النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ في الصبر من الشديد إلى أشد، فذكر أولاً الصبر على الفقر، ثم الصبر على المرض وهو أشد من الفقر، ثم الصبر على القتال وهو أشد من الفقر والمرض. قال الراغب: استوعب أنواع الصبر لأنه إما أن يكون فيما يحتاج إليه من القوت فلا يناله، وهو: البأساء، أو فيما ينال جسمه من ألم وسقم، وهو: الضراء في مدافعة مؤذية، وهو: البأساء. انتهى كلامه. وعدّى الصابرين إلى البأساء والضراء بفي لأنه لا يمدح الإنسان على ذلك إلاّ إذا صار له الفقر والمرض كالظرف، وأما الفقر وقتاً ما، أو المرض وقتاً ما، فلا يكاد يمدح الإنسان بالصبر على ذلك لأن ذلك قلَّ أن يخلو منه أحد. وأما القتال فعدّى الصابرين إلى ظرف زمانه لأنها حالة لا تكاد تدوم، وفيها الزمان الطويل في أغلب أحوال القتال، فلم تكن حالة القتال تعدى إليها بفي المقتضية للظرفية الحسية التي نزل المعنى المعقول فيها، كالجرم المحسوس، وعطف هذه الصفات في هذه الآية بالواو يدل على أن من شرائط البر استكمالها وجمعها، فمن قام بواحدة منها لم يوصف بالبر، ولذلك خص بعض العلماء هذا بالانبياء عليهم السلام، قال: لأن غيرهم لا يجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقد تقدم الكلام على ذلك. ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ أشار: بأولئك، إلى الذين جمعوا تلك الأوصاف الجلية، من الاتصاف بالإيمان وما بعده، وقد تقدم لنا أن اسم الإشارة يؤتى به لهذا المعنى، أي: يشار به إلى من جمع عدة أوصاف سابقة، كقوله: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾(١) والصدق هنا يحتمل أن يراد به الصدق في الأقوال فيكون مقابل الكذب والمعنى: أنهم يطابق أقوالهم ما انطوت عليه قلوبهم من الإيمان والخبر فإذا أخبروا بشيء كان صدقاً لا يتطرق إليه الكذب، ومنه: ((لا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صادقاً، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذاباً)). ويحتمل أن يراد بالصدق: الصدق في الأحوال، وهو مقابل الرياء أي: أخلصوا أعمالهم لله تعالى دون رياء ولا سمعة، بل قصدوا وجه الله تعالى، وكانوا عند الظن بهم، - (١) سورة البقرة: ٥/٢. ١٤٢ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ كما تقول: صدقني الرمح، أي: وجدته عند اختباره كما اختار وكما اظن به، والتقوى هنا اتقاء عذاب الله بتجنب معاصيه، وامتثال طاعته. وتنوع هنا الخبر عن أولئك، فأخبر عن أولئك الأول: بالذين صدقوا، وهو مفصول بالفعل الماضي لتحقق اتصافهم به، وأن ذلك قد وقع منهم وثبت واستقر، واخبر عن أولئك الثاني: بموصول صلته اسم الفاعل ليدل على الثبوت، وأن ذلك وصف لهم لا يتجدد، بل صار سجية لهم ووصفاً لازماً، ولكونه أيضاً وقع فاصلة آية، لأنه لو كان فعلاً ماضياً لما كان يقع فاصلة. ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾: روى البخاري عن ابن عباس قال: كان في بني اسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية. فقال الله تعالى هذه الآية. وقال قتادة والشعبي: نزلت في قوم من العرب أعزة أقوياء لا يقتلون بالعبد منهم إلاّ سيداً، ولا بالمرأة إلاّ رجلاً. وقال السدي، وأبو مالك: نزلت في فريقين قُتِل أحدهما مسلم، والآخر كافر معاهد، كان بينهما على عهد رسول اللّه ◌َل﴿ل قتال، فقُتِل من كلا الفريقين جماعة من رجال ونساء وعبيد، فنزلت، فجعل رسول الله وَير دية الرجل قصاصاً بدية الرجل، ودية المرأة قصاصاً بدية المرأة، ودية العبد قصاصاً بدية العبد. ثم أصلح بينهما. وقيل: نزلت في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام، وكان بينهما قتلى وجراحات لم يأخذ بعضهم من بعض. قال ابن جبير: هما الأوس والخزرج. وقال مقاتل بن حبان: هما قريظة والنضير، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الاخرى في الكثرة والشرف، وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور، وأقسموا ليقتلن بالعبد الحر، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، وكذلك كانوا يعاملونهم في الجاهلية، فرفعوا أمرهم إلى رسول الله وَّر، فنزلت، وأمرهم بالمساواة فرضوا، وفي ذلك قال قائلهم: هم قتلوا فيكم مظنة واحد ثمانية ثم استمروا فأربعوا وروي أن بعض غني قتل شأس بن زهير، فجمع عليهم أبوه زهير بن خزيمة فقالوا له، وقال له بعض من يذب عنهم: سل في قتل شأس، فقال: إحدى ثلاث لا يرضيني غيرهنّ، فقالوا: ما هنّ؟ فقال: تحيون شأساً، أو تملؤون داري من نجوم السماء، أو تدفعون لي غنياً بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً. ١٤٣ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما حلل ما حلل قبل، وحرّم ما حرّم، ثم اتبع بذكر من أخذ مالاً من غير وجهه، وأنه ما يأكل في بطنه إلّ النار، واقتضى ذلك انتظام جميع المحرمات من الأموال، ثم أعقب ذلك بذكر من اتصف بالبر، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ يذكر تحريم الدماء، ويستدعي حفظها وصونها، فنبه بمشروعية القصاص على تحريمها، ونبه على جواز أخذ مال بسببها، وأنه ليس من المال الذي يؤخذ من غير وجهه، وكان تقديم تبيين ما أحل الله وما حرم من المأكول على تبيين مشروعية القصاص لعموم البلوى بالمأكول، لأن به قوام البنية، وحفظ صورة الإنسان. ثم ذكر حكم متلف تلك الصورة، لأن من كان مؤمناً يندر منه وقوع القتل، فهو بالنسبة لمن اتصف بالأوصاف السابقة بعيد منه وقوع ذلك، وكان ذكر تقديم ما تعم به البلوى أعم، ونبه أيضاً على أنه، وإن عرض مثل هذا الأمر الفظيع لمن