النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ الَّهِ وَكُفْرَبِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أُكْبُ عِندَ اللَّهِ وَاُلْفِتْنَةُ أَكْبُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَايَزَالُونَ يُقَدِلُوتَّكُمْ حَتَّى يُرُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدُ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَوْأَتِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِهَا خَدِدُونَ (٢١٧ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَكِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ عَرِج تو (٢١٨ اُللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ حسب: بكسر السين: يحسب، بفتحها في المضارع وكسرها، من أخوات: ظن، في طلبها إسمين: هما في مشهور قول النحاة: مبتدأ وخبر، ومعناها نسبة الخبر عن المتيقن إلى المسند إليه، وقد يأتي في المتيقن قليلا، نحو قوله: حسبت التقى والجود خير تجارة رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً ومصدرها: الحسبان، ويأتي: حسب أيضاً بمعنى: أحمرٌ تقول: حسب الرجل يحسب، وهو أحسب، كما تقـاء: شقر فهو أشقر، ولحسب أحكام ذكرت في النحو. لما: الجازمة حرف، زعموا أنه مركب من: لم وما، ولها أحكام تخالف فيها: لم، منها: أنه يجوز حذف الفعل بعدها إذا دل على حذفه المعنى، وذلك في فصيح الكلام، ومنها: أنه يجب اتصال نفيها بالحال، ومنها: أنها لا تدخل على فعل شرط ولا فعل جزاء. زلزل: قلقل وحرّك، وهو رباعي عند المصريين: كدحرج، هذا النوع من الرباعي فيه خلاف للكوفيين والزجاج مذكور في النحو. ماذا: اذا أفردت كل واحدة منهما على حالها كانت: ما يراد بها الإستفهام، وذا: للإشارة، وإن دخل التجوّز فتكون: ذا، موصولة، لمعنى: الذي، والتي، وفروعها، وتبقى ما على أصلها من الاستفهام، فتفتقر: ذا، إذ ذاك إلى صلة، وتكون مركبة مع: ما، الاستفهامية، فيصير دلالة مجموعهما دلالة: ما، الاستفهامية لو انفردت، ولهذا قالت العرب: عن ماذا تسأل؟ باثبات ألف: ما، وقد دخل عليها حرف الجر وتكون مركبة مع : ٣٦٢ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ ما، الموصولة، أو: ما، النكرة الموصوفة، فتكون دلالة مجموعهما دلالة: ما الموصولة، أو الموصوفة، لو انفردت دون: ذا، والوجه الأخر هو عن الفارسي . الكره: بضم الكاف وفتحها، والكراهية والكراهة مصادر لکره، قاله الزجاج، بمعنى: أبغض، وقيل: الكُره بالضم ما كرهه الإنسان، والكره، بالفتح ما أكره عليه، وقيل: الكُره بالضم اسم المفعول، كالخبر، والنقض، بمعنى: المخبور والمنقوص، والگره بالفتح. المصدر. عسى: من أفعال المقاربة، وهي فعل، خلافاً لمن قال: هي حرف ولا تتصرف، ووزنها: فعل، فإذا أسندت إلى ضمیر متکلم أو مخاطب مرفوع، أو نون اناث، جاز كسر سينها ويضمر فيها للغيبة نحو: عسيا وعسوا، خلافاً للرماني، ذكر الخلاف عنه ابن زياد البغدادي، ولا يخص حذف: إن ، من المضارع بالشعر خلافاً لزاعم ذلك، ولها أحكام كثيرة ذكرت في علم النحو، وهي: في الرجاء تقع كثيراً، وفي الإشفاق قليلاً قال الراغب. الصدّ: ناحية الشعب والوادي المانع السالك، وصدّه عن كذا كأنما جعل بينه وبين ما يريده صدّاً يمنعه. إنتهى. ويقال: صدّ يصدّ صدوداً: أعرض، وكان قياسه للزومه: يصدّ بالكسر، وقد سمع فيه، وصدّه يصده صدّاً منعه، وتصدّى للشيء تعرض له، وأصله تصدّد، نحو: تظنى بمعنى تظنن، فوزنه تفعل، ويجوز أن تكون تفعلى نحو: يعلني، فتكون الألف واللام للإلحاق، وتكون من مضاعف اللام. زال: من أخوات كان، وهي التي مضارعها: يزال، وهي من ذوات الياء، ووزنها فعل بكسر العين، ويدل على أن عينها ياء ما حكاه الكسائي في مضارعها، وهو: يزيل، ولا تستعمل إلَّ منفية بحرف نفي، أو بليس، أو بغير أو: لا، لنهي أو دعاء. الحبوط: أصله الفساد، وحبوط العمل بطله، وحبط بطنه انتفخ، والحبطات قبيلة من بني تميم، والحبنطي: المنتفخ البطن. المهاجرة: انتقال من أرض إلى أرض، مفاعلة من الهجر، والمجاهدة مفاعلة من جهد، استخرج الجهد والإجتهاد، والتجاهد بذل الوسع، والمجهود والجهاد بالفتح : الأرض الصلبة. ﴿كان الناس أمّة واحدة﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن إصرار هؤلاء على كفرهم ٣٦٣ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ هو حب الدنيا، وأن ذلك ليس مختصاً بهذا الزمان الذي بعثت فيه، بل هذا أمر كان في الأزمنة المتقادمة، إذ كانوا على حق ثم اختلفوا بغياً وحسداً وتنازعاً في طلب الدنيا. والناس: القرون بين آدم ونوح وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا، فبعث الله نوحاً فمن بعده، قاله ابن عباس، وقتادة. أو: قوم نوح ومن في سفينته كانوا مسلمين، أو: آدم وحده، عن مجاهد، أو: هو وحواء، أو: بنو آدم حين أخرجهم من ظهره نسماً كانوا على الفطرة، قاله أبي وابن زيد، أو: آدم وبنوه كانوا على دين حق فاختلفوا من حين قتل قابيل هابيل، أو: بنو آدم من وقت موته إلى مبعث نوح كانوا كفاراً أمثال البهائم، قاله عكرمة، وقتادة. أو: قوم إبراهيم كانوا على دينه إلى أن غيره عمرو بن يحيى؛ أو: أهل الكتاب ممن آمن بموسى على نبينا وعليه السلام، أو: قوم نوح حين بعث إليهم كانوا كفاراً قاله ابن عباس، أو: الجنس كانوا أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع لا أمر عليهم ولا نهي. أو: صنفاً واحداً، فكان المراد: أن