النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ سورة البقرة / الآيات : ٢٦١ - ٢٦٦ المآثم خير، أي: أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى. وقيل: المغفرة الاقتصار على القول الحسن، وقيل: المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة، وقيل: المغفرة هنا ستر خلة المحتاج، وسوء حاله. قاله ابن جرير، وقيل، لأعرابي سأل بكلام فصيح، ممن الرجل؟ فقال اللهم غفراً سوء الاكتساب يمنع من الانتساب، وقيل: أن يستر على السائل سؤاله وبذل وجهه له ولا يفضحه، وقيل: معناه السلامة من المعصية، وقيل: القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه. وهذا كله على أن يكون الخطاب مع المسؤول لأن الخطاب في الآية قبل هذا، وفي الآية بعد هذا، إنما هو مع المتصدّق، وقيل: الخطاب للسائل، وهو حث له على إجمال الطلب، أي يقول قولاً حسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى حيث لا ضرورة، ويكسب خير من مثال صدقة يتبعها أذى، واشترك القول المعروف والمغفرة مع الصدقة التي يتبعها أذى في مطلق الخيرية، وهو: النفع، وإن اختلفت جهة النفع، فنفع القول المعروف والمغفرة باقٍ، ونفع تلك الصدقة فانٍ، ويحتمل أن يكون الخيرية هنا من باب قولهم: شيء خير من لا شيء. وقال الشاعر: أحب إليّ من بذل ومنَّه ومنعك للندی بجمیل قولٍ وقال آخر فأجاد: للمعتفين فإني لينُ العودِ إن لم تكن ورق يوماً أجود بها إما نوالي وإما حسن مردود لا يعدم السائلون الخير من خلقي وارتفاع: قول، على أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها، ومغفرة معطوف على المبتدأ، فهو مبتدأ ومسوغ جواز الإبتداء به وصف محذوف أي: ومغفرة من المسؤول، أو: من السائل. أو: من الله، على اختلاف الأقوال. و: خير، خبر عنهما. وقال المهدوي وغيره: هما جملتان، وخبر: قول، محذوف، التقدير: قول معروف أولى ومغفرة خير. قال ابن عطية: وفي هذا ذهاب ترويق المعنى، وإنما يكون المقدّر كالظاهر. إنتهى. وما قاله حسن، وجوز أن يكون: قول معروف، خبر مبتدأ محذوف تقديره: المأمور به قول معروف، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله: يتبعها، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا. ﴿والله غني حليم﴾ أي غني عن الصدقة، حليم بتأخر العقوبة، وقيل: غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي، حليم عن معاجلة العقوبة. وهذا سخط منه ووعید. ٦٦٢ سورة البقرة / الآيات : ٢٦١ - ٢٦٦ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع مناً ولا أذىًّ، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلًا للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان. ولما جرى ذكر المن والأذى مرتين، أعادهما هنا بالألف واللام، ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله. والسُّدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذي لا تتقبل، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة، فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله. ومعنى قوله: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾ أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً، لأنه إذا قصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان. وقال القاضي عبد الجبار: معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت، فلا يصح أن تبطل. فالمراد إذن إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصير إبطاله بما يأتيه من المن والأذى. إنتهى كلامه. والمعنيان تحملهما الآية، ولتعظيم قبح المن أعاد الله ذلك في معارض الكلام، فأثنى على تاركه أولاً وفضل المنع على عطية يتبعها المن ثانياً. وصرح بالنهي عنها ثالثاً، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المن فيها أعظم وأشنع. والظاهر أن قوله: بالمن، معناه على الفقير، وهو قول الجمهور. وقال ابن عباس: بالمن على الله تعالى بسبب صدقته، والأذى للسائل. و: الكاف، قيل في موضع نعت لمصدر محذوف تقديره إبطالً، كابطال صدقة الذي ينفق، وقيل: الكاف في موضع الحال، أي: لا تبطلوا مشبهين الذي ينفق ماله بالرياء. وفي هذا المنافق قولان: أحدهما: أنه المنافق، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم، هذه نيته، لا ينفق لرضا الله وطلب ثواب الآخرة، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وقيل: المراد به الكافر المجاهر، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله! ولا يريد بإنفاقه إلّ الثناء عليه، ورجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره. ٦٦٣ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ وانتصاب رئاء على أنه مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال. وقرأ طلحة بن مصرف: رياءً بابدال الهمزة الأولى ياءً لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم . ﴿فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا﴾ هذا تشبيه ثان، واختلف في الضمير في قوله: ﴿فمثله﴾ فالظاهر أنه عائد على ﴿الذي ينفق ماله رئاء الناس﴾ لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافر المباهي، المثل بصفوان عليه تراب، يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، فيبقى صلداً منكشفاً، وأخلف ما ظنه الظان، كذلك هذا المنافق يري الناس أن له أعمالاً كما يُرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وقيل: الضمير في ﴿فمثله﴾ عائد على المانَّ المؤذي، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رثاء الناس، والثاني: بصفوان عليه تراب، ويكون قد عدل من خطاب إلی غیبة، ومن جمع إلی افراد. قال القاضي عبد الجبار: ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثله أولاً بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى. ثم مثله ثانياً بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار. ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلاً، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح القول في الإحاطة والتكفير. إنتهى كلامه. وهو مبني على ما قدّمناه عنه في القول في الإحباط والتكفير في قوله: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾ من أن الصدقة وقعت صحيحة ثم بطلت بالمنّ والأذى، وتقدّم القول بأن المعنى: لا توقعوها باطلة، ويدل على هذا المعنى التشبيه بقوله: كالذي ينفق، فان نفقته وقعت باطلة لمقارنة الكفر لها، فيمتنع دخولها صحيحة في الوجود. وأما التمثيل الثاني فإنه عند عبد الجيار وأصحابه، جعل الوابل مزيلًا لذلك التراب بعد كينونته عليه، فكذلك المنّ والأذى مزيلان للأجر بعد حصول استحقاقه، وعند غيرهم أن المشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو الصدقة المقترنة بالنية الفاسدة التي لولاها ٦٦٤ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ لكانت الصدقة مرتباً عليها حصول الأجر والثواب. قيل: والحمل عى هذا المعنى أولى، لأن التراب إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به، ولا غائصاً فيه، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة منفصل. فكذا الإنفاق المقرون بالمنّ والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل بر وفي الحقيقة ليس كذلك، وعلى هذين القولين يكون التقدير: لا تبطلوا أجور صدقاتكم، أو: لا تبطلوا أصل صدقاتكم. وقرأ ابن المسيب، والزهري: صفوان بفتح الفاء، قيل: وهو شاذ في الأسماع. إنما بابه المصادر: كالغليان والتروان، وفي الصفات نحو: رجل صيمان، وتيس عدوان. وارتفع تراب على الفاعلية، أي: استقر عليه تراب، فأصابه وابل. و: فأصابه، معطوف على ذلك الفعل الرافع للتراب، والضمير في: فأصابه، عائد على الصفوان، ويحتمل أن يعود على التراب، وفي: فتركه، عائد على الصفوان. وهذه الجملة جعل فيها العمل الظاهر: كالتراب، والمانّ المؤذي، أو المنافق كالصفوان، ويوم القيامة کالوابل، وعلى قول المعتزلة: المنّ والأذى كالوابل. وقال القفال: وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض طيبة، فهو يتضاعف له وينمو، ألا ترى أنه ضرب المثل في ذلك بجنة فوق ربوة؟ فهو يجده وقت الحاجة إليه. وأما المان والمؤذي والمنافق، فكمن بذر في الصفوان لا يقبل بذراً ولا ينمو فيه شيء، عليه غبار قليل أصابه جود فبقي مستودع بذر خالياً، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً. انتهى ما لخص من كلامه. وحاصله: أن التشبيه انطوى من حيث المعنى على بذر وزرع. ﴿لا يقدرون على شيء مما كسبوا﴾ اختلف في الضمير في: يقدرون، فقيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم﴾ ويكون من باب الالتفات، إذ هو رجوع من خطاب إلى غيبة، والمعنى: أنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على الانتفاع بشيء مما كسبتم، وهذا فيه بعد. وقيل: هو عائد على ﴿الذي ينفق﴾ لأن: كالذي جنس، فلك أن تراعي لفظه كما في قوله: ﴿ينفق ماله رثاء الناس ولا يؤمن﴾ فأفرد الضمير، ولك أن تراعي المعنى، لأن معناه جمع، وصار هذا ﴿كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله﴾(١) ثم قال: ﴿ذهب الله بنورهم﴾(١). (١) سورة البقرة: ١٧/٢. ٦٦٥ بـ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ قال ابن عطية: وقد انحمل الكلام قبل على لفظ: الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب، ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ. إنتهى كلامه. وقد تقدّم لنا الكلام معه في شيء من هذا، وفي الحمل على اللفظ أو المعنى تفصيل لا يوجد إلاّ في مبسوطات النحو. وقيل: هو عائد على معلوم غير مذكور المعنى لا يقدر أحد من الخلق على الانتفاع بذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي على بالصفوان، لأنه زال ذلك التراب وزال ما كان فيه، فكذلك المان والمؤذي والمنافق، لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة. وقيل: هو عائد على المرائي الكافر أو المنافق، أو على المان، أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم، وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه، وعبروا عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب، وهذا كقوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾(١) وقوله: ﴿أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف﴾(٢) الآية. وقوله: ﴿أعمالهم كسراب بقيعة﴾(٣) ويكفي من ذكر العمل لغير وجه الله حديث الثلاثة الذين هم أوّل الناس يقضى عليه يوم القيامة، وهو: المستشهد والعالم والجواد. ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ يعني الموافقين على الكفر، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض. أو: لا يهديهم في أعمالهم وهم على الكفر، وفي هذا ترجح لمن قال: إن ضرب المثل عائد على الكافر. ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة﴾ لما ضرب مثل: من أنفق ماله رثاء الناس وهو غير مؤمن، ذكر ضدّه بتمثيل محسوس للذهن، حتى يتصوّر السامع تفاوت ما بين الضدّين، وهذا من بديع أساليب فصاحة القرآن. ولما وصف صاحب النفقة بوصفين، قابل ذلك هنا بوصفين، فقوله: ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ مقابل لقوله: ﴿رثاء الناس﴾ وقوله: ﴿وتثبيتاً من أنفسهم﴾ مقابل لقوله: ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ لأن المراد بالتثبيت توطين النفس على المحافظة عليه وترك ما يفسده، ولا يكون إلّ عن يقين بالآخرة. والتقادير الثلاثة التي في قوله: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ جارية هنا، أي: ومثل المنافقين كمثل (١) سورة الفرقان: ٢٣/٢٥. (٢) سورة إبراهيم: ١٨/١٤. (٣) سورة النور: ٣٩/٢٤. ٦٦٦ سورة البقرة / الآيات : ٢٦١ - ٢٦٦ غارس حبة، أو: مثل نفقتهم كحبة، أو: مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبة وغارسها. وجوّزوا في: ابتغاء أن يكون مصدراً في موضع الحال. أي: مبتغين، وأن يكون مفعولاً من أجله، وكذلك: وتثبيتاً . قال ابن عطية: ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولاً من أجله، لعطف، وتثبيتاً عليه، ولا يصح في: وتثبيتاً أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. وقال مكي في (المشكل): كلاهما مفعول من أجله، وهو مردود بما بيناه. إنتهى كلامه . وتثبيت، مصدر: ثبت، وهو متعد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره الثواب من الله تعالى، أي: وتثبيتاً وتحصيلاً من أنفسهم الثواب على تلك النفقة، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملاً على الإنفاق في سبيل الله. ومن قدر المفعول غير ذلك أي: وتثبيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، وجعله من أنفسهم على أن تكون: من، بمعنى: اللام، أي: لأنفسهم، كما تقول: فعلت ذلك كسراً من شهوتي، أي: لشهوتي، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له. قال الشعبي، وقتادة، والسُّدي، وأبو صالح، وابن زيد: معناه وتيقناً، أي: إن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق. ويؤكده قراءة من قرأ: أو تبييناً من أنفسهم، وقال قتادة أيضاً: واحتساباً من أنفسهم. وقال الشعبي أيضاً والضحاك، والكلبي: وتصديقاً، أي: يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم. وقال ابن جبير، وأبو مالك: تحقيقاً في دينهم. وقال إبن كيسان: إخلاصاً وتوطيداً لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم. وقال الزجاج: ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها. وقال الشعبي أيضاً: عزماً. وقال يمان أيضاً: بصيرة. وقال مجاهد، والحسن: معناه أنهم يثبتون، أي يضعون صدقاتهم. قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك. وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله: وتثبيتاً. بمعنى: تثبتاً، فيكون لازماً. قال: والمصادر قد تختلف، ويقع بعضها موقع بعض، ومنه قوله: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾(١) أي تبتلاً وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل، (١) سورة المزمل: ٨/٧٣. ٦٦٧ سورة البقرة / الآيات : ٢٦١ - ٢٦٦ تقول: إن ثبت فعل لازم معناه: تمكن، ورسخ، وتحقق. وثبت معدى بالتضعيف، ومعناه: مكن، وحقق. قال ابن رواحة يخاطب رسول الله الته : فثبَّت الله ما آتاك من حسن تثبيت عيسى ونصراً كالذي نصروا فالمعنى، والله أعلم، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضاً، لأن مثل هذا العمل شاق على النفس، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له. وإذا كان التثبيت مسنداً إليهم كانت: من، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر، وتكون للتبعيض، مثلها في: هزّ من عطفه، و: حرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت: من، في موضع نصب أيضاً صفة للمصدر تقديره: كائناً من أنفسهم. قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾(١) انتهى. والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله، ليس له محرك إلّ هي، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب، فهي الباعثة له على ذلك، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها . وقرأ عاصم الجحدري ﴿كمثل حبة﴾ بالحاء والباء في: بربوة، ظرفية، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف. وخص الربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها. كما قال الشاعر، وهو الخليل بن أحمد، رحمه الله تعالى : عن المعاطش واستغنت بسقياها ترفعت عن ندی الأعماق وانخفضت واعتم بالنخل والزيتون أعلاها فمال بالخوخ والرمان أسفلُها وتفسير ابن عباس: الربوة، بالمكان المرتفع الذي لا يجري فيه الأنهار، إنما يريد المذكورة هنا لقوله: ﴿أصابها وابل﴾ فدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد أن جنس الربوة لا يجري (١) سورة الصف: ١١/٦١. ٦٦٨ سورة البقرة / الآيات : ٢٦١ - ٢٦٦ فيها ماء، ألا ترى قوله تعالى: ﴿إلى ربوة ذات قرار ومعين﴾(١) وخصت بأن سقياها الوابل لا الماء الجاري فيها على عادة بلاد العرب بما يحسونه كثيراً. وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: المفسرون قالوا: البستان إذا كان في ربوة كان أحسن، وأكثر ريعاً، وفيه لي أشكال، لأنه يكون فوق الماء، ولا ترتفع إليه