أسلافهم المؤمنين لعيسى، فليس كمقالهم فيه، ودعوى الإلهية له.
﴿ربنا آمنا بما أنزلت﴾ أي: من الآيات الدالة على صدق أنبيائك، أو: بما أنزلت
من كلامك على الرسل أو بالإنجيل.
﴿واتبعنا الرسول﴾ هو: عيسى على قول الجمهور.
﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ هم: محمد ر وأمّته، لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ،
. ومحمد ◌َ# يشهد لهم بالصدق. روى ذلك عكرمة عن ابن عباس، أو: من آمن قبلهم،
رواه أبو صالح عن ابن عباس. أو: الأنبياء لأن كل نبي شاهد على أمّته. أو: الصادقون،
قاله مقاتل. أو: الشاهدون للأنبياء بالتصديق، قاله الزجاج. أو: الشاهدون لنصرة رسلك،
أو: الشاهدون بالحق عندك، رغبوا في أن يكونوا عنده في عداد الشاهدين بالحق من
مؤمني الأمم، وعبروا عن فعل الله ذلك لهم بلفظ: فاكتبنا، إذ كانت الكتابة تقيد وتضبط ما
يحتاج إلى تحقيقه وعلمه في ثاني حال.
(١) سورة آل عمران: ٦٧/٣.

١٧٥
سورة آل عمران / الآيات: ٥٢ - ٦١
﴿ومكروا ومكر الله﴾ الضمير في: مكروا، عائد على من عاد عليه الضمير في:
﴿فلما أحسّ عيسى منهم الكفر﴾ وهم: بنو إسرائيل، ومكرهم هو احتيالهم في قتل عيسى
بأن وكلوا به من يقتله غيلة، وسيأتي ذكر كيفية حصره وحصر أصحابه في مكان، ورومهم
قتله وإلقاء الشبه على رجل، وقتل ذلك الرجل وصلبه في مكانه، إن شاء الله.
﴿ومكر الله﴾ مجازاتهم على مكرهم سمى ذلك مكراً، لأن المجازاة لهم ناشئة عن
المكر، كقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾(١) وقوله ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ (٢)
وكثيراً ما تسمى العقوبة باسم الذنب، وإن لم تكن في معناه.
وقيل: مكر الله بهم هو ردّهم عما أرادوا برفع عيسى إلى السماء، وإلقاء شبهه على
من أراد اغتیاله حتى قتل.
وقال الأصم: مكر الله بهم أن سلط عليهم أهل فارس فقتلوهم وسبوا ذراريهم وذكر
ابن إسحاق: أن اليهود غزوا الحواربين بعد رفع عيسى، فأخذوهم وعذبوهم، فسمع بذلك
ملك الروم، وكان ملك اليهود من رعيته، فأنقذهم ثم غزا بني إسرائيل وصار نصرانياً، ولم
يظهر ذلك. ثمّ ولي ملك آخر بعدُ وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى بنحوٍ من أربعين سنة،
فلم يترك فيه حجراً على آخر، وخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز.
وقال المفضل: ودبروا ودبر الله، والمكر لطف التدبير. وقال ابن عيسى: المكر قبيح،
وإنما جاز في صفة الله تعالى على مزاوجة الكلام. وقيل: مكر الله بهم إعلاء دينه وقهرهم
بالذل، ومكرهم لزومهم إبطال دينه. والمكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر في خفية،
وذلك غير ممتنع. وقيل: المكر الأخذ بالغفلة لمن استحقه، وسأل رجل الجنيد، فقال:
كيف رضي الله سبحانه لنفسه المكر وقد عاب به غيره؟ فقال: لا أدري ما تقول، ولكن
أنشدني فلان الظهراني :
فتفعله فيحسن منك ذاكا
ويقبح من سواك الفعل عندي
ثم قال: قد أجبتك إن كنت تعقل.
﴿والله خير الماكرين﴾ معناه أي: المجازين أهل الخير بالفضل وأهل الجور
(١) سورة الشورى: ٤٠/٤٢.
(٢) سورة البقرة: ١٩٤/٢.

١٧٦
سورة آل عمران / الآيات: ٥٢ - ٦١
بالعدل، لأنه فاعل حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب، وقال تعالى :
والله أشد بأسا وأشد تنكيلاً﴾(١).
وقيل: خير، هنا ليست للتفضيل، بل هي: كهي في قوله: ﴿أصحاب الجنة يومئذ
خير مستقراً﴾(٢) وقال حسان.