الکل من جوهر واحد، وأب واحد، ثم خصّ صنفاً من الناس ببعث الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم تكريماً لهم، قاله الماتريدي فهذه إثنا عشر قولاً في الناس. وأما في التوحيد فخمسة أقوال: أما في الإيمان، وأما في الكفر، وأما في الخلقة على الفطرة، وأما في الخلو عن الشرائع، وأما في كونهم من جوهر واحد. وهو الأب. وقد رجح كونهم أمة واحدة في الإيمان بقوله: ﴿فبعث الله﴾ وإنما بعثوا حين الاختلاف، ويؤكده قراءة عبد الله ﴿أمة واحدة﴾ فاختلفوا، وبقوله: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ فهذا يدل على أن الاتفاق كان حصل قبل البعث والإنزال، وبدلالة العقول، إذ النظر المستقيم يؤدي إلى الحق، ويكون آدم بعث إلى أولاده، وكانوا مسلمين، وبالولادة على الفطرة، وبأن أهل السفينة كانوا على الحق، وبإقرارهم في يوم الذر. ويظهر أن هذا القول هو الأرجح لقراءة عبد الله وللتصريح بهذا المحذوف في آية أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾(١) والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وتقدّم شرح: أمة في قوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾(٢). وفي قراءة أبي: كان البشر، إشارة إلى أنه لا يراد بالناس معهودون، ومن جعل (١) سورة يونس: ١٩/١٠. (٢) سورة البقرة: ١٢٨/٢. ٣٦٤ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ الإتحاد في الإيمان قدر، فاختلفوا فبعث الله، ومن جعل ذلك في الكفر لا يحتاج إلى هذا التقدير، إذ كانت بعثة النبيين إليهم، وأول الرسل على ما ورد في الصحيح في حديث انسفاعة: نوح على نبينا وعليه السلام، يقول الناس له: أنت أول الرسل، المعنى: إلى قوم كفار، لأن آدم قبله، وهو مرسل إلى بنيه يعلمهم الدين والإيمان. ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ أي: أرسل النبيين مبشرين بثواب من أطاع، ومنذرين بعقاب من عصى، وقدّم البشارة لأنها أبهج للنفس، وأقبل لما يلقى النبي، وفيها اطمئنان المكلف، والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة، ومنه. ﴿فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً﴾(١) وانتصاب: مبشرين ومنذرين، على الحال المقارنة. ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق﴾ معهم حال من الكتاب: وليس تعمل فيه أنزل، إذ كان يلزم مشاركتهم له في الإنزال، وليسوا متصفين، وهي حال مقدرة أي: وأنزل الكتاب مصاحباً لهم وقت الإنزال لم يكن مصاحباً لهم، لكنه انتهى إليهم. والكتاب: أما أن تكون أل فيه للجنس، وأما أن تكون للعهد على تأويل: معهم، بمعنى مع كل واحد منهم، أو على تأويل أن يراد به واحد معين من الكتب، وهو التوراة. قاله الطبري، أنزلت على موسى وحكم بها النبيون بعده، واعتمدوا عليها كالأسباط رغیرهم، ويضعف أن يكون مفرداً وضع موضع الجمع، وقد قیل به. ويحتمل: بالحق، أن يكون متعلقاً: بأنزل، أو بمعنى ما في الكتاب من معنى الفعل، لأنه يراد به المكتوب، أو بمحذوف، فيكون في موضع الحال من الكتاب، أي مصحوباً بالحق، وتكون حالاً مؤكدة لأن كتب الله المنزلة يصحبها الحق ولا يفارقها، وهذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿فبعث الله﴾. ولا يقال: إن البشارة والنذارة إنما يكونان بالأمر والنهي، وهما إنما يستفادان من إنزال الكتب فَلِمَ قدما على الإنزال مع أنهما ناشئان عنه؟ لأنه ذلك لا يلزم، لأن البشارة والنذارة قد يكونان ناشئين عن غير الكتب من وحي الله لنبيه دون أن يكون ذلك كتاباً يتلى ويكتب، ولو سلم ذلك لكان تقديمهما هو الأولى لأنهما حالان من النبيين. فناسب اتصالهما بهم، وإن كانا ناشئين عن إنزال الكتب. (١) سورة مريم: ٩٧/١٩. ٣٦٥ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ وقال القاضي: الوعد والوعيد من الأنبياء عليهم السلام قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من معرفة الله تعالى، وترك الظلم وغيرهما، انتهى كلامه. وما ذكر لا يظهر، لأن الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب ليسا مما يقضي بهما العقل وحده على جهة الوجوب، وإنما ذلك على سبيل الجواز، ثم أتى الشرع بهما، فصار ذلك الجائز في العقلِ واجباً بالشرع، وما كان بجهة الإمكان العقلي لا يتصف به النبي على سبيل الوجوب إلّ بعد الوحي قطعاً، فإذن يتقدّم الوحي بالوعد والوعيد على ظهور البشارة والنذارة ممن أوحى إليه قطفاً. قال القاضي: وظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلاّ ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق، طال ذلك الكتاب أو قصر، دوّن أو لم يدوّن، كان معجزاً أو لم يكن، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقضي شيئاً من ذلك. انتهى كلامه. ويحتمل أن يكون التجوّز في: أنزل، فيكون بمعنى: جعل، كقوله: ﴿وأنزلنا الحديد﴾(١). ولما كان الإنزال الكثير منهم نسب إلى الجميع، ويحتمل أن يكون التجوّز في الكتاب، فيكون بمعنى الموحى به، ولما كان كثيراً مما أوحي به بكتب، أطلق على الجميع الكتاب تسمية للمجموع باسم كثير من أجزائه . ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الللام لام العلة، ويتعلق بأنزل، والضمير في: ليحكم، عائد على الله في قوله: فبعث الله، وهو المضمر في: أنزل، وهذا هو الظاهر، والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس، وقيل: عائد على الكتاب أي: ليحكم الكتاب بين الناس، ونسبة الحكم إليه مجاز، كما أسند النطق إليه في قوله: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾(٢) وكما قال: وقضى عليك به الكتاب المنزل ضربت عليك العنكبوت نسيجها ولأن الكتاب هو أصل الحكم، فأسند إليه رداً للأصل، وهذا قول الجمهور، وأجاز الزمخشري أن يكون الفاعل: النبي، قال: ليحكم الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه، وإفراد الضمير يضعف ذلك على أنه يحتمل ما قاله، فيعود على أفراد الجمع، أي: ليحكم كل نبي بكتابه، ولا حاجة إلى هذا التكلف مع ظهور عود الضمير على الله تعالى، ويبين (١) سورة الحديد: ٥٧ /٢٥. (٢) سورة الجاثية: ٢٩/٤٥. ٣٦٦ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ عوده على الله تعالى قراءة الجحدري فيما ذكر مكي لنحكم، بالنون، وهو متعين عوده على الله تعالى، ويكون ذلك التفاتاً إذ خرج من ضمير الغائب في: أنزل، إلى ضمير المتكلم، وظن ابن عطية هذه القراءة تصحيفاً قال، ما معناه لأن مكياً لم يحكِ عن الجحدري قراءته التي نقل الناس عنه، وهي: ليحكم، على بناء الفعل للمفعول، ونقل مكي لنحكم بالنون . وفي القراءة التي نقل الناس من قوله: وليحكم، حذف الفاعل للعلم به، والأولى أن یکون الله تعالی . قالوا: ويحتمل أن يكون الكتاب أو النبيون. وهي ظرف مكان، وهو هنا مجاز، وانتصابه بقوله: ليحكم، وفيما، متعلق به أيضاً، و: فيه، الدين الذي اختلفوا فيه بعد الإتفاق .. قيل ويحتمل أن يكون الذي اختلفوا فيه محمد، ﴿، أو دينه، أو: هما، أو: كتابه. ﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم﴾ الضمير من قوله: وما اختلف فيه، يعود على ما عاد عليه في: فيه، الأولى، وقد تقدّم أنها عائدة على: ما، وشرح ما المعنى: بما، أهو الدين، أو محمد ◌ّ؟ أم دينه؟ أم هما؟ أم كتابه؟ والضمير في: أوتوه، عائد إذ ذاك على ما عاد عليه الضمير في : فيه، وقيل: الضمير في : فيه، عائد على الكتاب، وأوتوه عائد أيضاً على الكتاب، التقدير: وما اختلف في الكتاب إلَّ الذين أوتوه، أي: أوتوا الكتاب. وقال الزجاج: الضمير في: فيه، الثانية يجوز أن يعود على النبي ◌ََّ، أي: وما اختلف في النبي صل﴿ إلّ الذين أوتوه، أي: أوتوا علم نبوّته، فعلوا ذلك للبغي، وعلى هذا يكون الكتاب: التوراة، والذين أوتوه اليهود. وقيل: الضمير في: فيه، عائد على ما اختلفوا فيه من حكم التوراة والقبلة وغيرهما، وقيل: يعود الضمير في: فيه، على عيسى صلى الله على نبينا وعليه. وقال مقاتل: الضمير عائد على الدين، أي: وما اختلف في الدين. انتهى. والذي يظهر من سياق الكلام وحسن التركيب أن الضمائر كلها في: أوتوه وفيه الأولى والثانية، يعود على: ما، الموصولة في قوله: وما اختلفوا فيه، وأن الذين اختلفوا فيه ٣٦٧ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ مفهومه كل شيء اختلفوا فيه فمرجعه إلى الله، بينه بما نزل في الكتاب، أو إلى الكتاب إذ فيه جميع ما يحتاج إليه المكلف، أو إلى النبي يوضحه بالكتاب على الأقوال التي سبقت في الفاعل في قوله: ﴿لیحکم﴾. والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه على شناعة فعلهم، وقبيح ما فعلوه من الاختلاف، ولأن غيرهم تبع لهم في الاختلاف فهم أصل الشر، وأتى بلفظ: من، الدالة على ابتداء الغاية منبهاً على أن اختلافهم متصل بأول زمان مجيء البينات، لم يقع منهم اتفاق على شيء بعد المجيء، بل بنفس ما جاءتهم البينات اختلفوا، لم يتخلل بينهما فترة. والبينات: التوراة والإنجيل، فالذين أوتوه هم اليهود والنصارى، أو جميع الكتب المنزلة، فالذين أوتوه علماء كل ملة، أو ما في التوراة من صفة محمد بَير، والذين أوتوه اليهود، أو معجزات رسول الله والتر والذين أوتوه جميع الأمم، أو محمد بَّر والذين أوتوه من بعث إليهم. والذي يظهر أن البينات هي ما أوضحته الكتب المنزلة على أنبياء الأمم الموجبة الاتفاق وعدم الاختلاف، فجعلوا مجيء الآيات البينات سبباً لاختلافهم، وذلك أشنع عليهم، حيث رتبوا على الشيء خلاف مقتضاه. ثمّ بين أن ذلك الاختلاف الذي كان لا ينبغي أن يكون ليس لموجب ولا داع إلاّ مجرد البغي والظلم والتعدّي. وانتصاب: بغياً، على أنه مفعول من أجله، و: بينهم، في موضع الصفة له، فتعلق بمحذوف، أي: كائناً بينهم، وأبعد من قال: إنه مصدر في موضع الحال، أي: باغين، والمعنى: أن الحامل على الاختلاف هو البغي، وسبب هذا البغي حسدهم لرسول الله وليه على النبوّة، أو كتمهم صفته التي في التوراة، أو طلبهم الدنيا والرئاسة فيها أقوال: فالأولان: يختصان بمن يحضره رسول الله و عليه. من أهل الكتاب وغيرهم، والثالث: يكون لسائر الأمم المختلفين، وإنزال الكتب كان بعد وجود الاختلاف الأول، ولذلك قال: ﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ والاختلاف الثاني المعنيّ به ازدياد الاختلاف، أو ٣٦٨ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ ديمومة الاختلاف إذا فسرنا: أوتوه: بأوتوا الكتاب، فهذا الاختلاف يكون بعد إيتاء الكتاب، وقيل: بجحود ما فيه، وقيل: بتحريفه. وفي قوله: بغياً، إشارة إلى حصر العلة، فيبطل قول من قال: إن الاختلاف بعد إنزال الكتاب كان ليزل به الاختلاف الذي كان قبله. وفي قوله: البينات: دلالة على أن الدلائل العقلية المركبة في الطباع السليمة، والدلائل السمعية التي جاءت في الكتاب قد حصلا، ولا عذر في العدول والإعراض عن الحق لكن عارض هذا الدليل القطعي ما ركب فيهم من البغي والحسد والحرص على الاستیثار بالدنيا. إلاّ الذين أوتوه، استثناء مفرغ، وهو فاعل اختلف، و: من بعد ما جاءتهم، متعلق باختلف، وبغياً منصوب باختلف، هذا قول بعضهم، قال: ولا يمنع إلاّ من ذلك، كما تقول: ما قام زيد إلّ يوم الجمعة. انتهى كلامه. وهذا فيه نظر، وذلك أن المعنى على الاستثناء، والمفرغ في الفاعلِ، وفي المجرور، وفي المفعول من أجله، إذ المعنى: وما اختلف فيه إلاّ الذين أوتوه إلاّ من بعد ما جاءتهم البينات إلّ بغياً بينهم. فكل واحد من الثلاثة محصور. وإذا كان كذلك فقد صارت أداة الاستفهام مستثنى بها، شيئان دون الأول من غير عطف، وهو لا يجوز، وإنما جاز مع العطف لأن حرف العطف ينوي بعدها إلَّ، فصارت كالملفوظ بها، فإن جاء ما يوهم ذلك جعل على إضمار عامل، ولذلك تأولوا قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر﴾(١) على إضمار فعل التقدير: أرسلناهم بالبينات والزبر، ولم يجعلوا بالبينات متعلقاً بقوله: وما أرسلنا، لئلا يكون: إلّ، قد استثنى بها شيئان: أحدهما رجالاً، والآخر: بالبينات، من غير عطف. وقد منع أبو الحسن وأبو علي: ما أخذ أحد إلَّ زيد درهماً، وما: ضرب القوم إلاّ بعضهم بعضاً. واختلفا في تصحيحها، فصححها أبو الحسن بأن يقدّم على المرفوع الذي بعدها، فيقول: ما أخذ أحد زيد إلَّ درهماً، فيكون: زيد، بدلاً من أحد، ويكون: إلاّ، قد (١) سورة النحل: ٤٣/١٦ و٤٤. ٣٦٩ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ استثنى بها شيء واحد، وهو الدرهم. ويكون إلَّا درهماً إستثناء مفرغاً من المفعول الذي حذف، ويصير المعنى: ما أخذ زيد شيئاً إلاّ درهماً. وتصحيحها عند أبي علي بأن يزيد فيها منصوباً قبل إلَّ فيقول: ما أخذ أحد شيئاً إلاّ زيد درهما. و: ما ضرب القوم أحداً إلاّ بعضهم بعضاً، فيكون المرفوع بدلاً من المرفوع، والمنصوب بدلاً من المنصوب، هكذا خرجه بعضهم. قال ابن السراح: أعطيت الناس درهماً إلَّ عمراً جائز، ولا يجوز أعطيت الناس درهماً إلاّ عمر الدنانير، لأن الحرف لا يستثنى به إلاّ واحد، فإن قلت: ما أعطيت الناس درهماً إلاّ عمراً دانقاً، على الاستثناء، لم يجز، أو على البدل جاز، فتبدل عمراً من الناس، ودانقاً من درهم، كأنك قلت ما أعطيت إلاّ عمراً دانقاً. ويعني: أن يكون المعنى على الحصر في المفعولين. قال بعض أصحابنا: ما قاله ابن السراح فيه ضعف، لأن البدل في الاستثناء لا بد من اقترانه بإلاّ، فأشبه المعطوف بحرف، فكما لا يقع بعده معطوفان لا يقع بعد إلاّ بدلان. انتھی کلامه. وأجاز قوم أن يقع بعد إلّ مستثنيان دون عطف، والصحيح أنه لا يجوز، لأن إلَّ هي من حيث المعنى معدية، ولولا إلاّ لما جاز للاسم بعدها أن يتعلق بما قبلها، فهي : كواو مع وكالهمزة: التي جعلت للتعدية في بنية الفعل، فكما أنه لا تعدّى: واو مع ولا الهمزة لغير مطلوبها الأول إلَّ بحرف عطف، فكذلك إلَّ، وعلى هذا الذي مهدناه يتعلق: من بعد ما جاءهم البينات، وينتصب: بغياً، بعامل مضمر يدل عليه ما قبله، وتقديره: اختلفوا فيه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم. ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾ الذين آمنوا: هم من آمن بمحمد ◌َّل*، والضمير: فيما اختلفوا، عائد على الذين أوتوه، أي لما اختلف فيه من اختلف، ومن الحق تبيين المختلف فيه، و: من، تتعلق بمحذوف لأنها في موضع الحال من: ما، فتكون للتبعيض، ويجوز أن تكون لبيان الجنس على قول من يرى ذلك، التقدير: لما اختلفوا فيه الذي هو الحق. والأحسن أن يحمل المختلف فيه هنا على الدين والإسلام، ويدل عليه قراءة عبد الله: لما اختلفوا فيه من الإسلام. وقد حمل هذا المختلف فيه على غير هذا، وفي تعيينه خلاف: أهو الجمعة؟ جعلها تفسير البحر المحيط ج٢ م٢٤ :٠ ٣٧٠ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ اليهود السبت، والنصارى الأحد، وكانت فرضت عليهم كما فرضت علينا؟ وفي الصحيحين: ((نحن الأوّلون والآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم)). فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له قال يوم الجمعة، فاليوم لنا وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى. أو الصلاة؟ فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، فهدى الله تعالى المؤمنين إلى القبلة. قاله زيد بن أسلم. أو إبراهيم على نبينا وعليه السلام؟ قالت النصارى: كان نصرانياً، وقالت اليهود: كان يهودياً، فهدى الله المؤمنين لدينه بقوله: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً﴾(١) أو عيسى؟ على نبينا وعليه السلام، جعلته اليهود لعنة، وجعلته النصارى إلهاً فهدانا الله تعالى لقول الحق فيه، قاله ابن زيد. أو الكتب التي آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها؟ أو الصيام؟ اختلفوا فيه، فهدانا الله لشهر رمضان. فهذه ستة أقوال غير الأول. وقال الفراء: في الكلام قلب، وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، واختاره الطبري. قال ابن عطية: ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق، فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه غير الحق في نفسه، قال: وادّعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ووصفه لأن قوله: فهدى، يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله: فيه، وتبين بقوله: من الحق، جنس ما وقع الخلاف فيه. قال المهدوي: وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الخلاف. انتهى كلام ابن عطية، وهو حسن. والقلب عند أصحابنا يختص بضرورة الشعر فلا نخرج كلام الله عليه ... وبإذنه: معناه بعلمه، قاله الزجاج أو: بأمره، وتوفيقه، أو بتمكينه، أقوال مرت مشبعاً الكلام عليها، في قوله: ﴿فانه نزله على قلبك باذن الله﴾(٢) ويتعلق بإذنه بقوله: فهدى (١) سورة آل عمران: ٦٧/٣. (٢) سورة البقرة: ٩٧/٢. ٣٧١ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ مھے الله، وأبعد من أضمر له فعلاً مطاوعاً تقديره: فاهتدوا بإذنه، وهو قول أبي علي، إذ لا حاجة لهذا الإضمار. ﴿والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) في هذه الجملة وما قبلها دليل على أن هدى العبد إنما يكون من الله لمن يشاء له الهداية، ورد على المعتزلة في زعمهم أنه يستقل بهدى نفسه، وتكرّر اسم الله في قوله: والله، جاء على الطريقة الفصحى التي هي استقلال كل جملة، وذلك أولى من أن يفتقر بالإضمار إلى ما قبلها من مفسر ذلك المضمر، وقد تقدّم لذلك نظائر. وفي قوله: من يشاء، إشعار، بل دلالة، على أن هدايته تعالى منشؤها الإرادة فقط، لا وصف ذاتي في الذي يهديه يستحق به الهداية، بل ذلك مفدوق بإرادته تعالى فقط ﴿لا يسأل عما يفعل﴾(١). ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصاب من الجهد وشدّة الخوف والبرد وأنواع الأذى، كما قال تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾(٢) قاله قتادة، والسدي. أو في حرب أحد، قتل فيها جماعة من المسلمين، وجرت شدائد حتى قال عبد الله بن أبي وأصحابه: إلى متى تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم؟ لو كان محمد نبياً لما سلط عليكم القتل والأسر، فقالوا: لا جرم من قتل منا دخل الجنة. فقال: إلى متى تسألون أنفسكم بالباطل؟ أو: في أوّل ما هاجروا إلى المدينة، دخلوها بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، رضي الله تعالى عنهم، فأظهرت اليهود العداوة، وأسرّ قوم النفاق. قاله عطاء. قيل: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال: يهدي من يشاء، والمراد إلى الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة، فبين أن ذلك لا يتم إلاّ باحتمال الشدائد والتكليف، أو: لما بين أنه هداهم، بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق، فكذا أنتم، أصحاب محمد، لا تستحقون الفضيلة في الدين إلاّ بتحمل هذه المحن. و: أم، هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة فتتضمن أضراباً، وهو انتقال من كلام إلى (١) سورة الأنبياء: ٢١/٢٣. (٢) سورة الأحزاب: ١٠/٣٣. . ٣٧٢ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ كلام، ويدل على استفهام لكنه استفهام تقرير، وهي التي عبر عنها أبو محمد بن عطية: بأن أم قد تجيء ابتداء كلام، وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة، ألف استفهام. فقوله: قد تجيء ابتداء كلام ليس كما ذكر، لأنها تتقدّر، ببل والهمزة، فكما أن: بل، لا بد أن يتقدّمها كلام حتى يصير في حيز عطف الجمل، فكذلك ما تضمن معناه. وزعم بعض اللغويين أنها تأتي بمنزلة همزة الإستفهام، ويبتدأ بها، فهذا يقتضي أن يكون التقدير: أحسبتم؟ وقال الزجاج: بمعنى بل، قال: وصورتها، أم أنت في العين أملح؟ بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ورام بعض المفسرين أن يجعلها متصلة، ويجعل قبلها جملة مقدرة تصير بتقديرها أم متصلة، فتقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم؟ أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبیلھم؟ فتلخص في أم هنا أربعة أقوال: الانقطاع على انها بمعنى بل والهمزة، والاتصال: على إضمار جملة قبلها، والاستفهام بمعنى الهمزة، والإضراب بمعنى بل؛ والصحيح هو القول الأوّل. ومفعولا: حسبتم، سدّت أن مسدّهما على مذهب سيبويه، وأما أبو الحسن فسدت عنده مسد المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف، وقد تقدم هذا المعنى في قوله: (١) . ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهـ ﴿ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ الجملة حال، التقدير: غير آتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم، أي: إن دخول الجنة لا بد أن يكون على ابتلاء شدائد، وصبر على ما ينال من أذى الكفار، والفقر والمجاهدة في سبيل الله، وليس ذلك على مجرد الإيمان فقط بل، سبيلكم في ذلك سبيل من تقدمكم من اتباع الرسل. خاطب بذلك الله تعالى عباده المؤمنين، ملتفتاً إليهم على سبيل التشجيع والثبيت لهم، وإعلاماً لهم أنه لا يضر كون أعدائكم لا يوافقون، فقد اختلفت الأمم على أنبيائها، وصبروا، حتى آتاهم النصر. (١) سورة البقرة: ٤٦/٢. ٣٧٣ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ و: لما، أبلغ في النفي من: لم، لأنها تدل على نفي الفعل متصلاً بزمان الحال، فهي لنفي التوقع. والمثل: الشبه، إلَّ أنه مستعار لحال غريبة، أو قضية عجيبة لها شأن، وهو على حذف مضاف، التقدير: مثل محنة الذين خلوا من قبلكم وعلى حذف موصوف تقديره: المؤمنین . والذين خلوا من قبلكم، متعلق بخلوا، وهو كأنه توكيد، لأن الذين خلوا يقتضي التقدم . ﴿مستهم البأساء والضراء﴾ هذه الجملة تفسير للمثل وتبيين له، فليس لها موضع من الإعراب، وكأن قائلاً قال: ما ذلك المثل؟ فقيل: مستهم البأساء والضراء. والمسّ هنا معناه: الإصابة، وهو حقيقة في المسّ باليد، فهو هنا مجاز. وأجاز أبو البقاء أن تكون الجملة من قولهم: مستهم، في موضع الحال على إضمار قد، وفيه بعد، وتكون الحال إذ ذاك من ضمير الفاعل في: خلوا. وتقدّم شرح: البأساء والضراء، في قوله تعالى: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ (١) ﴿وزلزلوا﴾ أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بالزلزلة، وبني الفعل للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، أي: وزلزلهم أعداؤهم. ﴿حتى يقول الرسول﴾ قرأ الأعمش: وزلوا، و: يقول الرسول، بالواو بدل: حتى، وفي مصحف عبد الله: وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول. وقرأ الجمهور: حتى، والفعل بعدها منصوب إما على الغاية، وإما على التعليل، أي: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، أو: وزلزلوا كي يقول الرسول، والمعنى الأول أظهر، لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين. وقرأ نافع برفع، يقول: بعد حتى، وإذا كان المضارع بعد حتى فعل حال فلا يخلو أن يكون حالاً في حين الإخبار، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وإما أن يكون حالاً قد مضت، فيحكيها على ما وقعت، فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين، والمراد به هنا المضي، فيكون حالاً محكية، إذ المعنى: وزلزلوا فقال الرسول، وقد تكلمنا على مسائل: (١) سورة البقرة: ١٧٧/٢. ٣٧٤ . جيبي ٦ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ حتى، في كتاب (التكميل) وأشبعنا الكلام عليها هناك، وتقدّم الكلام عليها في هذا الكتاب. ﴿والذين آمنوا معه﴾ يحتمل معه أن يكون منصوباً بيقول، ويحتمل أن يكون منصوباً بآمنوا. ﴿متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ متى: سؤال عن الوقت، فقيل: ذلك على سبيل الدعاء لله تعالى، والاستعلام لوقت النصر، فأجابهم الله تعالى فقال: ألا إن نصر الله قريب، وقيل: ذلك على سبيل الاستبطاء، إذ ما حصل لهم من الشدّة والابتلاء والزلزال هو الغاية القصوى، وتناهى ذلك وتمادى بالمؤمنين إلى أن نطقوا بهذا الكلام، فقيل: ذلك لهم إجابة لهم إلى طلبهم من تعجيل النصر، والذي يقتضيه النظر أن تكون الجملتان داخلتين تحت القول، وأن الجملة الأولى من قول المؤمنين، قالوا ذلك استبطاءً للنصر وضجراً مما نالهم من الشدّة، والجملة الثانية من قول رسولهم إجابة لهم وإعلاماً بقرب النصر، فتعود كل جملة لمن يناسبها، وصح نسبة المجموع للمجموع لا نسبة المجموع لكل نوع من القائلین. وتقدّم نظير هذا في بعض التخاريج لقوله تعالى: ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾(١) وإن قوله: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من قول إبليس، وإن قوله: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك من قول الملائكة عن إبليس، وكان الجواب ذلك لما انتظم إبليس في الخطاب مع الملائكة في قوله: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾(٢). وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، وقدم قول المؤمنين لتقدمه في الزمان. قال ابن عطية وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. انتهى. وقوله حسن، إذ التقديم والتأخير مما يختصان بالضرورة. وفي قوله: والذين آمنوا، تفخيم لشأنهم حيث صرح بهم ظاهراً بهذا الوصف (١) سورة البقرة: ٣٠/٢. (٢) سورة البقرة: ٣٠/٢. ٠ ٣٧٥ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ الشريف الذي هو الإيمان، ولم يأت، حتى يقول الرسول وهم، وهذا يدل على حذف ذلك الموصوف الذي قدرناه قبل مثل محنة المؤمنين الذين خلوا. قال ابن عطية: وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول، والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر، لا على شك ولا ارتياب، والرسول اسم الجنس، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول. انتهى كلامه. واللائق بأحوال الرسل هو القول الذي ذكرنا أنه يقتضيه النظر، والرسول كما ذكر ابن عطية اسم الجنس لا واحد بعينه، وقيل: هو اليسع، وقيل: هو شعيباً، وعلى هذا يكون الذين خلوا قوماً بأعيانهم، وهم أتباع هؤلاء الرسل. وحكى بعض المفسرين أن الرسول هنا هو محمد صل#، وأن: الزلزلة، هنا مضافة لأمته، ولا يدل على ما ذكر سياق الكلام، وعلى هذا القول قال بعضهم، وفي هذا الكلام إجمال، وتفصيله أن أتباع محمد نَّه قالوا: متى نصر الله؟ فقال الرسول: ألا إن نصر الله قريب. فتلخص من هذه النقول أن مجموع الجملتين من كلام الرسول والمؤمنين على سبيل التفصيل، أو على سبيل أن: الرسول والمؤمنون قال كل منهما الجملتين، فكأنهم قالوا: قد صبرنا ثقة بوعدك، أو: على أن الجملة الأولى من كلام الرسول والمؤمنين، والثانية من كلام الله تعالى. ولما كان السؤال بمتى يشير إلى استعلام القرب، تضمن الجواب القرب، وظاهر هذا الإخبار أن قرب النصر هو: ينصرون في الدنيا على أعدائهم ويظفرون بهم، كقوله تعالى: ﴿جاءهم نصرنا﴾(١) و﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾(٢). وقال ابن عباس: النصر في الآخرة لأن المؤمن لا ينفك عن الابتلاء، ومتى انقضى حرب جاءه آخر، فلا يزال في جهاد العدو، والأمر بالمعروف، وجهاد النفس إلى الموت. وفي وصف أحوال هؤلاء الذين خلوا ما يدل على أنا يجري لنا ما جرى لهم، فنتأسى بهم، وننتظر الفرج من الله والنصر، فإنهم أجيبوا لذلك قريباً . (١) سورة يوسف: ١٢ /١١. (٢) سورة النصر: ١/١١٠. ٣٧٦ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ ويسئلونك ماذا ينفقون﴾ نزلت في عمرو بن الجموح، كان شيخاً كبيراً ذا مال كثير، سأل بماذا أتصدق؟ وعلى من أنفق؟ قاله أبو صالح عن ابن عباس. وفي رواية عطاء نزلت في رجل قال: إن لي ديناراً. قال النبي وَلجر: ((أنفقه على نفسك)) فقال إن لي دينارين: فقال: ((أنفقهما على أهلك)) فقال: إن لي ثلاثة. فقال: ((انفقها على خادمك)) فقال: إن لي أربعة. فقال: ((انفقها على والديك)). فقال إن لي خمسة. فقال: ((انفقها على قرابتك)). فقال: إن لي ستة. فقال: ((انفقها في سبيل الله، وهو أحسنها)). وينبغي أن يفهم من هذا الترقي على معنى أن ما أخبر به فاضل عما قبله، وقال الحسن: هي في التطوع، وقال السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة . قال ابن عطية: وَهَمَ المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة. ثم نسخ منها الوالدان انتهى؛ وقد قال: قدم بهذا القول، وهي أنها في الزكاة المفروضة، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين، وقال ابن جريج: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الصبر على النفقة وبذل المال هو من أعظم ما تحلى به المؤمن، وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة، حتى لقد ورد: الصدقة تطفىء غضب الرب. والضمير المرفوع في: يسألونك، للمؤمنين، والكاف لخطاب النبي ◌َّر، و: ماذا، يحتمل هنا النصب والرفع، فالنصب على أن: ماذا، كلها استفهام، كأنه قال: أي شيء ينفقون؟ فماذا منصوب بينفقون، والرفع على أن: ما. وحدها هي الاستفهام، وذا موصولة بمعنى الذي، وينفقون صلة لذا، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي ينفقون به؟ فتكون: ما، مرفوعة بالابتداء، وذا بمعنى الذي خبره، وعلى كلا الإعرابين فيسألونك معلق، فهو عامل في المعنى دون اللفظ، وهو في موضع المفعول الثاني ليسألونك، ونظيره ما تقدم من قوله: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾(١) على ما شرحناه هناك. و: ماذا، سؤال عن المنفق، لا عن المصرف وكأن في الكلام حذفاً تقديره: ولمن يعطونه؟ ونظير الآية في السؤال والتعليق. قول الشاعر: (١) سورة البقرة: ٢١١/٢. سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ ٣٧٧ ألا تسألان المرء ماذا يحاول إلَّ أن: ماذا، هنا مبتدأ، وخبر، ولا يجوز أن يكون مفعولاً بيحاول، لأن بعده: أنحبُ فيقضی، أم ضلال وباطل ويضعف أن يكون: ماذا كله مبتدأ، و: يحاول، الخبر لضعف حذف العائد المنصوب من خبر المبتدأ دون الصلة، فإن حذفه منها فصيح، وذكر ابن عطية: أن: ماذا، إذا كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب، إلاّ ما جاء من قول الشاعر: وماذا عسى الواشون أن يتحدَّثوا سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق فإن عسى لا تعمل في: ماذا، في موضع رفع، وهو مركب إذ لا صلة لذا. انتهى. وإنما لم يكن: لذا، في البيت صلة لأن عسى لا تقع صلة للموصول الإسمي، فلا يجوز لذا أن تكون بمعنى الذي، وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسماً مركبة فهي في موضع نصب، إلاّ، في ذلك البيت لا نعرفه، بل يجوز أن نقول: ماذا محبوب لك؟ و: من ذا قائم؟ على تقدير التركيب، فكأنك قلت: ما محبوب؟ ومن قائم؟ ولا فرق بين هذا وبين من ذا تضربه؟ على تقديره: من تضربه؟ وجعل: من، مبتدأ. ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ هذا بيان لمصرف ما ينفقونه، وقد تضمن المسؤول عنه، وهو المنفق بقوله: من خير، ويحتمل أن يكون ماذا سؤالاً عن المصرف على حذف مضاف، التقدير مصرف ماذا ينفقون؟ أي: يجعلون إنفاقهم؟ فيكون الجواب إذ ذاك مطابقاً، ويحتمل أن يكون حذف من الأول الذي هو السؤال المصرف، ومن الثاني الذي هو الجواب ذكر المنفق، وكلاهما مراد، وإن كان محذوفاً، وهو نوع من البلاغة تقدّم نظيره في قوله: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾(١) . وقال الزمخشري: قد تضمن قوله تعالى: ﴿ما أنفقتم من خير﴾ بيان ما ينفقونه، وهو كل خير، وبني الكلام على هواهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتدّ بها إلاّ أن تقع موقعها، كقول الشاعر: (١) سورة البقرة: ١٧١/٢. ٣٧٨ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ حتى يصاب بها طريق المصنع ان الصنيعة لا تكون صنيعة انتھی کلامه، وهو لا بأس به و﴿من خير﴾ يتناول القليل والكثير. وبدأ في المصرف بالأقرب فالأقرب، ثم بالأحوج فالأحوج، وقد مرّ الكلام في شيء من هذا الترتيب وشبهه، وقد استدل بهذه الآية على وجوب نفقة الوالدين والأقربين على الواجد، وحمل بعضهم الآية على أنها في الوالدين إذا كانا فقيرين، وهو غني . ﴿وما تفعلوا من خير فان الله به عليم) ما: في الموضعين شرطية منصوبة بالفعل بعدها، ويجوز أن تكون: ما، من قوله: ﴿قل ما أنفقتم﴾ موصولاً، وأنفقتم، صلة، و: للوالدين، خبر، فالجار والمجرور في موضع المفرد، أو في موضع الجملة على الخلاف الذي في الجار والمجرور الواقع خبراً، أو هو معمول لمفرد، أو لجملة. وإذا كانت: ما، في: ما أنفقتم، شرطية، فهذا الجار والمجرور في موضع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو أو فمصرفه للوالدين. وقرأ عليّ بن أبي طالب: وما يفعلوا، بالياء، فيكون ذلك من باب الالتفات، أو من باب ما أضمر لدلالة المعنى عليه، أي: وما يفعل الناس، فيكون أعم من المخاطبين قبل، إذ يشملهم وغيرهم، وفي قوله: من خير، في