الأنهار، وتضربه الرياح كثيراً، فلا يحسن ريعه. وإذا كان في وهدة انصبت إليه المياه، ولا تصل إليه آثار الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه، وإنما يحسن ريعه في أرض مستوية، فالمراد بالربوة ليس ما ذكروه، وإنما هو كون الأرض طيبة بحيث إذا نظر نزول المطر عليها انتفخت وربت، فيكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها. ويؤيده: ﴿وترى الأرض هامدة﴾(٢) الآية. وأنه في مقابلة المثل الأول، والأول لا يؤثر فيه المطر، وهو: الصفوان. انتهى كلامه. وفيه بعض تلخيص، وما قاله قاله قبله الحسن. الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء. وقال الشاعر في رياض الحزن: ما روضة من رياض الحَزْنِ معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل ولا يراد: برياض الحزن، رياض الربا، كما زعم الطبري، بل: رياض الحزن هي المنسوبة إلى نجد، ونجد يقال لها: الحزن، وإنما نسبت الروضة إلى الحزن وهو نجد، لأن نباته أعطر، ونسيمه أبرد، وأرق. فهي خير من رياض تهامة. وقرأ ابن عامر، وعاصم بفتح الراء، وباقي السبعة بالضم. وكذلك خلافهم في ﴿قد أفلح﴾(٣) وقرأ ابن عباس بكسر الراء. وقرأ أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن: برباوة، على وزن: كراهة. وأبو الأشهب العقيلي : برباوة، على وزن رسالة. ﴿أصابها وابل﴾ جملة في موضع الصفة لجنة، ويدىء بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة، وهذا الأكثر في لسان العرب، وبدىء بالوصف الثابت، وهو: كونها بربوة، ثم بالوصف العارض، وهو ﴿أصابها وابل﴾ وجاء في وصف صفوان قوله: عليه تراب، ثم عطف عليه بالفاء، وهنا لم يعطف، بل أخرج صفة، وينظر ما الفرق بين (١) سورة المؤمنون: ٥٠/٢٣. (٢) سورة الحج: ٥/٢٢. (٣) سورة طه: ٦٤/٢٠ والمؤمنون: ١/٢٣ والأعلى: ١٤/٨٧ والشمس: ٩/٩١. ٦٦٩ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ الموضعين، وجوَّز أن يكون: ﴿أصابها وابل﴾ حالاً من جنة لأنها نكرة، وقد وصفت حالاً من الضمير في الجار والمجرور. ﴿فآتت أكلها ضعفين﴾ آتت بمعنى: أعطت، والمفعول الأول محذوف، التقدير: فآتت صاحبها، أو: أهلها أكلها. كما حذف في قوله ﴿كمثل جنة﴾ أي: صاحب أو: غارس جنة، ولأن المقصود ذكر ما يثمر لا لمن تثمر، إذ هو معلوم، ونصب: ضعفين، على الحال، ومن زعم أن: ضعفين، مفعول ثان: لآتت، فهو ساه، وليس المعنى عليه، وكذلك قول من زعم ان آتت بمعنى أخرجت، وأنها تتعدى لواحد، إذ لا يعلم ذلك في لسان العرب، ونسبة الإيتاء إليها مجاز، والأكل بضم الهمزة الشيء المأكول، وأريد هنا الثمر، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الدابة، إذ ليس الثمر مما تملكه الجنة . وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بضم الهمزة، وإسكان الكاف، وكذا كل مضاف إلى مؤنث. ونقل أبو عمرو فيما أضيف إلى غير مكني، أو إلى مكني مذكر، والباقون بالتثقيل. ومعنی : ضعفین: مِثْلا ما کانت تثمر بسبب الوابل، وبکونه في ربوة، لأن ربع الربا أكثر، ومن السيل والبرد أبعد، وقيل: ضعفي غيرها من الأرضين، وقيل: أربعة أمثالها، وهذا مبني على أن ضعف الشيء مثلاه. وقال أبو مسلم: ثلاثة أمثالها، قال تاج القراء. وليس لهذا في العربية وجه، وإيتاء الضعفين هو في حمل واحد. وقال عكرمة، وعطاء: معنى ضعفين أنها حملت في السنة مرتين. ويحتمل عندي أن يكون قوله: ضعفين، مما لا يزاد به شفع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يقصد به التكثير. وكأنه قيل: فآتت أكلها ضعفين، ضعفاً بعد ضعف أي: أضعافاً كثيرة، وهذا أبلغ في التشبيه للنفقة بالجنة، لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين، بل جاء تضاعف أضعافاً كثيرة، وعشر أمثالها، وسبع مائة وأزيد. ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ قال ابن عيسى: فيه إضمار، التقدير: فإن لم يكن يصيبها وابل كما قال الشاعر: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي: لم تكن تلدني، والمعنى: إن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج ٦٧٠ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ الثمرة ضعفين، وذلك أكرم الأرض وطيبها، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر. وقيل: المعنى فإن لم يصبها وابل فيتضاعف ثمرها، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر. قال الماوردي: زرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه: وإن قل تماسك ونفع. انتهى. ودعوى التقديم والتأخير في الآية، على ما قاله بعضهم، من أن المعنى أصابها وابل . فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ضعفين حتى يجعل ايتاؤها الأكل ضعفين على الحالين من الوابل والطل، لا حاجة إليها. والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر، فينزه القرآن عن ذلك. قال زيد بن أسلم: المضروب به المثل أرض مصر، إن لم يصبها مطر زكت، وإن أصابها مطر أضعفت. قال الزمخشري: مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة، كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع، زاكية عند الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. انتهى كلامه. وقال الماوردي قريباً من كلام الزمخشري، قال: أراد بضرب هذا المثل أن كثير البر مثل زرع المطر، كثير النفع، وقليل البر مثل زرع الطل، قليل النفع. فلا يدع قليل البر إذا لم يفعل كثيره، كما لا يدع زرع الطل إذا لم يقدر على