فشركما لخيركما الفداء
وفي هذه الآية من ضروب البلاغة: الاستعارة في: أحس، إذ لا يحس إلا ما كان
متجسداً، والكفر ليس بمحسوس، وإنما يعلم ويفطن به، ولا يدرك بالحس إلَّ إن كان
أحس، بمعنى رأى، أو بمعنى: سمع منهم كلمة الكفر، فيكون: أحس، لا استعارة فيه،
إذ يكون أدرك ذلك منهم بحاسة البصر، أو بحاسة الأذن، وتسمية الشيء باسم ثمرته.
قال الجمهور: أحس منهم القتل، وقتل نبي من أعظم ثمرات الكفر.
والسؤال والجواب في: ﴿قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون﴾ والتكرار في:
من أنصاري إلى الله، وأنصار الله، وآمنا بالله، وآمنا بما أنزلت، ومكروا ومكر الله،
والماكرين، وفي هذا التجنيس المماثل، والمغاير، والحذف، في مواضع.
﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك﴾ العامل في: إذ، ومكر الله قاله الطبري، أو:
اذكر، قاله بعض النحاة، أو: خير الماكرين، قاله الزمخشري. وهذا القول هو بواسطة
الملك، لأن عيسى ليس بمكلم، قاله ابن عطية.
و: متوفيك، هي وفاة يوم رفعه الله في منامه، قاله الربيع من قوله: ﴿وهو الذي
يتوفاكم بالليل﴾ (٣) أي: ورافعك وأنت نائم، حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في
السماء آمن مقرب. أو: وفاة موت، قاله ابن عباس. وقال وهب: مات ثلاث ساعات ورفعه
فيها ثم أحياه الله بعد ذلك في السماء، وفي بعض الكتب: سبع ساعات.
وقال الفراء: هي وفاة موت، ولكن المعنى: متوفيك في آخر أمرك عند نزولك
وقتلك الدجال، وفي الكلام تقديم وتأخير.
(١) سورة النساء: ٨٤/٤.
(٢) سورة الفرقان: ٢٤/٢٥.
(٣) سورة الأنعام: ٦٠/٦.

١٧٧
سورة آل عمران / الآيات : ٥٢ - ٦١
وقال الزمخشري: مستوفي أجلك، ومعناه أي: عاصمك من أن يقتلك الكفار.
ومؤخرك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم. وقيل: متوفيك: قابعك
من الأرض من غير موت، قاله الحسن، والضحاك، وابن زيد، وابن جريج، ومطر الوراق،
ومحمد بن جعفر بن الزبير، من: توفيت مالي على فلان إذا استوفيته .
وقيل: أجعلك كالمتوفي، لأنه بالرفع يشبهه. وقيل: آخذك وافياً بروحك وبذلك.
وقيل: متوفيك: متقبل عملك، ويضعف هذا من جهة اللفظ. وقال أبو بكر الواسطي :
متوفیك عن شهواتك .
قال ابن عطية. وأجمعت الأمة على ما تمضنه الحديث المتواتر من: ((أن عيسى في
السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال،
ويفيض العدل، وتظهر به الملة، ملة محمد ◌َّلة، ويحج البيت، ويعتمر، ويبقى في الأرض
أربعاً وعشرين سنة)) وقيل: أربعين سنة. انتهى.
﴿ورافعك إليّ﴾ الرفع نقل من سفل إلى علو؛ و: إليّ، إضافة تشريف. والمعنى:
إلى سمائي ومقر ملائكتي. وقد علم أن الباري تعالى ليس بمتحيز في جهة، وقد تعلق بهذا
المشبهة في ثبوت المكان له تعالى. وقيل: إلى مكان لا يملك الحكم فيه في الحقيقة
ولا في الظاهر إلّا أنا، بخلاف الأرض، فإنه قد يتولى المخلوقون فيها الأحكام ظاهراً.
وقيل: إلی محل ثوابك.
قال ابن عباس: رفعه إلى السماء، سماء الدنيا، فهو فيها يسبح مع الملائكة، ثم
يهبطه الله عند ظهور الدجال على صخرة بيت المقدس. قيل: كان عيسى على طور سيناء،
وهبت ريح فهرول عيسى فرفعه الله في هرولته، وعليه مدرعة من شعر.
وقال الزجاج: كان عيسى في بيت له كوة، فدخل رجل ليقتله، فرفع عيسى من
البيت وخرج الرجل في شبه عيسى يخبرهم أن عيسى ليس في البيت، فقتلوه.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن عباس قال: رفع الله عيسى من روزنة كانت في
البيت.
﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ جعل الذين كفروا دنساً ونجساً فطهره منهم، لأن
صحبة الأشرار وخلطة الفجار تتنزل منزلة الدنس في الثوب، والمعنى: أنه تعالى يخلصه
تفسير البحر المحيط ج٣ م١٢

١٧٨
--
سورة آل عمران / الآيات: ٥٢ - ٦١
منهم، فكنى عن إخراجه منهم وتخليصه بالتطهير، وأتى بلفظ الظاهر لا بالضمير، وهو:
الذين كفروا، إشارة إلى علة الدنس والنجس وهو الكفر، كما قال: ﴿إنما المشركون
نجس﴾(١) وكما جاء في الحديث: ((المؤمن لا ينجس)) فجعل علة تطهيره الإيمان.
وقيل: مطهرك من أذى الكفرة. وقيل: من الكفر والفواحش. وقيل: مما قالوه فيك
وفي أمك. وقيل: ومطهرك أي مطهر بك وجه الناس من نجاسة الكفر والعصيان.
وقال الراغب: متوفيك: آخذك عن هواك، ورافعك إلي عن شهواتك، ولم يكن ذلك
رفعاً مكانياً وإنما هو رفعة المحل، وإن كان قدر رفع إلى السماء، وتطهيره من الكافرين
إخراجه من بينهم. وقيل: تخليصه من قتلهم، لأن ذلك نجس طهره الله منه. قال أبو
مسلم: التخليص والتطهير واحد، إلاّ أن لفظ التطهير فيه رفعة للمخاطب، كما أن الشهود
والحضور واحد، وفي الشهود رفعة. ولهذا ذكره الله في المؤمنين، وذكر الحضور والإحضار
في الكافرين.
﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ الكاف: ضمير عيسى كالكاف السابقة. وقيل: هو خطاب
للنبي وَّله، وهو من تلوين الخطاب. إنتهى هذا القول، ولا يظهر. ومعنى اتبعوك: أي في
الدين والشريعة، وهم المسلمون. لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع.
﴿فوق الذين كفروا﴾ يعلونهم بالحجة، وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، والذين
كفروا هم الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى، قاله الزمخشري، بتقديم وتأخير
في كلامه.
فالفوقية هنا بالحجة والبرهان، قاله الحسن. أو: بالعز والمنعة، قاله ابن زيد. فهم
فوق اليهود، فلا تكون لهم مملكة كما للنصارى. فالآية، على قوله، مخبرة عن إذلال
اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة، فخصص ابن
زيد المتبعين والكافرين، وجعله حكماً دنيوياً لا فضلية فيه للمتبعين الكفار، بل كونهم فوق
اليهود عقوبة لليهود.
وقال الجمهور: بعموم المتبعين، فتدخل في ذلك أمة محمد ◌َيقر، نص عليه قتادة،
وبعموم الكافرين.
(١) سورة التوبة: ٢٨/٩.
:

١٧٩
سورة آل عمران / الآيات : ٥٢ - ٦١
والآية تقتضي إعلام عيسى أن أهل الإيمان به كما يحب هم فوق الذين كفروا
بالحجة والبرهان والعزة والمنعة والغلبة، ويظهر من عبارة ابن جريج أن المتبعين له هم في
وقت استنصاره، وهم الحواريون، جعلهم الله فوق الكافرين لأنه شرفهم، وأبقى لهم في
الصالحين ذكراً، فهم فوقهم بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من رضوان الله.
وقيل: فوق الذين كفروا يوم القيامة في الجنة، إذ هم في الغرفات، والذين كفروا في
أسفل سافلين في الدركات.
وتلخص من أقوال هؤلاء المفسرين أن متبعيه هم متبعوه في أصل الإسلام، فيكون
عاماً في المسلمين، وعاماً في الكافرين، أوهم متبعوه في الإنتماء إلى شريعته، وإن لم
يتبعوها حقيقة، يكون الكافرون خاصاً باليهود، أو متبعوه هم الحواريون، والكافرون: من
كفر به. وأما الفوقية فإما حقيقة وذلك بالجنة والنار، وإما مجازاً أي: بالحجة والبرهان،
فیکون ذلك دینیاً، و: إمابالعزة والغلبة فیکون ذلك دنيوياً، وإما بهما.