الإنفاق يدل على طيب المنفق، وكونه حلالاً، لأن الخبيث منهي عنه بقوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾(١) وما ورد من أن الله طيب لا يقبل إلاّ الطيب، ولأن الحرام لا يقال فيه خير. وقوله: من خير في قوله: وما تفعلوا، هو أعم: من، خير، المراد به المال، لأنه ما يتعلق به هو الفعل، والفعل أعم من الإنفاق، فيدخل الإنفاق في الفعل، فخير، هنا هو الذي يقابل الشر، والمعنى: وما تفعلوا من شيء من وجوه البر والطاعات وجعل بعضهم هنا: وما تفعلوا، راجعاً إلى معنى الإنفاق، أي: وما تفعلوا من إنفاق خير، فيكون الأول بياناً للمصرف، وهذا بيان للمجازاة، والأوْلى العموم، لأنه يشمل إنفاق المال وغيره، ويترجح بحمل اللفظ على ظاهره من العموم. ولما كان أولاً السؤال عن خاص، أجيبوا بخاص، ثم أتى بعد ذلك الخاص التعميم في أفعال الخير، وذكر المجازاة على فعلها، وفي قوله: ﴿فإن الله به عليم﴾ دلالة على المجازاة، لأنه إذا كان عالماً به جازى عليه، فهي جملة خبرية، وتتضمن الوعد بالمجازاة. (١) سورة البقرة: ٢٦٧/٢. م. ٣٧٩ سورة البقرة / الآيات : ٢١٣ - ٢١٨ ﴿كتب عليكم القتال﴾ قال ابن عباس: لما فرض الله الجهاد على المسلمين، شق عليهم، وكرهوا، فنزلت هذه الآية. وظاهر قوله: كتب، أنه فرض على الأعيان، كقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾(١) ﴿كتب عليكم القصاص﴾(٢) ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ (٣) وبه قال عطاء، قال: فرض القتال على أعيان أصحاب محمد صل، فلما استقرّ الشرع، وقيم به، صار على الكفاية . وقال الجمهور: أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين، ثم استمرّ الإجماع على أنه فرض كفاية إلى أن نزل بساحة الإسلام، فيكون فرض عين. وحكى المهدوي، وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد تطوّع، ويحمل على سؤال سائل، وقد قيم بالجهاد، فأجيب بأنه في حقه تطوّع. وقرأ الجمهور: كتب، مبنياً للمفعول على النمط الذي تقدّم قبل هذا من لفظ: كتب، وقرأ قوم: كتب مبنياً للفاعل، وبنصب القتال، والفاعل ضمير في كتب يعود على اسم الله تعالى . ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه: لما ذكر ما مس من تقدمنا من اتباع الرسل من البلايا، وأن دخول الجنة معروف بالصبر على ما يبتلى به المكلف، ثم ذكر الإنفاق على من ذكر، فهو جهاد النفس بالمال، انتقل إلى أعلى منه وهو الجهاد الذي يستقيم به الدين، وفيه الصبر على بذل المال والنفس. ﴿وهو كره لكم﴾ أي مكروه، فهو من باب النقض بمنى المنقوض، أو ذو كره إذا أريد به المصدر، فهو على حذف مضاف، أو لمبالغة الناس في كراهة القتال، جعل نفس الكراهة. والظاهر عود: هو، على القتال، ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من: كتب، أي: وكتبه وفرضه شاق عليكم، والجملة حال، أي: وهو مكروه لكم بالطبيعة، أو مكروه قبل ورود الأمر. وقرأ السلمي: كره بفتح الكاف، وقد تقدّم ذكر مدلول الكره في الكلام على المفردات. (١) سورة البقرة: ١٨٣/٢. (٢) سورة البقرة: ١٧٨/٢. (٣) سورة النساء: ١٠٣/٤. ٣٨٠ سورة البقرة / الآيات: ٢١٣ - ٢١٨ وقال الزمخشري في توجيه قراءة السلمي: يجوز أن يكون بمعنى المضموم: كالضعف والضعف، تريد المصدر، قال: ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدّة كراهته له ومشقته عليهم، ومنه قوله تعالى: ﴿حملته أمه كرهاً ووضعته کرها﴾(١). انتهى كلامه. وكون كره بمعنى الإكراه، وهو أن يكون الثلاثي مصدراً للرباعي هو لا ينقاس، فإن روي استعمال عن العرب استعملناه. ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾. عسى هنا للاشفاق لا للترجي، ومجيئها للإشفاق قليل، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر، ولو كانت ناقصة لكانت مثل قوله تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا﴾(٢) فقوله: أن تكرهوا، في موضع رفع بعسى، وزعم الحوفي في أنه في موضع نصب، ولا يمكن إلّا بتكلف بعيد، واندرج في قوله: شيئاً القتال، لأنه مكروه بالطبع لما فيه من التعرض للأسر والقتل، وإفناء الأبدان، وإتلاف الأموال. والخير الذي فيه هو الظفر. والغنيمة بالاستيلاء على النفوس، والأموال أسراً وقتلًاً ونهباً وفتحاً، وأعظمها الشهادة وهي الحالة التي تمناها رسول الله وَالقر مراراً. والجملة من قوله: وهو خير لكم، حال من قوله: شيئاً، وهو نكرة، والحال من النكرة أقل من الحال من المعرفة، وجوّزوا أن تكون الجملة في موضع الصفة، قالوا: وساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هنا كصورتها، إذ كانت حالاً. انتهى. وهو ضعيف، لأن الواو في النعوت إنما تكون للعطف في نحو: مررت برجل عالم وكريم، وهنا لم يتقدم ما يعطف عليه، ودعوى زيادة الواو بعيدة، فلا يجوز أن تقع الجملة صفة. ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ عسى هنا للترجي، ومجيئها له هو الكثير في لسان العرب، وقالوا: كل عسى في القرآن للتحقيق، يعنون به الوقوع إلاّ قوله تعالى: ﴿عسى ربه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً﴾(٣). واندرج في قوله: شيئاً، الخلود إلى الراحة وترك القتال، لأن ذلك محبوب بالطبع لما في ذلك من ضد ما قد يتوقع من الشر في القتال، والشر الذي فيه هو ذلهم، وضعف أمرهم، واستئصال شأفتهم، وسبي ذراريهم، ونهب أموالهم، وملك بلادهم. (١) سورة الأحقاف: ٤٦ /١٥. (٢) سورة البقرة: ٢٤٦/٢. (٣) سورة التحريم: ٥/٦٦.