زرع المطر. انتهى كلامه. وقال ابن عطية: شبه نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفصيل والفلو، بنموّ نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً. وقال ابن الجوزي: معنى الآية أن صاحب هذه الجنة لا يخيب فإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك نفقة المؤمن المخلص. انتهى. وقوله: فطل، جواب الشرط، فيحتاج إلى تقدير بحيث تصير جملة، فقدره المبرد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، أي: فطل يصيبها، وابتدىء بالنكرة لأنها جاءت في جواب الشرط. وذكر بعضهم أن هذا من مسوّغات جواز الابتداء بالنكرة، ومثله ما جاء ٦٧١ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ في المثل: إن ذهب عير فعير في الرباط. وقدره غير المبرد: خبر مبتدأ محذوف. أي: فالذي يصيبها، أو: فمصيبها طلّ، وقدره بعضهم فاعلاً، أي فيصيبها طل، وكل هذه التقادير سائغة. والآخر يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جواباً، وإبقاء معمول لبعضها، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدأ، كقوله تعالى ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾(١) أي فهو ينتقم، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا أي: فهي، أي: الجنة يصيبها طل، وأما في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلّ إلى حذف أخد جزئي الجملة، ونظير ما في الآية قوله : كأن قرون جلتها العصيّ ألا إن لا تكن إيل فمعزى ﴿والله بما تعملون بصير﴾ قرأ الزهري، بالياء، فظاهره أن الضمير يعود على المنافقين، ويحتمل أن يكون عاماً فلا يختص بالمنافقين، بل يعود على الناس أجمعين. وقرأ الجمهور بالتاء، على الخطاب، وفيه التفات. والمعنى: أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من الأعمال والمقاصد من رياء وإخلاص، وفيه وعد ووعيد. ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة﴾ لما تقدّم النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى، وشبه فاعل ذلك بالمنفق رثاء، ومثل حاله بالصفوان المذكور، ثم مثل حال من أنفق ابتغاء وجه الله، أعقب ذلك كله بهذه الآية، فقال السدّي : هذا مثل آخر للمرائي. وقال ابن زيد: هو مثل للمان في الصدقة، وقال مجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم: للمفرط في الطاعة. وقال ابن جريج: لمن أعطي الشباب والمال، فلم يعمل حتى سلبا. وقال ابن عباس: لمن عمل أنواع الطاعات كجنة فيها من كل الثمرات، فختمها بإساءة كإعصار، فشبه تحسره حین لا عود، بتحسر کبیر هلکت جنته أحوج ما کان إليها، وأعجز عن عمارتها، وروي نحو من هذا عن عمر. وقال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وأن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنیا . والهمزة للاستفهام، والمعنى على التبعيد والنفي، أي: ما يود أحد ذلك؟ و: أحد، هنا ليس المختص بالنفي وشهبه، وإنما المعنى: أيود واحد منكم؟ على طريق البدلية. (١) سورة المائدة: ٩٥/٥. ٦٧٢ سورة البقرة / الآيات : ٢٦١ - ٢٦٦ وقرأ الحسن: جنات، بالجمع. ﴿من نخيل وأعناب﴾ لما كان النخيل والأعناب أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصا بالذكر، وجعلت الجنة منهما، وإن كان في الجنة غيرهما، وحيث جاء في القرآن ذكر هذا، نص على النخيل دون الثمرة. وعلى ثمرة الكرم دون الكرم، وذلك لأن أعظم منافع الكرم هو ثمرته دون أصله، والنخيل كله منافعه عظيمة، توازي منفعة ثمرته من خشبه وجريده وليفه وخوصه، وسائر ما يشتمل عليه، فلذلك، والله أعلم، اقتصر على ذكر النخيل وثمرة الكرم . ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ تقدّم شرح هذا في أول هذه السورة. ﴿له فيها من كل الثمرات﴾ هذا يدل على أنه فيه أشجار غير النخيل والكرم، كما ذكرنا قبل هذا الظاهر، وأجاز الزمخشري أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها . وهذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فعلى مذهب الأخفش: من، زائدة، التقدير: له فيها كل الثمرات، على إرادة التكثير بلفظ العموم، لا أن العموم مراد، ولا يجوز أن تكون زائدة على مذهب الكوفيين، لأنهم شرطوا في زيادتها أن يكون بعدها نكرة، نحو: قد كان من مطر، وأما على مذهب جمهور البصريين، فلا يجوز زيادتها، لأنهم شرطوا أن يكون قبلها غير موجب، وبعدها نكرة، ويحتاج هذا إلى تقييد، قد ذكرناه في كتاب (منهج السالك) من تأليفنا. ويتخرج مذهب جمهور البصريين على حذف المبتدأ المحذوف تقديره، له فيها رزق، أو: ثمرات من كل الثمرات. ونظيره في الحذف قول الشاعر: تقعقع خلف رجليه بشن كأنك من جمال بني أقيش التقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش، حذف: جمل، لدلالة: من جمال، عليه، كما حذف ثمرات لدلالة: من كل الثمرات، عليه وكذلك قوله تعالى ﴿وما منا إلاّ له مقام معلوم﴾(١) أي: وما أحد منا، فأحد مبتدأ محذوف، و: منا، صفة، وما بعد إلّ جملة خبر عن المبتدأ. ﴿وأصابه الكبر﴾ الظاهر أن الواو للحال، وقد مقدرة أي وقد أصابه الكبر، كقوله: (١) سورة الصافات: ١٦٤/٣٧. ٦٧٣ سورة البقرة / الآيات: ٢٦١ - ٢٦٦ ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾(١) ﴿وقعدوا لو أطاعونا﴾ (٢) أي: وقد كنتم، و: قد قعدوا، وقيل: معناه: ويصيبه، فعطف الماضي على المضارع لوضعه موضعه. وقال الفراء: يجوز ذلك في: يود، لأنه يتلقى مرة بأن، ومرة بأو، فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر. قال الزمخشري: وقيل، يقال: وددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة، وأصابه الكبر؟ انتهى. وظاهر كلامه أن يكون: وأصابه، معطوفاً على متعلق: أيود، وهو: أن تكون، لأنه في معنى: لو كانت، إذ يقال: أيود أحدكم لو كانت؟ وهذا ليس بشيء، لأنه ممتنع من حيث: أن يكون، معطوفاً على: كانت، التي قبلها لو، لأنه متعلق الود، وأما: وأصابه الكبر، فلا يمكن أن يكون متعلق الود، لأن إصابة الكبر لا يوده أحد، ولا يتمناه، لكن يحمل قول الزمخشري على أنه: لما كان: أيود، استفهاماً، معناه الإنكار، جعل متعلق الودادة الجمع بين الشيئين، وهما كون جنة له، واصابة الكبر إياه، لا أن كل واحد منهما يكون مودوداً على انفراده، وإنما أنكر وداده الجمع بينهما، وفي لفظ الإصابة معنى التأثير، وهو أبلغ من: وكبر، وكذلك: بربوة أصابها وابل، وعليه تراب فأصابه وابل، ولم يأت: وبلت، ولا توبل. والكبر الشيخوخة، وعلو السن. ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ وقرىء: ضعاف، وكلاهما جمع: ضعيف، كظريف وظرفاء. وظراف، والمعنى ذرية صبية صغار، ويحتمل أن يراد بضعفاء: محاويج. ﴿فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت﴾ قال فيه، فأتى بالضمير مذكراً، لأن الإعصار مذكر من سائر أسماء الرياح، وارتفاع: نار، على الفاعلية بالجار قبله، أو: کائن فيه نار، وفي العطف بالفاء في قوله: فأصابها إعصار، دليل على أنها حين أزهت وحسنت للانتفاع بها أعقبها الإعصار. ﴿فاحترقت﴾ هذا فعل مطاوع لأحرق، كأنه قيل: فيه نار أحرقتها فاحترقت، كقولهم: أنصفته فانتصف، وأوقدته فاتقد. وهذه المطاوعة هي انفعال في المفعول يكون له قابلية للواقع به، فیتأثر له. (١) سورة البقرة: ٢٨/٢. (٢) سورة آل عمران: ١٦٨/٣. تفسير البحر المحيط ج٢ م٤٣ ٦٧٤ سورة البقرة / الآيات : ٢٦٧ - ٢٧٣ والنار التي في الإعصار هي السموم التي تكون فيها. وقال ابن مسعود: السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزأ من النار، يعني، نار الآخرة، وقد فسر أنها هلكت بالصاعقة. وقال الحسن، والضحاك. إعصار فيه نار، أي: ريح فيها صر برد. ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾ أي: مثل هذا البيان تصرف الأمثال المقربة الأشياء للذهن، يبين لكم العلامات التي يوصل بها إلى اتباع الحق. ﴿لعلكم تتفكرون﴾ أي: تعملون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا، وفيما هو باق لكم في الآخرة، فتزهدون في الدنيا، وترغبون في الآخرة. وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة وصنوف البلاغة أنواعاً: من الانتقال من الخصوص إلى العموم، ومن الإشارة، ومن التشبيه، ومن الحذف، ومن الاختصاص، ومن الأمثال، ومن المجاز. وكل هذا قد نبه عليه غضون تفسير هذه الآيات. يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اُلْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِوَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُوْ فِيهٍ وَأَعْلَمُوْأَنَّاللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدُ (٦) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَفْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ ج يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ٦٨ وَاللَّهُ يَعِدُ كُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرَاً وَمَا يَذَّ كَرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ٢٦٩ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُمْ مِّن نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّاهِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ مِنْ أَنصَارٍ ٢٧٠ ٧ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ◌َّيْسَ عَلَيْكَ هُدَ هُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءٌ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَ نْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اُللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَ لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْفِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ لَ ٦٧٥ سورة البقرة / الآيات : ٢٦٧ - ٢٧٣ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ وَ مَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمُ ٢٧٣ التميم: القصد يقال أمّ كردّ. وأمم كأخر، وتيمم بالتاء والياء، وتأمّم بالتاء والهمزة، وكلها بمعنى وقال الخليل أممته قصدت أمامه، ويممته قصدته من أي جهة كانت. الخبيث: الرديء وهو ضد الطيب اسم فاعل من خبث. الإغماض: التساهل يقال: أغمض في حقه تساهل فيه ورضي به، والإغماض تغميض العين، وهو كالإغضاء. وأغمض الرجل أتى غامضاً من الأمر، كما يقال: أعمن وأعرق وأنجد، أي: أتى عمان والعراق ونجداً، وأصل هذه الكلمة من الغموض وهو: الخفاء، غمض الشيء يغمض غموضاً: خفي، وإطباق الجفن إخفاء للعين، والغمض المتطامن الخفي من الأرض. الحميد: المحمود فعيل بمعنى مفعول، ولا ينقاس، وتقدّمت أقسام فعيل في أول هذه السورة. وتفسير الحمد في أوّل سورته. النذر: تقدّمت مادّته في قوله: ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾(١) وهو عقد الإنسان ضميره على فعل شيء والتزامه. وأصله من الخوف، والفعل منه. نذر ينذر وينذر، بضم الذال وكسرها، وكانت النذور من سيرة العرب يكثرون منها فيما يرجون