﴿إلى يوم القيامة) الظاهر أن: إلى، تتعلق بمحذوف، وهو العامل في: فوق، وهو
المفعول الثاني: لجاعل، إذ معنى جاعل هنا مصيِّر، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم
القيامة، وهذا على أن الفوقية مجاز، وأما إن كانت الفوقية حقيقة، وهي الفوقية بالجنة،
فلا تتعلق: إلَّ، بذلك المحذوف، بل بما تقدّم من: متوفيك، أو من: رافعك، أو من:
مظهرك، إذ يصح تعلقه بكل واحد منها، أما برافعك أو مطهرك، فظاهر. وأما بمتوفيك
فعلى بعض الأقوال. وهذه الأخبار الأربعة ترتيبها في غاية الفصاحة، بدأ أولاً: بإخباره
تعالى لعيسى أنه متوفيه، فليس للماكرين به تسلط عليه ولا توصل إليه، ثم بشره ثانياً :
برفعه إلى سمائه وسكناه مع ملائكته وعبادته فيها، وطول عمره في عبادة ربه. ثم ثالثاً:
برفعه إلى سمائه بتطهيره من الكفار، فعم بذلك جميع زمانه حين رفعه، وحين ينزله في آخر
الدنيا فهي بشارة عظيمة له أنه مطهر من الكفار أولاً وآخراً. ولما كان التوفي والرفع كل
منهما خاص بزمان، بدىء بهما. ولما كان التطهير عاماً يشمل سائر الأزمان أخر عنهما،
ولما بشره بهذه البشائر الثلاث، وهي أوصاف له في نفسه، بشره برفعة أتباعه فوق كل كافر،
لتقرّ بذلك عينه، ویسر قلبه.
ولما كان هذا الوصف من اعتلاء تابعيه على الكفار من أوصاف تابعيه، تأخر عن
الأوصاف الثلاثة التي لنفسه، إذ البداءة بالأوصاف التي للنفس أهم، ثم أتبع بهذا الوصف

١٨٠
سورة آل عمران / الآيات: ٥٢ - ٦١
الرابع على سبيل التبشير بحال تابعيه في الدنيا، ليكمل بذلك سروره بما أوتيه، وأوتي
تابعوه من الخیر.
﴿ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون﴾ هذا إخبار بالحشر
والبعث، والمعنى ثم إلى حكمي، وهذا عندي من الالتفات، لأنه سبق ذكر مكذبيه: وهم
اليهود، وذكر من آمن به؛ وهم الحواريون. وأعقب ذلك قوله: ﴿وجاعل الذين اتبعوك
فوق الذين كفروا﴾ فذكر متبعيه الكافرين، فلو جاء على نمط هذا السابق لكان التركيب:
ثم إليّ مرجعهم، ولكنه التفت على سبيل الخطاب للجميع، ليكون الإخبار أبلغ في
التهدید، وأشد زجراً لمن یزدجر.
ثم ذكر لفظة: إليّ، ولفظة: فأحكم، بضمير المتكلم، ليعلم أن الحاكم هناك من
لا تخفى عليه خافية، وذكر أنه يحكم فيما اختلفوا فيه من أمر الأنبياء واتباع شرائعهم، وأتى
بالحكم مبهماً، ثم فصل المحكوم بينهم إلى: كافر ومؤمن، وذكر جزاء كل واحد منهم.
وقال ابن عطية: مرجعكم، الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر،
فلذلك جاء اللفظ عاماً من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده، فخاطبه كما
يخاطب الجماعة، إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى. إنتهى كلامه.
والأولى عندي أن یکون من الالتفات کما ذكرته.
﴿فأما الذين كفروا﴾ قيل: يحتمل أن يكون خاصاً، أي: كفروا بك وجحدوا
نبوّتك، والظاهر العموم، ويجوز أن يكون الذين، مبتدأ ويجوز أن يكون منصوباً بفعل
محذوف يفسره ما بعده، فيكون من باب الإشتغال.
﴿فأعذبهم عذاباً شديداً﴾ وصف العذاب بالشدّة لتضاعفه وازدياده. وقيل: لاختلاف
أجناسه.
﴿في الدنيا﴾ بالأسر والقتل والجزية والذل، ومن لم ينله شيء من هذا فهو على
وجل، إذ يعلم أن الإسلام يطلبه.
﴿والآخرة﴾ بعذاب النار. وهذا إخبار منه تعالى بما يفعل بالكافر من أول أمره في
دنياه إلى آخر أمره في عقباه.