اتصف بالبر، فليس ذلك مخرجاً له عن البر، ولا عن الإيمان، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾. وأصل الكتابة: الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات، أي: فرض وأثبت، لأن ما کتب جدیر بثبوته وبقائه. وقيل: هو على حقيقته، وهو إخبار عن ما كتب في اللوح المحفوظ، وسبق به القضاء . وقيل: معنى كتب: أمر، كقوله: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾(١) أي: التي أمرتم بدخولها . وقيل: يأتي كتب بمعنى جعل، ومنه ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾(٢) ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾(٣) وتعدي كتب هنا بعلى يشعر بالفرض والوجوب، و﴿في القتلى﴾ في هنا للسببية، أي: بسبب القتلى، مثل: ((دخلت امرأة النار في هرة)). والمعنى: أنكم أيها المؤمنون وجب عليكم استيفاء القصاص من القاتل بسبب قتل القتلى بغير موجب، ويكون الوجوب متعلق الإمام أو من يجري مجراه في استيفاء الحقوق إذا أراد ولي الدم استيفاءه، أو يكون ذلك خطاباً مع القاتل، والتقدير، يا أيها القاتلون، كتب (١) سورة المائدة: ٢١/٥. (٢) سورة المجادلة: ٢٢/٥٨. (٣) سورة الأعراف: ١٥٦/٧ . ١٤٤ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص، وذلك أنه يجب على القاتل، إذا أراد الولي قتله، أن يستسلم لأمر الله وينقاد لقصاصه المشروع، وليس له أن يمتنع بخلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحدّ، ولهما أن يستترا بستر الله، ولهما أن لا يعترفا. ويجب على الولي الوقوف عند قاتل وليه، وأن لا يتعدى على غيره، كما كانت العرب تفعل بأن تقتل غير قاتل قتيلها من قومه، وهذا الكتب في القصاص مخصوص بأن لا يرضى الولي بدية أو عفو، وإنما القصاص هو الغاية عند التشاحن، وأمّا إذا رضي بدون القصاص من دية أُو عفو فلا قصاص. قال الراغب: فان قيل: على من يتوجه هذا الوجوب؟ قيل على الناس كافة، فمنهم من يلزمه تسليم النفس، وهو القاتل، ومنهم من يلزمه استيفاؤه، وهو الإمام إذا طلبه الولي، ومنهم من يلزمه المعاونة والرضى، ومنهم من يلزمه أن لا يتعدّى، بل يقتص أو يأخذ الدية، والقصد بالآية منع التعدّي، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعدّون في القتل، وربما لا يرضى أحدهم إذا قتل عبدهم إلاَّ بقتل حر. اهـ كلامه. وتلخص في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم الأئمة ومن يقوم مقامهم. الثاني: أنهم القاتلون. الثالث: أنهم جميع المؤمنين على ما أوضحناه. وقد اختلف في هذه الآية، أهي ناسخة أو منسوخة؟ فقال الحسن: نزلت في نسخ التراجع الذي كانوا يفعلونه، إذا قتل الرجل امرأة كان وليها بالخيار بين قتله مع تأدية نصف الدية، وبين أخذ نصف دية الرجل وتركه،. وإن كان قاتل الرجل امرأة، كان أولياء المقتول بالخيار بين قتل المرأة وأخذ نصف دية الرجل، وإن شاؤوا أخذوا الدية كاملة ولم يقتلوها. قال: فنسخت هذه الآية ما كانوا يفعلونه. اهـ. ولا يكون هذا نسخاً، لأن فعلهم ذلك ليس حكماً من أحكام الله فينسخ بهذه الآية. وقال ابن عباس: هي منسوخة بآية المائدة، وسيأتي الكلام في هذا. ولما ذكر تعالى كتابة القصاص في القتل بين من يقع بينهم القصاص فقال: ﴿الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، واختلفوا في دلالة هذه الجمل، فقيل: يدل على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية والأنوثة، فلا يكون مشروعاً إلّ بين الحرين، وبين ١٤٥ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ العبدين، وبين الأنثيين، فالالف واللام تدل على الحصر، كأنه قيل: لا يؤخذ الحرّ إلاَّ بالحر، ولا يؤخذ العبد إلاّ بالعبد، ولا تؤخذ الأنثى إلَّ بالأنثى. روي معنى هذا عن ابن عباس، وأن ذلك نسخ بآية المائدة، وروي عنه أيضاً أن الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة. وممن ذهب إلى أنها منسوخة. ابن المسيب، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والثوري . وقيل: لا تدل على الحصر، بل تدل على مشروعية القصاص بين المذكور، ألا ترى أن عموم: ﴿والأنثى بالأنثى﴾ تقتضي قصاص الحرة بالرقيقة؟ فلو كان قوله: ﴿الحر بالحر، والعبد بالعبد﴾ مانعاً من ذلك لتصادم العمومان. وقوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ جملة مستقلة بنفسها، وقوله: ﴿الحر بالحر﴾ ذكر لبعض جزئياتها فلا يمنع ثبوت الحكم في سائر الجزئيات. وقال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد به الجنس الذكر والأنثى سواء فيه، وأعيد ذكر الأنثى توكيداً وتهمماً بإذهاب أمر الجاهلية. وروي عن علي والحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبداً أو عبد حراً، وذكرٌ أنثى، أو أنثى ذكراً. وقالا : إنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا بها صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت المرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلاّ أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلَّ قيمة العبد، وإن شاء استحيى وأخذ قيمة العبد. وقد أنكر هذا عن علي والحسن. والإجماع على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الإتباع بفضل الديات، والإجماع على قتل المسلم الحر إذا قتل مسلمٌ حراً بمحدد، وظاهر عموم الحر بالحر أن الوالد يقتل إذا قتل ابنه، وهو قول عثمان البتي، قال: إذا قتل ابنه عمداً قتل به. وقال مالك: إذا قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ويذبحه، وغير ذلك من أنواع القتل التي لا شبهة له فيها في ادعاء الخطأ قتل به، وإن قتله يرمى بشيء أو يضرب، ففي مذهب مالك قولان: أحدهما: يقتل، والآخر: لا يقتل. تفسير البحر المحيط ج٢ م١٠ ١٤٦ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ وقال عامة العلماء: لا يقتل الوالد بولده، وعليه الدية في ماله، قال بذلك: أبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وسووا بين الأب والجد، ورُوي ذلك عن عطاء ومجاهد. وقال الحسن بن صالح: يقُاد الجدّ بابن الابن، وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه، ولا يجيز شهادة الاب لابنه، وظاهر قوله: ﴿الحر بالحر﴾ قتل الابن بابيه، والظاهر أيضاً قتل الجماعة بالواحد، وصح ذلك عن عمر وعلي، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال أحمد: لا تقتل الجماعة بالواحد، والظاهر أيضاً قتل من يجب عليه القتل لو انفرد إذا شارك من لا يجب عليه القتل كالمخطىء والصبيّ والمجنون والأب عند من يقول لا یقتل بابنه . وقال أبو حنيفة: لا قصاص على واحد منهما وعلى الأب القاتل نصف الدية في ماله والصبي والمخطىء والمجنون على عاقلته، وهو قول الحسن بن صالح. وقال الأوزاعي: على عاقلة المشتركين ممن ذكر الدية. وقال الشافعي: على الصبي القاتل المشارك نصف الدية في ماله، وكذلك دية الحر والعبد إذا قتلا عبداً، والمسلم والنصراني إذا قتلا نصرانياً، وإن شاركه قاتل خطأً فعلى العامد نصف الدية، وجناية المخطىء على عاقلته. وقال ابن المسيب، وقتادة، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بقتل الحر بالعبد. وقال مالك، والليث، والشافعي؛ لا يقتل به، واتفقوا على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي. وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي وقال ابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي: لا يقتل به. قال مالك والليث: إن قتله غيلة قتل به وإلّ لم يقتل به وكلهم اتفقوا على قتل العبد بالحر. والظاهر من الآية الكريمة مشروعية القصاص في القتلى بأي شيء وقع القتل، من مثقل حجر، أو خشبة، أو عصا، أو شبه ذلك مما يقتل غالباً، وهو مذهب مالك. والشافعي، والجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يقتل إذا قتل بمثقل. والظاهر من الأئمة عدم تعيين الآلة التي يقتل بها من يستحق القتل وقال: أبو حنيفة، ١٤٧ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ ومحمد، وأبو يوسف، وزفر: لا يقتل إلَّ بالسيف. وقال ابن الغنيم، عن مالك: إن قتل بحجر، أو عصا، أو نار أو تغریق قتل به، فإن لم يمت بمثله فلا یزال یکرر علیه من جنس ما قتل به حتى يموت، وإن زاد على فعل القاتل. وروى ابن منصور عن أحمد أنه: يقتل بمثل الذي قتل به، ونقل عن الشافعي: أنه إذا قتل بخشب، أو بخنق قتل بالسيف، وروي عنه أيضاً أنه: إن ضربه بحجر حتى مات فُعل به مثل ذلك، وإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات فإن لم يمت في مثل تلك المدة . وقال ابن شبرمة: يضرب مثل ضربه ولا يضرب أكثر من ذلك وقد كانوا يكرهون المثلة ويقولون: يجزي ذلك كله السيف. قال: فإن غمسه في الماء حتى مات، فلا يزال يغمس في الماء حتى يموت. والظاهر من الآية مشروعية القصاص في الأنفس فقط لقوله: ﴿في القتلى﴾ وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر. وهو: أنه لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس. وقال ابن المسيب، والنخعي، وقتادة، والحكم وابن أبي ليلى: القصاص واجب بينهم في جميع الجراحات، وروي ذلك عن ابن مسعود، وقال الليث: يقتص للحر من العبد، ولا يقتص من الحر للعبد في الجنايات. وقال الشافعي: من جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه في الجراح، ولا يقتص للحر من العبد فيما دون النفس. ﴿والأنثى بالأنثى﴾. واتفقوا على ترك ظاهرها، وأجمعوا، كما تقدم ذكره، على قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، إلَّ خلافاً شاذاً عن الحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، أنه لا يقتل الرجل بالمرأة. وروي أن عمر قتل نفراً من صنعاء بامرأة، والمرأة بالرجل وبالعبد، والعبد بالحر، وقد وهم الزمخشري في نسبته أن مذهب مالك والشافعي أن الذكر لا يقتل بالأنثى، ولا خلاف عنهما في أنه يقتل بها. وقال عثمان البتي: إذا قتلت امرأة رجلاً قتلت به وأخذ من مالها نصف الدية، وإن قتلها هو فعليه القود ولا يرد عليه شيء. واختلفوا في القصاص في الجراحات بين الرجال والنساء، فذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، وابن شبرمة، إلى أنه لا قصاص من بين الرجال والنساء إلاّ في ١٤٨ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ الأنفس، وذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، والليث، والشافعي، وابن شبرمة في رواية إلى أن القصاص واقع فيما بين الرجال والنساء في النفس وما دونها، إلاّ أن الليث قال: إذا جنى الرجل على امرأته عقلها ولا يقتص منه. وأعرب هذه الجمل مبتدأ وخبر، وهي ذوات ابتدىء بها، والجار والمجرور أخبار عنها، ويمتنع أن يكون الباء ظرفية، فليس ذلك على حدّ قولهم: زيد بالبصرة، وإنما هي للسبب، ويتعلق بكون خاص لا بكون مطلق، وقام الجار مقام الكون الخاص لدلالة المعنى عليه، إذ الكون الخاص لا يجوز حذفه إلاّ في مثل هذا، إذ الدليل على حذفه قوي إذ تقدّم القصاص في القتلى، فالتقدير: الحر مقتول بالحر، أي: بقتله الحر، فالباء للسبب على هذا التقدير، ولا يصح تقدير العامل كوناً مطلقاً، ولو قلت: الحر كائن بالحر، لم يكن كلاماً إلّ إن كان المبتدأ مضافاً قد حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، فيجوز، والتقدير: قتل الحر كائن بالحر، أي: بقتل الحر، ويجوز أن يكون الحر مرفوعاً على إضمار فعل يفسره ما قبله، التقدير: يقتل الحر بقتله الحر، إذ في قوله: ﴿القصاص في القتلى﴾ دلالة على هذا الفعل . ﴿فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان﴾ قال علماء التفسير: معنى ذلك أن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود، وجعل الله لهذه الأمة لمن شاء القتل، ولمن شاء أخذ الدية، ولمن شاء العفو. وقال قتادة: لم تحل الدية لأحد غير هذه الأمة، وروي أيضاً عن قتادة: أن الحُكم عند أهل التوراة كان القصاص أو العفو. ولا أرش بينهم، وعند أهل الإنجيل الدية والعفو لا أرش بينهم، فخير الله هذه الأمة بين الخصال الثلاث. وارتفاع: مَنْ، على الابتداء وهي شرطية أو موصولة، والظاهر أن: من، هو القاتل والضمير في ﴿له﴾ و﴿من أخيه﴾ عائد عليه، ﴿وشيء): هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وهو معنى المصدر، وبني ﴿عفا﴾، للمفعول، وإن كان لازماً، لأن اللازم يتعدى إلى المصدر كقوله: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾(١) والأخ هو المقتول، أي: من دم أخيه أو ولي الدم، وسماه أخاً للقاتل اعتباراً بأخوة الإسلام، أو استعطافاً له عليه، أو لكونه (١) سورة الحاقة: ١٣/٦٩. ١٤٩ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ ملابساً له من قبل أنه ولي للدم ومطالب به كما تقول: قل لصاحبك كذا، لمن بينك وبينه أدنى ملابسة، وهذا الذي أقيم مقام الفاعل وإن كان مصدراً فهو يراد به الدم المعفو عنه، والمعنى: أن القاتل إذا عفي عنه رجع إلى أخذ الدية. وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم، واستدل بهذا على أن موجب العهد أحد الأمرين، أما القصاص، وأما الدية. لأن الدية تضمنت عافياً ومعفواً عنه، وليس إلَّ وليّ الدم والقاتل، والعفو لا يتأتي إلاّ من الولي، فصار تقدير الآية: فاذا عفا وليّ الأمر عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف. وعفا يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الجناية، تقول: عفوت عن زيد، وعفوت عن ذنب زيد، فإذا عديت إليهما معاً تعدت إلى الجاني باللام، وإلى الذنب بعن، تقول: عفوت لزيد عن ذنبه، وقوله: ﴿فمن عفى له﴾ من هذا الباب أي: فمن عفی له عن جنایته، وحذف عن جنايته لفهم المعنى، ولا يفسر عفى بمعنى ترك، لأنه لم يثبت ذلك معدّى إلّ بالهمزة، ومنه: ((أعفوا اللحى)) ولا يجوز أن تضمن عفى معنى ترك وإن كان العافي عن الذنب تاركاً له لا يؤاخذ به، لأن التضمين لا ينقاس. قال الزمخشري. فإن قلت: فقد ثبت قولهم عفا أثره إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت معناه: فمن محى له من أخيه شيء؟ قلت: عبارة قيلت في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نائية عن مكانها، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترىء إذا عضل عليه تخريج المشكل من كلام الله على اختراع لغة. وادّعاء على العرب ما لا تعرف، وهذه جرأة یستعاذ بالله منها. انتهى كلامه. وإذا ثبت أن عفا يكون بمعنى محا فلا يبعد حمل الآية عليه، ويكون إسناد عفى المرفوعه إسناداً حقيقياً لأنه إذ ذاك مفعول به صريح، وإذا كان لا يتعدّى كان إسناده إليه مجازاً وتشبيهاً للمصدر بالمفعول به، فقد يتعادل الوجهان أعني: كون عفا اللازم لشهرته في الجنايات، وعفا المتعدي لمعنى محا لتعلقه بمرفوعه تعلقاً حقيقياً. وقول الزمخشري: وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم إلى آخره، هذا الذي ذكره هو فعل غير المأمونين على دين الله، ولا الموثوق بهم في نقل الشريعة، والكذب من أقبح المعاصي وأذهبها لخاصة الإنسان، وخصوصاً على الله، وعلى رسوله. وقال أبو محمد بن حزم ما معناه: إنه قد يصحب الإنسان وإن كان على حالة تكره، ١٥٠ - سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ إلَّ ما كان من الكاذب، فإنه يكون أول مفارق له، لكن لا يناسب قول الزمخشري هنا: وترى كثيراً إلى آخر كلامه إثر قوله: فإن قلت إلى آخره، لأن مثل هذا القول هو حمل العفو على معنى المحو، وهو حمل صحيح واستعمال في اللغة، فليس من باب الجرأة، واختراع اللغة . وبني الفعل هنا للمفعول ليعم العافي كان واحداً أو أكثر، هذا إن أريد بأخيه المقتول. أي: من دم أخيه، وقيل: شيء لأن معناه: شيء من العفو فسواء في ذلك أن يعفو عن بعض الدم أو عن كله، أو أن يعفو بعض الورثة أو كلهم، فإنه يتم العفو ويسقط القصاص، ولا يجب إلّ الدية، وقيل: من عفي له هو وليّ الدم، وعفي هنا بمعنى يسَّر لا على بابها في العفو، ومن أخيه: هو القاتل، وشيء: هو الدية، والاخوة هي: اخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل: المقتول، أي: من قبل أخيه المقتول، وهذا القول قول مالك، فسر المعفوّ له بوليّ الدم، والأخ: بالقاتل، والعفو بالتيسير، وعلى هذا قال مالك: إذا جنح الوليّ إلى العفو على أخذ الدّية خير القاتل بين أن يعطيها أو يسلم نفسه . وغير مالك يقول: إذا رضي الوليّ بالدية فلا خيار للقاتل، ويلزم الدية، وقد روي هذا عن مالك، ورجحه كثير من أصحابه، ويضعف هذا القول أن عفى بمعنى: يسر لم یثبت . وقيل: هذه ألفاظ في المعنيين الذين نزلت فيهم هذه الآية كلها، وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة، فمعنى الآية: فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات، وتكون: عفا بمعنى: فضل، من قولهم: عفا الشيء إذا كثر، أي: أفضلت الحالة له، أو الحساب، أو القدر، وقيل: هي على قول علي والحسن في الفضل من دية الرجل والمرأة والحر والعبد، أي: من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، وعفى هنا بمعنى : أفضل، وكأن الآية من أولها بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع، ثم بينت الحكم إذا تداخلت، والقول الأول أظهر كما قلناه، وقد جوز ابن عطية أن يكون عفى بمعنى: ترك، فيرتفع شيء على أنه مفعول به قام مقام الفاعل، قال: والأول أجود بمعنى أن يكون عفى لا يتعدى إلى مفعول به، وإن ارتفاع شيء، هو لكونه مصدراً أقيم مقام الفاعل، وتقدم قول الزمخشري: أن عفى بمعنى: ترك لم يثبت. ١٥١ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾. ارتفاع اتباع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالحكم، أو الواجب كذا قدره ابن عطية، وقدره الزمخشري: فالأمر اتباع، وجوز أيضاً رفعه بإضمار فعل تقديره: فليكن اتباع، وجوّزوا أيضاً أن يكون مبتدأً محذوف الخبر وتقديره: فعلى الولي اتباع القاتل بالدية، وقدروه أيضاً متأخراً تقديره، فاتباع بالمعروف عليه. قال ابن عطية بعد تقديره: فالحكم أو الواجب اتباع، وهذا سبيل الواجبات، كقوله ﴿فإمساك بمعروف﴾(١) وأما المندوب إليه فيأتي منصوباً كقوله: ﴿فضرب الرقاب﴾(٢) انتھی . ولا أدري هذه التفرقة بين الواجب والمندوب إلاّ ما ذكروا من أن الجملة الابتدائية أثبت وآكد من الجملة الفعلية في مثل قوله: ﴿قالوا سلاماً قال سلام﴾ (٣) فيمكن أن يكون هذا الذي لحظه ابن عطية من هذا. وأما إضمار الفعل الذي قدره الزمخشري: فلیکن، فهو ضعيف إذ: كان، لا تضمر غالباً إلاّ بعد أن الشرطية، أو: لو، حيث يدل على إضمارها الدليل، و﴿بالمعروف﴾ متعلق بقوله: فاتباع، وارتفاع: ﴿وأداء﴾ لكونه معطوفاً على اتباع، فيكون فيه من الإعراب ما قدروا في: فاتباع، ويكون بإحسان متعلقاً بقوله: وأداء، وجوزوا أن يكون: وأداء، مبتدأ، وبإحسان، هو الخبر، وفيه بعد. والفاء في قوله: فاتباع، جواب الشرط إن كانت مَن شرطاً، والداخلة في خبر المبتدأ إن كانت مَن موصولة، فإن كانت مَن: كناية عن القاتل وأخوه: كناية عن الولي، وهو الظاهر، فتكون الجملة توصية للمعفو عنه والعافي يحسن القضاء من المؤدي، وحسن التقاضي من الطالب، وإن كان الأخ كناية عن المقتول كانت الهاء في قوله: وآداء إليه، عائدة على ما يفهم من يصاحب يوجه مّا، لأن في قوله: عفى، دلالة على العافي فيكون نظير قوله: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (٤) إذ في العشي دلالة على مغيب الشمس، وقول الشاعر: لك الرجل الحادي وقد منع الضحى وطير المنايا فوقهن أواقع أي: فوق الإبل، لأن في قوله: الحادي، دلالة عليهن، وإن كانت مَن كناية عن القاتل فيكون أيضاً توصية له وللولي بحسن القضاء والتقاضي، أي: فاتباع مَنْ الولي (١) سورة البقرة: ٢٢٩/٢. (٢) سورة محمد: ٤٧ /٤. (٣) سورة هود: ١١ / ٦٩. (٤) سورة ص: ٣٢/٣٨. ١٥٢ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ بالمعروف، وأداء من القاتل إليه بإحسان، والإتباع بالمعروف أن لا يعنف عليه ولا يطالبه إلَّ مطالبة جميلة، ولا يستعجله إلى ثلاث سنين يجعل انتهاء الإستيفاء، والأداء بالإحسان: أن لا يمطله ولا يبخسه شيئاً. وهذا مروي عن ابن عباس في تفسير الإتباع والأداء. وقيل: اتباع الولي بالمعروف أن لا يطلب من القاتل زيادة على حقه، وقد روي في الحديث: ((من زاد بعيراً في إبل الدية وفرائضها فمن أمر الجاهلية)). وقيل الاتباع والأداء معاً من القاتل، والاتباع بالمعروف أن لا ينقصه، والأداء بالإحسان أن لا يؤخره. وقيل: المعروف حفظ الجانب ولين القول، والإحسان تطييب القول، وقيل: المعروف ما أوجبه تعالى، وقيل: المعروف ما يتعاهد العرب بينها من دية القتلى . وظاهر قوله: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ الآية. أنه يمتنع إجابة القائل إلى القود منه إذا اختار ذلك واختار المستحق الدية ويلزم القاتل الدية إذا اختارها الولي، وإليه ذهب سعيد، وعطاء، والحسن، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ورواه أشهب عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، ومالك في إحدى الروايتين عنه، والثوري، وابن شبرمة: ليس للولي إلَّ القصاص، ولا يأخذ الدية إلَّ برضى القاتل، فعلى قول هؤلاء يقدر بمحذوف، أي: فمن عفى له من أخيه شيء ورضي المعفو عنه ودفع الدية فاتباع بالمعروف، وقد تقدّمت لنا الإشارة إلى هذا الخلاف عند تفسيرنا: ﴿فمن عفى﴾ واختلاف الناس فيه. ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ أشار بذلك إلى ما شرعه تعالى من العفو والدية إذ أهل التوراة كان مشروعهم القصاص فقط، وأهل الإنجيل مشروعهم العفو فقط، وقيل: لم يكن العفو في أمة قبل هذه الأمة، وقد تقدّم طرق من هذا النقل، وهذه الأمة خيرت بين القصاص وبين العفو والدية، وكان العفو والدية تخفيفاً من الله إذ فيه انتفاع الولي بالدّية، وحصول الأجر بالعفو استبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس هين في استبقائها، وأضاف هذا التخفيف إلى الرب لأنه المصلح لأحوال عبيده، الناظر لهم في تحصيل ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية، وعطف ﴿ورحمة﴾ على ﴿تخفيف﴾ لأن من استبقى مهجتك بعد استحقاق إتلافها فقد رحمك. وأي: رحمة أعظم من ذلك؟ ولعل القاتل المعفو عنه ١٥٣ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ يستقل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله ما يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله يصلح أعماله. ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ أي: من تجاوز شرع الله بعد القود وأخذ الدية بقتل القاتل بعد سقوط الدم، أو بقتل غير القاتل، وكانوا في الجاهلية يفعلون ذلك، ويقتلون بالواحد الإثنين والثلاثة والعشرة، وقيل: المعنى: من قتل بعد أخذ الدية، وقيل: بعد العفو، وقيل: من أخذ الدية بعد العفو عنها. والأظهر القول الأول لتقدم العفو، وأخذ المال، والاعتداء، وهو تجاوز الحد یشمل ذلك كله. وقال الزمخشري: بعد ذلك التخفيف، فجعل ذلك إشارة إلى التخفيف، وليس يظهر أن ذلك إشارة إلى التخفيف، وإنما الظاهر ما شرحناه به من العفو وأخذ الدية، وكون ذلك تخفيفاً هو كالعلة لمشروعية العفو وأخذ الدية، ويحتمل: مَنْ في قوله: ﴿فمن اعتدى﴾ أن تکون شرطية، وأن تكون موصولة. ﴿فله عذاب أليم) جواب الشرط، أو خبر عن الموصول، وظاهر هذا العذاب أنه في الأخرة، لأن معظم ما ورد من هذه التوعدات إنما هي في الآخرة. وقيل: العذاب الأليم هو في الدنيا، وهو قتله قصاصاً، قاله عكرمة، وابن جبير، والضحاك: وقيل: هو قتله البتة حداً، ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو قاله عكرمة أيضاً، وقتادة، والسدي. وقيل: عذابه أن يرد الدية ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة، قاله الحسن. وقيل: عذابه تمكين الإمام منه يصنع فيه ما يرى، قاله عمر بن عبد العزيز. ومذهب جماعة من العلماء أنه إذا قتل بعد سقوط الدم هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه. ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ الحياة التي في القصاص هي: أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمسك عن القتل، فكان ذلك حياة له، والذي امتنع من قتله، فمشروعية القصاص مصلحة عامة، وإبقاء القاتل والعفو عنه مصلحة خاصة به، فتقدّم المصلحة العامة لتعذر الجمع بينهما. أو المعنى: ولكم في شرع القصاص حياة، وكانت العرب إذا قتل الرجل حمى قبيلة أن تقتص منه، فيقتتلون، ويفضي ذلك إلى قتل عدد كثير، فلما شرع القصاص رضوا به وسلموا القاتل للقود، وصالحوا على الدية ١٥٤ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ وتركوا القتال، فكان لهم في ذلك حياة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل. وقيل: حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية. وقيل: حياة للقاتل. وقيل: حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة. فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه. وقرأ أبو الجوزاء، أوس بن عبد الله الربعي: ولكم في القصص، أي: فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص، وقيل: القصص: القرآن، أي: لكم في القرآن حياة القلوب، كقوله: ﴿روحاً من أمرنا﴾(١) وكقوله: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾(٢). وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص، أي: أنه إذا قص أثر القاتل قصصاً قتل كما قتل. وقال الزمخشري: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف، القصاص، وتنكير: الحياة، لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، أو نوع من الحياة، وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل. لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، انتهى كلامه. وقالت العرب فيما يقرب من هذا المعنى: القتل أوقى للقتل، وقالوا: أنفى للقتل، وقالوا: أكف للقتل. وذكر العلماء تفاوت ما بين الكلامين من البلاغة من وجوه. أحدها: أن ظاهر قول العرب يقتضي كون وجود الشيء سبباً لانتفاء نفسه، وهو محال. الثاني: تكرير لفظ القتل في جملة واحدة. الثالث: الاقتصار على أن القتل هو أنفى للقتل. الرابع: أن القتل ظلماً هو قتل، ولا يكون نافياً للقتل. وقد اندرج في قولهم: القتل أنفى للقتل، والآية المكرمة بخلاف ذلك. أما في الوجه الأول: ففيه أن نوعاً من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع (١) سورة الشورى: ٥٢/٤٢. (٢) سورة الأنعام: ١٢٢/٦. ١٥٥ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ الحياة، لا لمطلق الحياة، وإذا كان على حذف مضاف أي: ولكم في شرع القصاص، اتضح كون شرع القصاص سبباً للحياة. وأما في الوجه الثاني: فظاهر لعذوبة الألفاظ وحسن التركيب وعدم الاحتياج إلى تقدير الحذف، لأن في كلام العرب كما قلناه تكراراً للفظ، والحذف إذا نفي، أو أكف، أو أوفي، هو افعل تفضيل، فلا بد من تقدير المفضل عليه أنفى للقتل من ترك القتل. وأما في الوجه الثالث: فالقصاص أعم من القتل، لأن القصاص يكون في نفس وفي غير نفس، والقتل لا يكون إلّ في النفس، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة. وأما في الوجة الرابع: فلأن القصاص مشعر بالاستحقاق، فترتب على مشروعيته وجود الحياة. ثم الآية المكرمة فيها مقابلة القصاص بالحياة فهو من مقابلة الشيء بضده، وهو نوع من البيان يسمى الطباق، وهو شبه قوله تعالى: ﴿وأنه هو أمات وأحيى﴾(١) وهذه الجملة مبتدأ وخبر، وفي القصاص: متعلق بما تعلق به قوله: لكم، وهو في موضع الخبر، وتقديم هذا الخبر مسوّغ لجواز الابتداء بالنكرة، وتفسير المعنى: أنه يكون لكم في القصاص حياة، ونبه بالنداء نداء ذوي العقول والبصائر على المصلحة العامة، وهي مشروعية القصاص، إذ لا يعرف كنه محصولها إلَّ أولوا الألباب القائلون لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وهم الذين خصهم الله بالخطاب، ﴿إنما يتذكر أولوا الالباب﴾(٢) ﴿لآيات لقوم يعقلون﴾(٣) ﴿لآيات لأولي الالباب﴾(٤) ﴿لآيات لأولي النهى﴾(٥) ﴿لذكرى لمن كان له قلب﴾(٦) وذوو الالباب هم الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، إذ من لا عقل له لا يحصل له الخوف، فلهذا خص به ذوي الألباب. ﴿لعلكم تتقون﴾ أي: القصاص، فتكفون عن القتل وتتقون القتل حذراً من القصاص أو الإنهاك في القتل، أو تتقون الله باجتناب معاصيه، أو تعملون عمل أهل (١) سورة النجم: ٤٤/٥٣. (٢) سورة الرعد: ١٩/١٣، وسورة الزمر: ٩/٣٩. (٣) سورة البقرة: ١٦٤/٢، وسورة الرعد: ٤/١٣؛ وسورة النحل: ١٢/١٦. (٤) سورة آل عمران: ١٩٠/٣، وسورة الروم: ٢٤/٣٠. (٥) سورة طه: ٥٤/٢٠ و ١٢٨. (٦) سورة قّ: ٣٧/٥٠. ١٥٦ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة أقوال خمسة، أولاها ما سيقت له الآية من مشروعية القصاص. ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) الآية. مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أنه لما ذكر تعالى القتل في القصاص، والدية، أتبع ذلك بالتنبيه على الوصية، وبيان أنه مما كتبه الله على عباده حتى يتنبه كل أحد فيوصي مفاجأة الموت، فيموت على غير وصية، ولا ضرورة تدعو إلى أن: كتب، أصله: العطف على. ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ﴿وكتب عليكم) وان الواو حذفت للطول، بل هذه جملة مستأنفة ظاهرة الارتباط بما قبلها، لأن من أشرف على أن يقتص منه فهو بعض من حضره الموت، ومعنى حضور الموت أي: حضور مقدماته وأسبابه من العلل والأمراض والأعراض المخوفة، والعرب تطلق على أسباب الموت موتاً على سبيل التجوز. وقال تعالى: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾(١) وقال عنترة. وصلت بنائها بالهندوان وان الموت طوع يدي إذا ما وقال جرير. فليس لهارب مني نجاءُ انا الموت الذي حدثت عنه وقال غيره. قولا يبرثكم: إني أنا الموت وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا والخطاب في: عليكم، للمؤمنين مقيداً بالإمكان على تقدير التجوز في حضور الموت، ولو جرى نظم الكلام على خطاب المؤمنين لكان: إذا حضركم الموت، لكنه روعيت دلالة العموم في: عليكم، من حيث المعنى، إذ المعنى: كتب على كل واحد منكم، ثم أظهر ذلك المضمر، إذ كان يكون إذا حضره الموت، فقيل: إذا حضر أحدكم، ونظير مراعاة المعنى في العموم قول الشاعر: أغياب رجالك أم شهود ولست بسائل جارات بيتي فأفرد الضمير في رجالك لأنه رعى معنى العموم، إذ المعنى ولست بسائل كل جارة من جارات بيتي، فجاء قوله: أغياب رجالك، على مراعاة هذا المعنى. وهذا شيء غريب مستطرف من علم العربية . (١) سورة إبراهيم: ١٤ /١٧. ١٥٧ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ وقيل: المراد بالموت هنا حقيقته لا مقدماته، فيكون الخطاب متوجهاً إلى الأوصياء والورثة، ويكون على حذف مضاف، أي: كتب عليكم، إذا مات أحدكم، إنفاذ الوصية والعمل بها، فلا تكون الآية تدل على وجوب الوصية، بل يستدل على وجوبها بدليل آخر. ﴿إِن ترك خيراً﴾ يعني: مالاً، في قول الجميع، وقال مجاهد: الخير في القرآن كله المال ﴿وانه لحب الشديد﴾(١) ﴿إِني أحببت حب الخير﴾(٢) ﴿فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً﴾(٣) ﴿إني أراكم بخير﴾(٤) وظاهر الآية يدل على مطلق الخير، وبه قال: الزهري، وأبو مجلز، وغيرهما، قالوا: تجب فيما قلّ وفيما كثر. وقال أبان: مائتا درهم فضة. وقال النخعي: من ألف درهم إلى خمسمائة؛ وقال علي: وقتادة: ألف درهم فصاعداً، وقال الجصاص: أربعة آلاف درهم. هذا قول من قدّر الخير بالمال. وأما من قدّره بمطلق الكثرة، فإن ذلك يختلف بحسب اختلاف حال الرجل، وكثرة عیاله، وقلتهم. وروي عن عائشة أنها قالت: ما أرى فضلاً في مال هو أربعمائة دينار لرجل أراد أن يوصي وله عيال، وقالت في آخر: له عيال أربعة وله ثلاثة آلاف، إنما قال الله ﴿ان ترك خيراً﴾ وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك. وعن علي: أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه، وقال: قال تعالى: ﴿إِن ترك خيراً﴾ والخير: هو المال، وليس لك مال. انتهى. ولا يدل عدم تقدير المال على أن الوصية لم تجب، إذ الظاهر التعليق بوجود مطلق الخير، وإن كان المراد غير الظاهر، فيمكن تعليق الإيجاب بحسب الاجتهاد في الخير؛ وفي تسميته هنا وجعله خيراً إشارة لطيفة إلى أنه مال طيب لا خبيث، فإن الخبيث يجب رده إلى أربابه، ويأثم بالوصية فيه . واختلفوا، فقال قوم: الآية محكمة، والوصية للوالدين والأقربين واجبة، ويجمع للوارث بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. (١) سورة العاديات: ٨/١٠٠. (٢) سورة ص: ٣٢/٣٨. (٣) سورة النور: ٣٣/٢٤. (٤) سورة هود: ٨٤/١١. ١٥٨ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ وقال قوم: إنها محكمة في التطوع، وقال قوم: إنها محكمة وليس معنى الوصية مخالفاً للميراث، بل المعنى: كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين في قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾(١). وقال الزمخشري: أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم ولا ينقص من أنصابهم. انتهى كلامه. وقيل: هي محكمة، ويخصص الوالدان والأقربون بأن لا يكونوا وارثين بل أرقاء أو كفاراً، كما خصص في الموصى به بالثلث فما دونه، قاله الحسن، وطاووس، والضحاك. وقال: ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة: الآية عامة، وتقرر الحكم بها برهة، ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض. وقال ابن عمر، وابن عباس أيضاً، وابن زيد: الآية كلها منسوخة. وبقيت الوصية ندباً، ونحو هذا هو قول الشعبي، والنخعي، ومالك. وقال الربيع بن خيثم