وقوعه، وكانوا أيضاً ينذرون قتل أعدائهم كما قال الشاعر: الشاتمي عرضي، ولم أشتمهما والناذرين إذا لقيتهما دمي وأما على ما ينطلق شرعاً فسيأتى بيانه إن شاء الله. نعم: أصلها نعم، وهي مقابلة بئس، وأحكامها مذكورة في النحو، وتقدّم القول في: بئس، في قوله: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾(٢ . التعفف: تفعل من العفة، عف عن الشيء أمسك عنه، وتنزه عن طلبه، من عشق فعف فمات مات شهيداً. أي: كف عن محارم الله تعالى، وقال رؤبة بن العجاج: (١) سورة البقرة: ٦/٢. (٢) سورة البقرة: ٢ /٩٠. ٦٧٦ سورة البقرة / الآيات: ٢٦٧ - ٢٧٣ ولم يدعها بعد فرك وعشق فعف عن أسرارها بعد الغسق السيما: العلامة، ويمد ويقال: بالسيمياء، كالكيمياء. قال الشاعر: له سيمياء لا تشق على البصر غلام رماه الله بالحسن يافعاً وهو من الوسم، والسمة العلامة، جعلت فأوه مكان عينه، وعينه مكان فائه، وإذا مدّ: سيمياء، فالهمزة فيه للإلحاق لا للتأنيث. الإلحاف: الإلحاح واللجاج في السؤال، ويقال: ألحف وأحفى، واشتقاق: الإلحاف، من اللحاف، لأنه يشتمل على وجوه الطلب في كل حال، وقيل: مِن: ألحف الشيء إذا غطاه وعمه بالتغطية، ومنه اللحاف. ومنه قول أبن أحمر: ويلحفهنّ هفهافاً ثخينا يظل يحفهنّ بقفقفيه يصف ذكر النعام يحضن بيضاً بجناحيه، ويجعل جناحه كاللحاف. وقال الشاعر: يلحفون الأرض هذّاب الأزر ثم راحوا عبق المسك بهم أي: يجعلونها كاللحاف للأرض، أي يلبسونها إياها. وقيل: اشتقاقه من لحف الجبل لما فيه من الخشونة، وقيل: من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده . ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ تضافرت النصوص في الحديث على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم لما أمروا بالصدقة كانوا يأتون بالأقناء من التمر فيعلقونها في المسجد ليأكل منها المحاويج، فجاء بعض الصحابة بحشف، وفي بعض الطرق: بشيص، وفي بعضها: برديء، وهو يرى أن ذلك جائز، فنزلت. وهذا الخطاب بالأمر بالإنفاق عامّ لجميع هذه الأمّة. قال علي، وعبيدة السلماني، وابن سيرين: هي في الزكاة المفروضة، وأنه كما يجوز التطوّع بالقليل فله أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا للوجوب. والظاهر من قول البراء بن عازب، والحسن، وقتادة: أنها في التطوع، وهو الذي يدل عليه سبب النزول ندبوا إلى أن لا يتطوّعوا إلَّ بجيد مختار. ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما ذكر فضل النفقة في سبيل الله وحث عليها، ٦٧٧ سورة البقرة / الآيات : ٢٦٧ - ٢٧٣ وقبح المنة ونهى عنها، ثم ذكر القصد فيها من الرياء وابتغاء رضا الله، ذكر هنا وصف المنفق من المختار، وسواء كان الأمر للوجوب أو للندب. والأكثرون على أن: ﴿طيبات ما كسبتم﴾ هو الجيد المختار، وأن الخبيث هو الرديء. وقال ابن زيد: من طيبات، أي: الحلال والخبيث الحرام، وقال علي: هو الذهب والفضة. وقال مجاهد: هو أموال التجارة. قال ابن عطية: قوله ﴿من طيبات﴾ يحتمل أن لا يقصد به لا الحل ولا الجيد، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط، ثم دخل ذكر الطيب تبييناً لصفة حسنه في المكسوب عاماً، وتقريراً للنعمة. كما تقول: أطعمت فلاناً من مشبع الخبز، وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذه الجهة يعم الجودة، والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن من خبيث. انتهى كلامه. وظاهر قوله: ﴿ما كسبتم﴾ عموم كل ما حصل بكسب من الإنسان المنفق، وسعاية وتحصيل بتعب ببدن، أو بمقاولة في تجارة. وقيل: هو ما استقر عليه الملك من حادث أو قدیم، فیدخل فيه المال الموروث لأنه مکسوب للموروث عنه. الضمير في: كسبتم، إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين، وهو الظاهر. وقال الراغب: تخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان بما يكتسبه أضن به مما یرثه، فاذن الموروث معقول من فحواه. إنتهى. وهو حسن. و: مِنْ، للتبعيض، وهي في موضع المفعول، و: ما، في ﴿ما كسبتم﴾ موصولة والعائد محذوف، وجوز أن تكون مصدرية، فيحتاج أن يكون المصدر مؤولاً بالمفعول، تقديره: من طيبات كسبكم، أي: مكسوبكم. وظاهر الآية يدل على أن الأمر بالإنفاق عام في جميع أصناف الأموال الطيبة، مجمل في المقدار الواجب فيها، مفتقر إلى البيان بذكر المقادير، فيصح الإحتجاج بها في إيجاب الحق فيما وقع الخلاف فيه، نحو: أموال التجارة، وصدقة الخيل، وزكاة مال الصبي، والحلي المباح اللبس غير المعد للتجارة، والعروض، والغنم، والبقر المعلوفة، والدين، وغير ذلك مما اختلف فيه. ٦٧٨ سورة البقرة / الآيات: ٢٦٧ - ٢٧٣ وقال خويزمنداذ: في الآية دليل على جواز أكل الوالد من مال الولد، وذلك أن النبي ◌َّير قال: ((أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من مال أولادكم هنياً)) إنتهى. وروت عائشة عنه ويلر: ((أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه)). ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ يعني من أنواع الحبوب والثمار والمعادن والركاز، وفي قوله: أخرجنا لكم، امتنان وتنبيه على الإحسان التام كقوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾(١) والمراد: من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة ما قبله وما بعده عليه، وكرر حرف الجر على سبيل التوكيد، أو إشعاراً بتقدير عامل آخر، حتى يكون الأمر مرتین . وفي قوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ دلالة على وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض من قليل وكثير من سائر الأصناف لعموم الآية، إذ قلنا إن الأمر للوجوب، وبين العلماء خلاف في مسائل كثيرة مما أخرجت الأرض تذكر في كتب الفقه. ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ هذا مؤكد للأمر، إذ هو مفهوم من قوله: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ وفي هذا طباق بذكر الطيبات والخبيث. وقرأ البزي: ولا تيمموا، بتشديد التاء، أصله: تتيمموا، فأدغم التاء في التاء، وذلك في مواضع من القرآن، وقد حصرتها في قصيدتي في القراآت المسماة (عقدة اللآلىء) وذلك في أبيات وهي : ونور وفي المحنه بهم قد توصلا تولوا بأنفال وهود هما معا وفي القدر في الأحزاب لا أن تبدّلا تنزل في حجر وفي الشعرا معاً تكلم مع تيمموا قبلهن لا حصلا فتفرّق وصاحبتیھا تبرجن مع تناصرون تنازعوا تلقف أنى كان مع لتعارفوا بعمران لا تفرقوا بالنساء أتى انجلا له تخیرون توفاهم تکملا ن زد لا تعارفوا تميز تمنون مع ما بعد ظلتم تنزلا لدى الوصل حرف المدِّ مُدَّ وطَوِّلا تلهى تلقونه تلظى تربصو ثلاثين مع احدى وفي اللات خلفه وفي بدئه خفف، وإن كان قبلها (١) سورة البقرة: ٢٩/٢. ٦٧٩ سورة البقرة / الآيات : ٢٦٧ - ٢٧٣ وروي عن أبي ربيعة، عن البزي: تخفيف التاء كباقي القراء، وهذه التاآت منها ما قبله متحرك، نحو: ﴿فتفرّق بكم﴾(١) ﴿فإذا هي تلقف﴾(٢) ومنها ما قبله ساكن من حرف المد واللين نحو: ﴿ولا تيمموا﴾ ومنها ما قبله ساكن غير حرف مدّولين نحو: ﴿فإن تولوا﴾(٣) ﴿نارا تلظى﴾(٤) ﴿إذا تلقونه﴾(٥) ﴿هل تربصون﴾(٦) قال صاحب (الممتع): لا يجيز سيبويه إسكان هذه التاء في يتكلمون ونحوه، لأنها إذا سكنت احتيج لها ألف وصل، وألف الوصل لا تلحق الفعل المضارع، فإذا اتصلت بما قبلها جاز، لأنه لا يحتاج إلى همزة وصل. إلَّا أن مثل ﴿إن تولوا﴾(٣) و﴿إذا تلقونه﴾(٥) لا يجوز عند البصريين على حال لما في ذلك من الجمع بين الساکنین، ولیس الساكن الأول حرف مدّ ولین. إنتھی کلامه. وقراءة البزي ثابتة تلقتها الأمة بالقبول، وليس العلم محصوراً ولا مقصوراً على ما نقله وقاله البصریون، فلا تنظر إلى قولهم: إن هذا لا يجوز. وقرأ عبد الله: ولا تأمموا، من: أممت، أي: قصدت. وقرأ ابن عباس، والزهري، ومسلم بن جندب: تیمموا. وحكى الطبري أن في قراءة عبد الله ولا تأمّوا، من: أممت، أي: قصدت، والخبيث والطيب صفتان غالبتان لا يذكر معهما الموصوف إلاّ قليلا، ولذلك جاء: ﴿والطيبون للطيبات﴾ (٧) وجاء: ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٨) وقال ◌َله: ((أعوذ بالله من الخبث والخبائث)). و: منه،متعلق بقوله: تنفقون، والضمير في: منه، عائد على الخبيث. و: تنفقون، حال من الفاعل في: تيمموا، قيل: وهي حال مقدرة، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، لأن في الكلام ضميراً يعود عليه، وأجاز قوم أن يكون الكلام في قوله: الخبيث، ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث، فقال: تنفقون منه، وأنتم لا تأخذونه إلاّ إذا أغمضتم، أي تساهلتم، كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع، وفيه تنبيه (١) سورة الأنعام: ١٥٣/٦. (٢) سورة الأعراف: ١١٧/٧ والشعراء: ٤٥/٢٦. (٣) سورة آل عمران: ٣٢/٣. وهود: ٥٧/١١، والنور: ٥٤/٢٤. (٤) سورة الليل: ١٤/٩٢. (٥) سورة النور: ١٥/٢٤. (٦) سورة التوبة: ٥٢/٥٩. (٧) سورة النور: ٢٦/٢٤. (٨) سورة الأعراف: ١٥٧/٧. ٦٨٠ سورة البقرة / الآيات : ٢٦٧ - ٢٧٣ على أن المنهي عنه هو القصد للرديء من جملة ما في يده، فيخصه بالإنفاق في سبيل الله، وأما إنفاق الرديء لمن ليس له غيره، أو لمن لا يقصده، فغير منهي عنه. ﴿ولستم بآخذيه﴾. وقيل: هذه الجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: الواو للحال، فالجملة في موضع نصب. قال البراء، وابن عباس، والضحاك، وغيرهم: معناه: ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس، إلّ بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه، أي: فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم. وقال الحسن: المعنى: ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلاّ أن يهضم لكم منٍ ثمنه. ورُوي نحوه عن علي. وقال البراء أيضاً: معناه: ولستم بآخذيه لو أهدي لكم إلّ أن تغمضوا، أي: تستحوا من المهدي أن تقبلوا من ما لا حاجة لكم به، ولا قدر له في نفسه. وقال ابن زيد: ولستم بآخذي الحرام إلاّ أن تغمضوا في مكروهه. والظاهر عموم نفي الأخذ بأي طريق أخذ الخبيث، من أخذ حق، أو هبة. والهاء في : بآخذيه، عائدة على الخبيث، وهي مجرورة بالإضافة، وأن كانت من حيث المعنى مفعولة. قال بعض المعربين: والهاء في موضع نصب: بآخذين، والهاء والنون لا يجتمعان، لأن النون زائدة، وهاء الضمير زائدة ومتصلة كاتصال النون، فهي لا تجتمع مع المضمر المتصل. إنتهى كلامه. وهو قول الأخفش: أن التنوين والنون قد تسقطان للطافة الضمير لا للإضافة، وذلك في نحو: ضاربك، فالكاف ضمير نصب، ومذهب الجمهور أنه لا يسقط شيء منها للطاقة الضمير، وهذا مذكور في النحو. وقد أجاز هشام: ضاربنك، بالتنوين، ونصب الضمير، وقياسه جواز إثبات النون مع الضمير، ويمكن أن يستدل له بقوله : هم الفاعلون الخير والآمرونه وقوله : ولم يرتفق والناس محتضرونه ﴿الا أن تغمضوا فيه﴾ موضع أن نصب أو خفض عند من قدره إلاّ بأن تغمضوا، فحذف الحرف، إذ حذفه جائز مطرد، وقيل: نصب بتغمضوا، وهو موضع الحال، وقد :