وغيره: لا وصية، وقيل: كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام: ((ان الله أعطى كل ذي حق حقه، ألَّ لَا وصية لوارث)). ولتلقي الأمة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر. وإن كان من الأحاد، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلّ المثبت الذي صحت روايته. وقال قوم: الوصية للقرابة أولاً، فإن كانت لأجنبي فمعهم، ولا يجوز لغيرهم مع تركهم. وقال الناس، حين مات أبو العالية: عجباً له، أعتقته امرأة من رياح، وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبي: لم يكن ذلك له ولا كرامة، وقال طاووس: إذا أوصى لغير قرابته ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله، وقاله جابر، وابن زيد. وروي مثله عن الحسن، وبه قال إسحاق بن راهويه. وقال الحسن، وجابر بن زيد، أيضاً، وعبد الملك بن يعلى: يبقى ثلث الوصية حيث جعلها الميت. وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: إذا أوصى لغير قرابته وترك (١) سورة النساء ١١/٤. ١٥٩ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢. قرابته جاز ذلك وأمضي، كان الموصى له غنياً، أو فقيراً مسلماً أو كافراً. وهو مروي عن عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنها. وظاهر: كتب، وجوب الوصية على من خلف مالاً، وهو قول الثوري. وقال أبو ثور: لا تجب إلاّ على من عليه دين أو عنده مال لقوم، فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه، وقيل: لا تجب الوصية، واستدل بقول النخعي: مات رسول الله وَالخير ولم يوص، وبقوله في الحديث يريد أن يوصي، فعلق بإرادة الوصية. ولو كانت وإجبة لما علقها بإرادته. والموصى له، إن كان وارثاً وأجاز ذلك الورثة جاز، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. أو قاتلاً عمداً وأجاز ذلك الورثة، جاز في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا تجوز ولو أوصى لبعض ورثته بمال، فقال: إن أجاز ذلك الورثة وإلّ فهو في سبيل الله فإن أجاز ذلك الورثة وإلّا كان ميراثاً. هذا قول مالك. وقال أبو حنيفة، ومعمر: يمضي في سبيل الله. ولو أوصى الأجنبي بأكثر من الثلث، وأجازه الورثة قبل الموت فليس لهم الرجوع فيه بعد الموت، وهي جائزة عليهم، قاله ابن أبي ليلى، وعثمان البتي . وقال أبو حنيفة، ومحمد، وأبو يوسف، وزفر، والحسن بن صالح، وعبيد الله بن الحسن: إن أجازوا ذلك في حياته لم يجز ذلك حتی یجیزوه بعد الموت. وروي ذلك عن عبد الله، وشریح، وإبراهيم. وقال ابن القاسم عن مالك: إن استأذنهم فأذنوا فكل وارث بائن فليس له أن يرجع، ومن كان في عياله، أو كان من عم وابن عم، أن يقطع نفقته عنهم إن صح، فلهم أن یرجعوا . وقال ابن وهب عن مالك: إن أذنوا له في الصحة فلهم أن يرجعوا، أو في المرض فلا. وقول الليث كقول مالك، ولا خلاف بين الفقهاء أنهم إذا أجازوه بعد الموت فليس لهم أن یرجعوا فيه. وروي عن طاووس وعطاء: إن أجازوه في الحياة جاز عليهم، ولا خلاف في صحة وصية العاقل البالغ غير المحجور عليه؛ واختلف في الصبي، فقال أبو حنيفة: لا تجوز وصيته. قال المزني: وهو قياس قول الشافعي. وقال مالك وغيره: يجوز، والقولان عن ١٦٠ سورة البقرة / الآيات: ١٧٧ - ١٨٢ أصحاب الشافعي. وظاهر قوله تعالى: ﴿كتب﴾ المنع. لأنه ليس من أهل التكليف، وأجمعوا على أنه للإنسان أن يغير وصيته وأن يرجع فيها. واختلفوا في المدبر، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه ليس له أن يغير ما دبر، قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: هو وصيته، وبه قال الشعبي، والنخعي، وابن شبرمة، والثوري، وقد ثبت أن رسول الله وَ الر باع مدبراً، وأن عائشة باعت مدبرة، وإذا قال لعبده: أنت حرّ بعد موتي، فله الرجوع عند مالك في ذلك. وإن قال: فلان مدبر بعد موتي لم يكن له الرجوع فيه، وإن أراد التدبير بقوله الأول لم يرجع أيضاً عند أكثر أصحاب مالك. وأما الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، فكل هذا عندهم وصية. واختلفوا في الرجوع في التدبير بماذا يكون؟. فقال أبو ثور: إذا قال: رجعت في مدبري بطل التدبير، وقال الشافعي: لا يكون إلَّ ببيع أو هبة، وليس قوله رجعت رجوعاً. ومن قال: عبدي حر بعد موتي، ولم يرد الوصية ولا التدبير، فقال ابن القاسم: هو وصية؟ وقال أشهب: هو مدبر. وكيفية الوصية التي كان السلف الصالح يكتبونها: هذا ما أوصى فلان بن فلان، أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. ﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾(١) وأوصى من ترك، من أهله بتقوى الله تبارك وتعالى حق تقاته، وأن يصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، ويوصوهم بما أوصى به ﴿إِبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾(٢) رواه الدارقطني، عن أنس بن مالك. وبني كتب للمفعول وحذف الفاعل للعلم به، وللاختصار، إذ معلوم أنه الله تعالى، ومرفوعُ: كتب الظاهر أنه الوصية، ولم يلحق علامة التأنيث للفعل للفصل، لا سيما هنا، إذا طال بالمجرور والشرطين، ولكونه مؤنثاً غير حقيقي، وبمعنى الإيصاء. وجواب الشرطين محذوف لدلالة المعنى عليه، ولا يجوز أن يكون من معنى: كتب، لمضي كتب واستقبال الشرطين. ولكن يكون المعنى: كتب الوصية على أحدكم إذا حضر الموت إن ترك خيراً فليوص. ودل على هذا الجواب سياق الكلام. والمعنى: ويكون الجواب محذوفاً جاء فعل الشرط بصيغة الماضي، والتحقيق أن كل شرط يقتضي جواباً فيكون ذلك المقدر جواباً للشرط الأول، (١) سورة الحج: ٧/٢٢. (٢) سورة البقرة: ١٣٢/٢.